المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأويل سورة البقرة



جمال حسني الشرباتي
02-05-2008, 15:04
تفسير سورة البقرة
************************

( القول في تفسير السورة التي يُذْكر فيها البقرة )


القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: الم .
قال أبو جعفر:


اختلفت تراجمة القرآن في تأويل قول الله تعالى ذكره « الم »


فقالَ بعضُهم: هو اسم من أسماء القرآن.
وقال بعضُهم: هو فَواتحُ يفتح الله بها القرآن.


وقال آخرون: هو اسم للسورة.


وقال بعضهم: هو اسم الله الأعظم.
.
وقال بعضهم: هو قسمٌ أقسمَ الله به، وهو من أسمائه.


وقال بعضهم: هو حُرُوف مقطَّعةٌ من أسماء وأفعالٍ, كلُّ حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر.
وقال بعضهم هي حروفُ هجاءٍ موضوعٍ.


وقال بعضهم: هي حروف يشتمل كل حرفٍ منها على معان شتى مختلفة.
.
وقال بعضُهم: هي حُروف من حساب الجُمَّل - كرهنا ذكْر الذي حُكي ذلك عنه, إذْ كان الذي رواه ممن لا يُعتمد على روايته ونقله. .
وقال بعضهم: لكل كتاب سرٌّ, وسرُّ القرآن فواتحه.
*****************************************
قال الطبري رحمه الله"


وأمَّا أهل العربية، فإنهم اختلفوا في معنى ذلك.


فقال بعضهم: هي حروف من حُرُوف المعجم، استُغْنِيَ بذكر ما ذُكر منها في أوائل السور عن ذكر بَواقيها، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا؛ كما استغنى المُخبرُ - عمن أخبرَ عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين حرفًا - بذكر « أ ب ت ث » ، عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين: قال. ولذلك رُفع ذَلِكَ الْكِتَابُ ، لأنّ معنى الكلام: الألف واللام والميم من الحروف المقطعة، ذَلِكَ الْكِتَابُ الذي أنـزلته إليك مجموعًا لا رَيْبَ فِيهِ .
****************************
قال الطبري رحمه الله"


فإن قال قائل: فإن « أ ب ت ث » ، قد صارتْ كالاسم في حروف الهجاء، كما كان « الحمدُ » اسما لفاتحة الكتاب.
قيل له: لما كان جائزًا أن يقول القائل: ابني في « ط ظ » , وكان معلومًا بقيله ذلك لو قاله أنَّه يريد الخبر عن ابنه أنَّه في الحروف المقطَّعة - عُلم بذلك أنّ « أ ب ت ث » ليس لها باسْم, وإن كان ذلك آثَرَ في الذكر من سائرها .


قال: وإنما خُولف بين ذكر حُرُوف المعجم في فواتح السور, فذُكِرت في أوائلها مختلفةً , وذِكْرِها إذا ذُكرت بأوائلها التي هي « أ ب ت ث » ، مؤتلفةً، ليفصل بين الخبر عنها إذا أريد - بذكر ما ذكر منها مختلفًا- الدلالةُ على الكلام المتصل؛ وإذا أريد - بذكر ما ذكر منها مؤتلفًا- الدلالةُ على الحروف المقطعة بأعيانها. واستشهدوا - لإجازة قول القائل: ابني في « ط ظ » وما أشبه ذلك، من الخبر عنه أنه في حرُوف المعجم, وأن ذلك من قيله في البيان يَقوم مقام قوله: ابني في « أ ب ت ث » - برجز بعض الرُّجّاز من بني أسد:
لَمَّــا رَأيْــتُ أمرَهَـا فـي حُـطِّي وفَنَكَـــتْ فــي كَــذِب ولَــطِّ
أَخــذْتُ منهــا بقُــرُونٍ شُــمْطٍ فلــم يَـزَلْ صَـوْبِي بهـا ومَعْطِـي
حَتى علا الرأسَ دَمٌ يُغَطِّي
فزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها في « أبي جاد » , فأقام قوله: « لما رأيت أمرها في حُطِّي » مقامَ خبرِه عنها أنها في « أبي جاد » , إذْ كان ذاك من قوله، يدلّ سامعَه على ما يدلُّه عليه قوله: لما رأيت أمرَها في « أبي جاد » .


