المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحمد بن نصر الداودى المالكي الطرابلسي التلمساني



هلال بن عبد الله بن عمر
30-04-2008, 02:20
أحمد بن نصر الداودى الطرابلسي التلمساني:
حياته وآثاره
عز الدين زغيبة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد القائل: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين). وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد...
حياته وآثاره
ويتضمن العناصر الآتية
اسمه ونسبه وكنيته – ولادته ونشأته- شيوخه – رحلته العلمية – ثناء العلماء عليه – تلاميذه – مؤلفاته – وفاته – اجتهاداته الفقهية وكتب المالكية – بعض المسائل التي خالف فيها المذهب.
اسمه ونسبه وكنيته
هو أحمد بن نصر الداودي الأسدي الأموي الطرابلسي التلمساني من أئمة المالكية بالمغرب، ويكني بأبي جعفر, وكناه الزركلي بأ[ي حفص وهو غير صحيح , وقد اتفقت كلمة المترجمين حول اسمه وكنيته،
إلا أنه قد يقع البعض في الخلط بينه وبين أحمدبن نصر الهواري أبو جعفر (ت319 هـ)؛ وذلك للتشابه الكبير بينهما، وقد استشعر صاحب الشجرة هذا الأمر فعمد إلى التعقيب على ترجمة أحمد بن نصر الهواري بقوله "وفي المالكيين القرويين من يشبهه وهو أحمد بن نصر الداودي" .
ولادته ونشأته
إن جميع المصادر التي ترجمت للدادوي، والتي أمكنت الرجوع إليها، لم تذكر شيئا عن ولادته ولو بالإشارة، إلا أن بعضها قد أشار إلى مكانها، حيث كانت بالمسيلة وقيل بسكرة , وهما مدينتان جزائريتان.
أما عن نشأته فإن كتب التراجم لم تنقل لنا شيئا عن ذلك ولا عن أسرته، وكل ما يمكن استخلاصه، هو أن حياته الأولى كانت بطرابلس الغرب، حيث أقام بها وطلب العلم هناك .
وإن سكوت المصادر عن نشأته، يدلنا على أنها نشأة عادية كباقي أقرانه من أبناء عصره، حيث كانت هذه النشأة تعتمد في الجملة على حفظ القرآن، ثم دراسة بعض كتب الفقه المتعارف على تدريسها وتلقينها للناشئين وكذلك اللغة وعلومها من نحو وصرف وبيان وغيرها.
شيوخه
إن جميع المترجمين الذين تعرضوا لحياة الداودي لم يذكروا شيئا عن شيوخه الذي تلقى عنهم العلم، وأجمعوا في المقابل على أن درسه كان وحده، ولم يتفقه في أكثر علمه على إمام مشهور، وإنما وصل إلى ما وصل إليه بإدراكه وذكائه . والذي يفهم من هذه العبارة أن الداودي قد تتلمذ في جزئ من علمه ولو كان قليلا على شيوخ معروفين، كما أن هذه العبارة لا يلزم منها أنه لم يتتلمذ في أكثر علمه على شيخ، وإنما الشيوخ الذين يكون قد درس عليهم لم يكن لهم حظ من الشهرة والبروز لدى أمثالهم في ذلك الوقت. ولقد ذكر عياض في ترجمته لأبي بكر بن عبد الله بن أبي زيد وأخيه عمر، أن أحمد بن نصر الداودي كتب عنهما ولم يكن بالطائل المعرفة . وأظن أن هذ قد وقع عند مروره بالقيروان حيث التقى بهما وكتب عنهما بعض ما يرويانه من كتب أبيهما، ثم استكمل رحته باتجاه تلمسان، لأن المصادر تذكر أن أبا بكر بن عبد الله بن أبي زيد قد رويت عنه كتب أبيه , وأن ما ذكر حول الدوادي من أنه لم يتتلمذ على إمام مشهور قد أصبحت صفة يعبر بها من قبل أبناء زمانه، وهذا ما يظهر لنا من خلال القصة التي أوردها عياض ومفادها: أن أحمد بن نصر الداودي كان ينكر على علماء القيروان سكناهم في مملكة بن عبيد وبقائهم بين أظهرهم، وأنه كتب إليهم مرة بذلك فأجابوه (اسكت لا شيخ لك) وعقب عياض على هذه العبارة بقوله: (أرى لأن درسه كان وحده ولم يتفقه في أكثر علمه عند إمام مشهور، وإنما وصل إلى ما وصل بإدراكه ويشيرون بأنه لو كان له شيخ يفقه حقيقة الفقه لعلم أن بقاءهم مع من هناك من عامة المسلمين تثبيت لهم على الإسلام وبقية صالحه على الإيمان، وأنه لو خرج العلماء من إفريقية لما بقي فيها من العامة آلاف الآلاف فرجحوا خير الشرين والله أعلم .
