المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم العادة عند الأشاعرة



محمد موسى البيطار
16-07-2004, 12:20
نشر : شبكة اللادينيين العرب !

------------------------------------------

الحمد لله وكفى وصلى الله وسلم على عباده الذين اصطفى
وبعد:فالبحث الذي نقدم له، يتناول قضية من أهم القضايا المتصلة بالفلسفة الطبيعية والعقدية على السواء لدى مدرسة ذاع صيتها ألا وهي مدرسة الأشعري –رحمه الله-وهذه القضية أسماها الأشاعرة (بالعادة) وهي تعني أنه لا شيء يؤثر في شيء ولا علة تؤثر في معلولها فالنار مثلاً ليس لها أثر في الإحراق، وما يراه الناس من إحراق إنما هو عادة وإلف فقط وليس ناشئًا عن علة في النار والله الخالق له بإطراد كلما التقت النار مع ما تحرقه دون أن يكون للنار أثر يُذكر وهكذا لا حقيقة لطبائع الأشياء وحكموا على أنها فارغة من القوى ومن ثم التأثير في غيرها أو التأثير بقدرة الله-سبحانه- باعتبارها وسائط وهذا معناه أيضًا إنكار لعلاقة الأسباب بمسبباتها وأن التلاقي بينهما ما هو إلا عادة فليس هناك أي علاقة ترابطية إلا ما يشاهده الإنسان بعينه والمشاهدة ليست حجة . بمعنى: أن إطراد الموجودات وتسلسلها ليس قائمًا على الترابط (العليِّ) بل إن العادة وجريانها هما السبيل في إحساسنا بالتعاقب بين ما يقال أنه سبب وما يقال أنه مسبب، وإن وجود أحدهما في الذهن يلزمه –بالتداعي – وجود الآخر دون أن يكون هناك في الواقع رابطة (عليه) حقيقة والذي دفع الأشاعرة إلى هذا القول، مجادلتهم للطبائعيين الذين ينسبون للطبيعة كل التأثير والاستقلال بالفعل فردوا عليهم هذا الاعتقاد بأن نزعوا من الطبائع صفة الفاعلية وغلوا حتى صادروا ما للطبائع من صفات جوهرية بها تتمايز وتتغاير كالفرق بين الخد والبصر، مع أن القول بأنها لا تفعل استقلالاً وإنما بإذن الله وهو القول الذي كان يجب أن يتوقفوا عنده دون الذهاب إلى آخر الشوط وإنكار حقائق الأشياء الأساسية مما أفسد عليهم طرقهم في إثبات التوحيد تكمن أهميته في بيان خطأ هذا الاجتهاد الحاصل بسبب ردود الفعل، وكان الأولى أن يبطل الأشاعرة حجج الطبائعيين القائلين باستقلال الطبيعة في إيجاد الأشياء دون الإنسياق وراءهم وإبطال العلل والأسباب والقوى التي أودعها الله في هذه الطبائع ولا تعمل إلا بإذن الله، بمعنى عدم مجاوزة آيات القرآن الحكيم إلى آفاق بعيدة قد يثبت العلم التجريبي والمشاهدة بطلانها، وهذا ما حصل. والمهم هنا ألا نلوي أعناق آيات القرآن، وأن نركب الذلول والصعب في ذلك، لنوافق مذهبًا بعينه، أو فكرة ما تركزت في ذهن صاحبها، ويريد أن يوجد لها أساسًا شرعيًا في كتاب الله عز وجل وقد رأينا هذا المنهج لدى بعض الذين أغراهم الفكر الوارد في بعض مظاهره، فحاولوا عقد صلة بينه وبين النصوص الدينية فجاء عملهم هذا بعيدًا عن روح النـص المقدس كما رأينا له مظهرًا آخر لدى أصحاب العقائد الباطنية المنحرفة.
وتكمن الأهمية في خطأ المسارعة بالحكم على كل من خالف في جانب من جوانب الفكر القابل للإجتهاد بالكفر والضلال وما شاكل ذلك، بل لا بد من المناقشة الموضوعية، والحوار الهادف، للوصول إلى غاية الهدف.
ومن الأهمية بيان أنه (من أنكر وجود المسببات مرتبة على الأسباب في الأمور الصناعية أو لم يدركها فهمه، فليس عنده علم بالصناعة ولا بالصانع كذلك في جحد وجود ترتيب المسببات على الأسباب في هذا العالم، فقد جحد الصانع الحكيم تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا… وأبطل الحكمة وأبطل العلم، وذلك أن العلم هو معرفة الأشياء بأسبابها، والحكمة هي معرفة بالأسباب الغائبة)(1) ولهذا عبر الدكتور أبو العلا عفيفي عن قانون السببية بأنه عقيدة(2) وعبر غيره ممن خالف قانون السببية وقال بالعادة بعقيدة العادة في مواجهة عقيدة (قانون السببية).

محمد موسى البيطار
16-07-2004, 12:24
خطة الموضوع ومنهجه:جاء الموضوع في مبحثين وعدة مطالب سلك الباحث فيه المنهج الوصفي وكان المبحث الأول بعنوان عقيدة العادة ما لها. وتحته ثلاثة مطالب: الأول: مفهوم العادة. المطلب الثاني: دوافع القول بعقيدة العادة، والمطلب الثالث: الحكم المترتب على مخالفة عقيدة العادة وذكر فيها حجج الأشاعرة وموقفهم من المخالفين.
المبحث الثاني: عقيدة العادة وما عليها، المطلب الأول: نقد مفهوم العادة، المطلب الثاني: عقيدة العادة مبطلة لعقيدة التوحيد، المطلب الثالث: عقيدة العادة مبطلة لظاهر القرآن، والمطلب الرابع: عقيدة العادة مخالفة لما كان عليه السلف الصالح، والمطلب الخامس: عقيدة العادة مبطلة لمبادئ العلوم وقوانين السببية. والمطلب السادس: وجوب ترتب المسببات على الأسباب دون محذور كإنكار المعجزات أو النبوات وما في حكمها وبهذا يكون المبحث الثاني ردودًا على ما جاء في المبحث الأول وتقريرًا للعقيدة الحقة.
وفي نهاية المطاف يتبين لنا أن إثبات قضايا الدين لا تقوم على إنكار مبادئ العلوم، وليس في القرآن الكريم شيء يتعارض مع القوانين العلمية، بل العكس تمامًا، فالعقيدة تقوم على الفهم السليم لسنن الله في كونه والتأمل والتدبر للنظام الكوني، وأي اكتشـاف جديد لأسرار هذا الكون أو اختراع مبدع إنما يدل على عظمة الله وقدرته التي لا حدود لها لا كما يظن البعض أن إثبات الإبداع للإنسان مخل بأصول الدين ومعطل للتوحيد ومانع من إثبات النبوات والمعجزات.
والأدلة الحسية التي يقيمها القرآن هي دلائل واضحة على قدرة الله سبحانه لا كما يعتقد البعض بضرورة تأويل هذه الأدلة وصرفها عن ظاهرها حتى يتم لهم إثبات قدرة الله، فإن قال قائل: ليس في الماء قوة إثبات، ولا في النار قوة إحراق ولا في الخمر إسكار ولا في الأرض جاذبية ولا في العين قوة إبصار، ولا في الأذن قوة سمع، ثم قال للناس هذه أدلة التوحيد، لنفر الناس عن دين الله، ومنع القرآن من أداء مهمته في البيان وجعل لأعداء الدين نافذة يبطلون من خلالها القرآن.
فالواجب الوقوف حيث وقف النص فهمًا وتدبرًا فإن النقل الصحيح مع العقل الصريح يتفقان ولا يختلفان، وإذا كان هناك خلل فإما في العقل وإما في فهم النقل أو عدم صحته

محمد موسى البيطار
16-07-2004, 12:25
المبحث الأول

ويتضمن المطالب التالية:

المطلب الأول:
مفهوم العادة عند الأشاعرة.
المطلب الثاني:
دوافع القول بعقيدة العادة.
المطلب الثالث:
الحكم المترتب على مخالفة عقيدة العادة.


المبحث الأول
عقيدة العادة وما لها

المطلب الأول:
مفهوم العادة عند الأشاعرة:

ليس هناك تلازم ضروري بين الأسباب والمسببات أو العلة والمعلول، يقول الغزالي:
(الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببًا، وبين ما يعتقد مسببًا، ليس ضروريًا عندنا)(3) بل ليس هناك علاقة تسببية بين السبب والنتيجة (…بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمنًا لإثبات الآخر ولا نفيه متضمنًا لنفي الآخر)(4) .
وإذا احتج عليهم إنسان بأنه يرى دائمًا الاحتراق يعقب النار، والإسكار يعقب الخمر، تعللوا في ذلك بأنه لا يرجع إلى تلازم بين الأسباب الطبيعية، وإنما هو نتيجة الاعتياد من رؤيتهما معًا وفي
ذلك يقول الباقلاني(5) :
(إن ما هو مشاهد في الحس لا يوجد ضرورة ولا وجوبًا وإنما هو يجري مجرى العادة، بمعنى وجوده وتكراره على طريقة واحدة)(6) ، ثم يأتي بعده الغزالي ويتوسع في إرجاع التلازم بين الأسباب الطبيعية ومسبباتها إلى حكم العادة ويرى أن (اللازمات .. يجوز أن تنفك عن الاقتران بما هو لازم لها، بل لزومه لحكم العادة)(7) .