********************************
قال الطبري رحمه الله"


وقال آخرون: بل ابتدئت بذلك أوائل السُّور ليفتح لاستماعه أسماعَ المشركين - إذ تواصَوْا بالإعراض عن القرآن- حتى إذا استمعوا له، تُلي عليهم المؤلَّفُ منه.
***************************
قال الطبري رحمه الله"


وقال بعضهم: الحروفُ التي هي فواتح السُّور حروفٌ يستفتحُ الله بها كلامه.
فإن قيل: هل يكون من القرآن ما ليس له معنى؟
قيل : معنى هذا أنه افتتح بها ليُعْلم أن السورة التي قبلها قد انقضت, وأنه قد أخذ في أخرى, فجعل هذا علامةَ انقطاعِ ما بينهما, وذلك في كلام العرب، ينشد الرجل منهم الشعر فيقول:
بل * وبلدةٍ مَا الإنسُ من آهَالِها
ويقول:
لا بَل * مَا هاج أحزانًا وشَجْوًا قد شَجَا
و « بل » ليست من البيت ولا تعد في وزنه, ولكن يقطع بها كلامًا ويستأنفُ الآخر.
قال أبو جعفر: ولكل قول من الأقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك، وجهٌ معروفٌ.
**********************
قال الطبري رحمه الله"


فأما الذين قالوا: « الم » ، اسم من أسماء القرآن, فلقولهم ذلك وجهان:
أحدهما: أن يكونوا أرادوا أن « الم » اسم للقرآن، كما الفُرقان اسم له. وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك, كان تأويل قوله الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ ، على معنى القسم. كأنه قال: والقرآن، هذا الكتابُ لا ريب فيه.
والآخر منهما: أن يكونوا أرادوا أنه اسمٌ من أسماء السورة التي تُعرف به، كما تُعرَف سائر الأشياء بأسمائها التي هي لها أمارات تعرف بها, فيَفهم السامع من القائل يقول:- قرأت اليوم المص و ن - ، أيُّ السُّوَر التي قرأها من سُوَر القرآن ، كما يفهم عنه - إذا قال: لقيتُ اليوم عمرًا وزيدًا, وهما بزيد وعمرو عارفان - مَن الذي لقي من الناس.
وإن أشكل معنى ذلك على امرئ فقال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، وَنظائر « الم الر في القرآن جماعةٌ من السُّور؟ وإنما تكون الأسماء أماراتٍ إذا كانت مميِّزة بين الأشخاص, فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات. »
قيل: إن الأسماء - وإن كانت قد صارت، لاشتراك كثير من الناس في الواحد منها، غيرَ مميِّزة إلا بمعانٍ أخرَ معها من ضَمِّ نسبة المسمَّى بها إليها أو نعته أو صفته، بما يفرِّق بينه وبين غيره من أشكالها - فإنها وُضعت ابتداءً للتمييز لا شَكَّ. ثم احتيج، عند الاشتراك، إلى المعاني المفرِّقة بين المسمَّيْن بها . فكذلك ذلك في أسماء السور. جُعل كلّ اسم - في قول قائل هذه المقالة - أمارةً للمسمى به من السُّور. فلما شارك المسمَّى به فيه غيرَه من سور القرآن، احتاج المخبر عن سورةٍ منها أن يضمّ إلى اسمها المسمَّى به من ذلك، ما يفرِّق به السامع بين الخبر عنها وعن غيرها، من نعتٍ وصفةٍ أو غير ذلك. فيقول المخبر عن نفسه إنه تلا سورة البقرة، إذا سماها باسمها الذي هو « الم » : قرأتُ « الم البقرة » , وفي آل عمران: قرأت « الم آل عمران » , و الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ ، و الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . كما لو أراد الخبر عن رَجلين، اسم كل واحد منهما « عمرو » , غير أنّ أحدهما تميمي والآخر أزديَّ, للزمه أن يقول لمن أراد إخباره عنهما: لقيت عمرًا التميمي وعمرًا الأزديَّ, إذْ كان لا يفرُقُ بينهما وبين غيرهما ممن يُشاركهما في أسمائهما، إلا بنسبتهما كذلك. فكذلك ذلك في قول من تأوَّل في الحروف المقطعة أنها أسماءٌ للسُّور.
***********************************
قال الطبري رحمه الله"


وأما الذين قالوا: ذلك فواتحُ يفتتح الله عز وجل بها كلامه, فإنهم وجهوا ذلك إلى نحو المعنى الذي حكيناه عمَّن حكينا عنهُ من أهل العربية، أنه قال: ذلك أدِلَّةٌ على انقضاء سُورة وابتداءٍ في أخرى، وعلامةٌ لانقطاع ما بينهما, كما جعلت « بل » في ابتداء قصيدةٍ دلالةً على ابتداء فيها، وانقضاءِ أخرى قَبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداءَ في إنشاد قصيدة, قالوا:
بل * ما هاجَ أحْزَانًا وشجوًا قد شَجا
و « بل » ليست من البيت ولا داخلةً في وزنه, ولكن ليَدُلَّ به على قطع كلام وابتداء آخر.


