هلال بن عبد الله بن عمر
30-04-2008, 01:04
المذهب المالكي في خصوصياته
أو
المذهب المالكي في استراتيجيته المستقبلية
منقول من
http://www.arrabita.ma/contenu.aspx?C=322
د. إدريس حمادي
أستاذ بكلية الآداب ظهر المهراز، فاس
يتناول البحث الذي بين أيدينا ما يشترك فيه المذهب المالكي مع غيره من المذاهب، وما يتميز به المذهب عن غيره. وقد اختصر الباحث هذا التميز في كثرة الأصول ومراعاة المصلحة في جميعها. وفي هذه المساهمة محاولة للإجابة على التساؤلات التالية: هل الأصول المعتمدة في الاستنباط قابلة للتطور؟ وإذا كانت قابلة للتطور ما المنهج الذي يرسمه المذهب المالكي لهذا التطور؟
عنوان البحث يعبر على حقيقة مفادها أن الشريعة خطاب للبشرية من مبعث محمد عليه الصلاة والسلام إلى يوم البعث. فلنبدأ إذا على بركة الله ومنه نستمد التوفيق.
يمكن الكشف عما يراد بالمذهب عموما والمذهب المالكي خصوصا بخمس حقائق:
أولاها: أن المذهب المالكي كغيره من المذاهب الفقهية، ينطلق أساسا من الكتاب والسنة، إذ هو كغيره يرى أن القرآن الكريم: "هو كلي هذه الشريعة الذي يتضمن كل قواعدها وأصولها، وإن كان لا يشتمل على أكثر فروعها، والسنة هي التي فصلت هذه الفروع، وأتمت بيان الكثير منها... ولم يكن لأحد أن يَفصل الشريعة عن هذين الأصلين، لأنهما عمودها، والمرجع الذي يرجع إليه"1 .
والثانية: أن المذهب المالكي كغيره من المذاهب، يقوم على مناهج وطرائق كان الأئمة "يتخذونها للوصول إلى استخراج الأحكام التفصيلية من أدلتها الإجمالية"2 ، بمعنى أن "أصحاب المذاهب هم الذين تكلموا في الأدلة التي هي الأصول، وتكلموا في طرائق الاستدلال ومسالك الاستنباط، وردّ الواحد منهم على الآخر في حجية دليل أو حجية دليل آخر، وفي استقامة مسلك من مسالك الاستدلال وعدم استقامة غيره"3 .
والحقيقة الثالثة: أن وضوح هذه الأصول التي يقوم عليها كل مذهب من مذاهب الأئمة هي التي "قضت بأن يرتبط بهؤلاء الأئمة رجال من الفقهاء من بعدهم، يضافون إليهم ويحسبون عليهم مع أنهم مجتهدون مثلهم..."4 . كأبي يوسف ومحمد بالنسبة لأبي حنيفة، وابن القاسم وأشهب بالنسبة إلى مالك... وآخرين بالنسبة للشافعي وأحمد. وما ذلك إلا لأن "المذهب ليس عبارة عن ارتباط تقليدي بمقتضاه يصير الفقهاء الذين ينتمون إلى مذهب أو يتبعونه مقلدين لإمام المذهب في الأحكام، ولكنه عبارة عن التزام لأصوله وتخريج فروع على تلك الأصول، سواء أطابقت الفروع التي خرجها هو أم خالفتها"5 .
والرابعة: "أن اتفاق المذاهب ووحدتها أو اختلافها، إنما يرجع إلى كونها متفقة في الأصول أو متخالفة في الأصول، لا إلى المقالات الفرعية التي قد يختلف الفقيهان أو أكثر فيها"6 .
والحقيقة الخامسة: هي أن المذهب المالكي كغيره من المذاهب الفقهية ينتمي من جهة أصول الفقه إلى مدرسة المتكلمين التي تضم المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والشيعة. وينتمي من جهة الفقه إلى جماعات أهل السنة. وأهل السنة كما حددهم الإمام ابن حزم هم جماعات: الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنبلية وأهل الحديث الذين لا يتعدونه7 .