وقال البغدادي:
(.. وأجازوا ـ أي الأشاعرة … أن يجمع الإنسان بين النار والقطن والحلفاء فلا تحرقها على نقض العادة..)( فليس لأية ظاهرة طبيعية فعل خاص يصدر عنها فليس في الخمر إسكار مثلاً وأنه لا مقوم داخلي لأي جسم يجعل منه فاعلاً إذ أن الأجسام منفصلة إلى أجزاء فهي جواهر فردة لا يربط بينها إلا بالقدرة الإلهية(9) والسبب في الحقيقة لا أثر لها البتة بدليل إمكان انفكاك المسببات عن أسبابها ولكن اعتاد الناس وألفوا هذا الاقتران بينهما فحكموا بالضرورة وليس لديهم من حجة إلا المشاهدة يقول الغزالي (فإن اقترانها بما سبق من تقدير الله ـ سبحانه، يخلقها على التساوق لا لكونه ضروريًا في نفسه .. بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة مع جز الرقبة)(10) وإن كان الناس لم يألفوا هذه الأمور أو ألفوا بعضها، ولم يألفوا جز الرقبة مع بقاء الحياة (… فأما النار وهي جماد، فلا فعل لها، فما الدليل على أنها الفاعل، وليس لهم دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق…)(11) فهي العادة لا أكثر وإلا فلا شيء يفعل في شيء.
ويشرح الدكتور البوطي عقيدة العادة عند الأشاعرة بالانقضاض على علاقة الأسباب بمسبباتها فيقول:
(…وإذًا فما معنى كون هذه الأمور أسبابًا؟ .. إن معنى ذلك محصور في أن الله ـ عز وجل ـ ربط بينهما وبين أمور أخرى بمحض إرادته وقدرته فقط، فظهر استمرار هذا الارتباط أمامنا بمظهر السببية والتأثير فاستعرنا له كلا من هاتين الكلمتين على سبيل المجاز)(12) وهذا معناه أنه لا يوجد سبب حقيقي ولا علة حقيقية لها تأثير في مسببها ومعلولها، ونفي السببية والعلية سمة واضحة في المذهب الأشعري (13) بل يذهب البغدادي إلى القول بأن أهل السنة أجمعوا على أنه لا أثر البتة للطبائع (وضللوا من قال باختلاف الأجسام لاختلاف الطبائع)(14) حتى بلغ الأمر بالأشاعرة تحقيقًا لعقيدة العادة، وردًا للسببية أن منعوا أن يقال للشيء احترق بالنار وإنما احترق
عندها يقول الغزالي:
(فقد تبين أن الوجود عند الشيء، لا يدل على أنه موجود به)(15) فالأدلة الحسية المشاهدة لا تكفي عندهم في إثبات باء السببية وهكذا تم التعامل مع آيات الذكر الحكيم الواردة بباء السببية كما سيأتي. وكذلك الآيات التي رتبت النتائج على الأسباب. بل التجارب العلمية والأدلة العقلية لا تستقيم كأدلة عند الأشاعرة في رد عقيدة العادة ولهذا يقول الغزالي في معرض رده على المخالفين:
(فما الدليل على أنها الفاعل؟ وليس لهم دليل، إلا مشاهدة حصول الاحتراق منذ ملاقاة النار والمشاهدة تدل على الحصول عندها، ولا تدل على الحصول بها..)(16) وكذلك التجارب العلمية لا تنهض كدليل على إثبات السببية
يقول مصطفى صبري:
( ولا تقل أيها القارئ أن التردد في كون علة الاحتراق الفاعلية هي النار بعد مشاهدة النار مع كل حادثات الاحتراق، مكابرة ظاهرة، لأني أقول: على أي دليل قطعي الدلالة تنبني حكمك هذا؟ فإن بنيته على التجربة المشـاهدة فالتجربة لا تشاهد العلية لأن العلية أمر معنوي لا يرى، وإنما مدلول التجارب ومشهودها كون النار مجتمعة مع حادثة الاحتراق والجسم المحترق ودائرة حيثما دار، وإن بنيته على الدليل المنطقي فالمنطق لا يعترف بدلالة دوران شيء مع شيء ودوام اقترانه به على كون صلة أحدهما بالآخر صلة العلة بمعلولها…)(17) أي لا بالمشاهدة ولا بالعقل

ويزيد البوطي هذا الكلام وضوحًا حيثما يقول: (… والعلم لا شأن له في الأشياء إلا أنه يصفها على ما هي عليه في أدق مظاهرها، ثم يمارس هذا الوصف بالتجربة في مجالات متكررة … وهيهات أن يتوصل العلم إلى أن مقارنة الأسباب بمسبباتها أمر حتمي لا مناص من تلازمها ولا حيلة لانفكاكها)(1 وهكذا فإن الأشاعرة ينفون أن يكون هناك دليل من المشاهدة والعلم أو المنطق على ضرورة التسبب أو أن هذه الأدلة لا تنهض على أن تكون لضرورة التلازم بين الأسباب والمسببات وهذا يعني انتقاء نوع الأدلة كلية في إثبات العلاقة بين الأسباب الطبيعية وهم بهذا يغلقون باب البحث عن دليل حسي أو عقلي أو علمي.

المطلب الثاني:
دوافع القول بعقيدة العادة:

أولاً: يقول الشهرستاني صار أبو الحسن الاشعري – رحمه الله تعالى- إلى أن أخص وصف للإله هو القدرة على الاختراع، فلا يشاركه فيه غيره، ومن أثبت فيه شركه فقد أثبت إلهين)(19)

ولهذا أراد الأشاعرة أن يحافظوا على أخص وصف لله تعالى فلا ينسبوا لغيره صفة القادرية ولا الفاعلية ولا الإحداث لأن كل ذلك لا يليق إلا بالله ـ سبحانه ـ
ولهذا يسوي الإمام أبو الحسن الأشعري بين هذه الألفاظ في المعنى، فالخلق، والفعل، والإحداث، والاختراع كلها بمعنى واحد وهي لا تليق إلا بالله وإذا أطلقت على الإنسان فإنه لا يراد بها إلا معنى الكسب (20) لا حقيقة الفعل فهو يقول:
(لا قادر عليه ـ أي على الفعل ـ أن يكون ما هو عليه من حقيقة أن يخترعه إلا الله)(21) بمعنى لا أثر لقدرة الإنسان في فعله إلا الاكتساب ولهذا ذهب الأشاعرة إلى أن (القدرة الحادثة على رأينا، فإنها لا تؤثر، وليست مبدأ لأثر)(22)
إذن لا شغل لقدرة العبد إلا الاقتران أما أن يؤثر فلا ( وعندنا لا فرق إلا ما يعود إلى جريان العادة)(23) هذا المبدأ الذي اهتم به الأشاعرة ـ وهو لا فاعلية ولا خالقية ولا إحداث ولا اختراع ـ كان الأساس في القول بعقيدة العادة وأنه لا أثر لشيء في شيء البتة وإلا ثبت الشرك فالعادة هي الكسب وكلاهما معناه اقتران شيء بشيء ويستدل الأشاعرة على ذلك بكثير من الآيات القرآنية، وأن الله أسند لنفسه الخلق فقال: (ذالكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه)(24) فاستحق العباد لاستحقاقه الخلق.
ويلاحظ ابن رشد أن من جملة الدوافع التي دفعت الأشاعرة إلى القول بالتجويز: (الهروب من القول بفعل القوى الطبيعية، والخوف من أن يدخل عليهم في القول بالأسباب الطبيعية أن يكون العالم صادرًا عن سبب طبيعي)(25) .

ولا شك فإن الأشاعرة ردوا على الطبائعيين اعتقادهم بأن الطبيعة خالقة أو أن لها أثرًا في الأشياء بل الخالق الفاعل المحدث هو الله سبحانه
يقول البوطي:
(الواقع أن هذا القول لا يعتمد إلا على وهم مجرد، ذلك لأن الطبيعة لا تعطيك من واقعها إلا هذا الاقتران وهو يحد ذاته ليس أكثر من الاقتران مهما كان ثابتًا ومستمرًا)(26) . فلا شيء له أثر في شيء من نفسه بل ما يراه الناس إنما هو اقتران وانسجام.
ويقول آخر: (.. ولا يقول لشيء من الأشياء في الكائنات بخاصة ناشئة من ذاته غير قابلة للإنفكاك عنه إلا طبيعي منكر للإله بالمرة)(27)
وهذا يعني القول بعدم تأثير الطبائع أو السبب أو إلغاء عملها في الوجود. فلا سببية ولا طبيعية. ويقول الأشاعرة (إن الكائنات بأجمعها مستندة إلى الله من غير واسطة)(2 أي لا مكانة لواسطة الأسباب والمسببات في خلق أو تأثير (فالاعتراف مثلاً بأن الشمس تعطي الحركة والحياة للأشياء يكون شركًا)(29).