***************************
قال الطبري رحمه الله"
وأما الذين قالوا: ذلك حروف مقطَّعة بعضها من أسماء الله عز وجل, وبعضُها من صفاته, ولكل حرف من ذلك معنى غيرُ معنى الحرف الآخر، فإنهم نَحَوْا بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر:
قُلْنَـا لهـا: قِفِـي لنـا, قـالت: قافْ لا تَحْسَــبي أنَّــا نَسِـينا الإيجـاف
يعني بقوله: « قالت قاف » ، قالت: قد وقفتُ. فدلت بإظهار القاف من « وقفت » ، على مرادها من تمام الكلمة التي هي « وقفت » . فصرفوا قوله: « الم » وما أشبه ذلك، إلى نحو هذا المعنى. فقال بعضهم: الألف ألف « أنا » , واللام لام « الله » , والميم ميم « أعلم » , وكلُّ حرف منها دال على كلمة تامة. قالوا: فجملة هذه الحروف المقطَّعة إذا ظهر مع كل حرفٍ منهن تَمام حروف الكلمة، « أنا » الله « أعلم » . قالوا: وكذلك سائر جميع ما في أوائل سُور القرآن من ذلك, فعلى هذا المعنى وبهذا التأويل.


********************************


قالوا: ومستفيضٌ ظاهرٌ في كلام العرب أن ينقُصَ المتكلم منهم من الكلمةِ الأحرفَ، إذا كان فيما بقي دلالة على ما حذف منها - ويزيدَ فيها ما ليس منها، إذا لم تكن الزيادة مُلبِّسةً معناها على سامعها - كحذفهم في النقص في الترخيم من « حارثٍ » الثاءَ، فيقولون: يا حارِ, ومن « مالك » الكافَ، فيقولون: يا مالِ, وأما أشبه ذلك، وكقول راجزهم:
مَــا لِلظليــم عَـالَ? كَـيْفَ لا يَـا يَنْقَـــذُّ عنـــه جِــلْدُه إذا يَــا
كأنه أراد أن يقول: إذا يَفعل كذا وكذا, فاكتفى بالياء من « يفعل » ، وكما قال آخر منهم:
بالخيرِ خيراتٍ وإنْ شرًّا فَا
يريد: فشرًّا.
ولا أُرِيد الشرَّ إلا أن تَا
يريد: إلا أن تَشاء، فاكتفى بالتاء والفاء في الكلمتين جَميعًا، من سائر حروفهما, وما أشبهَ ذلك من الشواهد التي يَطول الكتاب باستيعابه.
* عن محمد, قال: لما مات يزيدُ بن معاوية قال لي عَبْدَة: إني لا أراها إلا كائنةً فتنةً، فافزع منْ ضَيْعَتِكَ والحقْ بأهلك. قلت: فما تأمرني؟ قال: أحَبُّ إليّ لك أنْ تا - قال أيوبُ وابن عون بِيده تحت خدِّه الأيمن، يصف الاضطجاع - حتى ترى أمرا تَعرفه .
قال أبو جعفر: يعني بـ « تا » تضطجع, فَاجتزأ بالتاء من تضطجع. وكما قال الآخر في الزيادة في الكلام على النحو الذي وصفت:
أقُــول إِذْ خَــرَّتْ عـلى الكَلكـالِ يَـا نـاقَتِي مـا جُـلْتِ مـن مَجَـالِ
يريد: الكَلْكل، وكما قال الآخر:
إنّ شَـــكْلِي وَإن شَــكْلَك شَــتَّى فَـالزْمي الخُـصَّ واخْفِضِي تَبْيضِضِّي
فزاد ضادًا، وليست في الكلمة .
قالوا: فكذلك ما نقصَ من تمام حُروف كل كلمة من هذه الكلمات التي ذَكرنا أنها تتمة حروف « الم » ونظائرها - نظيرُ ما نقص من الكلام الذي حكيناهُ عن العرب في أشعارها وكلامها.
************
قال الطبري رحمه الله"
**************


