هلال بن عبد الله بن عمر
03-05-2008, 22:46
أبو الفضل ابن النحوي المـــــالكي
د.محمد بن معمر([1])
منقـــول بتصرف
من هو ابن النحوي؟
عاش أبو الفضل يوسف بن محمد بن يوسف المعروف بابن النحوي بين سنتي 433 ـ 513هـ/ 1041 ـ 1119م، أي ثمانين سنة هجرية (ثمانية وسبعين سنة ميلادية). وهو من مواليد مدينة تورز بالجنوب التونسي، ثم استوطن مدينة القلعة عاصمة الحماديين الأولى فنسب إليها، وعُدّ من أهلها([2]). وأتيحت له الفرصة خلال هذا العمر الطويل ليصيب من العلم أوفر نصيب سمح به زمانه. واستهل ذلك في مسقط رأسه على يد أبي زكرياء الشقراطيسي نسبة إلى قلعة شقراطس القريبة من قفصة (ت 466 هـ)، ثم رحل إلى القيروان فتتلمذ لأبي الحسن علي بن محمد الربعي المعروف باللخمي (ت 478هـ). وقد سأله عن سبب مجيئه إلى القيروان فقال لـه ابن النحوي: جئت لأنسخ كتابك المسمى التبصرة، فأجابه الشيخ قائلاً: إنما تريد أن تحملني في كفك إلى المغرب([3]). وهي إشارة إلى أن علمه كله في هذا الكتاب الذي هو عبارة عن تعليق كبير على المدونة، وقد حكم عليه القاضي عياض بأنه مفيد حسن([4]).
ثم انتقل إلى قلعة بني حماد بلدته الثانية التي آثرها على بقية مدن المغرب واستقر بها، فاشتهر بنسبته إليها. وفيها تتلمذ لأستاذين بارزين، هما أبو القاسم عبد الجليل الربعي المعروف بالديباجي، وأبو عبد الله بن الفرج المازري المعروف بالذكي([5]).
وبعدما انتهى من حياة الدرس والتحصيل العلمي والتكوين الثقافي، صار من العلماء البارزين المشهود لهم بالباع الطويل والكعب العالي في علوم عصره، هذا ما نص عليه مترجموه كابن الأبار الذي قال عنه: "إنه كان عارفاً بأصول الدين والفقه يميل إلى النظر والاجتهاد ولا يرى التقليد"([6]). وقال عنه آخر: "وكان متقدماً في المعرفة بعلم الكلام وأصول الفقه، من أهل الفضل وعلى هدى السلف الصالح، ذا حظ من الأدب وقرض الشعر"([7]). وعدّه النقاوسي من أئمة الإسلام وأعلام الدين([8])، وذهب القاضي ابن حماد إلى حد تشبيهه بالإمام الغزالي حين قال: "كان أبو الفضل ببلدنا (يقصد المغرب الأوسط) كالغزالي في العراق علماً وعملاً"([9]).
وفي القلعة حيث طالت إقامته مارس نشاطاً علمياً متميزاً، ساهم من خلاله في بناء مركزها الثقافي وهو ما يستنتج من أسماء الطلبة الذين درسوا عليه وأخذوا عنه بها، كابن البذوخ الطبيب القلعي وابن الرمامة وغيرها. وقد استهوته القلعة لأنها كانت حاضرة علم ودار ملك بني حماد وقاعدة دولتهم.
الرّحلة إلى سجلماسة وفاس بالمغرب الأقصى
في حدود سنة 493 هـ غادر ابن النحوي قلعة بني حماد وهو ابن ستين سنة، متوجهاً إلى سجلماسة بالمغرب الأقصى في ظروف غير واضحة ولأسباب مجهولة، يستبعد أن تكون سياسية لأن الأحداث التي تعرض لها في المغرب الأقصى تبين اهتمامه بالعلم وأهله أكثر من أي نشاط آخر. ولكن إقامته بسجلماسة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما اصطدم بأهلها.
ومما أنكره عليه أهل المدينة نزوله في دار قريبة من الحمام بعيدة عن المسجد، فأجابهم بأنه يريد كثرة الأجر([10]). وأما ما أنكره هو عليهم، فإنه دخل مسجد ابن عبد الله بالمدينة وأراد أن يصلي في موضع منه، فقيل له: هذا موضع أبي فلان، فحاد إلى موضع آخر، فقيل له كذلك، فقال منكراً عليهم: ما ظننت أن مثل هذا يكون في بيوت الله تعالى([11]).
ولما شرع في تدريس أصول الدين وأصول الفقه بالمسجد المذكور، مرّ عليه أحد رؤساء المدينة وهو عبد الله بن بسام، فسأل باستخفاف عما يقرئه أبو الفضل، فقيل له: أصول الدين وأصول الفقه. فقال: أرى هذا يريد أن يدخل علينا علوماً لا نعرفها، وأمر بإخراجه من المسجد. وقام أبو الفضل من مكانه ثم قال له: أمتَّ العلم أماتكَ الله ههنا([12]).
يتبين من هذه الحادثة أن ابن النحوي أراد أن يمارس نفس النشاط العلمي الذي كان يقوم به في القلعة، القائم على تدريس مادة الأصول وعلم الكلام. ولكنه اصطدم بتقاليد صارمة تعارف عليها أهل سجلماسة، والتي تحدد بموجبها تدريس مواد بعينها وعلى رأسه الفروع الفقهية، وتحريم أخرى ومنعها وفي مقدمتها تلك التي جاء بها ابن النحوي. ولم يكن أهل سجلماسة وحدهم الذين ألزموا أنفسهم بذلك، بل إن موقفهم هذا يدخل ضمن السياسة العامة التي فرضها الفقهاء الرسميون في دولة المرابطين، تلك السياسة التي فرضوا بموجبها نمطاً ثقافياً وفكرياً محدداً على الناس، و"مارسوا رقابة تحدد ما هو جائز فينشر، وما هو ممنوع فيهجن ويبعد"([13]).