ولعل أهم ما يميز هذه المدرسة هو منهجها التركيبي الذي تسلكه في مقاربتها النصوص، بمعنى أنه إذا كان الحنفية يعتمدون المنهج التحليلي في الوصول إلى الغرض أي ينطلقون من الخطاب الشرعي إلى العناصر المكونة له، بحيث يردون الخطاب من زاوية الوضع إلى: العام، والخاص، والمشترك، والجمع المنكر، ومن زاوية الاستعمال إلى: الحقيقة والمجاز من جهة، والصريح والكناية من جهة أخرى، ومن زاوية الحمل إلى: واضح الدلالة وخفيها، أعني: المحكم والمفسر، والنص والظاهر من جهة الوضوح. والخفي والمشكل والمجمل والمتشابه من جهة الخفاء، فإن الأصولي المتكلم لا يعمد إلى تحليل الخطاب إلا ليكون مطية لتوظيفه في منهجه التركيبي. ولذلك نجده إذا حلل الخطاب من زاوية الحمل إلى: محكم ومتشابه أو إلى نص وظاهر من جهة، ومجمل ومؤول من جهة، وإلى أدلة عقلية ونقلية وإلى أصل وفرع، ومقاصد ووسائل، فإنما يقوم بذلك ليزاوج بين هذه العناصر، أي بين المحكم والمتشابه، وبين الظاهر والمؤول، وبين المجمل والمبين وبين النقل والعقل، والأصل والفرع وبين المقاصد والوسائل ليخرج بنتائج لو بقيت الدراسة قاصرة على النظر في كل عنصر على حدة ما كان ليصل إليها8 .
هذا ورغم أن المذهب المالكي ينتمي إلى هذه المدرسة، مدرسة المتكلمين، بمعنى أن المرجعية التي تستند إليها هذه المدرسة هي عينها التي يستند إليها، والآليات التي تستعملها في الاستنباط هي عينها التي يستعملها المذهب المالكي... فإننا مع ذلك نجد هذا المذهب له خصوصيات يتفرد بها داخل هذه المدرسة، لأنه إذا لم تكن له تلك الخصوصيات لن يكون مذهبا قائما بذاته ولن يكون له كيان يعرف به، وتتجلى خصوصياته أكثر ما تتجلى في:
أولا: كثرة الأصول ومصادر الاستنباط، حيث يجد الباحث أن الأصول عند الحنفية لا تتجاوز: الكتاب، والسنة والإجماع، والقياس، والاستحسان، والعرف، ويجدها كذلك عند الشافعية لا تعدو: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. بينما هي عند المالكية أكثر من ذلك "فأقل عدد أحصوه لها تسعة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، وإجماع أهل المدينة، والقياس، والاستحسان والعرف، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع"9 . ولا يخفى أن كثرة الأصول تساعد المشرع كثيرا في استيعاب النوازل والأحداث.
ثانيا: إن من يتأمل هذه الأصول التي يعتمدها المذهب المالكي بصفة عامة، يجد أن ما يميزها هو انطلاقه فيها من المصلحة "سواء ألبست المصلحة لبوس القياس وحملت اسمه، أم ظهرت في ثوب الاستحسان وحملت عنوانه، أم كانت مصلحة مرسلة، لا تحمل غير اسمها ولا تأخذ غير عنوانها"10 أم ظهرت في الغايات والثمرات التي يتجه إليها الفقيه في استنباطاته كسد الذرائع، بل يجد حتى الأصول التي يشارك المالكية الحنفية في الأخذ بها تتسم بميزة المصلحة، بمعنى أنه إذا كان الاستحسان عند الحنفية ضربا من القياس، إذ هو "العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه، ولذلك أطلقوا عليه القياس الخفي"11 - فإنه عند المالكية يعني "الالتفات إلى المصلحة والعدل"12 أو "الأخذ بمصلحة جزئية في مقابل دليل كلي"13 ، ثم إذا كان العرف لا يلتفت الحنفية إليه إلا إذا كان عاما وشاملا كالاستصناع، ودخول الحمام، والشرب من السقاء14 فإنه عند المالكية أكثر احتراما "لأن المصالح دعامة الفقه المالكي في الاستدلال، ولا شك أن مراعاة العرف الذي لا فساد فيه ضرب من المصلحة، لا يصح أن يتركه الفقيه، بل يجب الأخذ به"15 ، حتى ولو كان قاصرا على بلد أو طائفة. جاء في المدونة الكبرى: "وسألت مالكا عن المرأة ذات الزوج أيلزمها إرضاع ابنها؟ قال نعم يلزمها إرضاع ابنها، على ما أحبت أو كرهت إلا أن تكون ممن لا تكلف ذلك، قلت لمالك: ومن التي لا تكلف ذلك؟ قال المرأة ذات الشرف واليسار الكثير التي ليس مثلها ترضع وتعالج الصبيان في قدر الصبيان، فأرى ذلك على أبيه وإن كان لها لبن"16 .