ثانيًا:

رتب الأشاعرة على القول بعقيدة العادة ثبوت المعجزات الخارقة للعادة وعدم القول بها إنكار للمعجزات فقال الغزالي في معرض الرد على المخالفين: (وحكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب والمسببات اقتران تلازم بالضرورة، وليس في المقدور، ولا في الإمكان إيجاد السبب دون المسبب، ولا وجود المسبب دون السبب ترتب عليه عدم إثبات المعجزات الخارقة للعادة مثل قلب العصا ثعبانًا، وإحياء الموتى وشق القمر، ومن جعل مجاري العادات لازمة لزومًا ضروريًا أحال جميع ذلك..)(30) .
ويناقش مصطفى صبري هذا الأمر وهو يرى أنه لا مانع لله أن يفعل ما شاء (فالله تعالى في عقيدة المؤمنين إذا شاء يسلب الأشياء ما جرت سنته فيها، ويكون هذا السلب خرقًا منه للعادة لا خرقًا للعقل حتى يكون محالاً.. وكذا الكلام في إحراق النار ما تحرقه أنه كما يكون بإذن الله تعالى يكون كف النار عن الإحراق بأمر الله، ولا خرق بين الحالين بالنسبة إلى قدرة الله)(31) . ومعناه يستوي بالنسبة إلى قدرة الله أن تكون الأسباب مقترنة بالجواز أو بالضرورة، فلا شيء يمنع قدرة الله من أن يسلب النار مثلاً عملها فلا تعود محرقة.. وهذا معنى ثبوت عجزة إبراهيم عليه السلام بأن النار لم يؤثر عليه ولهذا (فإن الله الذي أوجد سلسلة الأسباب والعلل قادر على تعطيل عمل هذه السلسلة، فلا تكون المعجزة خارقة بهذا الاعتبار ولا يختل قانون السببية)(32) وهذا القول كأنه جمع بين ثبوت المعجزات وقانون السببية الذي يرى الأشاعرة عدم ثبوته وبطلانه بعقيدة العادة ولهذا قال مصطفى صبري في تعليقه على النص السابق: (ومراده من عدم كون المعجزات خارقة أنها غير مخلة بقانون السببية وهو الناحية المهمة للمسألة لوجود سببها الذي هو إرادة الله وإلا فالمعجزة تخرق العادة لتعطيل عمل سلسلة الأسباب)(33) وسيأتي تفصيل هذه المسألة في أثناء الرد على هذا الادعاء في المبحث الثاني.

المطلب الثالث:
الحكم المترتب على مخالفة عقيدة العادة:
لم يرَ الأشاعرة العذر لأحد خالف في إثبات هذه العقيدة رغم صعوبة فهمها بل لمخالفتها لما يراه الناس بعيونهم ويلمسونه في حياتهم أثناء إجراء تجاربهم وملاحظاتهم، فالمسألة جد دقيقة وتحتاج إلى بذل الجهد واستحضار الأفهام فضلاً على أن ظاهر القرآن والسنة ترجح كفة إثبات السببية وأن لا شيء يتحقق إلا بالسبب وأن من يخل بالأسباب يخالف الشرع.
فكيف يقفز هذا الفاهم لهذه الأمور والمعتقد لها إلى عقيدة مخالفة كلية ألا وهي عقيدة العادة حيث يقال له إن التوحيد والإيمان لا يتم إلا على طائلة إنكار السببية وأنه بالإمكان الفصل بين النار وفعلها، وبين الموت وجز الرقبة إلى ما كان هنالك من أمور قد يحيل فهم العقيدة إلى المستحيلات غير أن الأشاعرة رأوا أن يحكموا على المخالف فيها بالكفر والفسق والضلال ويدعون الإجماع على ذلك

يقول البوطي:
(..وإذ قد ثبت الدليل القطعي على ما قلناه، فقد كان جحود ذلك كفرًا بإجماع المسلمين)(34)
والدليل القطعي الذي قاله هو ما ذكرناه من عدم نسبة التأثيرات إلى السببية وأن من يثبت السببية يترتب عليه الكفر بالمعجزات والنبوات.. إلخ. ويقول في مكان آخر:
(.. ولعلك تسأل بعد هذا استعمال المسلم ألفاظًا تعبر عن سببية بعض الأشياء وتأثيرها.. كقول القائل: لقد نفعني هذا الدواء وشفاني هذا الطبيب، وأينع الزرع بكثرة الأمطار.. فالجواب أن ذلك إذا صاحب اعتقادًا بتأثير واحد من هؤلاء فهو كفر بالاتفاق..)(35)

وهذا يعني أنه لا وسطية بين الله وهذه النتائج فالماء مثلاً وجوده كعدمه بالنسبة للإثبات ولكن هو موجود شكلاً وقس على ذلك في سائر الأسباب والمسببات.
وذهب بعض الأشاعرة إلى التفصيل في الحكم وكأنهم رأوا أن المسألة فيها من الغموض ما يفرض على الحاكم أن يكون مستبصرًا بمسائل الخلاف وبمجاري البحث والتحدي،

قال إبراهيم بن محمد البيجوري:
(..فمن اعتقد أن الأسباب العادية كالنار والسكين والأكل والشرب تؤثر في مسبباتها كالحرق والقطع والشبع والري بطبعها وذاتها فهو كافر بالإجماع، أو لقوه خلقها الله فيها ففي كفره قولان، والأصح أنه ليس بكافر بل فاسق مبتدع .. ومن اعتقد أن المؤثر هو الله لكن جعل بين الأسباب ومسبباتها تلازمًا عقليًا بحيث لا يصح تخلفها فهو جاهل ، وربما جره ذلك إلى الكفر، فإنه قد ينكر معجزات الأنبياء لكونها على خلاف العادة، ومن اعتقد أن المؤثر هو الله وجعل بين الأسباب والمسببات تلازمًا عاديًا بحيث يصح تخلفها الناجي إن شاء الله تعالى)(36) فهذه أربعة فرق اختلفت وكل فرقة يحكم عليها بما تعتقده،
فالفرقة الأولى
تجعل الطبائع مستقلة ولعلها تنكر أي أثر لقدرة الله تعالى في المسببات فهؤلاء هم الطبائعيون الذين لا خلاف في كفرهم وهم الذين أشار إليهم الإمام الشاطبي في قوله: (فالالتفات إلى المسببات بالأسباب له ثلاث مراتب، إحداها، أن يدخل فيها على أنه فاعل للمسبب أو مولد له، فهذا شرك أو مضاه له، والسبب غيرفاعل بنفسه (والله خالق كل شيء)(37) (3 ويؤكد ابن تيمية هذا المعنى بقوله: (وإن فسر التأثير بأن المؤثر مستقل بالأثر من غير مشارك معاون ولا عائق مانع، فليس شيء من المخلوقات مؤثرًا، بل الله وحده خالق كل شيء فلا شريك له ولا ند له)(39) إذن الطبائع بنفسها لا تفعل إلا بإذن الله.

أما الفرقة الثانية فهي التي تقول بأن كل شيء فيه قوة كافية أودعها الله فيه، فذكر أنهم اختلفوا فيه فمنهم من يكفروه، ومنهم من يفسقه وكلا الحكمين يعني بأنه ليس في الأشياء طبائع ومعاني يميزها عن بعضها البعض، وهناك حكم آخر أطلقه الغزالي ويفهم منه جواز اعتقاد ذلك دون تخوف على العقيدة يقول البوطي: (غير أن الإمام الغزالي –رحمه الله- لايرى تنافيًا بين أن تكون الأسباب الكونية جعلية … وبين أن يكون فيها تأثير أودعه الله عز وجل فيها يسلبه عنها عندما يشاء. وهو يرى أن هذا هو الحق أي فالمسألة ليست مسألة مقارنة مجردة)(40) وهذا القول لا ينسجم البتة مع القول الذي يلغي طبائع الأشياء، فهو على نقيض مَنْ قال بالعادة فعقيدة العادة كما تبين هي مجرد مقارنة دون تأثير، وكلام الغزالي مقارنة مع التأثير، وهذا يدل على أن الغزالي متردد في قوله بعقيدة العادة وهو كما قال أبو ريان (..وقد عبر الغزالي في قوة المذهب الأشعري حينما انتقد مبدأ السببية، وذكر أن اعتقادنا بالسببية إنما يرجع إلى العادة..)(41)ويؤمن الغزالي بأن الأسباب مسخرة بعلم الله يقول: (والأدوية أسباب مسخرة لعلم الله تعالى كسائر الأسباب، فكما أن الخبز دواء الجوع، والماء دواء العطش … وكل ذلك بتدبير مسبب الأسباب)(42).