لم يتصلب ابن النحوي في موقفه حين أمره رئيس المدينة بالخروج، إذ امتثل للأمر مكتفياً بالدعاء عليه، وهنا يسجل لنا ابن الزيات الذي ترجم لابن النحوي بصفته أحد رجال التصوف، أن الله استجاب دعوته حين مرت جماعة من قبيلة ملوانة الصنهاجية في اليوم التالي لطرده، وقتلت ابن بسام بالرماح في نفس المكان الذي دعا عليه فيه([14]).
اضطر ابن النحوي إلى ترك سجلماسة التي لم توفر له الجو المناسب لتبليغ رسالته العلمية، فلجأ بعد ذلك إلى حاضرة أخرى من حواضر المغرب الأقصى وهي مدينة فاس التي حل بها سنة 494 هـ([15]). وقد استقر بها مدة ارتبط خلالها بالوسط الصوفي، وزاول التدريس فلزمه الطلبة وأخذوا عنه وأعجبوا به. منهم أبو عمران موسى بن حماد الصنهاجي قاضي الجماعة بمراكش، والصوفي الشهير علي بن حرزهم الذي أخذ عنه في صباه، وعيسى بن يوسف من بيت بني الملجوم، وغيرهم من طلبة وشيوخ فاس. ويبدو أن ابن النحوي قد افتتن بجمال هذه المدينة التي أخذت بلبه فحلاها بالأبيات التالية:
يا فاس منك جميع الحسن مسترق
وساكنوك أهنيهم بما رزقوا
هذا نسيمك أم روح لراحتنا
وماؤك السلسل الصافي أم الورق
أرض تخللها الأنهار داخلها
حتى المجالس والأسواق والطرق([16])
ولكن هذا الاستقرار الذي أحس به في هذه المدينة لم يخل من متاعب كالتي تعرض لها في سجلماسة وهو ما سيشار إليه في حينه.
الانتصار لأبي حامد الغزالي
وفي أثناء وجوده بمدينة فاس صدر الأمر من السلطة المرابطية إلى أهلها بالتحريج (التضييق) على كتاب الإحياء لأبي حامد الغزالي، وأن يحلف الناس بالإيمان المغلظة أن الإحياء ليس عندهم([17]). ولم تكن مدينة فاس وحدها التي شملها هذا القرار، بل إن الأمر يتعلق بقضية سياسية عامة تبنتها الدولة المرابطية بهدف محاصرة الاتجاه الصوفي بالغرب الإسلامي والتضييق عليه، وفرض نمط ثقافي وفكري محدد على الناس.
لقد أثار كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي بعد وصوله إلى الأندلس والمغرب مناقشات متعددة في الأوساط الثقافية، لما تضمنه من إشكالات وطروحات جديدة. فقامت جماعة من الفقهاء الأندلسيين يتزعمهم قاضي الجماعة بقرطبة أبو عبد الله محمد بن علي بن حمدين التغلبي (439 ـ 508هـ)([18]) بإصدار فتوى تقضي بمنع الإحياء من التداول بين الناس وملاحقة ومطاردة من وجد عنده. وسرعان ما أعقب هذه الفتوى التي تبنتها السلطة المرابطية إجراء سياسي خطير أقدم عليه الأمير المرابطي علي بن يوسف بإيعاز من هؤلاء الفقهاء، وهو إحراق كتاب الإحياء في بعض مدن الأندلس والمغرب([19]).
إن عملية إحراق كتاب الإحياء التي تلت فتوى منعه، قد تحكمت فيها عوامل سياسية وفكرية. فعلى المستوى السياسي نجد فقهاء الأندلس تبنوا خيار المواجهة للتيار الصوفي، حرصاً منهم على تكريس هيمنة المذهب المالكي من أجل الحفاظ على وحدة بلادهم المذهبية، وأن "السلطة المرابطية كانت تراهن على تقوية جبهة التحالف القائم بينها وبين هؤلاء الفقهاء باعتبارهم السند القوي لسياستها"([20]).
وأما على المستوى الفكري، فإنه لاشك أن الفقهاء المرابطين قد نظروا في الإحياء فوجدوه مملوءاً بما لا عهد لهم به من آراء المتكلمين ومذاهب الصوفية. هذا فضلاً عن تحامل الكتاب بشكل لاذع على علماء الفروع واتهامهم بالجنون ووصفهم بالجهل والعقم والسطحية، ورميهم بالسخف في الجدل، مما دفعهم إلى محاربة علم الأصول الذي نوه الإمام الغزالي بأهميته وعظيم قدره. كما يجب أن نضع في الحسبان لتفسير هذه الظاهرة، الحسد والغيرة الناشئين أساساً من عدم قدرة هؤلاء الفقهاء على بلوغ الكعب العالي الذي وصله الغزالي في كتابه الذي اتصف بالسمو والعمق والمستوى الراقي.
