المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ظاهرة الانتحار



عبد الرحمن بن محمد بوصوف
23-04-2008, 20:52
يعتبر الإسلام أن النفس ليست ملكا لصاحبها بل هي لله تعالى عزوجل فإذا تقرر هذا فلا يجوز للإنسان أن يتصرف بنفسه إلا في حدود ما شرعه الله وما يرضاه سبحانه وتعالى، ولذالك كان من مقاصد الشريعة الكلية حفظ النفس من حيث الوجود والعدم، فهي من الضرورات الخمس (الدين والنفس والنسل والعقل والمال).ومن أجل حمايتها وحفظها شرع الله القصاص، وحرم القتل والانتحار.
وسنتناول اليوم استفحال ظاهرة الانتحار التي أخذت أبعادا خطيرة خصوصا بين الشباب،فلا يكاد يمر يوما إلا نسمع أو نقرأ عن انتحار شاب هنا وهناك عبر مختلف ولايات الوطن.
فما هي أسبابها؟؟؟
ما رأي الشرع في هاته الظاهرة الخطيرة؟؟؟
وما هي الطرق والوسائل التي اعتمده الإسلام لمعالجتها؟؟؟
إن السبب الرئيس وراء استفحال ظاهرة الإنتحار ـ حسب رأي ـ في المجتمع المسلم، هو ضعف الإيمان بالله تعالى، فكلما ابتعد الإنسان عن ربه وانغمس في زخارف الحياة الدنيا وأخذ بصره وبصيرته بريق المدنية بماديتها أحدث له ذالك فراغ روحي فيصبح ويمسي كإنسان فقد مناعته المكتسبة فأي مرض مهما كان ضعفه، يصيبه في مقاتله.
إن الإيمان بمثابة الدرع الذي يحمي ويصد ضربات مطرقة ألآم والأحزان والكروب ويحولها من نقمة إلى نعمة، ومحنة إلى منحة من عند الله تبارك وتعالى " ولنبلوكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصبرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أؤلئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأؤلئك هم المهتدون".
كما أن الإنسان من غير إيمان هلع أو هلوعا حسب التعبير القرآني لا يستقر على حال، في السراء والضراء على حد سواء كما وصفه الله تعالى حينما قال " إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا"ولكن المسلم المؤمن الذي يصلى لله تعالى ويضع جبهته على الأرض معلن استسلمه وخضوعه لمولاه سبحانه وتعالى، لهذا يستثني الله المصلي حيث قال :" إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون" ففي الصلاة يتذكر الإنسان ربه وأن بيده سبحانه وتعالى الأمر كله وأن الإنسان في هذه الحياة لا يكافح وحده، وأن للعالم خالقا بصيراً حاكماً عادلاً، فإذا ما ظلمه ظالم، أو جار على حقه جائر، فوض أمره إلى من تقوم السماوات والأرض بأمره.
وإذا حز به أمرٌ، أو ضاقت به زحمتها، لجأ إلى الله الذي وسعت رحمته كل شئ، فمن يملك الأمر سواه، ومن يقدر على كل شيء غيره،" إنما أمره إذ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون"
إن هذا الإحساس يحيط الإنسان في حياته بجو من الهدوء والاطمئنان النفسي الذي يعينه على الاستمرار في حياته بصحة جسيمة وراحة عقلية واطمئنان حسي. لهذا كان أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم:" كان إذا حزبه أمر صلى".سنن أبي داود.
وقد قال تعالى: "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ " ولا يركع ولا يسجد أمام ريح الهموم والأوضاع الاجتماعية أو الاقتصادية وأي ظرف كان، ومهما كانت قوة تلك العاصفة وإنما ينحي لها حتى تمر، مثل السنبلة كما أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "‏مثل‏ المؤمن مثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كشجرة ‏‏الأرزة‏ ‏لا تهتز حتى تستحصد".
فإذا مرت عاد أقوى لأنه يعلم بأن هاته الهموم والكروب يأجر عليها لأنه صبر وشكر قال صلـى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله عجب، لا يقضي الله لمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له،وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله:" ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها" وفيهما أيضا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه "،وفي صحيح مسلم من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة "، بل يعتبر الابتلاء دليل على محبة الله تعالى ، كما جاء في الحديث :" إذا أحب الله عبدا ابتلاه "
وعلى قدر الإيمان يكون البلاء كما قال صلى الله عليه وسلم:"يبتلى الرجل على قدر دينه".