وقد نقل الونشريسي عن عياض قوله: "بأن الداودي مقارب المعرفة في العلوم وأن علمه كان بنظره واجتهاده، وغير متلق عن الشيوخ وقد عابه بذلك أهل زمانه" ، ولعله يقصد بذلك أهل القيروان الذين سب ذكر قصتهم مع الداودي.
رحلاته العلمية
إن رحلة الداودي العلمية كانت رحلة ذات اتجاه واحد بدأت من طرابلس وانتهت به في تلسمان حيث مات هناك، وقد سبق أن ذكرنا أن المرحلة الأولى من حياته كانت بطرابلس حيث كان طلبه للعلم، واشتداد عوده في المعرفة، مع اقتحامه ميدان التأليف، فكان بها تأصيل كتابه "النامي في شرح موطأ الإمام مالك"، وإملاؤه على طلبته، ليتجه بعد ذلك إلى تلمسان، حسب ما يذكره جمهور المترجمين له، حيث ألف بها كتبا كثيرة وفي مقدمتها كتابه الذي حاز به الشرف والشهرة، ألا وهو (النصيحة في شرح صحيح البخاري)، وكتاب (الأموال)، وغيرها من الكتب الأخرى، ولم تذكر كتب التراجم السنة التي خرج فيها من طرابلس ولا السنة التي دخل فيها تلمسان، كما انهم لم ييروا جميعا إلى دخوله القيروان أثناء رحلته هذه. إلا أن الذي يظهر لي أنه قد دخلها أثناء مروره بها في رحلته السالفة الذكر، ولك اعتمادًا على العناصر التالية:
1- ما ذكره مخلوف عند ترجمته لأحمد بن نصر الهواري حيث قال: "وفي المالكيين القرويين من يشبهه، وهو أحمد بن نصر الداودي" .
فهذا تصريح واضح الدلالة في دخول الداودي إلى القيروان.
2- ما ذكره عياض في ترجمته لأبي بكر عبد الله بن أبي زيد وأخيه عمر من أن الداودي قد كتب عنهما ولم ين بالطائل المعرفة، ولم يذكر عنهما أنهما انتقلا إلى طرابلس ولا إلى تلمسان، فدل هذا على التقائهما به في القيروان، إلا أن سكوت المترجمين عن ذكر مسألة دخوله القيروان ربما يعود لقصر المدة التي أقام فيها، أو لكونها لم تكن مقصودة في رحلته وإنما دخلها عرضا، مما يجعلها غير ذات أهمية في رحلته وترجمته، وقد تكون هناك أسباب أخرى وراء هذا الإحجام والله أعلم.
وفي نهاية هذا المبحث أحب أن أقف قليلا مع الدكتور شواط في كتابه (مدرسة الحديث بالقيروان) عند حديثه عن الصلات العلمية بين القيروان وباقي حواضر الغرب الإسلامي.