لقد انقسم خصوم الغزالي في الغرب الإسلامي إلى طائفتين: فأما الأولى فهي التي تزعمت فتنة الإحراق وكان على رأسها الأندلسيان ابن حمدي قاضي الجماعة بقرطبة ومالك بن وهيب (ت 525 هـ) وزير علي بن يوسف وقاضي الجماعة بمراكش. وأما الطائفة الثانية فقد اكتفت بالرد على الغزالي رداً علمياً دون أن تتورط فيما ذهبت إليه الطائفة الأولى. ومن هؤلاء أبو بكر محمد بن الوليد المعروف بالطرطوشي (451 ـ 520هـ)([21])، الذي وضع كتاباً كبيراً عارض به كتاب الإحياء، قال عنه الضبي، إنه رأى منه قطعة يسيرة([22]). والفقيه المالكي الذائع الصيت أبو بكر بن العربي الذي رد عليه في كتابه سراج المريدين([23]). ومعاصره الفقيه المالكي المشهور الإمام أبو عبد الله محمد بن علي المعروف بالمازري (ت 536 هـ)([24])، الذي ألف كتاباً في الرد على الغزالي سماه "كتاب الكشف والإنباء عن المترجم بالإحياء"([25]).
وإلى جانب هؤلاء الخصوم وهم كثر، فإن الإمام الغزالي لم يعدم وجود علماء بالمغرب الإسلامي أعجبوا به وانتصروا لـه ولكتابه، وفي مقدمة هؤلاء([26]) صاحب هذه الترجمة أبو الفضل ابن النحوي الذي كان أكثرهم جرأة في التعبير عن موقف الرفض والاستنكار الذي عم صوفية العدوتين، وتبنيه مبدأ الدفاع عن حجة الإسلام وعن كتابه. فقد أفتى بعدم لزوم إيمان من أنكر حيازته لكتاب الإحياء([27]). وتجاوز ذلك إلى كتابة رسالة إلى أمير المسلمين، يعرّفه بالشيخ الغزالي وبعلو مقامه، وأن يحسن الظن به لئلا يهلك، وصرح في الفقهاء الذين أفتوا بحرق الكتاب وحمل عليهم. ومما يؤسف له أن هذه الرسالة التي أشار إليها الصومعي([28]) لا نعرف عن مضمونها شيئاً لأنه لم يرد ذكرها في أي من مصادر ترجمته.
لم يكتف ابن النحوي بإصدار فتوى عدم لزوم أيمان من أنكر حيازته الإحياء، ولا بالرسالة التي بعثها إلى الأمير المرابطي، بل أصدر فتوى أخرى دافع فيها عن الغزالي ورد على خصومه. وهي الفتوى التي تجاهلها مترجموه أيضاً وأهملوا ذكرها في مصادرهم، ولكنها لحسن الحظ توجد مخطوطة في الخزانة العامة بالرباط. وقد جاءت الفتوى في صورة جواب من أبي الفضل إلى فقهاء تلمسان حين سألوا عن كتاب الإحياء، وفيما يلي نصها:
"جمع الله قلوبكم على التقوى حتى تقوى، ورفع مثواكم عن الدنيا التي هي أدنى، إلى الأخرى التي هي أحرى، وعقد ألوية مساعيكم بالقيام في دينه، وجعل أوعية قلوبكم مجلوة بيقينه، وصهر ألسنتكم التي تلهجون بها من سيوفه الماضية، وأمكنتكم التي تحتلونها من حصونه المانعة الواقية، حتى لا تركنوا لمخايل الباطل العارضة في جهام الجهل على ظلام الظلم. وما جرى به القضاء في كتاب إحياء علوم الدين فقد سبق به العلم في أول التكوين. ونسأل الله تعالى تدارك العصاة الخاطئين بتوبة تحيي منهم ما أماتته الذنوب. وترد إليه عازب الرأي حتى تقر بصوابه القلوب. ولهذا الأمر ما بعده، والله لا يخلف وعده. والقوم قد زلت بهم القدم، وسيحيط بهم الندم، وحزب الله هم الغالبون وحزب الشيطان هم الخاسرون.
فيا إخواني الذين رأيت بعين الخيرة جميل نياتهم وكريم طوياتهم، كونوا قداة الخلق، وأحيوا عادة الحق، واضربوا بصارمه وجه مراغمه. وقد بلغني ثبوتكم على دينكم، ومضاؤكم على يقينكم، وتلك "شنشنة أعرفها من أخزم"، ومنقبة من الزمان الأقدم. والله يثبت على الحق أقدامكم، وينهض على عدوكم إقدامكم. ومتى استوت العامة في عماها ولم تزعها الخاصة بهداها انتشرت ظلم الباطل وغياباته في آفاق البلاد، وتعدت خدع الشيطان وغواياته إلى أوهام العباد، فحتم على المستضاء به أن يطلع على جهاتها ما يجلي لها الغاشي.
ولقد حضرتني من النصرة، ولزمتني بالغيبة والحضرة، ما نحوت إليه حامداً، واستوليت عليه صاعداً. وأبو حامد الغزالي على الجملة والتفصيل، صاحب نقطة التحصيل ونكتة التوصيل. محمود المقال والفعال، ممدوح الجواب والسؤال. معروف المقدار في سائر الأقطار. قد أخذت تصانيفه بنواصي العباد، ووطنت دواوينه صياصي البلاد، فتتابع التسليم لها، وتعاضد الإقرار بها. فبأي مبالاة تقع بمثاله العوام، وثفاية الهوام، الذين لم يصبحوا فريقه، ولم يسلكوا طريقه، ولم يتنقبوا في بلاده، ولا قاربوه في مراده ومراده، ولا قاموا إليه بسلطان، ولا نهضوا نحوه ببرهان. وقد وقعت على أحوالهم الهاجمة، فما رأيت بهجة تروق، ولا سمعت لهجة تفوق. وإنما انتحاء وانتحال، ومجال في محال. ومسألة واحدة من مسائلهم لم يحددوا إليها دليلاً، ولم يأخذوا نحوها سبيلا، ولم يأتوا إليها من بابها، ولا نطوا بها سبباً من أسبابها. بل لا تسمع إلا تشنيعاً مهولاً، وتبشيعاً مصولاً، وأنفاساً مختلفة، وأقوالاً متكلفة لا يخفى تلفيقها من جهات، ولا تأليفها عن ترديدات. لا فارس مشيح يرفع رأيه، ولا ممارس مليح يظهر آيه. فليت شعري بماذا يهنون، وإلى ماذا يهتدون، وأفهامهم قاصرة، وأذهانهم حاصرة. نسأل الله رجعيتهم وتوبة عليه، وفتحاً مبيناً فيهم ونصراً عزيزاً عليهم"([29]).