وبذلك يتبين أن الإمام مالكا قد خصص العموم الوارد في قوله تعالى: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين" [سورة البقرة/الآية: 231]، بما كان القوم متعارفين عليه في المدينة المنورة من أن المرأة المترفة ليس واجبا عليها إرضاع وليدها وإنما هو واجب على الآباء إلا أن يرفض الوليد غيرها، أو لا توجد له مرضع.
ثالثا: وتتجلى خصوصيات المذهب المالكي أكثر ما تتجلى في هذا النوع من القياس الذي يقطع فيه الإمام مالك شوطا أبعد من كافة الأصوليين، حيث نجده يقرر أن الحكم الثابت في الفرع يصح أن يقاس عليه، لأنه بعد ثبوت الحكم في الفرع يصير الفرع أصلا "وإنما سمي فرعا ما دام مترددا بين الأصلين، لم يثبت له الحكم بعد"17 ، والفرع الآخر هو بدوره يصير أصلا بعد ثبوت الحكم فيه، ويجوز القياس عليه أيضا، وهكذا إلى ما لا نهاية. ولا يشترطون في صحة هذا النوع من القياس إلا تعذر القياس على الأصول الواردة في الخطاب "فإذا نزلت النازلة ولم توجد لا في الكتاب ولا في السنة ولا فيما أجمعت عليه الأمة نصا، ولا شيء من ذلك علة تجمع بينه وبين النازلة، ووجد ذلك فيما استنبط منها، أو فيما استنبط مما استنبط منها، وجب القياس على ذلك"18. ويرى ابن رشد الجد... أن هذا المعنى مما اتفق عليه مالك وأصحابه، ولم يختلفوا فيه على ما يوجد في كتبهم من قياس المسائل بعضها على البعض، وهو صحيح في المعنى وإن خالف فيه مخالفون"19 .
ثم يدلل على صحة هذا المنهج بعقد مقارنة بين الأصول الشرعية والأصول العقلية فيقول: "إن الكتاب والسنة والإجماع، أصل في الأحكام الشرعيات، كما أن علم الضرورة البديهيات أصل في العلوم العقليات، فكما بني العلم العقلي على علم الضرورة، أو على ما يبنى على علم الضرورة هكذا أبدا من غير حصر بعدد، على ترتيب ونظام الأقرب على الأقرب، ولا يصح أن يبنى الأقرب على الأبعد، فكذلك العلوم السمعيات، تبنى على الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أو على ما بني عليها، أو ما بني على ما بني عليها، بصحته هكذا أبدا إلى غير نهاية، على ترتيب ونظام، الأقرب على الأقرب ولا يصح بناء الأقرب على الأبعد"20 .
ويوضح الشيخ محمد أبو زهرة المسألة بهذا السؤال والإجابة عنه فيقول: قد يقول قائل: كيف يتصور ذلك؟ فيقول: إن هناك قواعد مقررة ثابتة من مجموع النصوص، وعرفت على أنها نتائج مقررة ثابتة، وإن كانت لا ترجع إلى أصل معين، فإن هذه تعد أصلا لأقيسة تقاس عليها، فالأصل المعين يكون غير معروف. ولكنها مقررات شرعية يصح أن تكون أصلا بذاتها" ثم يقول: إنه من الناحية الفقهية لا نستطيع أن نوافق عليه، ولكنه من الأصول المالكية، لعل نظرية المصلحة المرسلة قد بنيت عليه.
ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن هذا المنهج -منهج القياس على الفرع- يعد معمولا به في تفسير القوانين الوضعية، فإن أحكام القضاة قد تبنى على أقيسة، واستخراج علل النصوص القانونية والبناء عليها، وإن هذه الأحكام قد تقررها محكمة النقض، فإذا قررتها تصير مبادئ قانونية يمكن القياس عليها، وتطبق على مقتضاها من غير نظر إلى أصلها من نصوص القانون، وإن ذلك منهاج قد اختص به المذهب المالكي الخصب"21 .
رابعا: كذلك تتجلى خصوصية المذهب المالكي فيما عبروا عنه بالمصالح المرسلة أو الاستدلال المرسل الذي هو عبارة عن "كل مصلحة تكون من جنس المصالح التي يقررها الشارع الإسلامي بأن يكون فيها محافظة على النفس أو الدين أو النسل أو العقل أو المال، ولكن لم يشهد لها أصل خاص حتى تصلح قياسا، فإنها يؤخذ بها على أنها دليل قائم بذاته، وهذه هي التي تسمى مصلحة مرسلة أو استصلاحا"22 .