وأما الفرقة الثالثة، فهي الفرقة التي جعلت الاقتران ضروريًا بين الأسباب ومسبباتها وأن الأسباب لا تؤثر إلا بإذن الله تعالى وأنه متى صحت الأسباب ترتب عليها المسببات، ولا تتخلف المسببات إلا بنقص في الأسباب فهذه الفرقة جاهلة بهذا الاعتقاد وإن اعتقدت بناء على ضرورة الاقتران الحاصل من الأسباب امتناع المعجزات وعدم النبوات فهي كافرة؟ ولكن أليس بالإمكان أن يكسر الله سبحانه هذه الضرورة ويسلب هذا الاقتران بين الأسباب والمسببات وتكون الخارقة للعادة فلا يترتب على ذلك كفر ولا جهل.
أما الفرقة الرابعة:
فهي الفرقة المرضى عنها وهي القائلة بعقيدة العادة، وهي التي لا ترى
في الأشياء طبائع ولا معاني لها أي أثر. ولهذا قال الإمام الشاطبي: (أن يدخل في السبب على أن المسبب من الله تعالى لأنه المُسبِّب فيكون الغالب على صاحب هذه المرتبة اعتقاد أنه مسبب عن قدرة الله وإرادته، من غير تحكم لكونه سببًا.. وحاصله يرجع إلى عدم اعتبار السبب في المسبب من جهة نفسه واعتباره فيه من جهة أن الله مسببه وذلك صحيح)(43) وهذا الذي ذكره الشاطبي هو في حالة الاقتران العادي بين الأسباب ومسبباتها والنظر إليهما على أنهما من الله سبحانه ولم يستقل السبب بنفسه وإن كان لا بد من وجود السبب حتى يوجد المسبب، لوجود المطر بالنسبة للزرع. فالأشاعرة تثبت السبب العام ولا تعترف بالأسباب الفاعلة بإذن الله ولهذا قال سليمان دنيا وهو يفرق بين فهم الأشاعرة للأسباب وفهم الوضعيين –أصحاب المذهب الوضعي الذي لا يوقن إلا بالمحسوس-: (فالأشاعرة إذا كانوا ينفون سببية الأشياء بعضها في بعض؛ فإنهم لا ينفون السببية العامة)(44)وهي أن الله خالق الأسباب والمسببات.

محمد موسى البيطار
16-07-2004, 12:27
المبحث الثاني

عقيدة العادة وما عليها

ويتضمن المطالب التالية:
المطلب الأول: نقد مفهوم العادة.
المطلب الثاني: عقيدة العادة مبطلة لعقيدة التوحيد.
المطلب الثالث: عقيدة العادة مبطلة لظاهر القرآن.
المطلب الرابع: عقيدة العادة مخالفة لما كان عليه السلف
الصالح.
المطلب الخامس: عقيدة العادة مبطلة لمبادئ العلوم.
المطلب السادس: وجوب ترتب المسببات على الأسباب دون محـذور
كإنكار المعجزات والكرامات وما في حكمها.

المبحث الثاني

عقيدة العادة وما عليها

المطلب الأول: نقد مفهوم العادة:

قال ابن رشد:
(فهو لفظ مموه إذا حقق لم يكن تحته معنى إلا أنه فعل وضعي مثل ما نقول: جرت عادة فلان أن يفعل كذا وكذا يريد أنه يفعله في الأكثر، وإن كان هذا هكذا كانت الموجودات كلها وضعية ولم يكن هناك حكمة أصلاً من قبلها ينسب إلى الفاعل أنه حكيم)(45)،

ويبين ابن رشد استخدامات هذا اللفظ ما يجوز منها وما لا يجوز فيقول: (..ومحال أن يكون لله تعالى-عادة، فإن العادة ملكة يكتسبها الفاعل، توجب تكرر الفعل منه على الأكثر)(46) ولكن يجوز بدلاً من كلمة العادة بالنسبة لله أن يستخدم كلمة (السنة)
فيقول(47):
(..والله عزوجل يقول: (ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلاً) فهو يرى أن كلمة السنة بالنسبة لله لا تتبدل ولا تتحول أبدًا ودائمًا، أما (كلمة عادة) فإنها لم تطلق على الله في الكتاب ولا في السنة وهي لا تفيد إلا الأكثر وتدل على الملكة المكتسبة وكل ذلك لا يليق بالله سبحانه،

ويؤيد ابن حزم هذا المعنى السابق بقوله: (..وهذا المذهب الفاسد حداهم على أن سموا ما تأتي به الأنبياء من الآيات المعجزات خرق العادة لأنهم جعلوا امتناع شق القمر، وشق البحر… وسائر معجزاتهم إنما هي عادات فقط… فمعاذ الله من هذا، ولو كان ذلك عادته لما كان فيها إعجاز أصلاً لأن العادة في لغة العرب الدأب والدين والديدن… ألفاظ مترادفة على معنى واحد في أكثر استعمال الإنسان له مما لا يؤمن تركه إياه ولا ينكر زواله عنه بل هو ممكن وجود غيره ومثله بخلاف الطبيعة التي الخروج عنها ممتنع..)(4
وعلى هذا لا يصح أن يطلق على خلق الله للأشياء والمسببات عادة، وكذلك على الأثر الطبائعي لأن أثرها يبقى مستمرًا ما بقيت هي ولهذا يتساءل ابن رشد عن معنى عقيدة العادة فيقول: (..فما أدري ما يريدون باسم العادة؟ هل يريدون أنها عادة الفاعل أو عادة الموجودات)(49) ويخلص إلى نتيجة مفادها (..وإن أرادوا أنها عادة الموجودات فالعادة لا تكون إلا لذي النفس، وإن كانت في غير ذي النفس فهي في الحقيقة طبيعية)(50) وهذا تفريق منه بين العادة والطبع فالعادة في كل ذي نفس، والطبع في كل ذي غير نفس وإن كان يلحق أيضًا بكل ذي نفس (وإما أن تكون عادة لنا في الحكم على الموجودات هذه العادة ليست شيئًا أكثر من فعل العقل الذي يقتضية طبعه وبه صار العقل عقلاً)(51) فكأن عادة العقل هي طبعه وهو الفعل الصادر عنه وهو الذي أطلق عليه الأشاعرة العادة واعتبروه جائزًا لا ضروريًا واعتبره غيرهم ضروريًا واجبًا وهو الأثر الذي يتركه السبب في مسببه وهي السببية.

ومن هنا يتضح لنا خطورة استخدام كلمات معينة لم تأت في الشريعة ومنحها مفهومًا عقديًا؛ ثم الحكم على مَنْ خالف في هذا المفهوم. وقد يقال: لا مشاحة في الاصطلاح. ولكن إذا فهم المعنى، تقلصت الفتنة وخاصة في مجال الدين والاعتقاد.

المطلب الثاني: عقيدة العادة مبطلة لعقيدة التوحيد.

يقول ابن رشد: (والقول بنفي الأسباب في الشاهد ليس له سبيل إلى إثبات سبب فاعل في الغائب، لأن الحكم على الغالب من ذلك إنما يكون من قبل الحكم بالشاهد فهؤلاء لا سبيل لهم إلى معرفة الله تعالى)(52)
ولا يخفى أن أقوى الأدلة التي استدلت بها الأشعرية على وجود الله وإثبات صفاته هو قياس الغائب على الشاهد يقول الأيحي: (احتج الأشاعرة بوجوه، الأول: ما اعتمد عليه القدماء، وهو قياس الغائب على الشاهد، فإن العلة والحد والشرط لا يختلف غائبًا وشاهدًا)(53) . فقولهم: لعقيدة العادة يبطل عليهم أدلتهم في معرفة الله

ويقول ابن القيم: (..ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد ناقصة لا يتم إلا بإنكار الأسباب)(54) .
فكيف إذا حكم على مثبت الأسباب بالكفر والضلال وهو موحد مؤمن !!