وفي الجواب مواساة لفقهاء تلمسان الذين تظهر الفتوى صلتهم بالتصوف، وطمأنتهم بصواب أبي حامد الغزالي وفضله، والتأكيد على خطأ خصومه وقصورهم في فهم مقاصد الكتاب وعجزهم عن إقامة الحجة. والظاهر أن الرسالة التي وجهها هؤلاء الفقهاء إلى بعض الأطراف في المشرق والمغرب، لم يكن الهدف منها معرفياً، بل كان استنكاراً لما حل بكتاب الإحياء في بعض بلاد المغرب والأندلس.
ولم يكن دفاع ابن النحوي عن الغزالي ناجماً عن حب وإعجاب شديدين فحسب، بل كان ينم على علاقة روحية بينهما، تظهر من خلال هذه الأبيات التي نظمها الأول في حق الثاني:
أبو حامد أحيا من الدين علمه
وجدد منه ما تقادم من عهد
ووفقه الرحمن فيما أتى به
وألهمه فيما أراد إلى الرشد
ففصلها تفصيلاً ثم أتى بها
فجاءت كأمثال النجوم التي تهدي
أما كتاب الإحياء الذي انتسخه في ثلاثين جزءاً، فإنه كان إذا دخل شهر رمضان قرأ منه في كل يوم جزءاً، وكان يقول: وددت أني لم أنظر في عمري سواها (يقصد أسفار الإحياء)([30]).
العودة إلى قلعة بني حماد
إن أقامة ابن النحوي في مدينة فاس التي استطاب العيش فيها، لم تخل من المتاعب على غرار ما تعرض لـه في سجلماسة. فإلى جانب دفاعه عن الإمام الغزالي وانتصاره لقضيته، وإظهاره لميوله الصوفية، أقدم على تدريس العلوم التي حظرها الفقهاء المرابطون وهي الأصول وعلم الكلام والدعوة إلى الاجتهاد. فكان من الطبيعي أن يقع الصدام بينه وبين فقهاء المدينة، "فجرى له مع أهل فاس مثلما جرى له مع أهل سجلماسة ولقي من ابن دبوس مثلما لقي من ابن بسام"([31]).
لقد اكتفى صاحب التشوف بهذه المقارنة الموجزة وأعرض عن ذكر تفاصيل الأحداث التي جرت لابن النحوي مع أهل فاس. وتبعه في ذلك ابن القاضي حين قال: "وكان نزوله بفاس بعقبة ابن دبوس، وكان عارفاً بأصول الدين والفقه، ولقي من أهل فاس أموراً يطول ذكرها"([32]). واضح من هذين النصين الموجزين أن ابن النحوي قد تعرض لمضايقات عديدة من قبل أهل فاس وفقهائها الذين جرت لهم معه مواجهات ثقافية ومعارك فكرية، لا سيما أن المدينة كانت واقعة آنذاك تحت نفوذ تيار الفقهاء المتحفظ الرافض لتلك العلوم التي أقبل على تدريسها ابن النحوي.
يبدو أن فقهاء فاس قد ضاقوا بابن النحوي ذرعاً، فاستبدلوا أسلوب المواجهة الفكرية بالتهديد والوعيد حين أغار عليه أحدهم وهو ابن دبوس قاضي المدينة([33]). وحين أحس ابن النحوي أن الأمور أصبحت تسير في غير ما يروم بمدينة فاس، وأن حياته أصبحت محفوفة بالمخاطر، قرر الرحيل متوجهاً إلى القلعة الحمادية. ومهما كانت المشاكل والمضايقات التي اعترضت سبيل ابن النحوي، فإن إقامة علامة المغرب الأوسط بسجلماسة وفاس، لم تمر دون أن تترك آثاراً طيبة في المغرب الأقصى. فقد عقد العديد من المجالس العلمية وأخذ عنه الكثير من الطلبة والشيوخ، وقدر له أن يخوض معركة الدفاع عن الإمام الغزالي والانتصار لقضيته في مدينة فاس. ولم يعدم وجود المعجبين به هناك في الأوساط الصوفية والثقافية رغم الحملة الشنيعة التي شنها ضده الفقهاء الرسميون.
وحين عاد إلى القلعة باشر مهمة التدريس بكل حرية كما كان يفعل فيها من قبل، ولقي قدراً واحتراماً لا من أهلها فحسب، بل من أولي الأمر فيها أيضاً. وهنا تجدر الإشارة إلى ما كانت تنعم به مدن المغرب الأوسط من حرية ثقافية في ظل بني حماد، على خلاف حواضر المغرب الأقصى التي كانت حياتها الثقافية خاضعة لتأثيرات وتوجيهات الفقهاء وتقنياتهم بتحالف مع السلطة السياسية الواقعة تحت نفوذهم. وفيما تعرض له ابن النحوي في سجلماسة وفاس، وما لقيه في القلعة ما يكفي للتدليل على هذه المقارنة.