وفي هذا السياق فإننا نجده يجعل الداودي من العناصر التي نسجت تلك الصلة بين القيروان والجزائر، تهرت وتلمسان خصوصًا؛ في حين نجده يسقط الداودي من جملة العلماء الذين مثلوا التواصل العلمي بين القيروان وطرابلس الغرب . ولست أدري ما هي الأسباب التي حملته على ذلك ولا المعايير التي اعتمدها حتى يمكننا الرجوع إليها والوقوف عندها.
ثناء العلماء عليه
على الرغم من اتفاق كلمة المترجمين على أن الداودي لم يتتلمذ في أكثر علمه على إمام مشهور، وأن تحصيله كان باجتهاده وإدراكه، فإنهم بالمقابل يقرون بإمامته في العلم، ودقة نظره، وحسن تأليفه، ويثنون عليه في ذلك الثناء الحسن.
قال عنه عياض: من أئمة المالكية بالمغرب، والمتسعين في العلم المجيدين للتأليف ، وقال: "فيه ابن فرحون: من أئمة المالكية بالمغرب كان فقيها فاضلا متقنا مؤلفا مجيدا له حظ من اللسان والحديث والنظر ، وقد عده الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد أحمد العرفي من جملة العلماء المحققين، وذلك في معرض حديثه عن المناظرة التي دارت بين الإمام مالك والقاضي أبي يوسف حول مسألة المد والصاع النبوي حيث قال: "وقد نقل الثقات الأثبات المحققون لما ينقلون: كأبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي الحسن علي بن خلف، وأبي جعفر بن نصر الداودي.." ، ثم ذكر آخرين بعده.
وقال: ابن عبد السلام الهواري في وصفه: كان فقيهًا فاضلا عالما متيقظًا مجيدًا مؤلفا له حظ في اللسان والجدل ، ووصفه التسولي فقل: كان إمامًا متقنا متفننا ، والذي يستخلص مما سبق أن مترجمنا كان من الأئمة المعدودين في المذهب المالكي بالمغرب العربي إلى جانب ملكته في اللسان وبراعته في الحديث والنظر، وعلى هذا تدل مؤلفاته "النامي في شرح الموطأ" "والنصيحة في شرح صحيح البخاري"، وكتاب "البيان" في بابه

هلال بن عبد الله بن عمر
30-04-2008, 02:21
تلاميذه
إن الذين تخرجوا بعلم الداودي خلق كثير، إلا أن كتب التراجم ذكرت أشهرهم وهم:
1- أبو عبد الملك مروان بن علي – أبو محمد – الأسدي القطان البوني، نسبةإلى بونة – عنابة – أحد
حواضر القطر الجزائري. روى عن أبي محمد الأصلي، والقاضي المطرف عبد الرحمن بن محمد بن فطيسن، وأخذ في المشرق عن أبي الحسن القايسي، ولازم أبا جعفر الداودي لمدة خمس سنوات فأخذ عنه معظم تآليفه وأخذ عنه حاتم الطرابلسي، أبو عمر بن الحذاء قال عنه حاتم: كان رجلا فاضلا حافظًا نافا في الفقه والحديث، وألف في شرح الموطأ كتاباً مشهورا حسنًا رواه عنه الناس، توفى قبل سنة 440هـ وقبره معروف بجامع بونة – عنابة.
2- أبو بكر أحمد أبي عمر أبي محمد بن أبي زيد : الفقيه الإمام الفاضل، العارف بالأحكام والنوازل القاضي العادل، روى التهذيب عن مؤلفه البراذعى، وكان البراذعى يثني عليه كثيرًا، أخذ عن أبي جعفر الداودي وغيره توفى بعد سنة 460هـ.
3- أبو حفض عمر بن أبي عمر بن أبي محمد بن أبي زيد ، أخو أبو بكر أحمد المذكور سابقا، محدث فقيه فاضل، لم يذكره المترجمون من تلاميذ الداودي لكن صاحب (الشجرة) ذكر في ترجمته ما يستخلص منه أنه تتلمذ عليه حيث قال: شارك أخاه القاضي أبا بكر في شيوخه ، فدل هذا على أنهما اشتركا في الدرس على أحمد بن نصر الداودي توفى سنة 460 هـ.