ويقول ابن تيمية: (..ومن قال: إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله بها المخلوقات ليست أسبابًا، أو أن وجودها كعدمها، وليس هناك إلا مجرد اقتران عادي، كإقتران الدليل بالمدلول فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل، ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخد تبصر بها)(55) بل يعتبر ابن القيم وغيره عقيدة العادة عند الأشاعرة داعية لإساءة الظن بالتوحيد، وتسليطًا لأعداء الرسل على ما جاءوا به (إن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق، والماء لا يغرق، والخبز لا يشبع، والسيف لا يقطع، ولا تأثير لشيء من ذلك البتة، ولا هو سبب لهذا الأثر، وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا بكذا وقالت: هذا هو التوحيد وإفراد الرب بالخلق والتأثير، ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة الظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاءوا به كما تراه عيانًا في كتبهم ينفرون به الناس عن الإيمان)(56) وقد صدق ابن القيم فانظر إلى ما يقوله الدهريون الملحدون في زماننا في هذا النص الذي ينسبونه إلى الدين: (جميع الآراء الأخرى أو بالأحرى أي اتجاه فلسفي آخر، في مسألة السببية وإنكار القوانين الوضعية والسببية والضرورية في الطبيعية، تنتسب إلى الاتجاه الإيماني.. ذلك أن من الواضح حقًا أن الاتجاه الذاتي في مسألة السببية واستنباط نظام الطبيعة وقوانينها، ليس من العالم الموضوعي الخارجي، بل من الشعور والعقل والمنطق..)(57).
مع العلم أن الدين الإسلامي لا يخاصم العلوم ولا يمنع من البحث في الطبيعة
والتعرف على سنن الله فيها، فهل يستطيع أحد أن يقول: إن القرآن ينكر الجاذبية الأرضية مثلاً أو سائر قوانين السببية التي ما هي إلا آيات تدل على منتهى الحكمة والدقة والنظام ولهذا رد ابن سينا على الطبائعيين الذين ينكرون السبب الأول، ويجعلون الطبائع هي الأولى والآخرة في الإبداع والخلق والتأثير (..إن المواد للأجسام العالمية صنفان، صنف يختص بالتهيؤ لقبول صورة واحدة لا ضد لها، فيكون حدوثها على سبيل الإبداع لا على سبيل التكوين من شيء آخر وفقدها على سبيل الفناء لا سبيل الفساد إلى شيء آخر وإلى هذا يرجع قول الحكيم في كتبه إن السماء غير مكونة من شيء ولا فاسدة إلى شيء لأنها لا ضد لها لكن العامة من المتفلسفة صرفوا هذا القول إلى غير معناه فأمعنوا في الإلحاد والقول بقدم العالم فهذا صنف، وخصوه باسم الأثير، والصنف الثاني صنف مهيأ لقبول الصورة المتضادة فيتكون تارة هذا بالفعل وذلك بالقوة وتارة بالعكس وسموه العنصر فجعلوا الأجسام أثيرية وعنصرية)(5 .

ويقول الدكتور حسام الألوسي: (ويلوم (ابن سينا) الجُهال من الطبيعيين لأنهم يفتشون عن أصل هذه الطبيعة، ويردونها إلى العناصر المكونة (للسقمونيا) مع أنها لا علة لها في العناصر … ولو سئلوا عنه لقالوا: لأن النار حارة ثم السؤال لازم في أن الحار لم يفعل هذا فيكون منتهى الجواب الطبيعي أن يقال: إن الحرارة قوة من شأنها أن تفعل هذا الفعل، ثم إن سئلوا بعد هذا لِمَ كان هذا الجسم حارًا دون البارد لم يكن جوابهم إلا الجواب الإلهي إن إرادة الصانع هكذا اقتضت …)(59)
وبهذا فإنه يتبين أنه لا حجة للطبائعيين في رد الشيء إلى نفسه بل لا بد له من مبدع أبدعه فصيره من العدم إلى الوجود وأن الآثار الظاهرة للعيان تتسلسل حتى تعود إلى المؤثر الأول كما يقول ابن القيم: (.. وهذا كما نقوله في خلقه بالأسباب أنه يخلق كذا بسبب كذا، وكذا بسبب كذا، حتى ينتهي الأمر إلى أسباب لا سبب لها سوى مشيئة الرب)(60) فالشيء لا يتحول بذاته إلى شيء آخر (وهي أن استمرار العادة مهما طال، لا يتحول بذاته، دون أي إضافة أخرى إليه، إلى قانون حتمي، وذلك هو الشأن فيما يتعلق بعلاقات أشياء الطبيعة بعضها ببعض)(61)

وأخيرًا: فإن القول بعقيدة العادة شأنه أن يخل بالنظام الكوني الذي يدل على وجود الخالق المبدع يقول ابن رشد: (وأما الذي قاد المتكلمين من الأشعرية إلى هذا القول فهو الهروب من القول بفعل الطبيعة التي ركبها الله تعالى في الموجودات التي ها هنا، كما ركب فيها النفوس وغير ذلك من الأسباب المؤثرة، فهربوا من القول بالأسباب لئلا يدخل عليهم القول بأن ها هنا أسبابًا فاعلة غير الله، وهيهات! إذا كان مخترع الأسباب! وكونها أسبابًا مؤثرة، هو بإذنه وحفظه…
…وقال: ولو علموا أن الطبيعة مصنوعة، وأنه لا شيء أدل على الصانع من وجود موجود بهذه الصفة في الأحكام، لعلموا أن القائل بنفي الطبيعة قد أسقط جزءًا عظيمًا من موجودات الاستدلال على وجود الصانع بجحده جزءًا من موجودات الله..)(62)

وناقش ابن رشد الأشاعرة في القضية السابقة قائلاً (ولو علموا .. أنه يجب من جهة النظام الموجود في أفعال الطبيعة أن تكون موجودة عن صانع عالم وإلا كان النظام فيها بالاتفاق، لما احتاجوا أن ينكروا أفعال الطبيعة..)(63) بمعنى (لو رفعنا الأسباب والمسببات لم يكن ها هنا شيء يُرد به على القائلين بالاتفاق، أعني الذين يقولون لا صانع ها هنا)(64).


المطلب الثالث: عقيدة العادة مبطلة لظاهر القرآن:

يقول ابن القيم: (أنه -سبحانه- ربط الأسباب بمسبباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري، ومحل ملكه وتصرفه فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح قي العقول والفطر، ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء… والقرآن مملوء من إثبات الأسباب كقوله تعالى: (بما كنتم تعملون) المائدة: 105، وقوله: (بما كنتم تكسبون) الأعراف: 39 وذكر آيات كثيرة إلى أن قال: وكل موضع مرتب فيه الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف أفاد كونه سببًا له كقوله سبحانه: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله) المائدة:38 .. وذكر آيات كثيرة إلى أن قال: وهذا أكثر من أن يستوعب وكل موضع تضمن الشرط والجزاء أفاد سببية الشرط والجزاء وهو أكبر من أن يستوعب… وكل موضع تقدم ذكرت فيه الباء تعليلاً لما قبلها بما بعدها أفاد التسبب… ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة ويكفي شهادة الحس والعقل والفطرة)(65)
وفي بيان واضح للذين منعوا من إجراء (باء) السببية في بابها وقالوا: (فقد تبين أن الوجود عند الشيء، لا يدل على أنه موجود به) فمنعوا أن يكون ماء السماء سببًَا في إنبات العشب كما بين القرآن في قوله تعالى: (وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها)(66) وقوله سبحانه: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم)(67) ومثل هذا في القرآن كثير، ومنعوا إجراء اللغة بإطلاق باء السببية ولهذا قال ابن تيمية: (تكلم قومٌ من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم)(6 ويذكـر ابن تيمية أيضًا ما يلزم القائلين بإنكار الأسباب والطبائع من شنائع أنهم يسوون بين المختلفات ويخالفون القرآن يقول: (..وكذلك أيضًا لزمت من لا يثبت في المخلوقات أسبابًا وقوى وطبائع ويقولون إن الله يفعل عندها لا بها فليلزم أن لا يكون فرق بين القادر والعاجز.. وأما أئمة السنة وجمهورهم فيقولون ما دل عليه الشرع والعقل، قال تعالى: (فسقناه إاى بلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات) سورة الأعراف: 57، وقال: (فأحيا به الأرض بعد موتها) البقرة: 164، النحل: 65، الجاثية: 5) وقال تعالى: (يهدي به الله من اتبع رضوانه) المائدة: 16، وقال: (يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا) البقرة: 26… إلى أن قال: ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة يخبر الله تعالى أنه يحدث الحوادث بالأسباب، وكذلك دل الكتاب والسنة على إثبات القوى والطبائع التي جعلها الله في الحيوان..)(69) وهذا الإلغاء للسببية هو إلغاء للقوانين العلمية بل تعطيل لذاتية الأشياء بعد أن كان تعطيلاً لتوحيد الرب وهذه الجناية العظيمة تكبر وتتضخم حينما تنسب إلى القرآن والقرآن لا يقرها بل يقر خلافها. وهناك فرق كبير بين قولنا فعلت به وفعلت عنده كما يقول ابن تومرت (الأصل يثبت به الحكم والأمارة يثبت عندها الحكم، وبين يثبت به ويثبت عنده ما بين السماء والأرض)(70)، ولهذا فإن القرآن الكريم عبر عن الباء في محلها وب(عند) في محلها. فكيف يجوز أن تلغي (الباء) عن عملها في محلها ونستبدل (عند) وهي ليست مثلها ولا تعمل عملها، وجرب بوضع (عند) في محل (الباء) في الآيات السابقة وانظر كيف سيكون الحال… فلا شك أن بين (الباء) و(عند) ما بين السماء والأرض، وهكذا تُطوع اللغة لتتمشى مع الآراء وكان الأولى أن تصحح الآراء وتصقل بالرجوع إلى أصل اللغة.