وأما الذين قالوا: كل حرف من « الم » ونظائرها، دالُّ على معان شتى - نحو الذي ذكرنا عن الربيع بن أنس - فإنهم وَجَّهوا ذلك إلى مثل الذي وَجَّهه إليه من قال: هو بتأويل « أنا الله أعلم » ، في أنّ كلَّ حرف منه بعضُ حروفِ كلمةٍ تامة، استُغْنِيَ بدلالته عَلى تَمامه عن ذكر تمامه - وإن كانوا له مُخالفين في كلِّ حرف من ذلك: أهو من الكلمة التي ادَّعى أنه منها قائلو القول الأول، أم من غيرها؟ فقالوا: بل الألف من « الم » من كلمات شتى، هي دالةٌ على معاني جميع ذلك وعلى تمامه. قالوا: وإنما أفرِد كلُّ حرف من ذلك، وقصَّر به عن تمام حروف الكلمة، أن جميعَ حُروف الكلمة لو أظهِرت، لم تدلَّ الكلمة التي تُظهر - التي بعضُ هذه الحروف المقطعة بعضٌ لها - إلا على معنى واحد لا على معنيين وأكثر منهما. قالوا: وإذْ كان لا دلالة في ذلك، لو أظهر جميعها، إلا على معناها الذي هو معنى واحدٌ, وكان الله جل ثناؤه قد أراد الدلالة بكلّ حرف منها على معان كثيرة لشيء واحد - لم يَجُز إلا أن يُفرَد الحرفُ الدالُّ على تلك المعاني, ليعلمَ المخاطبون به أنّ الله عز وجل لم يقصد قصد مَعنًى واحدٍ ودلالةٍ على شيء واحد بما خاطبهم به, وأنه إنما قصد الدلالةَ به على أشياء كثيرة.
***********************


قالوا: فالألف من « الم » مقتضيةٌ معانيَ كثيرةً, منها تمامُ اسم الربّ الذي هو « الله » , وتمامُ اسم نعماء الله التي هي آلاء الله, والدلالةَ على أجَلِ قومٍ أنه سنة, إذا كانت الألف في حساب الجُمَّل واحدًا. واللام مقتضيةٌ تمامَ اسم الله الذي هو لطيف, وتمامَ اسم فَضْله الذي هو لُطفٌ, والدلالةَ على أجَلِ قوم أنه ثلاثون سنة. والميم مقتضيةٌ تمامَ اسم الله الذي هوَ مجيد, وتمامَ اسم عظمته التي هي مَجْد, والدلالةَ على أجَلِ قوم أنه أربعون سنة. فكان معنى الكلام - في تأويل قائل القول الأول- أن الله جل ثناؤه افتتح كلامه بوَصْف نفسه بأنه العالِمُ الذي لا يخفى عليه شيء , وَجعل ذلك لعباده مَنهجًا يسلكونه في مُفتتح خطبهم ورسائلهم ومُهِمِّ أمورهم, وابتلاءً منه لهم ليستوجبوا به عظيمَ الثواب في دار الجزاء, كما افتتح ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , و الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ، [ سورة الأنعام: 1 ] وما أشبه ذلك من السُّور التي جعل مَفاتحها الحمدَ لنفسه، وكما جعل مفاتحَ بَعضها تعظيم نَفسه وإجلالها بالتسبيح، كما قال جل ثناؤه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا [ سورة الإسراء: 1 ] ، وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن، التي جعل مفاتحَ بعضها تحميدَ نفسه, ومفاتحَ بعضها تمجيدَها, ومفاتح بعضها تعظيمَها وتنـزيهها. فكذلك جَعل مفاتحَ السور الأخَر التي أوائلها بعضُ حروف المعجم، مدائحَ نفسه، أحيانًا بالعلم, وأحيانًا بالعدل والإنصاف, وأحيانًا بالإفضال والإحسان، بإيجاز واختصار, ثم اقتصاصَ الأمور بعدَ ذلك.



وعلى هذا التأويل يجبُ أن يكون الألف واللام والميم في أماكن الرفع، مرفوعًا بعضُها ببعض، دون قوله ذَلِكَ الْكِتَابُ ، ويكون ذَلِكَ الْكِتَابُ خبرا مبتدأ مُنقطِعًا عن مَعنى « الم » . وكذلك ذَلِكَ في تأويل قول قائل هذا القول الثاني، مرفوعٌ بعضه ببعض, وإن كان مخالفًا معناهُ معنى قول قائل القول الأول.