أو بعبارة أخرى إن من المصالح "ما اعتبره الشارع أي وضع من الأحكام ما يوصل إليه، كالمحافظة على النفس والعقل ودفع الحرج والمشقة عن المكلفين، ومنها ما ألغاه أي وضع من الأحكام ما يدل على إهداره: كالمبالغة في التدين بالرهبانية، ومصلحة الجبان في عدم خوض المعركة، ومصلحة آكل الربا في زيادة ثروته، ومصلحة المريض الميئوس من شفائه، أو من ضاقت به سبل العيش في الموت... ومنها ما لم يشهد الشارع باعتباره ولا بإلغائه"23 .
ومعنى هذا أن الإمام مالكا كان ينطلق من قاعدة راسخة لديه طالما عبر عنها الأصوليون بعده بقولهم: "إن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية، والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى"24 . لعل السر الكامن من ورائها هو أن الخطاب الشرعي إنما جاء للإرشاد والهداية ولم يأت أبدا لحشر الناس في قوالب ضيقة لا محيد عنها.
وأعتقد أن هذا هو الذي يناسب حقيقة الاستخلاف، إذ الاستخلاف ليس معناه تجريد الإنسان من أهم ما يميزه، وجعله مجرد منفذ لما يملى عليه، وليس معناه أيضا ترك الحبل على الغارب، بل معناه تحديد معالم له بقصد الهداية، تختلف وضوحا وخفاء، ولعل أبرز هذه المعالم التي نصبت على طريق الهداية هي:
أ. بيان المقاصد الكبرى أو المصالح التي ينبغي للمجتمع أن يستظل بظلها في مسعاه التشريعي والعمراني، وأعني بها: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، لتكون طريق البناء وطريق الوقاية من الهدم واضحة جلية.
ب. بيانه منهج الإعمار والتشريع المشخص في ثلاث رتب أو درجات هي: الضروريات أولا ثم الحاجيات ثم الكماليات. عن طريقه يتم "الوفاء بمطالب الحياة الإنسانية وإشباعها".
ج. بيان أن الوسائل المبلغة لهذه المقاصد وأعني بها الأحكام التي نص عليها الخطاب الشرعي أو استنبطت منه، ليست كلها ثابتة بل هي تابعة للمقاصد الشرعية، وقد عبر الأصوليون عن هذه الحقيقة بأساليب متنوعة منها:
- أن الأحكام تدور مع العلة أو مع المقصد وجودا وعدما.
- ومنها سد الذرائع وفتحها إذ "الأصل في اعتبار الذرائع هو النظر إلى مآلات الأفعال، فيأخذ الفعل حكما يتفق مع ما يؤول إليه، فإذا كان الفعل يؤدي إلى مطلوب فهو مطلوب، وإن كان لا يؤدي إلا إلى شر فهو منهي عنه"25 ، حتى ولو كان في الأصل مشروعا.
ومنها ما عبر عنه الشيخ ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية وهو: أن غرضه من بيان أنواع المصالح "ليس مجرد معرفة مراعاة الشريعة إياها في أحكامها المتلقاة منها، لأن ذلك مجرد تفقه في الأحكام... وهو دون عرضنا من علم مقاصد الشريعة، ولا أن نقيس النظائر على جزئيات تلك المصالح، لأن ذلك ملحق بالقياس... وإنما غرضنا من ذلك أن نعرف كثيرا من صور المصالح المختلفة الأنواع، المعروف قصد الشريعة إياها، حتى يحصل لنا من تلك المعرفة يقين بصور كلية من أنواع هاته المصالح، فمتى حلت الحوادث التي لم يسبق حلولها في زمن الشارع، ولا لها نظائر ذات أحكام متلقاة منها، عرفنا كيف ندخلها تحت تلك الصور الكلية فنثبت لها من الأحكام أمثال ما ثبت لكلياتها، ونطمئن بأننا في ذلك مثبتون أحكاما شرعية"26 . إذ لا ينبغي الاختلاف بين العلماء "في وجوب اعتبار مصالح هذه الأمة ومفاسد أحوالها... وأنه ليس للعالم أن يترقب حتى يجد المصالح المثبتة أحكامها بالتعيين أو الملحقة بأحكام نظائرها...".