4- أبو علي بن الوفاء السبتي: قال فيه عياض من أهل بلدنا ولم يذكر شيئا عن و فاته.
مؤلفاته وآثاره
لقد ترك الداودي وراءه تركة علمية كبيرة وقيمة تضمنتها مؤلفاته التي منها ما وصل إلينا ومنها ما لم يصل، ولكن كتب التراجم احتفظت لنا بأسمائها، ومنها ما لم يبلغنا اسمه ولا رسمه. ومن أهم هذه الكتب ما يلي:
1- النامي في شرح موطأ الإمام مالك
ويعتبر هذا الكتاب ثاني شرح للموطأ بعد شرح محمد بن سحنون القيرواني له. ولم تختلف كتب التراجم في اسمه إلا ما ذكره الخزاعي عند نقله لقول الداودي: وفي الإثبات قال: أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي (الرطل في قول الجميع نصف منا، والمنا مائتا درهم كيلا وستون درهما، ذكر ذلك في الاكتفاء في شرح الموطأ) .
ولم يعلق المحقق لكتاب الخزاعي على هذه التسمية. ولست أدرى هل هو شرح ثانٍ للموطأ لم تذكره كتب التراجم أو هو تحريف لكتابه (النامي) المعروف والمشهور اسمه وأظن أن الفرضية الثانية هي الأقرب
للصواب. وقد ذكر عبد الرحمن الجيلالي أنه توجد نسخة منه بمكتبة القرويين بفاس تحت رقم(527) ، إلا أن الدكتور شواط يقول "بوجود جزء منه فقط ، ويحيلنا على فهارس مكتبة القريين ". وهذا الكتاب أصله وأملاه بطرابلس أي في المرحلة الأولى من حياته، وبالتالي يمكن القول إن كتاب النامي من الكتب الأولى التي ألفها الداودي. وهو كتاب جليل حاز به الفضل على غيره من جميع من تقدمه أو تأخر عنه من علماء الإسلام ، وقد ذكر عبد الرحمن الجيلالي أن شرحه هذا هو أول شرح لصحيح البخاري ، وتبعه في ذلك عادل نويهض ، وهذا غير صحيح لأن أول شرح وضع على صحيح البخاري هو كتاب أعلام الحديث لخطابي (ت338) ، يأتي بعده شرح مترجمنا الداودي، إلا أنه يمكن القول بأنه أول شرح لصحيح البخاري ظهر في الغرب الإسلامي، إذ لم تنقل لنا المصادر المتوفرة أنهم قاموا بدراسة حوله غير الشرح المسمى بالنصيحة الذي صنفه مترجمنا .
وقد اعتمد عليه ابن حجر العسقلاني في شرحه لصحيح البخاري الموسوم بـ(فتح الباري) ناقلا عنه في باب الرواية كما نقل عنه في باب الدراية ، كما أن رواية الداودي لصحيح البخاري كانت من ضمن الروايات التي يرويها ابن حجر عن الصحيح، بل هي أعلى الروايات لديه من حيث العدد كما صرح هو بذلك حيث قال: (وأما رواية الداودي فهي أعلى الروايات لنا من حيث العدد) [10].
وفي الأخير نشير إلى أن هذا الكتاب هو من بين الكتب التي ألفها بتلمسان حيث ألف أكثر كتبه بها.
3- الأموال
وهو فتاوى وأحكام فيما جرى عليه الحال في البلدان المفتوحة مثل: صقلية والأندلس وتوجد منه نسخة مخطوطة بدار الكتب مصورة عن النسخة الموجودة بالأسكوريال بإسبانيا تحت رقم 1165 وقد نقشت في بريطانيا حوله أطروحة من إعداد الأستاذ نجيب عبد الوهاب .