د.محمد بن معمر([1])
منقـــول بتصرف
من هو ابن النحوي؟
عاش أبو الفضل يوسف بن محمد بن يوسف المعروف بابن النحوي بين سنتي 433 ـ 513هـ/ 1041 ـ 1119م، أي ثمانين سنة هجرية (ثمانية وسبعين سنة ميلادية). وهو من مواليد مدينة تورز بالجنوب التونسي، ثم استوطن مدينة القلعة عاصمة الحماديين الأولى فنسب إليها، وعُدّ من أهلها([2]). وأتيحت له الفرصة خلال هذا العمر الطويل ليصيب من العلم أوفر نصيب سمح به زمانه. واستهل ذلك في مسقط رأسه على يد أبي زكرياء الشقراطيسي نسبة إلى قلعة شقراطس القريبة من قفصة (ت 466 هـ)، ثم رحل إلى القيروان فتتلمذ لأبي الحسن علي بن محمد الربعي المعروف باللخمي (ت 478هـ). وقد سأله عن سبب مجيئه إلى القيروان فقال لـه ابن النحوي: جئت لأنسخ كتابك المسمى التبصرة، فأجابه الشيخ قائلاً: إنما تريد أن تحملني في كفك إلى المغرب([3]). وهي إشارة إلى أن علمه كله في هذا الكتاب الذي هو عبارة عن تعليق كبير على المدونة، وقد حكم عليه القاضي عياض بأنه مفيد حسن([4]).
ثم انتقل إلى قلعة بني حماد بلدته الثانية التي آثرها على بقية مدن المغرب واستقر بها، فاشتهر بنسبته إليها. وفيها تتلمذ لأستاذين بارزين، هما أبو القاسم عبد الجليل الربعي المعروف بالديباجي، وأبو عبد الله بن الفرج المازري المعروف بالذكي([5]).
وبعدما انتهى من حياة الدرس والتحصيل العلمي والتكوين الثقافي، صار من العلماء البارزين المشهود لهم بالباع الطويل والكعب العالي في علوم عصره، هذا ما نص عليه مترجموه كابن الأبار الذي قال عنه: "إنه كان عارفاً بأصول الدين والفقه يميل إلى النظر والاجتهاد ولا يرى التقليد"([6]). وقال عنه آخر: "وكان متقدماً في المعرفة بعلم الكلام وأصول الفقه، من أهل الفضل وعلى هدى السلف الصالح، ذا حظ من الأدب وقرض الشعر"([7]). وعدّه النقاوسي من أئمة الإسلام وأعلام الدين([8])، وذهب القاضي ابن حماد إلى حد تشبيهه بالإمام الغزالي حين قال: "كان أبو الفضل ببلدنا (يقصد المغرب الأوسط) كالغزالي في العراق علماً وعملاً"([9]).
وفي القلعة حيث طالت إقامته مارس نشاطاً علمياً متميزاً، ساهم من خلاله في بناء مركزها الثقافي وهو ما يستنتج من أسماء الطلبة الذين درسوا عليه وأخذوا عنه بها، كابن البذوخ الطبيب القلعي وابن الرمامة وغيرها. وقد استهوته القلعة لأنها كانت حاضرة علم ودار ملك بني حماد وقاعدة دولتهم.
الرّحلة إلى سجلماسة وفاس بالمغرب الأقصى
في حدود سنة 493 هـ غادر ابن النحوي قلعة بني حماد وهو ابن ستين سنة، متوجهاً إلى سجلماسة بالمغرب الأقصى في ظروف غير واضحة ولأسباب مجهولة، يستبعد أن تكون سياسية لأن الأحداث التي تعرض لها في المغرب الأقصى تبين اهتمامه بالعلم وأهله أكثر من أي نشاط آخر. ولكن إقامته بسجلماسة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما اصطدم بأهلها.
ومما أنكره عليه أهل المدينة نزوله في دار قريبة من الحمام بعيدة عن المسجد، فأجابهم بأنه يريد كثرة الأجر([10]). وأما ما أنكره هو عليهم، فإنه دخل مسجد ابن عبد الله بالمدينة وأراد أن يصلي في موضع منه، فقيل له: هذا موضع أبي فلان، فحاد إلى موضع آخر، فقيل له كذلك، فقال منكراً عليهم: ما ظننت أن مثل هذا يكون في بيوت الله تعالى([11]).
ولما شرع في تدريس أصول الدين وأصول الفقه بالمسجد المذكور، مرّ عليه أحد رؤساء المدينة وهو عبد الله بن بسام، فسأل باستخفاف عما يقرئه أبو الفضل، فقيل له: أصول الدين وأصول الفقه. فقال: أرى هذا يريد أن يدخل علينا علوماً لا نعرفها، وأمر بإخراجه من المسجد. وقام أبو الفضل من مكانه ثم قال له: أمتَّ العلم أماتكَ الله ههنا([12]).
يتبين من هذه الحادثة أن ابن النحوي أراد أن يمارس نفس النشاط العلمي الذي كان يقوم به في القلعة، القائم على تدريس مادة الأصول وعلم الكلام. ولكنه اصطدم بتقاليد صارمة تعارف عليها أهل سجلماسة، والتي تحدد بموجبها تدريس مواد بعينها وعلى رأسه الفروع الفقهية، وتحريم أخرى ومنعها وفي مقدمتها تلك التي جاء بها ابن النحوي. ولم يكن أهل سجلماسة وحدهم الذين ألزموا أنفسهم بذلك، بل إن موقفهم هذا يدخل ضمن السياسة العامة التي فرضها الفقهاء الرسميون في دولة المرابطين، تلك السياسة التي فرضوا بموجبها نمطاً ثقافياً وفكرياً محدداً على الناس، و"مارسوا رقابة تحدد ما هو جائز فينشر، وما هو ممنوع فيهجن ويبعد"([13]).