ما رأي الأخوة الأكرام
لمناقشة

هلال بن عبد الله بن عمر
24-04-2008, 19:01
الراي في هذا كله يعود الى احد ثلاثة امورهي
-الفقر المدقع وهو السبب الاول والرئيس
-نقص في العقيدة الصحيحة والصحبة السيئة
-شيوخ ومتفقهة العصر الذين لم يعد همهم الاسلام ولا المسلمين ولكن همهم الدينار والعيش الرغيد
والله اعلم

سليم اسحق الحشيم
24-04-2008, 22:41
السلام عليكم
ظاهرة الإنتحار فإن وجدت في المجتمعات الإسلامية فهي ضئيلة ,اما في المجتمعات الغربية والتي لا تعتنق الإسلام فهي في إطراد...والسبب الرئيس والمباشر في وجودها في المجتمعات الإسلامية هو ضعف الإيمان وضعف الشخصية...فالإسلام يهذب النفوس ويربيها على تقوى الله وأن سبب وجوده هو عبادة الله,يقول الله تعالى:"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ",وأن حياته ومماته وسبب وجود لله عز وجل, يقول الله تعالى:"قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ", والمسلم إن أصابه مكروه لجأ الى الخالق البارئ ووجد فيه العزاء, فالعزاء هو السلو وحسن الصبر على المصائب وخير من المصيبة العوض منها والرضى بقضاء الله والتسليم لأمره تنجزاً لما وعد من حسن الثواب، وجعل للصابرين من الصلاة عليهم والرحمة. فإنه يقول تبارك وتعالى: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. وقال وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم. وقال تبارك اسمه: ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه يقول الاسترجاع. خبرني بذلك غير واحد من الفقهاء.
وروى أبو الحسن عن الفضل بن تميم قال: قيل للضحاك بن قيس: من قال عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، كان ممن أخذ بالتقوى وأدى الفرائض ? فقال: نعم، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة.
قال الأصمعي عن بعض العلماء: لو وكل الناس بالجزع للجؤوا إلى الصبر.
وروي عن الحسن أنه كان يقول: الحمد لله الذي أجرنا على ما لا بد لنا منه، وأثابنا على ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته.
قال الأصمعي وأبو الحسن: جزع سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب فقال له رجل من القراء: يا أمير المؤمنين إن امرأ حدث نفسه بالبقاء في الدنيا وظن أنه يعرى من المصائب فيها لغير جيد الرأي. فكان ذلك أول ما تسلى به.
وكان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه يقول: عليكم بالصبر، فإن به يأخذ الحازم وإليه يعود الجازع.
وروي عن أبي الحسن، عن أبي عمرو بن المبارك قال: دخل زياد بن عثمان بن زياد على سليمان بن عبد الملك، وقد توفي ابنه أيوب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عبد الرحمن بن أبي بكرة كان يقول: من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب.
قال أبو الحسن عن علي بن سليمان عن الحسن: الخير الذي لا شر فيه الشكر مع العافية، والصبر عند المصيبة. فكم من منعم عليه غير شاكر، ومن مبتلى غير صابر.
وعن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال عند موت ولده إبراهيم:" لو لا أن الماضي فرط الباقي وأن الآخر لاحق بالأول لحزنا عليك يا إبراهيم. ثم دمعت عينه فقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب. وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون."....فنِعم العزاء ونِعم السلوى ونِعم ما نتأسى به فعل الرسول عليه الصلاةوالسلام.

عبد الرحمن بن محمد بوصوف
26-04-2008, 23:53
بسم الله الرحمن الرحيم
الرجاء المشاركة من قبل المشايخ والإساتذة الكرام في هذا الموضوع المهم جدا

عبد الرحمن بن محمد بوصوف
07-05-2008, 23:10
ظاهرة الانتحار ...في ميزان الشريعة

يعتبر الإسلام أن النفس ليست ملكا لصاحبها بل هي لله تعالى عزوجل فإذا تقرر هذا فلا يجوز للإنسان أن يتصرف بنفسه إلا في حدود ما شرعه الله وما يرضاه سبحانه وتعالى، ولذالك كان من مقاصد الشريعة الكلية حفظ النفس من حيث الوجود والعدم، فهي من الضرورات الخمس (الدين والنفس والنسل والعقل والمال).ومن أجل حمايتها وحفظها شرع الله القصاص، وحرم القتل والانتحار.
وسنتناول اليوم استفحال ظاهرة الانتحار التي أخذت أبعادا خطيرة خصوصا بين الشباب،فلا يكاد يمر يوما إلا نسمع أو نقرأ عن انتحار شاب هنا وهناك عبر مختلف ولايات الوطن.
فما هي أسبابها؟؟؟
وما هي الطرق والوسائل التي اعتمده الإسلام لمعالجتها؟؟؟
ما رأي الشرع في هاته الظاهرة الخطيرة؟؟؟
إن السبب الرئيس وراء استفحال ظاهرة الانتحار ـ حسب رأي ـ في المجتمع المسلم، هو ضعف الإيمان بالله تعالى، فكلما ابتعد الإنسان عن ربه وانغمس في زخارف الحياة الدنيا وأخذ بصره وبصيرته بريق المدنية بماديتها أحدث له ذالك فراغ روحي فيصبح ويمسي كإنسان فقد مناعته المكتسبة فأي مرض مهما كان ضعفه، يصيبه في مقاتله.
إن الإيمان بمثابة الدرع الذي يحمي ويصد ضربات مطرقة الألام والأحزان والكروب ويحولها من نقمة إلى نعمة، ومحنة إلى منحة من عند الله تبارك وتعالى " ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أؤلئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأؤلئك هم المهتدون".(سورة البقرة)
كما أن الإنسان من غير إيمان هلع أو هلوعا حسب التعبير القرآني لا يستقر على حال، في السراء والضراء على حد سواء كما وصفه الله تعالى حينما قال:" إن الإنسان خلق هلوعا*إذا مسه الشر جزوعا*وإذا مسه الخير منوعا" (سورة المعا رج).