4- الوعي في الفقه
وقد ذكره الحجوي باسم الداعي وهو تصحيف.
5- الإيضاح
وهو كتاب يرد فيه على إحدى الفرق الكلامية المنحرفة، واختلفت المصادر حول اسمها فمنهم من قال: (هي القدرية) وهم جمهور المترجمين ، ومنهم من قال: (وهي الفكرية) ، ومنهم من قال: (البكرية) ، وأظن أن القديرة أصح.
6- كتاب الأصول
7- كتاب البيان
8- كتاب تفسير القرآن المجيد
وهذا الكتاب لم يذكره إلا عبد الرحمن الجيلالي فيما اطلعت عليه من كتب التراجم وقال: إن المفسر عبد الرحمن الثعالبي قد نقل عنه في كتاب الجواهر الحسان وكذا غيره من المفسرين)
وفاته
لقد اختلف العلماء في سنة وفاته على أربعة أقوال: الأول توفى سنة 402 هـ وهو رأى الجمهور من المترجمين ، الثاني توفى سنة 442هـ وهو ما ذكره الشريف العلمي في نوازله ، الثالث توفى سنة 440هـ وهو قول مخلوف عند ترجمته لأحمد بن نصر الداودي، الرابع أنه توفى سنة 307 هـ وهو قول مخلوف أيضًا ولكن هذا التاريخ لم يذكره عند ترجمته للداودي، وإنما ذكره في سياق التفريق بين مترجمنا وبين أحمد بن نصر الهواري أبي جعفر القيرواني .وممن أخذ بهذا القول من المعاصرين الزركلي وذلك لاعتماده على الشجرة فقط دون غيرها وفي الموضع الذي فكر فيها الداودي عوضا عن موضع ترجمته. والقول الصحيح من بينها في نظري هو القول الأول الذي سار عليه جمهور المترجمين وذلك للأسباب الآتية:
1- ثبوت هذا التاريخ من قبل من عاصره من العلماء، فقد نقل عياض عن حاتم الطرابلسي ولد سنة 378هـ ت 402 أن الداودي قد توفى سنة 402هـ ، ثم قال عياض بعدها: وقرأت في بعض التواريخ أن وفاته سنة (411) ، والأول أصح ويقصد سنة 402هـ.
2- إن ما ذكره صاحب الشجرة من أن الداودي توفى سنة 440هـ لا يتفق مع المعقول لأن تلميذه الذي توفى بعده وهو مروان بن عبد الملك البوني كانت وفاته قبل سنة 440هـ حسب ما يذكره المترجمون ، فكيف تصح وفاة الداودي سنة 440هـ.
3- فإذا كانت وفاة الداودي في سنة 440هـ لا تصح ولا تتفق مع المعقول فمن باب أولى ألا تصح وفاته سنة 442هـ التي ذكرها الشريف العلمي في نوازله، وقبره معروف موجود في شرقي باب العقبة بتلمسان بالجزائر

هلال بن عبد الله بن عمر
30-04-2008, 02:21
اجتهادات الداودي الفقهية وكتب المالكية
إن اجتهادات الداودي الفقهية المبنية على استنباطات من النصوص الشرعية، أو المنبثقة عن نظر دقيق في الوقائع الحادثة مع مرعاة الظروف المحيطة بها، وقرائن الأحوال التي تلتها، جعلت – منه عالما مميزا في المذهب المالكي لا يمكن بحال إهمال آرائه ولا تغييبها عن مواقع الخلاف الفقهي في المذهب.
ولئن كنا لا نجد هذه الآراء مجموعة في كتب معين ولا مرتبة في باب غير كتبه – إلا أننا نظفر بها منثورة في مختلف الأبواب الفقهية، ومبثوثة في ثنايا المسائل الفقهية، وخاصة المسائل التي ظهر فيها خلافه مثل مسألة توظيف الخراج على الرعية – ومسألة اعتبار الحامل في حكم المريض بعد الشهر السادس من حملها وحال الطلق.