محمد موسى البيطار
16-07-2004, 12:28
المطلب الرابع: عقيدة العادة مخالفة لما كان عليه السلف الصالح:

يقول السفاريني: (..وأما مذهب السلف الصالح المثبتون للقدر من جميع الطوائف فإنهم يقولون إن العبد فاعل لفعله حقيقة وإن له قدرة واستطاعة حقيقية ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل من أن الله تعالى ينبت النبات بالماء، وأن الله يخلق السحاب بالرياح وينزل الماء بالسحاب، ولا يقولون القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها بل يقرون بأن لها تأثيرًا لفظًا ومعنى، ولكن يقولون هذا التأثير هو تأثير الأسباب في مسبباتها والله تعالى خالق السبب والمسبب) (71) فالسلف يثبتون فاعلية لقدرة الإنسان، وأثرًا للأسباب الطبيعية ولكن يشترطون عدم استقلالية الفاعلية والأثر وهذا هو ظاهر القرآن الذي أثبت للإنسان فعلاً، وللماء أثرًا وهكذا… والجميع في النهاية يكون بخلق الله، فالخلق يتم في بعض صوره بوسائط هي قوى أودعها الله في مخلوقاته، فهو يخلق الأسباب ببعضها يقول ابن تيمية: (والله سبحانه خلق الأسباب والمسببات وجعل هذا سببًا لهذا، فإذا قال القائل: إن كان مقدورًا، حصل بدون السبب وإلا لم يحصل جوابه أنه مقدور بالسبب وليس مقدورًا بدون السبب .. ودلل على ذلك بالأدلة)(72) ومعنى ذلك أنه لا غنى للأسباب عن المسببات ولا المسببات في غنى عن الأسباب، لكن الأسباب ليست علة تامة تستقل بإحداث المسببات(..ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء وحده علة تامة وسببًا تامًا للحوادث بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث، بل ليس هذا إلا لمشيئة الله خاصة)(73). وهذا هو الإنصاف الذي جاء به القرآن في نسبة الفعل والإحداث، فهو لم يغلُ في نسبته إلى الطبيعة بإنكار صنع الإله الحق كما أنه لم يقض على ما يشاهده الناس بعيونهم ويجربونه بأنفسهم بإلغاء أثر القوى الكامنة في الطبيعة فأثبت الجميع وقال للإنسان: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) الإنسان: 30، أي لا يتحقق لك صنع وعمل باستقلال حتى أشاء أنا (وهو الذي قدر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ)(74).

وقال العلامة محمد بن علي بن سلوم: (ومذهب سلف الأمة وأئمتها من جمهور أهل السنة يقولون: إن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأن له قدرة حقيقية واستطاعة حقيقية ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل… ولا يقولون القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها بل يقرون بأن لها تأثيرًا..)(75) وينقل لنا السفاريني أدلة من القرآن يشرح ما فيها من المعاني (فالحوادث تضاف إلى خالقها باعتبار وإلى أسبابها باعتبار كما قال الله تعالى: (هذا من عمل الشيطان) وقال (وما أنسانيه إلا الشيطان) مع قوله: (كل من عند الله) وأخبر أن العباد يفعلون ويصنعون ويعملون ويؤمنون ويكفرون ويفسقون… وأن العبد فاعل لفعله حقيقة فقولهم: في خلق فعل العبد بإرادته وقدرته كقولهم في خلق سائر الحوادث بأسبابها، وقد دلت الدلائل اليقينية على أن كل حادث فالله خالقه وفعل العبد من جملة الحوادث… والحاصل أن مذهب السلف ومحققي أهل السنة إن الله تعالى خلق قدرة الإنسان وإرادته وفعله، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة ومحدث لفعله والله سبحانه جعله فاعلاً له محدثًا له)(76) وقوله إن محققي السنة يقولون بما يقول به السلف فهذا حق ولهذا جاء في كتب الأشاعرة المحققة قول العلامة الشيخ إبراهيم المذاري: (..ما يدل على أن الأشعري إنما نفى الاستقلال لا أصل التأثير بإذن الله تعالى.. ما هو المعتمد في معتقده الموافق للكتاب والسنة وأن إمام الحرمين فيما ذكره في النظامية موافق للأشعري في التحقيق المعتمد عنده في الإبانة.. وقال أيضًا: فإن هذا الكلام من الشيخ الأشعري صريح في وقوع الفعل بقدرة محدثة والوقوع فرع التأثير غاية الأمر أنه لم يطلق على العبد أنه خالق أدبًا فهو كما قال إمام الحرمين واستحال إطلاق القول بأن العبد خالق لأعماله فإن فيه الخروج عما درج عليه السلف)(77) وقد قال الجويني تصريحًا لا تلميحًا بأثر قدرة العبد فقال: (ففي المصير إلى أنه لا أثر لقدرة العبد في فعله قطع طلبات الشرائع والتكذيب بما جاء به المرسلون..)(77)فهل هذا الحكم من الجويني يلزم كل من أنكر أثر الأسباب وقد نقل السفاريني عن محققي أهل السنة الاتفاق في هذه المسألة فقال: (..وإنما ذكرت لك أقاويل هؤلاء-أي المحققون من علماء الأشاعرة- مع أن عمدة المعتقد عندنا الغير المنتقد في عقدنا مذهب السلف المقرر على الوجه المرضي المحرر لتعلم أن محققي الأشاعرة لهم موافقة على حقيقة مذهب السلف والإغضاء عما ينمقه الخلف)(79)والذي يرجع إلى التحقيق في هذه المسألة يجد أن لمحققي الأشاعرة قولين أو فهمين، فالجويني له رأي في الإرشاد متقدم يقول فيه بعدم تأثير قدرة الإنسان(80) وخالفه في آخر كُتبه وقال بأن لها تأثيرًا ونصه: (..قدرة العبد مخلوقة لله تبارك وتعالى باتفاق العالمين بالصانع، والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعًا ولكنه مضاف إلى الله تبارك وتعالى تقديرًا وخلقًا)(81) وما ذهب إليه الإمام الجويني لم يرق للشهرستاني فادعى أنه ليس مذهبًا للإسلاميين بل جاء به من عند الفلاسفة (وهذا الرأي إنما أخذه من الحكماء الإلهيين وأبرزه في معرض الكلام..إلى أن قال: ومن العجب أن مأخذ كلام الإمام أبي المعالي إذا كان بهذه المثابة فكيـف يمن إضافـة الفعـل إلى
الأسباب حقيقة)(82) .
والحق أن ما ذهب إليه الجويني ليس بدعًا من القول ولا جيء به من مصدر بعيد، بل هو ما قال به السلف والمحققون من أهل السنة وهو ظاهر القرآن ومعناه.

وبهذا يتبين خطأ البغدادي حينما زعم أن الإجماع قام على أن الأجسام لا تختلف بالطبائع وخطأ حكمه الذي رتبه على ذلك وهو الضلال. بل العكس هو الصحيح أن السلف ومحققي أهل السنة كأبي الحسن الأشعري والإمام الجويني اتفقوا على ما نص عليه ظاهر القرآن وإن اختلف النقل عنهم أحيانًا كما بيناه وهو ما توصل إليه البوطي وهو يعلق على كلام الغزالي في نص له يُسلم بوجود قوى كامنة في الأشياء (وتحليل الغزالي هذا أقرب إلى الإنسجام مع التعليلات العلمية لظواهر الأشياء وتكويناتها..وختمه بقوله: إلا أنه أبعد عن مسلك الجمهور وما اتفق عليه)(83) .
المطلب الخامس: عقيدة العادة مبطلة لمبادئ العلوم:
ولما كان هذا النظام قائمًا على قانون السببية أو القوانين الطبيعية فإن إبطال الأسباب وإنكار الطبائع قتل لهذا النظام، وتجهيل له، وقلب للنظام العلمي فيه،