أو
المذهب المالكي في استراتيجيته المستقبلية
منقول من
http://www.arrabita.ma/contenu.aspx?C=322
د. إدريس حمادي
أستاذ بكلية الآداب ظهر المهراز، فاس
يتناول البحث الذي بين أيدينا ما يشترك فيه المذهب المالكي مع غيره من المذاهب، وما يتميز به المذهب عن غيره. وقد اختصر الباحث هذا التميز في كثرة الأصول ومراعاة المصلحة في جميعها. وفي هذه المساهمة محاولة للإجابة على التساؤلات التالية: هل الأصول المعتمدة في الاستنباط قابلة للتطور؟ وإذا كانت قابلة للتطور ما المنهج الذي يرسمه المذهب المالكي لهذا التطور؟
عنوان البحث يعبر على حقيقة مفادها أن الشريعة خطاب للبشرية من مبعث محمد عليه الصلاة والسلام إلى يوم البعث. فلنبدأ إذا على بركة الله ومنه نستمد التوفيق.
يمكن الكشف عما يراد بالمذهب عموما والمذهب المالكي خصوصا بخمس حقائق:
أولاها: أن المذهب المالكي كغيره من المذاهب الفقهية، ينطلق أساسا من الكتاب والسنة، إذ هو كغيره يرى أن القرآن الكريم: "هو كلي هذه الشريعة الذي يتضمن كل قواعدها وأصولها، وإن كان لا يشتمل على أكثر فروعها، والسنة هي التي فصلت هذه الفروع، وأتمت بيان الكثير منها... ولم يكن لأحد أن يَفصل الشريعة عن هذين الأصلين، لأنهما عمودها، والمرجع الذي يرجع إليه"1 .
والثانية: أن المذهب المالكي كغيره من المذاهب، يقوم على مناهج وطرائق كان الأئمة "يتخذونها للوصول إلى استخراج الأحكام التفصيلية من أدلتها الإجمالية"2 ، بمعنى أن "أصحاب المذاهب هم الذين تكلموا في الأدلة التي هي الأصول، وتكلموا في طرائق الاستدلال ومسالك الاستنباط، وردّ الواحد منهم على الآخر في حجية دليل أو حجية دليل آخر، وفي استقامة مسلك من مسالك الاستدلال وعدم استقامة غيره"3 .
والحقيقة الثالثة: أن وضوح هذه الأصول التي يقوم عليها كل مذهب من مذاهب الأئمة هي التي "قضت بأن يرتبط بهؤلاء الأئمة رجال من الفقهاء من بعدهم، يضافون إليهم ويحسبون عليهم مع أنهم مجتهدون مثلهم..."4 . كأبي يوسف ومحمد بالنسبة لأبي حنيفة، وابن القاسم وأشهب بالنسبة إلى مالك... وآخرين بالنسبة للشافعي وأحمد. وما ذلك إلا لأن "المذهب ليس عبارة عن ارتباط تقليدي بمقتضاه يصير الفقهاء الذين ينتمون إلى مذهب أو يتبعونه مقلدين لإمام المذهب في الأحكام، ولكنه عبارة عن التزام لأصوله وتخريج فروع على تلك الأصول، سواء أطابقت الفروع التي خرجها هو أم خالفتها"5 .
والرابعة: "أن اتفاق المذاهب ووحدتها أو اختلافها، إنما يرجع إلى كونها متفقة في الأصول أو متخالفة في الأصول، لا إلى المقالات الفرعية التي قد يختلف الفقيهان أو أكثر فيها"6 .
والحقيقة الخامسة: هي أن المذهب المالكي كغيره من المذاهب الفقهية ينتمي من جهة أصول الفقه إلى مدرسة المتكلمين التي تضم المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والشيعة. وينتمي من جهة الفقه إلى جماعات أهل السنة. وأهل السنة كما حددهم الإمام ابن حزم هم جماعات: الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنبلية وأهل الحديث الذين لا يتعدونه7 .