- ومسألة استحقاق الأرض من الغاصب بعد زرعها مع عدم إعطائه أي مقابل على زرعه.
- ومسألة جواز حلو عدول القوم محل السلطان في الحدود وغيرها في غياب السلطان بها أو عدم صلاحه مع وجوده.
وغيرها من المسائل الأخرى الموجودة في أبوابها ومظانها.
ولقد نقلت لنا كتب الفقه والنوازل والقضاء عددًا من تلك الآراء والنوازل والمسائل والفتاوى، ومن أهم هذه الكتب التي اطلعت عليها.
-المعيار للونشريسي.
- مذاهب الحكام للقاضي عياض وابنه محمد
- مجالس القضاء للمكناسي أطروحة ما تزال مرقونة.
- نوازل البرزلي مخطوط د.ك.و. تونس.
- فتاوى الإمام المازري .
- فتاوى ابن رشد .
- الجواهر الثمينة لابن شاس .
- تخريج الدلالات السمعية للخزاعي .
- معين الحكام لابن عبد الرفيع .
- الذخيرة للقرافي
- الموافقات للشاطبي .
- الترجمان المعرب عن فتاوى متأخري علماء المغرب للتسولي مخطوط: د.ك.و. تونس.
- جامع الأمهات لابن الحاجب م. الأوقاف بطرابلس ليبيا.
بعض المسائل التي خالف فيها المذهب
إن حصر كل المسائل التي خالف فيها الداودي المذهب ليس هذا مقامه ولكن سأكتفي بذكر ثلاث مسائل لبيان طبيعة هذه المخالفة وإعطاء صورة عنها فقط.
المسألة الأولى
سئل ابن رشد عمن تزوج امرأة زني بها وعقد عليها قبل استبرائها فتوالدا أولادًا ثم تفارقا بطلاق ثم تراجعا مرة بعد أخرى فهل يلحق به الأولاد أم لا؟
فأجاب: وأما الأولاد فلاحقون به على كل حال ويجب لهم الميراث منه
وعلق البرزلي مبينا كلام ابن رشد فقال: وما أفتى به من لحوق الولد بكل حال معناه إذا أتت به لستة أشهر من يوم عقد النكاح الأول فأكثر، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم عقد النكاح فلا يلحق به ولا ميراث له، لأنه للزنى، إلا على طريقه الداودي إذا صانها من غيره، حكاه عنه اللخمي أظنه في أمهات الأولاد قال: إذ لم يثبت بنفيه إجماع ولا سنة [2].
فنحن نرى هنا أن البرزلي بعد بيانه لعبارةابن رشد، وذكر المعمول به في المذهب في المسألة جاء بالقول المخالف وهو قول الداودي السلاف الذكر، وبين علته، بل إنه ذهب أبعد من ذلك عندما حاول أن يؤول قول الداودي بحمله على أمهات الأولاد ليخرج به من دائرة المخالفة للمشهور من المذهب، وعلة الداودي فيما ذهب إليه كما علمناها، هي: عدم وجود نص من السنة أو إجماع من الصحابة أو غيرهم يثبت نفي الولد مع ثبوت عدم مضاجعتها لغيره قبل عقد النكاح وهذا يعني ثبوت عدم اختلاط مائه بماء غيره مما يكون سببا في فقدان نسبه الولدإلى أبيه.
المسألة الثانية
تملك اللقطة بعد تعريفها:
وهو جائز بعد انقضاء التعريف، ومدته، والأحسن له بعد انقضاء ذلك أن يبقها أو يتصدق بها، فإن اختار تملكها ثبت ملكه عليها، والمذهب أن لقطة مكة كغيرها من سائر البلدان على الرغم من ورود الحديث الذي يخص لقطة مكة بعدم حليتها إلا لمنشدها حيث قال -صلى الله عليه وسلم- لا تحل لقطتها إلا لمنشدها ، وخالف الداودي المذهب باختياره عدم تلك لقطة مكة لحديث السابق، وتبعه في ذلك ابن رشد والقاضي أبو بكر بن العربي ، ومسند المذهب في عدم التملك هو العمومات الواردة في اللفظ .