ولكن المسلم المؤمن الذي يصلى لله تعالى ويضع جبهته على الأرض معلن استسلامه وخضوعه لمولاه سبحانه وتعالى، لهذا يستثني الله المصلي حيث قال :" إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون" ففي الصلاة يتذكر الإنسان ربه وأن بيده سبحانه وتعالى الأمر كله وأن الإنسان في هذه الحياة لا يكافح وحده، وأن للعالم خالقا بصيراً حاكماً عادلاً، فإذا ما ظلمه ظالم، أو جار على حقه جائر، فوض أمره إلى من تقوم السماوات والأرض بأمره.
وإذا حز به أمرٌ، أو ضاقت به زحمتها، لجأ إلى الله الذي وسعت رحمته كل شيء، فمن يملك الأمر سواه، ومن يقدر على كل شيء غيره،" إنما أمره إذ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون"
إن هذا الإحساس يحيط الإنسان في حياته بجو من الهدوء والاطمئنان النفسي الذي يعينه على الاستمرار في حياته بصحة جسيمة وراحة عقلية واطمئنان حسي. لهذا كان أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم:" كان إذا حزبه أمر صلى".سنن أبي داود.
وقد قال تعالى: "واستعينوا بالصبر والصلاة" (سورة البقرة) ولا يركع ولا يسجد أمام ريح الهموم والأوضاع الاجتماعية أو الاقتصادية وأي ظرف كان، ومهما كانت قوة تلك العاصفة وإنما ينحي لها حتى تمر، مثل السنبلة كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "‏مثل‏ المؤمن مثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كشجرة ‏‏الأرزة‏ ‏لا تهتز حتى تستحصد".
فإذا مرت عاد أقوى لأنه يعلم بأن هاته الهموم والكروب يأجر عليها لأنه صبر وشكر قال صلـى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله عجب، لا يقضي الله لمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له،وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله:" ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها" وفيهما أيضا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه "،وفي صحيح مسلم من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة "، بل يعتبر الابتلاء دليل على محبة الله تعالى ، كما جاء في الحديث :" إذا أحب الله عبدا ابتلاه "
وعلى قدر الإيمان يكون البلاء كما قال صلى الله عليه وسلم:"يبتلى الرجل على قدر دينه".
إن الإسلام يعتبر هذه الحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان، كما أنها محطة عبور لا دار قرار والإنسان فيها كمسافر راجع إلى منزله ومقامه في صحيح الجامع عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله قال: مالي وللدنيا، وما للدنيا ومالي والذي نفسي بيده، ما مثلي ومثل الدنيا، إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من النهار، ثم راح وتركهـا " إن الدنيا كمن يبني منزل على أمواج المحيط فأين يجد الاستقرار من كان هذا شأنه.
ولله در الشاعر حين قال:
إن لله عباد فطنا.............طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا...أنها ليست لحى وطنا
جعلوها لجة واتخذوا....صالح الإعمال فيها سفنا
بل هي مزرعتك تبدر فيها الإعمال لتحصد الثمار غدا قال تعالى :" تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور"(سورة الملك)
قال ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ : تلا النبي صلى الله عليه وسلم {تبارك الذي بيده الملك} - حتى بلغ - {أيكم أحسن عملا} فقال : (أورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله). والمنتحر لم يتورع عن محارم الله.
كما نفهم من الآية الكريمة الهدف من خلق الموت والحياة هو امتحان الله لنا أينا يكون عمله أفضل.
فقد يقول قائل : ما الفائدة من وراء الابتلاء؟
نقول الفائدة منه معرفة الصادق من الكذوب والمدعي ، فالناس قد يكنون في حال الرخاء سواء، وإنما الذي يمايز بينهم هو الابتلاء.
قال تعالى :" الم* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون* ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" (سورة العنكبوت).
فقوله تعالى: "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون" استفهام إنكار, ومعناه أن الله سبحانه وتعالى لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان, كما جاء في الحديث الصحيح «أشد الناس بلاء الأنبياء, ثم الصالحون, ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه, فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء» وهذه الآية كقوله: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}.
إن كلمة الفتنة في هذه الآية لها دالتها الواضحة،إذ تبين في مدلولها اللغوي تمحيص الردي من الجيد، وهي بذالك تمثل الارتقاء والارتفاع نحو الصفاء والنقاء الروحي وإزالت ما علق من الشوائب والأدران فتبرز بها خفاي الرجال ومعادنهم، فالبشر كالمعادن منهم الذهب ومنهم ما دون ذالك، وكما يقال ليس كل ما يلمع ذهبا، قال صلى عليه وسلم :" تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكلنا يعلم بأن المعادن منها النفيس ومنها الخسيس وكذلك الناس معادن، فمن الناس من معدنه نفيس، ومن الناس من معدنه خسيس. والنفاسة والخسة في معادن الناس، لا علاقة لها بالنسب والحسب.وإنما نفاسة الناس وخستهم، بحسب ما معهم من التقوى والدين والخوف من الله، والالتزام بأحكام الإسلام.