لم يتصلب ابن النحوي في موقفه حين أمره رئيس المدينة بالخروج، إذ امتثل للأمر مكتفياً بالدعاء عليه، وهنا يسجل لنا ابن الزيات الذي ترجم لابن النحوي بصفته أحد رجال التصوف، أن الله استجاب دعوته حين مرت جماعة من قبيلة ملوانة الصنهاجية في اليوم التالي لطرده، وقتلت ابن بسام بالرماح في نفس المكان الذي دعا عليه فيه([14]).
اضطر ابن النحوي إلى ترك سجلماسة التي لم توفر له الجو المناسب لتبليغ رسالته العلمية، فلجأ بعد ذلك إلى حاضرة أخرى من حواضر المغرب الأقصى وهي مدينة فاس التي حل بها سنة 494 هـ([15]). وقد استقر بها مدة ارتبط خلالها بالوسط الصوفي، وزاول التدريس فلزمه الطلبة وأخذوا عنه وأعجبوا به. منهم أبو عمران موسى بن حماد الصنهاجي قاضي الجماعة بمراكش، والصوفي الشهير علي بن حرزهم الذي أخذ عنه في صباه، وعيسى بن يوسف من بيت بني الملجوم، وغيرهم من طلبة وشيوخ فاس. ويبدو أن ابن النحوي قد افتتن بجمال هذه المدينة التي أخذت بلبه فحلاها بالأبيات التالية:
يا فاس منك جميع الحسن مسترق
وساكنوك أهنيهم بما رزقوا
هذا نسيمك أم روح لراحتنا
وماؤك السلسل الصافي أم الورق
أرض تخللها الأنهار داخلها
حتى المجالس والأسواق والطرق([16])
ولكن هذا الاستقرار الذي أحس به في هذه المدينة لم يخل من متاعب كالتي تعرض لها في سجلماسة وهو ما سيشار إليه في حينه.
الانتصار لأبي حامد الغزالي
وفي أثناء وجوده بمدينة فاس صدر الأمر من السلطة المرابطية إلى أهلها بالتحريج (التضييق) على كتاب الإحياء لأبي حامد الغزالي، وأن يحلف الناس بالإيمان المغلظة أن الإحياء ليس عندهم([17]). ولم تكن مدينة فاس وحدها التي شملها هذا القرار، بل إن الأمر يتعلق بقضية سياسية عامة تبنتها الدولة المرابطية بهدف محاصرة الاتجاه الصوفي بالغرب الإسلامي والتضييق عليه، وفرض نمط ثقافي وفكري محدد على الناس.
لقد أثار كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي بعد وصوله إلى الأندلس والمغرب مناقشات متعددة في الأوساط الثقافية، لما تضمنه من إشكالات وطروحات جديدة. فقامت جماعة من الفقهاء الأندلسيين يتزعمهم قاضي الجماعة بقرطبة أبو عبد الله محمد بن علي بن حمدين التغلبي (439 ـ 508هـ)([18]) بإصدار فتوى تقضي بمنع الإحياء من التداول بين الناس وملاحقة ومطاردة من وجد عنده. وسرعان ما أعقب هذه الفتوى التي تبنتها السلطة المرابطية إجراء سياسي خطير أقدم عليه الأمير المرابطي علي بن يوسف بإيعاز من هؤلاء الفقهاء، وهو إحراق كتاب الإحياء في بعض مدن الأندلس والمغرب([19]).
إن عملية إحراق كتاب الإحياء التي تلت فتوى منعه، قد تحكمت فيها عوامل سياسية وفكرية. فعلى المستوى السياسي نجد فقهاء الأندلس تبنوا خيار المواجهة للتيار الصوفي، حرصاً منهم على تكريس هيمنة المذهب المالكي من أجل الحفاظ على وحدة بلادهم المذهبية، وأن "السلطة المرابطية كانت تراهن على تقوية جبهة التحالف القائم بينها وبين هؤلاء الفقهاء باعتبارهم السند القوي لسياستها"([20]).
وأما على المستوى الفكري، فإنه لاشك أن الفقهاء المرابطين قد نظروا في الإحياء فوجدوه مملوءاً بما لا عهد لهم به من آراء المتكلمين ومذاهب الصوفية. هذا فضلاً عن تحامل الكتاب بشكل لاذع على علماء الفروع واتهامهم بالجنون ووصفهم بالجهل والعقم والسطحية، ورميهم بالسخف في الجدل، مما دفعهم إلى محاربة علم الأصول الذي نوه الإمام الغزالي بأهميته وعظيم قدره. كما يجب أن نضع في الحسبان لتفسير هذه الظاهرة، الحسد والغيرة الناشئين أساساً من عدم قدرة هؤلاء الفقهاء على بلوغ الكعب العالي الذي وصله الغزالي في كتابه الذي اتصف بالسمو والعمق والمستوى الراقي.