المسألة الثالثة
سئل أحمد بن نصر الداودي عن قوم غصبت أرضهم ثم قدروا على الانتصاف وقد زرعها الغاصب زمانًا ووجدوا فيها زرعًا قائمًا.
فأجاب: ما وجدوه في إبان الزراعة فلهم أخذه بغير شيء يعطونه للغاصب إلا أن تكون له قيمة إذ قلع فيعطى قيمته مقلوعًا بعد أجر قلعه، ويحاسب عليها مما تقدم له في تلك الأرض من زراعة، وإن أقام بعد الإبان فاختلف قول مالك واختلف العلماء فيه فقيل: على الغاصب الكراء والزرع له، وقيل الزرع لرب
الأرض وهو أولى لقوله -صلى الله عليه وسلم- (ليس لعرق ظالم حق) .
وما ذهب إليه الداودي في هذه المسألة قول ضعيف وروايته فيها عن مالك رواية شاذة ، إلا أن المازري الذي عهدنا منه الوقوف مع المشهور وما عليه الجماعة والجمهور، قد أخذ بقول الداودي في هذه المسألة على الرغم من اعترافه بضعفها وشذوذها.
وقد أورده الشاطبي في مسألة الفتوى بغير المشهور هذا الاعتراض على المازري وأجاب عنه فقال: (... فإن قلت فما بال المازري لم يبال بهذا الاعتذار ولا وقف على المشهور عند أئمة المذهب والمختار، وأفتى بالشاذ، وهي رواية الداودي عن مالك مع اعترافه بضعفها وشذوذها في مسألة استحقاق الأرض من يد الغاصب بعد الزراعة وخروج الإبان، وخالف المعهود من عادته من الوقوف مع المشهور وما عليه الجماعة والجمهور...)
قلت: التشديد على الظلمة والمجترئين من أهل العتو والفساد، مهيع مألوف من الشرع وقواعد المذهب، ومنه في المذهب المالكي غير نظير.
وقد أثبت في بعض ما قيدت من هذا النمط على الكثير والجم الغفير .
وما توفيقي إلا بالله إنه هو السميع العليم
قائمة المصادر والمراجع
البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي، الجامع الصحيح مصطفي الحلبي: مصر 1345هـ- 1947م.
البرزلي: أبو القاسم بن أحمد البلوي القيرواني، جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام. مخطوط بدار الكتب الوطنية – تونس – تحت رقم ج1، 12793، 12794، ج3، 12794.
البرغوثي: عبد اللطيف محمود، تاريخ ليبيا الإسلامي من الفتح الإسلامي حتى بداية العصر العثماني، منشورات الجامعة الليبية: دار صادر – بيروت- لبنان.
التسولي: أبو الحسن علي بن عبد السلام، الترجمان المعرب عن فتاوى متأخري علماء المغرب، مخطوط بدار بدار الكتب الوطنية، تونس تحت رقم 5355.
الجيلالي: عبد الرحمن محمد، تاريخ الجزائر العام، دار الثقافة ببيروت لبنان
ابن الحاجب: أبو عمرو عثمان الكردي، جامع الأمهات، مخطوط بمكتبة الأوقاف بطرابلس تحت رقم 589.
ابن حجر العسقلاني: أحمد بن علي بن محمد، فتح الباري في شرح صحيح البخاري صححه وحققه عبد العزيز عبد الله بن باز.
المطبعة السلفية ومكتبتها القاهرة 1380هـ.
الحجوي: محمد بن الحسن الثعالبي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، خرج أحاديث وعلق عليه عبد العزيز بن عبد الفتاح القاري دار التراث القاهرة مصر.