فكما أن النار تفتن الذهب فتزيده نقاء وصفاء وتنفي عنه الخبث، كذا المحن والابتلاءات تصقل إيمان الرجال وتزيد في صلابتهم، أضف إلى ذالك ما يتحصل عليه المرء من أجرا ورفعة عند ربه سبحانه إذ هو صبر واحتسب، حتى يسير وليس عليه إثم أو ذنب وفي الصحيح :" لا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة "، وفي المسند وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعا :" لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وفي ولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة "، ويتأكد هذا معنى أكثر بالآية الأخرى في سورة الأنبياء قال تعالى : " ونبلوكم بالخير والشر فتنة وإلينا ترجعون"، ويترصع المعنى بما رواه أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، و إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، و من سخط فله السخط".
ومن المفاهيم العقادية الخاطئة التي جاء القرآن ليصححها ويضعها في نصابها، إن يتصور الإنسان ويعتقد أنه إذ ابتلي بالغني وبحبوحة في المال ووسع في عيشه فذالك دليلا على كرامته على الله ومحبته له، وبالعكس إذ ضيق عليه في الرزق وابتلي بالفقر والفاقة فهي علامة على هوان ذالك العبد وبغض الله له.
قال تعالى :" فأما الإنسان إذا ما ابتله ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن* وأما إذا ما ابتله فضيق عليه رزقه فيقول ربي أهانن* كلا " (سورة الفجر). يقول ابن كثير في تفسيره ما يلي :" يقول تعالى منكرا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ليختبره في ذالك، فيعتقد أن ذالك من الله إكرام له وليس كذلك بل هو ابتلاء وامتحان كما قال تعالى " أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين* نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون" (سورة الإنبياء).
وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذالك من إهانة له، قال تعالى "كلا" أي ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، إنما المدار في ذالك على طاعة الله في كل الحالين: إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذالك وإذا كان فقيرا بأن يصبر...".
إن من أركان الإيمان الأساسية القضاء والقدر خيره وشره ، حلو ومره يقول تعالى :" أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا* ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك
وأرسناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا"(سورة النساء).
وعن أبي العباس عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال كنت خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- يوما فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وفي رواية غير الترمذي :" أحفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا".
فالمسلم بإيمانه بالقدر يتعامل مع الكروب والخطوب بشجاعة وصبر وثبات ورضا فهو قد عرف وآمن بالله الذي بيده ملكوت كل شيء وأن لا شيء خارجا عن قدرته وإرادته سبحانه " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إلا لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور" (سورة الحديد)، قال ابن جرير: حدثني يعقوب, حدثني ابن علية عن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت جالساً مع الحسن فقال رجل سله عن قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} فسألته عنها فقال: سبحان الله ومن يشك في هذا ؟ كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة.وأن الكون يسير بإذنه وعلمه عز وجل فعنده تعالى :" مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض و لا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين"، فيعطيه ذالك إيمانا عميقا وراحة بال وطمأنينة وكان عليه القضاء والقدر باردا وسلاما،فهو البلسم الشافي الذي ما إن وضع على مدلاهمات الحياة كان البرء بفضل العالي القدير، فلا يدرك هذه الأمور ، ولا يجد حلاوتها ولا يعلم ثمراتها إلا من آمن بالله وقضائه وقدره، كما أنه وسيلة لمواجهة القلق النفسي فالمؤمن الحق إذا أصابته مصيبة مقدرة فعليه ألا يتحسر ، بل عليه أن يقول : قدر الله وما شاء فعل ، ولا عليه أن يتمنى حدوث عكس ما وقع ، لأن ذلك يورث حسرة وحزنا لا يفيد، والتسليم للقدر هو الذي يشيع الأمن والاطمئنان ويقضي على مشاعر القلق والتوتر ، وكما قال بعضهم الأمر أمران :
- أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه.
- أمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه .
وأن كل ما يعترض المؤمن من مشاق لا يقابلها بغير الرضا والتسليم ، وذلك من منطلق قوله عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ، أحرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان".