ولعل أهم ما يميز هذه المدرسة هو منهجها التركيبي الذي تسلكه في مقاربتها النصوص، بمعنى أنه إذا كان الحنفية يعتمدون المنهج التحليلي في الوصول إلى الغرض أي ينطلقون من الخطاب الشرعي إلى العناصر المكونة له، بحيث يردون الخطاب من زاوية الوضع إلى: العام، والخاص، والمشترك، والجمع المنكر، ومن زاوية الاستعمال إلى: الحقيقة والمجاز من جهة، والصريح والكناية من جهة أخرى، ومن زاوية الحمل إلى: واضح الدلالة وخفيها، أعني: المحكم والمفسر، والنص والظاهر من جهة الوضوح. والخفي والمشكل والمجمل والمتشابه من جهة الخفاء، فإن الأصولي المتكلم لا يعمد إلى تحليل الخطاب إلا ليكون مطية لتوظيفه في منهجه التركيبي. ولذلك نجده إذا حلل الخطاب من زاوية الحمل إلى: محكم ومتشابه أو إلى نص وظاهر من جهة، ومجمل ومؤول من جهة، وإلى أدلة عقلية ونقلية وإلى أصل وفرع، ومقاصد ووسائل، فإنما يقوم بذلك ليزاوج بين هذه العناصر، أي بين المحكم والمتشابه، وبين الظاهر والمؤول، وبين المجمل والمبين وبين النقل والعقل، والأصل والفرع وبين المقاصد والوسائل ليخرج بنتائج لو بقيت الدراسة قاصرة على النظر في كل عنصر على حدة ما كان ليصل إليها8 .
هذا ورغم أن المذهب المالكي ينتمي إلى هذه المدرسة، مدرسة المتكلمين، بمعنى أن المرجعية التي تستند إليها هذه المدرسة هي عينها التي يستند إليها، والآليات التي تستعملها في الاستنباط هي عينها التي يستعملها المذهب المالكي... فإننا مع ذلك نجد هذا المذهب له خصوصيات يتفرد بها داخل هذه المدرسة، لأنه إذا لم تكن له تلك الخصوصيات لن يكون مذهبا قائما بذاته ولن يكون له كيان يعرف به، وتتجلى خصوصياته أكثر ما تتجلى في:
أولا: كثرة الأصول ومصادر الاستنباط، حيث يجد الباحث أن الأصول عند الحنفية لا تتجاوز: الكتاب، والسنة والإجماع، والقياس، والاستحسان، والعرف، ويجدها كذلك عند الشافعية لا تعدو: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. بينما هي عند المالكية أكثر من ذلك "فأقل عدد أحصوه لها تسعة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، وإجماع أهل المدينة، والقياس، والاستحسان والعرف، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع"9 . ولا يخفى أن كثرة الأصول تساعد المشرع كثيرا في استيعاب النوازل والأحداث.
ثانيا: إن من يتأمل هذه الأصول التي يعتمدها المذهب المالكي بصفة عامة، يجد أن ما يميزها هو انطلاقه فيها من المصلحة "سواء ألبست المصلحة لبوس القياس وحملت اسمه، أم ظهرت في ثوب الاستحسان وحملت عنوانه، أم كانت مصلحة مرسلة، لا تحمل غير اسمها ولا تأخذ غير عنوانها"10 أم ظهرت في الغايات والثمرات التي يتجه إليها الفقيه في استنباطاته كسد الذرائع، بل يجد حتى الأصول التي يشارك المالكية الحنفية في الأخذ بها تتسم بميزة المصلحة، بمعنى أنه إذا كان الاستحسان عند الحنفية ضربا من القياس، إذ هو "العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه، ولذلك أطلقوا عليه القياس الخفي"11 - فإنه عند المالكية يعني "الالتفات إلى المصلحة والعدل"12 أو "الأخذ بمصلحة جزئية في مقابل دليل كلي"13 ، ثم إذا كان العرف لا يلتفت الحنفية إليه إلا إذا كان عاما وشاملا كالاستصناع، ودخول الحمام، والشرب من السقاء14 فإنه عند المالكية أكثر احتراما "لأن المصالح دعامة الفقه المالكي في الاستدلال، ولا شك أن مراعاة العرف الذي لا فساد فيه ضرب من المصلحة، لا يصح أن يتركه الفقيه، بل يجب الأخذ به"15 ، حتى ولو كان قاصرا على بلد أو طائفة. جاء في المدونة الكبرى: "وسألت مالكا عن المرأة ذات الزوج أيلزمها إرضاع ابنها؟ قال نعم يلزمها إرضاع ابنها، على ما أحبت أو كرهت إلا أن تكون ممن لا تكلف ذلك، قلت لمالك: ومن التي لا تكلف ذلك؟ قال المرأة ذات الشرف واليسار الكثير التي ليس مثلها ترضع وتعالج الصبيان في قدر الصبيان، فأرى ذلك على أبيه وإن كان لها لبن"16 .