الحفناوي: أبو القاسم محمد، تعريف الخلفبرجال السلف، مؤسسة الرسالة سوريا المكتبة العتيقة تونس الطبعة الأولى 1402هـ- 1982م.
الخزاعي: علي بن محمد بن سعود، تخرج الدلالات السمعية، تحقيق الدكتور إحسان عباس/ دار الغرب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى 1405هـ- 1985م.
ابن رشد: أبو الوليد محمد بن أحمد القرطبي/ فتاوى ابن رشد، تحقيق الدكتور المختار بن الطاهر التليلي/ دار الغرب الإسلامي بيروت الطبعة الأولى 1407هـ- 1987م.
الزاوي: الطاهر أحمد الطربلسي، أعلام ليبيا/ نشر وتوزيع مكتبة الفرجاني طرابلس ليبيا الطبعة الأولى- 1481هـ- 1961م.
ابن شاس: جلال الدين عبد الله بن نجم، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة – تحقيق الدكتور/ محمد أبو الأجفان والأستاذ عبد الحفيظ منصور – دار الغرب الإسلامي – بيروت – الطبعة الأولى 1415هـ- 1995.
الشاطبي: أبو إسحاق بن إبراهيم، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد/ مطبعة مدني – القاهرة
شواط: حسين محمد، مدرسة الحديث في القيروان من الفتح الإسلامي إلى منتصف القرن الخامس للهجرة الدار العلمية للكتاب الإسلامي/ الرياض – الطبعة الأولى 1411هـ.
عادل نويهض: معجم أعلام الجزائر -المكتبة التجارية للطباعة والنشر – بيروت – لبنان الطبعة الأولى – 1981م.
ابن عبد الرفيع: أبو إسحاق إبراهم بن حسن، معين معين الحكام عن القضايا والأحكام، تحقيق/ محمد بن قاسم بن عباد – دار الغرب الإسلامي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1989م.
ابن عبد السلام الأموى: التعريف بالرجال المذكورين في جامع الأمهات لابن الحاجب – دراسة وتحقيق: حمزة أبو فارس، ومحمد أبو الأجفان: دار الحكمة للطباعة والنشر – طرابلس – ليبيا.
عياض: ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك – تحقيق سعيد أحمد أغراب – وزارة الأوقاف المغربية.
مذاهب الحكام في نوازل الأحكام: تحقيق الدكتور/ محمد بن شيرفة دار الغرب الإسلامي – بيروت – الطبعة الأولى- 1990م.
ابن فرحون: برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد، الديباج المذاهب في معرفة أعيان علماء المذهب – مطبعة عباس بن عبد السلام بن شقرون – مصر الطبعة الأولى سنة 1351 هـ.
القرافي: شهاب الدين أحمد بن إدريس، الذخيرة – تحقيق مجموعة من العلماء – دار الغرب الإسلامي – بيروت- الطبعة الأولى – 1994م.
كحالة رضا: معجم المؤلفين – مطبعة الترقي بدمشق – 1376 هـ- 1957م.
المازري: أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي: فتاوى المازري، تحقيق الدكتور/ الطاهر المعموري – الدار التونسية للنشر ومركز الدراسات الإسلامية بالقيروان – تونس – الطبعة الأولى- 1994م.
مخلوف: محمد بن محمد، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية – المطبعة السلفية – القاهرة – مصر سنة 1350هـ.
المكناسي: أبو عبد الله محمد، مجالس القضاة والحكام، أطروحة دكتوراه المرحلة الثالثة قدمت بالمعهد الأعلى للشريعة – جامعة الزيتونة – تونس – سنة 1994م.
الونشريشي: أبو العباس أحمد، المعيار المعرب والجامع المقربعن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، خرجه جماعة من العلماء بإشراف محمد حاجي – دار الغرب الإسلامي – بيروت – سنة 1401هـ- 1981م.

منقول