ولقد أدهش جانب الرضا بالقضاء والقدر من حيث أثره البالغ في نفس المسلم واستقباله لصعوبات الحياة بعزيمة قوية وإرادة لا تجزع ، أدهش هذا الركن من أركان الإيمان الكثير من غير المسلمين ، وقد كتبوا في هذا الشأن معبرين عن دهشتهم ومن هؤلاء الكاتب المشهور بودلي مؤلف كتاب ( الصحراء أو رياح على الصحراء ) و كتاب ( الرسول صلى الله عليه و سلم ) و أربعة عشرة كتابا أخرى أورد رأيه هذا في قضية صبر المسلمين عند المصائب أورده ديل كارنجي في كتابه ( دع القلق و ابدأ الحياة ) في مقالة بعنوان ( عشت في جنة الله ) يقول بودلي : " في عام 1918 و ليت ظهري العالم الذي عرفته طيلة حياتي يممت شطر إفريقيا الشمالية الغربية حيث عشت بين عرب الصحراء و قضيت هناك سبعة أعوام أتقنت خلالها لغة البدو و كنت ارتدي زيهم و آكل من طعامهم و اتخذ مظاهرهم في الحياة و غدوت مثلهم امتلك أغناما و أنام كما ينامون في الخيام و تعمقت في دراسة الإسلام حتى إنني الفت كتابا اسمه ( محمد صلى الله عليه و سلم ) و كانت تلك الأعوام السبعة التي قضيتها مع هؤلاء البدو أروع و أمتع السنين و أحفلها بالسلام و الاطمئنان و الرضا بالحياة،و قد تعلمت من عرب الصحراء كيف أتغلب على القلق
القلق طاعون العصر،المرض الذي أصاب الملايين من الناس،تعلمت كيف أتغلب على القلق فهم بوصفهم مسلمين يؤمنون بالقضاء و القدر و قد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان و اخذ الحياة مأخذا سهلا هينا فهم لا يتعجلون أمرا و لا يلقون بأنفسهم بين براثن هم قلقا على أمر،إنهم يؤمنون بأن ما قدر يكون و أن الفرد منهم لن يصيب إلا ما كتب الله له،ليس معنى هذا أنهم يتواكلون أو يقفون في وجه الكارثة مكتوف الأيدي كلا ...ثم أردف قائلا ودعني أضرب لك مثلا لما أعنيه : هب ذات يوم عاصفة عاتية حملت رمال الصحراء و عبرت بها البحر الأبيض المتوسط و رمت بها وادي الرون في فرنسا و كانت العاصفة حارة شديدة الحر حتى أحسست كأن رأسي يتزعزع من منابته لفرط وطأة الحر يقول أحسست من فرط القيظ كأني مدفوع إلى الجنون لكن العرب لم يشكوا إطلاقا فقط هزوا أكتافهم قالوا كلمتهم المأثورة :" قضاء مكتوب"،لكنهم ما إن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير فذبحوا صغار الخراف قبل إن يؤدي القيظ بحياتها ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء فعلوا هذا كله في صمت و هدوء دون إن تبدو من احدهم شكوى،قال رئيس القبيلة :لم نفقد الشيء الكثير فقد كنا قلقين إن نفقد كل شيء لكن الحمد لله و شكرا فأن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا و في استطاعتنا إن نبدأ بها عملنا من جديد
بعد إن استعرض بود لتجربته مع عرب الصحراء علق بقوله : قد أقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء بين عرب الرحل إن المتلاهفين و مرضى النفوس و السكيرين الذين تحفل بهم أمريكا و أوروبا ما هم إلا ضحايا المدينة التي تتخذ السرعة أساس لها،إنني لم أعاني شيئا من القلق قط و أنا أعيش في الصحراء بل هنالك في جنة الله وجدت السكينة و القناعة و الرضا،ثم ختم كلامه بقوله :خلاصة القول إنني بعد امتضاء سبعة عشرة عاما على مغادرة الصحراء مازلت أتخذ موقف العرب حيال قضاء الله فأقابل الحوادث التي لا حيلة لي فيها بالهدوء و الامتدال والسكينة ولقد أفلحت هذه الطباع اكتسبتها من العرب في تهدئة أعصابي أكثر مما تفلح آلاف المسكنات والعقاقير"أ.هـ.
أما المنتحر أو الذي يفكر بالانتحار عند الصدمة فمبارزا لقضاء ربه وقدره، ساخط على مولاه سبحانه، فإذا نزلت بساحته مصيبة أو أصابته لأواء فسوف يقتل نفسه حسرات، لأن فرصته الفريدة للعيش هي هذه الحياة الدنيا التي يؤمن بها وحدها قد ضاعت بين أصابعه كما ينزلق الزئبق قال تعالى :" ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابه فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذالك هو الخسران المبين" (سورة الحج).
إن أنعم عليه بالصحة والعافية والمال استعان بنعمه على معاصيه.وإن سلبه ذالك ظل متسخطا على ربه، لا يصلح له على عافية، ولا على ابتلاء، العافية تلقيه إلى مساخطه، والبلاء يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته.
رب سائلا يسأل فيقول: أوليس الانتحار من قضاء الله وقدر؟
فيقال له: نعم، فما من نفس إلا وقد فرض الله لها أجلاً لقوله تعالى:"فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" (سورة الحجر)، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه‏:"‏إن روح القدس نفث في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله ، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته‏"(السلسة الصحيحة).‏
وعليه، فإن المنتحر قد انتهى أجله، بالسبب الذي أقدم عليه، ولا يعني ذلك أنه لما كان أجله المقدر منتهياً ينبغي أن لا يؤاخذ بما هو مكتوب قدراً، وذلك لأن الله تبارك وتعالى جعل في العبد قدرة وإرادة ليتمكن بهما من عمل ما أراد وترك ما لم يرد، هذا مما لا يتردد فيه عاقل، فإذا أقدم على أمر منهي عنه شرعاً مع تمكنه من الترك، فقد خالف ما أمره الله تعالى به، وأراده منه شرعاً، ومن خالف الأمر مختاراً استحق العقاب.ولكي نقرب المعنى الأذهان وحتى تتضح الصورة وينجلي ما عليها من غبار،يقول عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني في كتابه الموسوم بالعقيدة الإسلامية وأسسها"....ونستطيع أن نمثل ذالك أيضا براكب السفينة؛ ذالك أن راكب السفينة له حركات إرادية حينما يتنقل من موضع إلى موضع آخر فيها؛ ويعتبر مسؤولا عنها، وله حركات خارجة عن نطاق إرادته وذالك حينما تسير به السفينة شرقا وغربا، وحينما تتخبط به أمواج البحر من كل جهة،وهذه الحركات الخارجة عن نطاق إرادته لا يعتبر مسؤولا عنها.ا.هـ
"...وكيف لا؟ وهو البحر الذي تجري سفينة راكبه في موج كالجبال.والمعترك الذي تضاءلت لشهوده شجاعة الأبطال.وتحيرت عقول ألباء الرجال.ووصلت الخليقة إلى ساحله يبغون ركوبه. فمنهم: من وقف مطرقا دهشا.لا يستطيع أن يملأ منه عينه.ولا ينقل عن موقفه قدمه.قد امتلأ قلبه بعظمة ما شاهد منه.فقال: الوقوف على الساحل أسلم.وليس بلبيب من خاطر بنفسه. ومنهم: من رجع على عقيبه، لما سمع هديره،وصوت أمواجه، ولم يطق نظرا.