يقول ابن رشد: (..وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها، فرفع هذه الأشياء هو مبطل للعلم ورفع له، فإنه يلزم أن لا يكون ههنا شيء معلوم أصلاً)(84) ويشرح ابن رشد قوله السابق ويقول: (..والعقل ليس هو شيء أكثر من إدراكه الموجودات بأسباب وبه يفترق عن سائر القوى المدركة فمن دفع الأسباب فقد رفع العقل)(85) ويحكم ابن رشد على من أنكر الأسباب والطبائع بأنه ألغى الفوارق بين الأشياء وجعلها شيئًا واحدًا ومن ثم لا حدود ولا فواصل بين الأشياء وكفى بهذا إبطالاً للوجود وللعلم يقول: (..فماذا يقولون في الأسباب الذاتية التي لا يفهم الموجودات إلا بفهمها، فإنه من المعروف بنفسه أن للأشياء ذوات وصفات هي التي اقتضت الأفعال الخاصة بوجود موجود وهي التي من قبلها اختلفت ذوات الأشياء وأسماؤها وحدودها فلو لم تكن لوجود موجود فعل يخصه، لم يكن له طبيعة تخصه، ولو لم تكن له طبيعة تخصه لما كان له اسم يخصه ولا حد وكانت وكانت الأشياء كلها شيئًا واحدًا، ولا شيئًا واحدًا… ارتفعت طبيعة الموجود، إذا ارتفعت طبيعة الموجود لزم العدم)(86) وفي هذا الكلام رد على الأشعرية القائلين بأن لا طبائع ولا أسباب بل يذكر بعضهم أن أهل السنة مجمعون على تضليل من قال أن الموجودات تختلف بالطبائع (87) فإذا لم يكن كذلك فبماذا تختلف؟ ويقول العامري:(8
(والذي حمل هذه الفرقة المختلفة على ارتكاب هذه الأقوال المخترعة هو عجزهم عن الروية في واحد من المعاني الطبيعية، وضعفهم عن التفكير في جبلته والتعرف بخصائص قواه، فأقدموا على جحد الحقائق كلها)(89)

ويقول المفكر سليمان دنيا في تعليقه على إنكار الأشعرية لقوانين السببية وحتميتها: (..ولكن إلغاء السبب معناه القضاء على العلم والقوانين العلمية، وإغلاق باب التكهن بالمستقبل وترتيب المسببات على أسبابها، وتلك إحدى النتائج الخطيرة التي انتهى إليها (هيوم) في نقده وتحليله)(90) وتتركز هذه الخطورة حينما تنسب إلى الدين أو تجعل أساسًا صالحاً للبرهنة على صحة التوحيد ، والأمر خلاف ذلك.

محمد موسى البيطار
16-07-2004, 12:30
المطلب السادس: وجوب ترتب المسببات على الأسباب دون محـذور كإنكار المعجزات والكرامات وما في حكمها.

العلاقة بين الأسباب والمسببات علاقة ضرورية ولا تتخلف المسببات عن أسبابها إلا إذا كان هناك فساد أو عارض أخل بالسبب ولهذا جعل العامري دلالة هذه العلاقة قوية على وجود الله تعالى، ثم ألزم من غير هذه العلاقة وجعلها جائزة أنه يلزمه ألا يستطيع أن يقيم الدليل على وجود الله تعالى ولهذا قالت: منى أحمد أبو زيد في بحثها القيم عن فكر العامري: (..وبهذا يتسنى للعامري نقد الاتجاهات التي تنكر العناية أو تنكر السببية لأن هناك تلازمًا ضروريًا بينهما ولا يمكن إثبات أحدهما دون إثبات الآخر وأن وجودهما معًا دليل على وجود الله تعالى)(91) وبغير إثبات الضرورة بين الأسباب والمسببات يكون الأمر اتفاقًا لا حكمة فيه ولا نظام (ولكي يؤكد العامري على فساد آراء هذه الفرقة يأخذ في تأكيد السببية والتلازم الضروري بين العلة والمعلول أو بين الجسم وخواصه وأعراضه، ويرى أنه لا يجوز أن يعقل أي جوهر اتفق أي غرض اتفق ولو جاز ذلك لصلح أن يكتب على جوهر الهواء، كما يكتب على جوهر الورق، بل قد يصلح أن يتخذ من الصوف سيفًا قاطعًا، ومن الحديد عمامة ملفوفة، ولصلح أيضًا أن يدرك الطعم بالسمع ويدرك الصوت بالمذاق)(92)

ويقول ابن تيمية: (..وأما المسببات بعد وجود أسبابها فلا يمنعها بحال إلا إذا لم تكن أسبابًا صالحة، إما لفساد في العمل وإما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه، فيكون لعدم المقتضى أو لوجود المانع.. ويدلل على ذلك بالآيات والأحاديث)(93)

وكذلك قال الإمام الشاطبي: (..كذلك البذر سبب لنبات الزرع والنكاح سبب للنسل كقوله: (وابتغوا ما كتب الله لكم) البقرة: 187 ..وما أشبه ذلك مما يدل على وقوع المسببات عن أسبابها دائمًا فلو لم تكن المسببات مقصودة للشارع في مشروعية الأسباب لكان خلافًا للدليل القاطع)(94) ولكن قد يتخلف المسبب ولا يترتب على سببه ليس نقضًا للضرورة ولا قولاً بالجواز وإنما لمانع يطرأ أو خلل يحصل للسبب فلا يترتب عليه سببه الذي كتبه الله له،

يقول ابن تيمية: (..كإفضاء سائر الأسباب إلى مسبباتها فترتب الألم عليها كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى الذبح والإحراق بالنار والخنق بالحبل وغير ذلك من الأسباب التي تكون مفضية إلى مسبباتها ولا بد ما لم يمنع السببية مانع أو يعارض السبب ما هو أقوى منه وأشد اقتضاء…)(95)
ويذكر مصطفى صبري أن في جعل العلاقة بين الأسباب والمسببات ضرورية لا
يترتب عليه منع المعجزات ولا رد الكرامات ما دام القائل بذلك مؤمن بالله وأنه مختار ولا يحصل شيء إلا بإذنه يقول: (فإذن يكون منشأ إنكار المعجزات واستبعاد وقوعها إن لم تكن عقيدة المنكر المستبعد في نظام العالم أنه من طبيعة الأشياء لا يقبل الانفكاك عنها وليس يجعل اختياري من الله، حماقة محضة، إذ لا بد إذا كان الله جاعل نظام العالم وكان مختارًا في جعله أن يقدر على تغييره متى شاء ذلك فالله في عقيدة المؤمنين إذا شاء يسلب الأشياء ما جرت سنته فيها ويكون هذا السلب خرقًا منه للعادة لا خرقًا للعقل..)(96)
ونقل مصطفى صبري كلام (استوارت ميل) وهو كلام جيد غاية في الرد على من أنكر الضرورة فقال: (إن الله الذي أوجد سلسلة الأسباب والعلل قادر على تعطيل عمل هذه السلسلة فلا تكون المعجزة خارقة للعادة بهذا الاعتبار ولا يختل قانون السببية، فسبب المعجزة إرادة الله)(97) وهذا معناه ليس من الضروري أن تتوقف صحة المعجزة على القول بالاقتران الجائز وهو عقيدة العادة بل القول بإمكان حصول المعجزة بإذن الله تعالى في حالة ما يشاء سبحانه وذلك يكون بكسر العلاقة بين الأسباب والمسببات أقوى في جعل الأسباب مقترنة جوازًا بمسبباتها لعدم العلاقة الوثيقة بينهم على رأي من يرى ذلك.
والناظر في القرآن الكريم يجد دائمًا الأسباب متصلة بالمسببات إلا في حالات استثنائية وهي ما نسميه بالمعجزات، فمثلاً العصى ميتة لا تتحرك ضرورة ولكن يشاء الله فيكسر الضرورة فتتحرك العصى وتكون المعجزة، وكذلك الحس يشهد بأن النار تحرق وهكذا خلقها الله تحرق ولكن إذا شاء الله سلبها الإحراق وكسر الضرورة وكانت المعجزة كما حصل لإبراهيم.
ومن هذا القبيل لا يصح الإلزام بأن من قال بضرورة العلاقة بين الأسباب والمسببات أن يكون منكرًا للمعجزات. يقول ابن سينا (..وهؤلاء المتفلسفة لمّا لم يعرفوا الأصول أخذوا يتعجبون من النادر إذا لم يضطرهم إلى الإقرار به المشاهدة فأنكروا الوحي والمعجزات والرؤيا والعين والكهانة والوهم والعرافة. وأما المحقون من الحكماء ففرقة موجبة لوجود جميع هذه الأشياء… والمشهورون من أهل الدرجة الأولى (والمنكرون) عددهم قليل يوشك أن يكون عدد من أعرف منهم في الستة آلاف سنة من المتفلسفة ثلاثة أو أربعة)(9 .
وكذلك ابن رشد يذهب إلى أنه لا يترتب على الاقتران الضروري إنكار المعجزات بل بالعكس ويشرح ذلك بقوله: (أما الكلام في المعجزات فليس فيه للقدماء من الفلاسفة قول لأن هذه كانت عندهم من الأشياء التي لا يجب أن يتعرض للفحص عنها وتُجعل مسائل، فإنها مبادئ الشرائع، والفاحص عنها، والمشكك فيها يحتاج إلى عقوبة عندهم.. وأن كيفية وجودها هو أمر إلهي معجز عن إدراك العقول الإنسانية..)(99)
وهكذا فإنه لا يترتب على ضرورة الاقتران أي فساد.