وبذلك يتبين أن الإمام مالكا قد خصص العموم الوارد في قوله تعالى: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين" [سورة البقرة/الآية: 231]، بما كان القوم متعارفين عليه في المدينة المنورة من أن المرأة المترفة ليس واجبا عليها إرضاع وليدها وإنما هو واجب على الآباء إلا أن يرفض الوليد غيرها، أو لا توجد له مرضع.
ثالثا: وتتجلى خصوصيات المذهب المالكي أكثر ما تتجلى في هذا النوع من القياس الذي يقطع فيه الإمام مالك شوطا أبعد من كافة الأصوليين، حيث نجده يقرر أن الحكم الثابت في الفرع يصح أن يقاس عليه، لأنه بعد ثبوت الحكم في الفرع يصير الفرع أصلا "وإنما سمي فرعا ما دام مترددا بين الأصلين، لم يثبت له الحكم بعد"17 ، والفرع الآخر هو بدوره يصير أصلا بعد ثبوت الحكم فيه، ويجوز القياس عليه أيضا، وهكذا إلى ما لا نهاية. ولا يشترطون في صحة هذا النوع من القياس إلا تعذر القياس على الأصول الواردة في الخطاب "فإذا نزلت النازلة ولم توجد لا في الكتاب ولا في السنة ولا فيما أجمعت عليه الأمة نصا، ولا شيء من ذلك علة تجمع بينه وبين النازلة، ووجد ذلك فيما استنبط منها، أو فيما استنبط مما استنبط منها، وجب القياس على ذلك"18. ويرى ابن رشد الجد... أن هذا المعنى مما اتفق عليه مالك وأصحابه، ولم يختلفوا فيه على ما يوجد في كتبهم من قياس المسائل بعضها على البعض، وهو صحيح في المعنى وإن خالف فيه مخالفون"19 .
ثم يدلل على صحة هذا المنهج بعقد مقارنة بين الأصول الشرعية والأصول العقلية فيقول: "إن الكتاب والسنة والإجماع، أصل في الأحكام الشرعيات، كما أن علم الضرورة البديهيات أصل في العلوم العقليات، فكما بني العلم العقلي على علم الضرورة، أو على ما يبنى على علم الضرورة هكذا أبدا من غير حصر بعدد، على ترتيب ونظام الأقرب على الأقرب، ولا يصح أن يبنى الأقرب على الأبعد، فكذلك العلوم السمعيات، تبنى على الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أو على ما بني عليها، أو ما بني على ما بني عليها، بصحته هكذا أبدا إلى غير نهاية، على ترتيب ونظام، الأقرب على الأقرب ولا يصح بناء الأقرب على الأبعد"20 .
ويوضح الشيخ محمد أبو زهرة المسألة بهذا السؤال والإجابة عنه فيقول: قد يقول قائل: كيف يتصور ذلك؟ فيقول: إن هناك قواعد مقررة ثابتة من مجموع النصوص، وعرفت على أنها نتائج مقررة ثابتة، وإن كانت لا ترجع إلى أصل معين، فإن هذه تعد أصلا لأقيسة تقاس عليها، فالأصل المعين يكون غير معروف. ولكنها مقررات شرعية يصح أن تكون أصلا بذاتها" ثم يقول: إنه من الناحية الفقهية لا نستطيع أن نوافق عليه، ولكنه من الأصول المالكية، لعل نظرية المصلحة المرسلة قد بنيت عليه.
ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن هذا المنهج -منهج القياس على الفرع- يعد معمولا به في تفسير القوانين الوضعية، فإن أحكام القضاة قد تبنى على أقيسة، واستخراج علل النصوص القانونية والبناء عليها، وإن هذه الأحكام قد تقررها محكمة النقض، فإذا قررتها تصير مبادئ قانونية يمكن القياس عليها، وتطبق على مقتضاها من غير نظر إلى أصلها من نصوص القانون، وإن ذلك منهاج قد اختص به المذهب المالكي الخصب"21 .
رابعا: كذلك تتجلى خصوصية المذهب المالكي فيما عبروا عنه بالمصالح المرسلة أو الاستدلال المرسل الذي هو عبارة عن "كل مصلحة تكون من جنس المصالح التي يقررها الشارع الإسلامي بأن يكون فيها محافظة على النفس أو الدين أو النسل أو العقل أو المال، ولكن لم يشهد لها أصل خاص حتى تصلح قياسا، فإنها يؤخذ بها على أنها دليل قائم بذاته، وهذه هي التي تسمى مصلحة مرسلة أو استصلاحا"22 .