ومنهم: من رمى بنفسه في لججه، تخفضه موجه، وترفعه أخرى. فهؤلاء على خطر.إذ الواقف على الساحل عرضة لوصول الماء تحت قدميه. والهارب ـ ولو جد في الهرب ـ فماله مصير إلا إليه. والمخاطر ناظر إلى الغرقى كل ساعة بعينيه. وما نجا من الخلق إلا الصنف الرابع. وهم الذين انتظروا موافاة سفينة الأمر. فلما قربت منهم ناداهم الربان ( اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها) فهي سفينة نوح حقا. وسفينة من بعده من الرسل. من ركبها نجا. ومن تخلف عنها غرق. فركبوا سفينة الأمر بالقدر.تجري بهم في تصاريف أمواجه على حكم التسليم لمن بيده التصرف في البحار. فلم يك إلا غفوة، حتى قيل لأرض الدنيا وسمائها: يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي، وغيض الماء. وقضي الأمر. واستوت على جودي دار القرار. والمتخلفون عن السفينة ـ كقوم نوح ـ أغرقوا .ثم أحرقوا. ونودي على رؤوس العالمين ( وقيل : بعدا للقوم الظالمين)( وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين) ثم نودي بلسان الشرع والقدر، تحقيقا لتوحيده. وإثباتا لحجته. وهو أعدل العادلين ( قل فلله الحجة البالغة. فلو شاء لهداكم أجمعين). وراكب هذا البحر في سفينة الأمر، وظيفته: مصادمة أمواج القدر، ومعارضتها بعها ببعض، وإلا هلك. فيرد القدر بالقدر. وهذا سير أرباب العزائم من العارفين، وهو معنى قول الشيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلاني:( الناس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا. فانفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعا للقدر، لا من يكون مستسلما مع القدر) ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض فكيف في معادهم؟ والله تعالى أمر أن تدفع السيئة ـ وهي من قدره ـ بالحسنة ـ وهي من قدره ـ وكذالك الجوع من قدره. وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدره. ولو استسلم العبد لقدر الجوع، مع قدرته على دفعه بقدر الأكل، حتى: مات عاصيا….وقد أفصح النبي صلى اتلله عليه وسلم عن هذا المعنى كل الإفصاح، إذ قالوا: " يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، وتقى نتقى بها. هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله"…وإذا طرق العدو من الكفار بلد الإسلام طرقوه بقدر الله. أفيحل للمسلمين الاستسلام للقدر، وترك دفعه بقدر مثله. وهو الجهاد الذي يدفعون به قدر الله بقدره.." هذا كلام قيم لابن القيم في مدارج السالكين.
إن هنالك عدة أسباب أخرى وراء ظاهرة الانتحار، ولكن ركزت على ما رأيته أهم في تلك الدوافع وإن كان جهد مقل، الله وراء القصد.

عبد الرحمن بن محمد بوصوف
07-05-2008, 23:24
ما رأي الشرع في هاته الظاهرة الخطيرة؟
عرف الفقهاء الانتحار بي: قتل الإنسان نفسه بأي وسيلة كانت.
لقد أعتبر الشرع الانتحار من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله تعالى، واتفق الفقهاء على حرمته،لإنه تعدي على النفس التي حرم الله إلا بالحق، كما قرر العلماء أن المنتحر أعظم إثم ووزرا من قاتل غيره، وهو فاسق وباغ على نفسه.
قال تعالى :" ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما* ومن يفعل ذالك ظلما وعدوانا فسوف نصليه نارا وكان ذالك على الله يسير" } قال القرطبي رحمه الله تعالى ::"... ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه ، بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال أن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف ويحتمل أن يقال ولا تقتلوا أنفسكم في حال ضجر أو غضب فهذا كله يتناوله النهي وقد احتج عمرو بن العاص t بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل خوفاً على نفسه منه فأقر النبي صلى الله عليه وسلم احتجاجه وضحك عنده ولم يقل شيئا . أ.هـ
وقال تعالى :" ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".
كما جاء أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تشدد النكير على من فعل ذالك ،فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ) رواه البخاري ومسلم.
وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ) رواه البخاري ومسلم.
وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات. قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً فقال لرجل ممن يدعى بالإسلام هذا من أهل النار فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الرجل الذي قلت له آنفا إنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى النار فكاد بعض المسلمين أن يرتاب فبينما هم على ذلك إذ قيل إنه لم يمت ولكن به جراحا شديدا فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله ثم أمر بلالاً فنادى في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " [ رواه مسلم ] .
وعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا يدع لهم شاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه فقالوا ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنه من أهل النار فقال رجل من القوم أنا صاحبه أبدا قال فخرج معه كلما وقف وقف معه وإذا أسرع أسرع معه قال فجرح الرجل جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه وضوء وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أشهد أنك رسول الله قال وما ذاك قال الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار فأعظم الناس ذلك فقلت أنا لكم به فخرجت في طلبه حتى جرح جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه وضوء وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذلك إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة " [ رواه مسلم ] .
وعن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كان برجل جراح فقتل نفسه فقال الله بدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة " ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخنق نفسه يخنقها في النار والذي يطعنها يطعنها في النار " [ رواه البخاري ] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الإسلام هذا من أهل النار فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال وكثرت به الجراح فأثبتته فجاء رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت الذي تحدثت أنه من أهل النار قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال فكثرت به الجراح فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما إنه من أهل النار فكاد بعض المسلمين يرتاب فبينما هو على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته فانتزع منها سهما فانتحر بها فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله صدق الله حديثك قد انتحر فلان فقتل نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " [ رواه البخاري ] .
وعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من خنق نفسه في الدنيا فقتلها خنق نفسه في النار ومن طعن نفسه طعنها في النار ومن اقتحم فقتل نفسه اقتحم في النار " [ رواه ابن حبان ] .
بل جاء النهي في الإسلام فيما هو دون ذلك ، مثل الدعاء على النفس بالموت لضر نزل به ففي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه ، فإن كان ولا بد فاعلاً ، فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي ).
وقد قسم الفقهاء الانتحار إلى نوعين هما:
أ‌) الانتحار بطريق الإيجاب: ومثاله كأكل سم أو ألقاء نفسه من شاق أو أحرق نفسه وكذا خنق نفسه بحبل وغير ذالك من الطرق فهو عند الفقهاء انتحار بطريق الإيجاب.
ب‌) الانتحار بطريق السلب: ومثاله كالامتناع عن الأكل أو الشرب أو عدم الحركة في الماء أو في النار، فهو انتحار بطريق السلب، فمن امتنع من المباح حتى مات كان قاتلا نفسه، متلفا لها عند جميع أهل العلم.
كما يرى الفقهاء أنه الانتحار منه عمدا ومنه خطأ، وذالك حسب إرادة المنتحر، فمن أقدم على عملا يتحصل منه قتل نفسه، وقصد تلك النتيجة من إتلاف روحه، فهو انتحارا عمدا، كشرب سم بقصد القتل،أما الانتحار خطأ فهو إذا أراد صيدا فأصاب نفسه مثلا.
هل قاتل نفسه كافر أم مؤمن؟
المنتحر قد اختلف العلماء في كفره وإيمانه ، والراجح أنه إن كان ساخطا على ما نزل به وكارها للقدر غير راض بما قدره الله ، فقد أهدر ركنا من الإيمان ، وهو الإيمان بالقدر ، أو كان يستحل الانتحار، فيكون كافرا مخلدا في النار ، كما جاء الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: ( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، من تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا) متفق عليه .
وفي صحيح مسلم، في كتاب الإيمان ، باب : غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه وإن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة . أما المنتحر الذي لم يستحل الانتحار فهو مؤمن وإن كان عاصيًا.
لكن جماهير العلماء لا يقولن بكفر المنتحر غير المستحل للانتحار، لأنّ الكفر هو الإنكار والخروج عن دين الإسلام وصاحب الكبيرة - غير الشّرك - لا يخرج عن الإسلام عند أهل السّنّة والجماعة.
وسبب اختلافهم هو ما ورد في الأحاديث الصّحيحة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما يدلّ ظاهره على خلود قاتل نفسه في النّار وحرمانه من الجنّة. منها ما رواه الشّيخان عن أبي هريرة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من تردّى من جبلٍ فقتل نفسه فهو في نارٍ جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً ، ومن قتل نفسه بحديدةٍ فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنّم خالداً مخلّداً فيها أبداً » ومنها حديث جندبٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « كان برجلٍ جراح فقتل نفسه ، فقال اللّه : بدرني عبدي نفسه ، حرّمت عليه الجنّة »
وظاهر هذين الحديثين وغيرهما من الأحاديث يدلّ على كفر المنتحر، لأنّ الخلود في النّار والحرمان من الجنّة جزاء الكفّار عند أهل السّنّة والجماعة. وقد فسر قول النبي صلى الله عليه وسلم :" خالدا مخلدا فيها أبدا"
قال ابن حجر في فتح الباري:"... وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحله , فإنه يصير باستحلاله كافرا والكافر مخلد بلا ريب.وقيل : ورد مورد الزجر والتغليظ , وحقيقته غير مرادة .
وقيل: المعنى أن هذا جزاؤه, لكن قد تكرم الله على الموحدين فأخرجهم من النار بتوحيدهم.