****************************
قال الطبري رحمه الله"


وأما الذين قالوا: هنّ حروف من حروف حساب الجُمَّل دون ما خالف ذلك من المعاني, فإنهم قالوا: لا نعرف للحروف المقطَّعة معنًى يُفهم سوى حساب الجُمَّل، وسوى تَهَجِّي قول القائل: « الم » .
وقالوا: غيرُ جائز أن يخاطبَ الله جلّ ثناؤه عبادَه إلا بما يفهمونه ويعقلونه عنه. فلما كان ذلك كذلك - وكان قوله « الم » لا يُعقَل لها وجهٌ تُوجَّه إليه، إلا أحد الوجهين اللذين ذكرنا, فبطل أحدُ وَجهيه, وهو أن يكون مُرادًا بها تهجِّي « الم » - صحَّ وثبت أنه مرادٌ به الوجه الثاني، وهو حساب الجُمَّل؛ لأن قول القائل: « الم » لا يجوز أن يليَه من الكلام ذَلِكَ الْكِتَابُ ، لاستحالة معنى الكلام وخرُوجه عن المعقول، إنْ وَلي « الم » ذَلِكَ الْكِتَابُ .
"واحتجوا لكلامهم بخبر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيه حساب الجمل"
**************************
قال الطبري رحمه الله"


والصواب من القول عندي في تأويل مفاتِح السور، التي هي حروف المعجم: أنّ الله جلّ ثناؤه جعلَها حروفًا مقطَّعة ولم يصِل بعضَها ببعض - فيجعلها كسائر الكلام المتّصِل الحروف - لأنه عز ذكره أراد بلفظِه الدلالةَ بكل حرف منه على معان كثيرة، لا على معنى واحد, كما قال الربيعُ بن أنس. وإن كان الربيع قد اقتصَر به على معانٍ ثلاثةٍ، دون ما زاد عليها.
والصوابُ في تأويل ذلك عندي: أنّ كلّ حرف منه يحوي ما قاله الربيع، وما قاله سائر المفسرين غيرُه فيه - سوى ما ذكرتُ من القول عَمَّن ذكرت عنه من أهل العربية: أنهّ كان يوجِّه تأويلَ ذلك إلى أنّه حروف هجاء، استُغني بذكر ما ذُكر منه في مفاتيح السور، عن ذكر تتمة الثمانية والعشرين حرفًا من حروف المعجم، بتأويل: أن هذه الحروف, ذَلِكَ الْكِتَابُ , مجموعة، لا رَيْبَ فِيهِ - فإنه قول خطأ فاسدٌ، لخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين وَمن بَعدَهم من الخالفين منْ أهل التفسير والتأويل . فكفى دلالة على خَطئة، شهادةُ الحجة عليه بالخطأ، مع إبطال قائل ذلك قولَه الذي حكيناه عنه - إذ صار إلى البيان عن رفع ذَلِكَ الْكِتَابُ - بقوله مرّة إنه مرفوعٌ كلّ واحد منهما بصاحبه، ومرة أخرى أنه مرفوعٌ بالرّاجع من ذكره في قوله لا رَيْبَ فِيهِ ومرة بقوله هُدًى لِلْمُتَّقِينَ . وذلك تركٌ منه لقوله: إن « الم » رافعةٌ ذَلِكَ الْكِتَابُ ، وخروجٌ من القول الذي ادّعاه في تأويل الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ ، وأنّ تأويل ذلك: هذه الحروف ذلك الكتاب.
*****************************
قال الطبري رحمه الله"


فإن قال لنا قائل: وكيفَ يجوز أن يكون حرفٌ واحدٌ شاملا الدلالةَ على معانٍ كثيرة مختلفة؟
قيل: كما جاز أن تكون كلمة واحدةٌ تشتمل على معانٍ كثيرة مختلفةٍ، كقولهم للجماعة من الناس: أمَّة, وللحين من الزمان: أمَّة, وللرجل المتعبِّد المطيع لله: أمّة, وللدين والملة: أمّة. وكقولهم للجزاء والقصاص: دين, وللسلطان والطاعة: دين, وللتذلل: دين, وللحساب: دِينٌ، في أشباه لذلك كثيرةٍ يطول الكتاب بإحصائها - مما يكون من الكلام بلفظ واحد, وهو مشتمل على معان كثيرة. وكذلك قول الله جل ثناؤه: « الم » و الر , و المص وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور, كل حرف منها دالّ على معانٍ شتى, شاملٌ جميعُها من أسماء الله عز وجل وصفاته ما قاله المفسِّرُون من الأقوال التي ذكرناها عنهم. وهنّ، مع ذلك، فواتح السور، كما قاله من قال ذلك.
******************************
قال الطبري رحمه الله"