لقد انقسم خصوم الغزالي في الغرب الإسلامي إلى طائفتين: فأما الأولى فهي التي تزعمت فتنة الإحراق وكان على رأسها الأندلسيان ابن حمدي قاضي الجماعة بقرطبة ومالك بن وهيب (ت 525 هـ) وزير علي بن يوسف وقاضي الجماعة بمراكش. وأما الطائفة الثانية فقد اكتفت بالرد على الغزالي رداً علمياً دون أن تتورط فيما ذهبت إليه الطائفة الأولى. ومن هؤلاء أبو بكر محمد بن الوليد المعروف بالطرطوشي (451 ـ 520هـ)([21])، الذي وضع كتاباً كبيراً عارض به كتاب الإحياء، قال عنه الضبي، إنه رأى منه قطعة يسيرة([22]). والفقيه المالكي الذائع الصيت أبو بكر بن العربي الذي رد عليه في كتابه سراج المريدين([23]). ومعاصره الفقيه المالكي المشهور الإمام أبو عبد الله محمد بن علي المعروف بالمازري (ت 536 هـ)([24])، الذي ألف كتاباً في الرد على الغزالي سماه "كتاب الكشف والإنباء عن المترجم بالإحياء"([25]).
وإلى جانب هؤلاء الخصوم وهم كثر، فإن الإمام الغزالي لم يعدم وجود علماء بالمغرب الإسلامي أعجبوا به وانتصروا لـه ولكتابه، وفي مقدمة هؤلاء([26]) صاحب هذه الترجمة أبو الفضل ابن النحوي الذي كان أكثرهم جرأة في التعبير عن موقف الرفض والاستنكار الذي عم صوفية العدوتين، وتبنيه مبدأ الدفاع عن حجة الإسلام وعن كتابه. فقد أفتى بعدم لزوم إيمان من أنكر حيازته لكتاب الإحياء([27]). وتجاوز ذلك إلى كتابة رسالة إلى أمير المسلمين، يعرّفه بالشيخ الغزالي وبعلو مقامه، وأن يحسن الظن به لئلا يهلك، وصرح في الفقهاء الذين أفتوا بحرق الكتاب وحمل عليهم. ومما يؤسف له أن هذه الرسالة التي أشار إليها الصومعي([28]) لا نعرف عن مضمونها شيئاً لأنه لم يرد ذكرها في أي من مصادر ترجمته.
لم يكتف ابن النحوي بإصدار فتوى عدم لزوم أيمان من أنكر حيازته الإحياء، ولا بالرسالة التي بعثها إلى الأمير المرابطي، بل أصدر فتوى أخرى دافع فيها عن الغزالي ورد على خصومه. وهي الفتوى التي تجاهلها مترجموه أيضاً وأهملوا ذكرها في مصادرهم، ولكنها لحسن الحظ توجد مخطوطة في الخزانة العامة بالرباط. وقد جاءت الفتوى في صورة جواب من أبي الفضل إلى فقهاء تلمسان حين سألوا عن كتاب الإحياء، وفيما يلي نصها:
"جمع الله قلوبكم على التقوى حتى تقوى، ورفع مثواكم عن الدنيا التي هي أدنى، إلى الأخرى التي هي أحرى، وعقد ألوية مساعيكم بالقيام في دينه، وجعل أوعية قلوبكم مجلوة بيقينه، وصهر ألسنتكم التي تلهجون بها من سيوفه الماضية، وأمكنتكم التي تحتلونها من حصونه المانعة الواقية، حتى لا تركنوا لمخايل الباطل العارضة في جهام الجهل على ظلام الظلم. وما جرى به القضاء في كتاب إحياء علوم الدين فقد سبق به العلم في أول التكوين. ونسأل الله تعالى تدارك العصاة الخاطئين بتوبة تحيي منهم ما أماتته الذنوب. وترد إليه عازب الرأي حتى تقر بصوابه القلوب. ولهذا الأمر ما بعده، والله لا يخلف وعده. والقوم قد زلت بهم القدم، وسيحيط بهم الندم، وحزب الله هم الغالبون وحزب الشيطان هم الخاسرون.
فيا إخواني الذين رأيت بعين الخيرة جميل نياتهم وكريم طوياتهم، كونوا قداة الخلق، وأحيوا عادة الحق، واضربوا بصارمه وجه مراغمه. وقد بلغني ثبوتكم على دينكم، ومضاؤكم على يقينكم، وتلك "شنشنة أعرفها من أخزم"، ومنقبة من الزمان الأقدم. والله يثبت على الحق أقدامكم، وينهض على عدوكم إقدامكم. ومتى استوت العامة في عماها ولم تزعها الخاصة بهداها انتشرت ظلم الباطل وغياباته في آفاق البلاد، وتعدت خدع الشيطان وغواياته إلى أوهام العباد، فحتم على المستضاء به أن يطلع على جهاتها ما يجلي لها الغاشي.
ولقد حضرتني من النصرة، ولزمتني بالغيبة والحضرة، ما نحوت إليه حامداً، واستوليت عليه صاعداً. وأبو حامد الغزالي على الجملة والتفصيل، صاحب نقطة التحصيل ونكتة التوصيل. محمود المقال والفعال، ممدوح الجواب والسؤال. معروف المقدار في سائر الأقطار. قد أخذت تصانيفه بنواصي العباد، ووطنت دواوينه صياصي البلاد، فتتابع التسليم لها، وتعاضد الإقرار بها. فبأي مبالاة تقع بمثاله العوام، وثفاية الهوام، الذين لم يصبحوا فريقه، ولم يسلكوا طريقه، ولم يتنقبوا في بلاده، ولا قاربوه في مراده ومراده، ولا قاموا إليه بسلطان، ولا نهضوا نحوه ببرهان. وقد وقعت على أحوالهم الهاجمة، فما رأيت بهجة تروق، ولا سمعت لهجة تفوق. وإنما انتحاء وانتحال، ومجال في محال. ومسألة واحدة من مسائلهم لم يحددوا إليها دليلاً، ولم يأخذوا نحوها سبيلا، ولم يأتوا إليها من بابها، ولا نطوا بها سبباً من أسبابها. بل لا تسمع إلا تشنيعاً مهولاً، وتبشيعاً مصولاً، وأنفاساً مختلفة، وأقوالاً متكلفة لا يخفى تلفيقها من جهات، ولا تأليفها عن ترديدات. لا فارس مشيح يرفع رأيه، ولا ممارس مليح يظهر آيه. فليت شعري بماذا يهنون، وإلى ماذا يهتدون، وأفهامهم قاصرة، وأذهانهم حاصرة. نسأل الله رجعيتهم وتوبة عليه، وفتحاً مبيناً فيهم ونصراً عزيزاً عليهم"([29]).