أو بعبارة أخرى إن من المصالح "ما اعتبره الشارع أي وضع من الأحكام ما يوصل إليه، كالمحافظة على النفس والعقل ودفع الحرج والمشقة عن المكلفين، ومنها ما ألغاه أي وضع من الأحكام ما يدل على إهداره: كالمبالغة في التدين بالرهبانية، ومصلحة الجبان في عدم خوض المعركة، ومصلحة آكل الربا في زيادة ثروته، ومصلحة المريض الميئوس من شفائه، أو من ضاقت به سبل العيش في الموت... ومنها ما لم يشهد الشارع باعتباره ولا بإلغائه"23 .
ومعنى هذا أن الإمام مالكا كان ينطلق من قاعدة راسخة لديه طالما عبر عنها الأصوليون بعده بقولهم: "إن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية، والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى"24 . لعل السر الكامن من ورائها هو أن الخطاب الشرعي إنما جاء للإرشاد والهداية ولم يأت أبدا لحشر الناس في قوالب ضيقة لا محيد عنها.
وأعتقد أن هذا هو الذي يناسب حقيقة الاستخلاف، إذ الاستخلاف ليس معناه تجريد الإنسان من أهم ما يميزه، وجعله مجرد منفذ لما يملى عليه، وليس معناه أيضا ترك الحبل على الغارب، بل معناه تحديد معالم له بقصد الهداية، تختلف وضوحا وخفاء، ولعل أبرز هذه المعالم التي نصبت على طريق الهداية هي:
أ. بيان المقاصد الكبرى أو المصالح التي ينبغي للمجتمع أن يستظل بظلها في مسعاه التشريعي والعمراني، وأعني بها: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، لتكون طريق البناء وطريق الوقاية من الهدم واضحة جلية.
ب. بيانه منهج الإعمار والتشريع المشخص في ثلاث رتب أو درجات هي: الضروريات أولا ثم الحاجيات ثم الكماليات. عن طريقه يتم "الوفاء بمطالب الحياة الإنسانية وإشباعها".
ج. بيان أن الوسائل المبلغة لهذه المقاصد وأعني بها الأحكام التي نص عليها الخطاب الشرعي أو استنبطت منه، ليست كلها ثابتة بل هي تابعة للمقاصد الشرعية، وقد عبر الأصوليون عن هذه الحقيقة بأساليب متنوعة منها:
- أن الأحكام تدور مع العلة أو مع المقصد وجودا وعدما.
- ومنها سد الذرائع وفتحها إذ "الأصل في اعتبار الذرائع هو النظر إلى مآلات الأفعال، فيأخذ الفعل حكما يتفق مع ما يؤول إليه، فإذا كان الفعل يؤدي إلى مطلوب فهو مطلوب، وإن كان لا يؤدي إلا إلى شر فهو منهي عنه"25 ، حتى ولو كان في الأصل مشروعا.
ومنها ما عبر عنه الشيخ ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية وهو: أن غرضه من بيان أنواع المصالح "ليس مجرد معرفة مراعاة الشريعة إياها في أحكامها المتلقاة منها، لأن ذلك مجرد تفقه في الأحكام... وهو دون عرضنا من علم مقاصد الشريعة، ولا أن نقيس النظائر على جزئيات تلك المصالح، لأن ذلك ملحق بالقياس... وإنما غرضنا من ذلك أن نعرف كثيرا من صور المصالح المختلفة الأنواع، المعروف قصد الشريعة إياها، حتى يحصل لنا من تلك المعرفة يقين بصور كلية من أنواع هاته المصالح، فمتى حلت الحوادث التي لم يسبق حلولها في زمن الشارع، ولا لها نظائر ذات أحكام متلقاة منها، عرفنا كيف ندخلها تحت تلك الصور الكلية فنثبت لها من الأحكام أمثال ما ثبت لكلياتها، ونطمئن بأننا في ذلك مثبتون أحكاما شرعية"26 . إذ لا ينبغي الاختلاف بين العلماء "في وجوب اعتبار مصالح هذه الأمة ومفاسد أحوالها... وأنه ليس للعالم أن يترقب حتى يجد المصالح المثبتة أحكامها بالتعيين أو الملحقة بأحكام نظائرها...".