وليسَ كونُ ذلك من حُروف أسماء الله جل ثناؤه وصفاته، بمانعها أنْ تكون للسُّور فواتح. لأن الله جلّ ثناؤه قد افتتح كثيرًا من سوَر القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها, وكثيرًا منها بتمجيدها وتعظيمها, فغيرُ مستحيل أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها.
فالتي ابتُدِئ أوائلُها بحُروف المعجم، أحدُ مَعاني أوائلها: أنهنّ فواتحُ ما افتتَح بهنّ من سُور القرآن. وهنّ مما أقسم بهن، لأن أحدَ معانيهن أنّهنّ من حروف أسماء الله تعالى ذكُره وصفاتِه، على ما قدَّمنا البيان عنها, ولا شك في صحة معنى القسَم بالله وأسمائه وصفاته. وهنّ من حروف حساب الجُمَّل. وهنّ للسُّور التي افتتحت بهنّ شعارٌ وأسماء. فذلك يحوى مَعانِيَ جميع ما وصفنا، مما بيَّنا، من وجوهه. لأن الله جلّ ثناؤه لو أراد بذلك، أو بشيء منه، الدلالةَ على معنًى واحد مما يحتمله ذلك ، دون سائر المعاني غيره, لأبان ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إبانةً غيرَ مشكلةٍ. إذْ كان جلّ ثناؤه إنما أنـزل كتابه على رسوله صلى الله عليه و سلم ليُبيِّن لهم ما اختلفوا فيه. وفي تركه صلى الله عليه و سلم إبانةَ ذلك - أنه مرادٌ به من وُجوه تأويله البعضُ دون البعض- أوضحُ الدليل على أنه مُرادٌ به جميعُ وجوهه التي هو لها محتمل. إذ لم يكن مستحيلا في العقل وجهٌ منها أن يكون من تأويله ومعناه، كما كان غير مستحيل اجتماعُ المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة، باللفظ الواحد، في كلام واحد.


*****************************


قال الطبري رحمه الله"


ومن أبىَ ما قلناه في ذلك، سُئِل الفرقَ بين ذلك، وبين سائر الحروف التي تأتي بلفظ واحد، مع اشتمالها على المعاني الكثيرة المختلفة، كالأمّة والدين وما أشبه ذلك من الأسماء والأفعال. فلن يقول في أحدٍ منْ ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
وكذلك يُسأل كلّ من تأوّل شيئًا من ذلك - على وجهٍ دُون الأوجه الأخَر التي وصفنا- عن البرهان على دَعْواه، من الوَجه الذي يجبُ التسليم له. ثم يُعارَض بقول مُخالفه في ذلك, ويسأل الفرقَ بينه وبينه: من أصْل, أو مما يدل عليه أصْل. فلن يقولَ في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
***************************
قال الطبري رحمه الله"


وأما الذي زعم من النحويين: أنّ ذلك نظيرُ « بل » في قول المنشد شعرًا:
بل * ما هَاج أحزانًا وشجوًا قد شَجَا
وأنه لا معنى له, وإنما هو زيادة في الكلام معناه الطَّرْح - فإنه أخطأ من وُجُوه شَتَّى
أحدها: أنه وَصفَ الله تعالى ذكره بأنه خاطب العرب بغير ما هوَ من لغتها، وغير ما هو في لغة أحد من الآدميين. إذْ كانت العرُب - وإن كانت قد كانتْ تفتتح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشعر بـ « بل » - فإنه معلوم منها أنها لم تكن تبتدئُ شيئًا من الكلام بـ « الم » و الر و المص ، بمعنى ابتدائها ذلك بـ « بل » . وإذْ كان ذلك ليس من ابتدائها - وكان الله جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم من القرآن، بما يعرفون من لغاتهم، ويستعملون بينهم من منطقهم، في جميع آيه - فلا شك أن سبيل ما وصفنا من حروف المعجم، التي افتُتِحت بها أوائل السور، التي هن لها فواتح، سَبيلُ سائر القرآن، في أنه لم يعدلْ بها عن لغاتِهم التي كانوا بها عارفين، ولها بينهم في منطقهم مستعملين. لأن ذلك لو كان معدولا به عن سبيل لغاتِهم ومنطقهم، كان خارجًا عن معنى الإبانة التي وصف الله عزّ وجل بها القرآن, ف ذكره: نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ . وأنَّى يكون مُبينًا ما لا يعقله ولا يفقهه أحد من العالمين ، في قول قائل هذه المقالة, ولا يُعْرَف في منطق أحد من المخلوقين، في قوله؟ وفي إخبار الله جَلّ ثناؤه عنه أنه عربي مبين، ما يُكذِّب هذه المقالة, وينبئ عنه أنّ العربَ كانوا به عالمين، وهو لها مُستبينٌ. فذلك أحدُ أوجه خطئه.