وفي الجواب مواساة لفقهاء تلمسان الذين تظهر الفتوى صلتهم بالتصوف، وطمأنتهم بصواب أبي حامد الغزالي وفضله، والتأكيد على خطأ خصومه وقصورهم في فهم مقاصد الكتاب وعجزهم عن إقامة الحجة. والظاهر أن الرسالة التي وجهها هؤلاء الفقهاء إلى بعض الأطراف في المشرق والمغرب، لم يكن الهدف منها معرفياً، بل كان استنكاراً لما حل بكتاب الإحياء في بعض بلاد المغرب والأندلس.
ولم يكن دفاع ابن النحوي عن الغزالي ناجماً عن حب وإعجاب شديدين فحسب، بل كان ينم على علاقة روحية بينهما، تظهر من خلال هذه الأبيات التي نظمها الأول في حق الثاني:
أبو حامد أحيا من الدين علمه
وجدد منه ما تقادم من عهد
ووفقه الرحمن فيما أتى به
وألهمه فيما أراد إلى الرشد
ففصلها تفصيلاً ثم أتى بها
فجاءت كأمثال النجوم التي تهدي
أما كتاب الإحياء الذي انتسخه في ثلاثين جزءاً، فإنه كان إذا دخل شهر رمضان قرأ منه في كل يوم جزءاً، وكان يقول: وددت أني لم أنظر في عمري سواها (يقصد أسفار الإحياء)([30]).
العودة إلى قلعة بني حماد
إن أقامة ابن النحوي في مدينة فاس التي استطاب العيش فيها، لم تخل من المتاعب على غرار ما تعرض لـه في سجلماسة. فإلى جانب دفاعه عن الإمام الغزالي وانتصاره لقضيته، وإظهاره لميوله الصوفية، أقدم على تدريس العلوم التي حظرها الفقهاء المرابطون وهي الأصول وعلم الكلام والدعوة إلى الاجتهاد. فكان من الطبيعي أن يقع الصدام بينه وبين فقهاء المدينة، "فجرى له مع أهل فاس مثلما جرى له مع أهل سجلماسة ولقي من ابن دبوس مثلما لقي من ابن بسام"([31]).
لقد اكتفى صاحب التشوف بهذه المقارنة الموجزة وأعرض عن ذكر تفاصيل الأحداث التي جرت لابن النحوي مع أهل فاس. وتبعه في ذلك ابن القاضي حين قال: "وكان نزوله بفاس بعقبة ابن دبوس، وكان عارفاً بأصول الدين والفقه، ولقي من أهل فاس أموراً يطول ذكرها"([32]). واضح من هذين النصين الموجزين أن ابن النحوي قد تعرض لمضايقات عديدة من قبل أهل فاس وفقهائها الذين جرت لهم معه مواجهات ثقافية ومعارك فكرية، لا سيما أن المدينة كانت واقعة آنذاك تحت نفوذ تيار الفقهاء المتحفظ الرافض لتلك العلوم التي أقبل على تدريسها ابن النحوي.
يبدو أن فقهاء فاس قد ضاقوا بابن النحوي ذرعاً، فاستبدلوا أسلوب المواجهة الفكرية بالتهديد والوعيد حين أغار عليه أحدهم وهو ابن دبوس قاضي المدينة([33]). وحين أحس ابن النحوي أن الأمور أصبحت تسير في غير ما يروم بمدينة فاس، وأن حياته أصبحت محفوفة بالمخاطر، قرر الرحيل متوجهاً إلى القلعة الحمادية. ومهما كانت المشاكل والمضايقات التي اعترضت سبيل ابن النحوي، فإن إقامة علامة المغرب الأوسط بسجلماسة وفاس، لم تمر دون أن تترك آثاراً طيبة في المغرب الأقصى. فقد عقد العديد من المجالس العلمية وأخذ عنه الكثير من الطلبة والشيوخ، وقدر له أن يخوض معركة الدفاع عن الإمام الغزالي والانتصار لقضيته في مدينة فاس. ولم يعدم وجود المعجبين به هناك في الأوساط الصوفية والثقافية رغم الحملة الشنيعة التي شنها ضده الفقهاء الرسميون.
وحين عاد إلى القلعة باشر مهمة التدريس بكل حرية كما كان يفعل فيها من قبل، ولقي قدراً واحتراماً لا من أهلها فحسب، بل من أولي الأمر فيها أيضاً. وهنا تجدر الإشارة إلى ما كانت تنعم به مدن المغرب الأوسط من حرية ثقافية في ظل بني حماد، على خلاف حواضر المغرب الأقصى التي كانت حياتها الثقافية خاضعة لتأثيرات وتوجيهات الفقهاء وتقنياتهم بتحالف مع السلطة السياسية الواقعة تحت نفوذهم. وفيما تعرض له ابن النحوي في سجلماسة وفاس، وما لقيه في القلعة ما يكفي للتدليل على هذه المقارنة.