وقيل : التقدير مخلدا فيها إلى أن يشاء الله. وقيل: المراد بالخلود طول المدة لا حقيقة الدوام كأنه يقول يخلد مدة معينة, وهذا أبعدها. أ.هـ
هل يصلى على المنتحر؟
وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على المنتحر، عقوبةً له، وزجراً لغيره أن يفعل فعله، وأذن للناس أن يصلوا عليه، فيسن لأهل العلم والفضل ترك الصلاة على المنتحر تأسيّاً بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:" أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمَشاقص فلم يصل عليه " رواه مسلم.
وفي سنن النسائي ‏عن‏ ‏ابن سمرة ‏‏أن رجلا قتل نفسه ‏ ‏بمشاقص ‏ ‏فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم:" ‏أما أنا فلا أصلي عليه".
قال النووي أخذ بظاهره من قال لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه وهو مذهب الأوزاعي وأجاب الجمهور بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله وصلت عليه الصحابة وهذا كما ترك صلى الله تعالى عليه وسلم في أول الأمر الصلاة على من عليه دين زجرا لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائها وأمر أصحابه بالصلاة عليه فقال صلوا على صاحبكم،عون المعبود شرح سنن أبي داود:قال صلى الله عليه وسلم:" إذا لا أصلي عليه"،قال الخطابي: وترك الصلاة عليه معناه العقوبة له وردع لغيره عن مثل فعله . وقد اختلف الناس في هذا فكان عمر بن عبد العزيز لا يرى الصلاة على من قتل نفسه , وكذلك قال الأوزاعي وقال أكثر الفقهاء يصلى عليه انتهى . ‏
‏قال المنذري : والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصرا بمعناه قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي . إنه صلى الله عليه وسلم, إنما قال ذلك ليحذر الناس بترك الصلاة عليه, فلا يرتكبوا كما ارتكب.
وقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية "... يرى جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ) أنّ المنتحر يصلّى عليه ، لأنّه لم يخرج عن الإسلام بسبب قتله نفسه كما تقدّم ، ولما ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « صلّوا على من قال لا إله إلاّ اللّه » ولأنّ الغسل والصّلاة متلازمان عند المالكيّة ، فكلّ من وجب غسله وجبت الصّلاة عليه ، وكلّ من لم يجب غسله لا تجب الصّلاة عليه . وقال عمر بن عبد العزيز الأوزاعي - وهو رأي أبي يوسف من الحنفيّة ، وصحّحه بعضهم - لا يصلّى على قاتل نفسه بحالٍ ، لما روى جابر بن سمرة : « أنّه أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصلّ عليه » ولما روى أبو داود « أنّ رجلاً انطلق إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره عن رجلٍ قد مات قال : وما يدريك ؟ قال : رأيته ينحر نفسه ، قال : أنت رأيته ؟ قال : نعم . قال . إذن لا أصلّي عليه ». وعلّله بعضهم بأنّ المنتحر لا توبة له فلا يصلّى عليه.
وقال الحنابلة: لا يصلّي الإمام على من قتل نفسه عمداً، ويصلّي عليه سائر النّاس. أمّا عدم صلاة الإمام على المنتحر فلحديث جابر بن سمرة السّابق ذكره أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يصلّ على قاتل نفسه ، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم هو الإمام ، فألحق به غيره من الأئمّة .
وأمّا صلاة سائر النّاس عليه، فلما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه حين امتنع عن الصّلاة على قاتل نفسه لم ينه عن الصّلاة عليه. ولا يلزم من ترك صلاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ترك صلاة غيره، فإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان في بدء الإسلام لا يصلّي على من عليه دين لا وفاء له، ويأمرهم بالصّلاة عليه. كما يدلّ على هذا التّخصيص ما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « أمّا أنا فلا أصلّي عليه »
وذكر في بعض كتب الحنابلة أنّ عدم صلاة الإمام على المنتحر أمر مستحسن، لكنّه لو صلّى عليه فلا بأس. فقد ذكر في الإقناع: ولا يسنّ للإمام الأعظم وإمام كلّ قريةٍ - وهو واليها في القضاء - الصّلاة على قاتل نفسه عمداً، ولو صلّى عليه فلا بأس.
وفي الأخير أقول لكل فتى وفتات إن الانتحار ليس هو الحل فهو كمن يستجير برمضاء من النار، وعليكم بالصبر فإنه مفتاح الفرج،وكما قال الحبيب المصطفى:" لن يغلب عسرا يسران" قال تعالى:" إن مع العسر يسرا*إن مع العسر يسرا" (سورة الانشراح).
وإذا أصابتك مصيبة أو هم فعليك بمن بمفرج الكروب " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون " (سورة البقرة).
ولله در الشاعر إذ قال: يا صاحب الهم إن الهم منفرج ====== أبشر بخير فإن الفــارج الله
اليأس يقطع أحيانا بصاحـبه ===== لا تيأسن فإن الكــافي الله
الله يحدث بعد العسر ميسرة ===== لا تــجزعن فإن الصانع الله
إذا بليت فثق بالله وارض به ===== إن الذي يكشف البلوى هو الله
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين والحمد لله رب العالمين.