والوجه الثاني من خطئه في ذلك: إضافته إلى الله جلّ ثناؤه أنه خاطب عباده بما لا فائدة لهم فيه ولا معنى له، من الكلام الذي سواءٌ الخطابُ فيه به وترك الخطاب به. وذلك إضافة العبث الذي هو منفيٌّ في قول جميع الموحِّدين عن الله - إلى الله تعالى ذكره.
والوجهُ الثالث من خطئه: أن « بل » في كلام العرب مفهومٌ تأويلها ومعناها, وأنها تُدْخلها في كلامها رجوعًا عن كلامٍ لها قد تَقضَّى كقولهم: ما جاءني أخوك بل أبوك ; وما رأيتُ عمرًا بل عبد الله, وما أشبه ذلك من الكلام, كما قال أعشى بني ثعلبة:
وَلأشْـــرَبَنَّ ثَمَانِيًـــا وثَمَانِيًـــا وثَــلاثَ عَشْـرَةَ واثْنَتَيـنِ وأَرْبَعَـا
ومضى في كلمته حتى بلغ قوله:
بالجُلَّسَـــانِ, وطَيِّـــبٌ أرْدَانُــهُ بِـالوَنِّ يَضْـرِبُ لِـي يَكُـرُّ الإصْبَعَا
ثم قال:
بَـلْ عَـدِّ هـذا, فِـي قَـريضٍ غَيْرِهِ وَاذكُـرْ فَتًـى سَـمْحَ الخَلِيقـةِ أَرْوَعَا
فكأنه قال: دَعْ هذا وخذ في قريض غيره. فـ « بل » إنما يأتي في كلام العرب على هذا النحو من الكلام، فأما افتتاحًا لكلامها مُبتدأ بمعنى التطوّل والحذف ، من غير أن يدلّ على معنى, فذلك مما لا نعلم أحدًا ادعاه من أهل المعرفة بلسان العرب ومنطقها, سوى الذي ذكرتُ قوله, فيكون ذلك أصلا يشبَّه به حُرُوف المعجم التي هي فواتح سور القرآن التي افتتحت بها - لو كانت له مُشبهةً- فكيف وهي من الشبه به بعيدة؟

جمال حسني الشرباتي
05-06-2008, 18:50
السلام عليكم

أين التفاعل

جمال حسني الشرباتي
12-06-2008, 15:16
قال أبو جعفر:

القول في تأويل قوله جَل ثناؤه: ذَلِكَ الْكِتَابُ .
قال عامّة المفسرين: تأويل قول الله تعالى ( ذلك الكتاب ) : هذا الكتاب.
*********************************

قال أبو جعفر:

فإن قال قائل: وكيف يجوزُ أن يكون « ذلك » بمعنى « هذا » ؟ و « هذا » لا شكّ إشارة إلى حاضر مُعايَن, و « ذلك » إشارة إلى غائب غير حاضر ولا مُعايَن؟
قيل: جاز ذلك، لأن كل ما تَقضَّى، بقُرْبِ تَقضِّيه من الإخبار ، فهو - وإن صار بمعنى غير الحاضر- فكالحاضر عند المخاطب. وذلك كالرجل يحدِّث الرجلَ الحديثَ فيقول السامع: « إن ذلك والله لكما قلت » , و « هذا والله كما قلت » , و « هو والله كما ذكرت » ، فيخبرُ عنه مَرَّة بمعنى الغائب، إذْ كان قد تَقضَّى ومضى, ومرة بمعنى الحاضر، لقُرْب جوابه من كلام مخبره، كأنه غير مُنْقَضٍ.
فكذلك « ذلك » في قوله ( ذلك الكتاب ) لأنه جلّ ذكره لما قدم قبلَ « ذلك الكتاب » الم ، التي ذكرنا تصرُّفَها في وجُوهها من المعاني على ما وصفنا، قال لنبيه صلى الله عليه و سلم: يا محمد، هذا الذي ذكرته وبيَّنته لك، الكتابُ. ولذلكَ حسن وضع « ذلك » في مكان « هذا » , لأنه أشير به إلى الخبر عما تضمَّنهُ قوله الم من المعاني، بعد تقضّي الخبر عنه بـ « الم » , فصار لقرب الخبر عنه من تقضِّيه، كالحاضر المشار إليه, فأخبر به بـ « ذلك » لانقضائه، ومصير الخبر عنه كالخبر عن الغائب، وترجمهُ المفسِّرون : أنه بمعنى « هذا » ، لقرب الخبر عنه من انقضائه, فكانَ كالمشاهَد المشار إليه بـ « هذا » ، نحو الذي وصفنا من الكلام الجاري بين الناس في محاوراتهم, وكما قال جل ذكره: وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ * هَذَا ذِكْرٌ [ سورة ص: 48، 49 ] فهذا ما في « ذلك » إذا عنى بها « هذا » .
******************************
قال أبو جعفر:

وقد يحتمل قوله جل ذكره ( ذلك الكتاب ) أن يكون معنيًّا به السُّوَرُ التي نـزلت قبل سورة البقرة بمكة والمدينة, فكأنه قال جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، اعلم أنّ ما تضمَّنتْه سُوّرُ الكتاب التي قد أنـزلتها إليك، هو الكتابُ الذي لا ريبَ فيه. ثم ترجمه المفسرون بأن معنى « ذلك » « هذا الكتاب » ,

إذْ كانت تلك السُّور التي نـزلت قبل سورة البقرة، من جملة جميع كتابنا هذا، الذي أنـزله الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم.
وكان التأويل الأول أولى بما قاله المفسرون، لأنّ ذلك أظهرُ معاني قولهم الذي قالوه في « ذلك » .
وقد وَجَّه معنى « ذلك » بعضُهم، إلى نظير معنى بيت خُفاف بن نُدبة السُّلميّ:
فَـإن تَـكُ خَـيْلي قـد أُصِيبَ صَمِيمُها فَعَمْـدًا عـلى عَيْـنٍ تَيَمَّمْـتُ مَالِكَـا
أقـولُ لـه, والـرُّمحُ يـأطِرُ مَتْنَـهُ: تــأمَّل خُفاَفًــا, إننــي أنـا ذلِكَـا


كأنه أراد: تأملني أنا ذلك. فزعم أنّ « ذلك الكتاب » بمعنى « هذا » ، نظيرُه . أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب، وهو مخبر عن نفسه. فكذلك أظهر « ذلك » بمعنى الخبر عن الغائب ، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهَد.
والقول الأول أولى بتأويل الكتاب، لما ذكرنا من العلل.

********************************

قال أبو جعفر:

وقد قال بعضهم: ( ذلك الكتاب ) ، يعني به التوراة والإنجيل, وإذا وُجّه تأويل « ذلك » إلى هذا الوجه، فلا مؤونة فيه على متأوِّله كذلك، لأن « ذلك » يكون حينئذ إخبارًا عن غائب على صحة.

*********************************
قال أبو جعفر:
القول في تأويل قوله : لا رَيْبَ فِيهِ .
وتأويل قوله: « لا ريب فيه » « لا شك فيه » . وهو مصدر من قول القائل: رابني الشيء يَريبني رَيبًا. ومن ذلك قول ساعدة بن جُؤَيَّة الهذليّ:
فقـالوا: تَرَكْنَـا الحَـيَّ قد حَصِرُوا به, فـلا رَيْـبَ أنْ قـد كـان ثَـمَّ لَحِـيمُ
ويروى: « حَصَرُوا » و « حَصِرُوا » والفتحُ أكثر, والكسر جائز. يعني بقوله « حصروا به » : أطافوا به. ويعني بقوله « لا ريب » . لا شك فيه. وبقوله « أن قد كان ثَمَّ لَحِيم » ، يعني قتيلا يقال: قد لُحِم، إذا قُتل.
والهاء التي في « فيه » عائدة على الكتاب, كأنه قال: لا شك في ذلك الكتاب أنه من عند الله هُدًى للمتقين.
********************************
يتبع