محمد موسى البيطار
16-07-2004, 12:31
وبنهاية هذه المناقشة والمحاورة الهادفة نسجل هذه الفوائد
والنتائج
أولاً:
إن التعامل مع ردود الفعل كثيرٌما يقود الإنسان إلى البعد عن إصابة الحقيقية فضلاً عن الخروج عن المنهج الصحيح والدخول في متاهات عويصة وضلالات بعيدة وأخطاء جسيمة.

ثانيًا:
إن ما أثبته خصوم الأشاعرة من وجود أثر للطبائع لا يعمل مستقلاً ولكن بقدرة الله تعالى يتمشى مع مبادئ الأشاعرة التي بنوا عليها عقيدتهم أكثر مما نص عليه الأشاعرة من أن طبائع الأشياء لا أثر لها وإنما هي عادات ألفها الناس.

ثالثًا:
القول بعقيدة العادة ليس له أساس قرآني ولا سني ولهذا جاء اعتقاد السلف الصالح مخالفًا لهذه العقيدة.

رابعًا
التقدم العلمي اليوم والقائم على التجربة والمشاهدة أكبر برهان على تضمن الطبائع من القوى الكثير، فهذه الذرة كنموذج واضح.

خامسًا:
إن إنكار المحسوس والمشاهد لا يفضي إلى إيمان وتوحيد، بل إلى تعطيل وسفسطة والقرآن الكريم دل بوضوح على تأثير الأسباب في مسبباتها.

سادسًا:
القوانين التي تحكم عالم المادة وعالم الأحياء سنن إلهية في الكشف عنها تأكيد وتدعيم للإيمان متى انتهج الباحثون المنهج العلمي الصحيح، وفي هذا ما يؤكد أن التقدم العلمي ليس خطرًا على الدين كما يزعم الملحدون.

سابعًا:
إن العلوم التجريبية، بل والإنسانية كذلك تكشف كل يوم عن الجديد من القوانين والحقائق التي تؤكد وجود الحقيقة الكبرى (الله) وأن دعاوى معارضي الدين عارية عنالصحة لأنها عارية عن الدين. ثامنًا: إن السنن الكونية والقوانين المادية التي تحكم عالم المادة لا يمكن أن تكون مستقلة العمل بذاتها، لأنها لا تستطيع أن تبدع نفسها أو تخلق لنفسها شيئًا، وبما أنها موجودة وجودًا واقعيًا، فإن هذا يدل على أن لها مبدعًا خالقًا هو (الله). تاسعًا: للعلم مجاله وهو تحليل الظواهر ولا يستطيع تعليلها، كما نطق بذلك أساطينه، وإذا كانت الظواهر تحتاج بالضرورة إلى التعليل فإن الدين هو الذي يتكفل بذلك وليس العلم.

هوامش البحـث

1. ابن رشد، القاضي الفاصل محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، بتقديم د. محمد عابد الجابري، ط1 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت سنة 1998 ،ص 166،193.

2. انظر: سليمان دنيا، التفكير الفلسفي في الإسلام، ط1مطبعة السنة القاهرة سنة 1387، ص 182 وانظر: أبو العلا العفيفي، المنطق التوجيهي ص 89. 3. الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد: تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، ط6 دار المعارف، القاهرة 1980، ص 239. وانظر، الشهرستاني، عبد الكريم بن أبي بكر: نهاية الإقدام في علم الكلام، صححه الفرد جيوم، مكتبة الثقافة الدينية، بور سعيد، ص72. 4. الغزالي، تهافت الفلاسفة ص239. وانظر: السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني: شرح المواقف 8أجزاء، ضبطه وصححه محمود عمر الدمياطي، ط1 دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، سنة 1419، 1998، (ج4، ص172). 5. الباقلاني، محمد بن الطيب المالكي المذهب الأصولي المتكلم ولد سنة 338هـ بالعراق وتوفي (403هـ) من مؤلفاته، التمهيد والإنصاف وغيرها، الشجرة الزكية92. 6. الباقلاني: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات، تحقيق ريتشارد مكارثي المكتبة الكاثوليكية، بيروت سنة 1958. 7. الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، تحقيق إبراهيم أكاه أنقرة سنة 1962ص46. 8. البغدادي، عبد القاهر بن طاهر بن محمد، أصول الدين، ط1 دار الفكر، بيروت، ص76 سنة 1417هـ. 9. الباقلاني، التمهيد، تحقيق ريتشارد مكارثي، ط1 المطبعة الكاثوليكية، بيروت سنة 1957، ص57. 10. الغزالي، تهافت الفلاسفة ص239، وانظر البيجوري العلامة الشيخ إبراهيم بن محمد، شرح جوهرة التوحيد، الدار السودانية للكتب السودان، الخرطوم، ص 98. 11. الغزالي، تهافت الفلاسفة ص240، وانظر عبد الكريم تنان، ومحمد أديب الكيلاني، عون المريد شرح جوهرة التوحيد (جزءان) ط1 دار الثائر دمشق 1415هـ، 1994م، (ج1، ص401، 402، 555).12. البوطي، محمد سعيد رمضان: كبرى اليقينيات الكونية، ط3 دار الفكر سنة 1394، ص307. 13. قال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: (من المعلوم أن الشيء لا يسمى سببًا لغيره إلا إذا أثر فيه إيجادًا أو إعدامًا أو تكييفًا وهذا التأثير لا بد أن يكون حتميًا ما دام المؤثر سببًا… وإلا لامتنع كونه كذلك) كبرى اليقينيات الكونية ص306. 14. البغدادي، عبد القاهر: الفرق بين الفرق، تحقيق محمد محي الدين دار المعرفة. بيروت ص328. وانظر ابن رشد، مقدمة مناهج الأدلة ص51. 15. الغزالي- تهافت الفلاسفة ص241، وانظر: الآمدي، سيف الدين: غاية المرام في علم الكلام، تحقيق حسن محمود عبد اللطيف، القاهرة سنة1319هـ ، 1971، ص212،220. 16. المصدر السابق، ص240، وانظر الباقلاني، التمهيد ص64. 17. مصطفى صبري –وكيل المشيخة العثمانية- مختصر موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين، دار السلام سنة 1407هـ ، ص31. 18. البوطي، كبرى اليقينيات الكونية ص313، وانظر غاية المرام في علم الكلام ص213،220. 19. الشهرستاني، نهاية الإقدام، ص91، وانظر السميري، جابر بن زايد؛ قضية الثواب والعقاب بين مدارس الإسلاميين بيانًا وتأصيلاً، ط1 دار السودان للكتب، السودان، الخرطوم سنة 1416هـ ، 1995م، وانظر، الشهرستاني، الملل والنحل تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت ص159 لبنان سنة 1402هـ ، 1982، (ج1، ص100). 20. قال الأشعري: (والحق عندي أن معنى الكسب هو أن يقع الشيء بقدرة محدثة فيكون كسبًا لمن وقع بقدرته) مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين، تحقيق محمد محي الدين المكتبة العصرية سنة 1461هـ ، ص221. والأشاعرة على قسمين في شرح كسب الأشعري، فمنهم مَنْ يثبت وقد وضحنا في داخل البحث التفاصيل. 21. الأشعري، أبو الحسن، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع صححه وعلق عليه، حموده غرابة، مصر سنة 1955، ص72. 22. الإيجي، القاضي، عصر الدين عبد الرحمن، المواقف في علم الكلام، مكتبة المتنبي –بدون طبعة- القاهرة ص150.23. المصدر السابق ص153. 24. سورة الأنعام آية 6. 25. د. محمد عابدي الجابري، مقدمة الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، مركز دراسات الوحدة العربية ط1 بيروت سنة1998 ص 83، وانظـر، مناهـج الأدلـة، ص 169، 170. 26. البوطي، محمد سعيد رمضان: نقض أوهام المادية الجدلية ط2 دار الفكر، دمشق سنة1979 ص162. 27. مصطفى صبري: مختصر موقف العقل أو القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون، ص32. وانظر، منى أحمد أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،ط1 بيروت سنة1414هـ –1994م، ص131. 28. المصدر السابق. 29. المصدر السابق. 30. انظر، تهافت الفلاسفة ص236، وانظر، البياضي، كمال الدين، إشارات المرام من عبادات الإمام، حققه، يوسف عبد الرازق مطبعة مصطفى الحلبي وأولاده، ط1 سنة 1368هـ-1949، ص258. 31. مصطفى صبري، القول الفصل، ص30، وانظر، الشهرستاني الملل والنحل، (ج1، ص97، ج2، ص178). 32. القول الفصل (الهامش)، ص30. 33. المصدر السابق. 34. البوطي: كبرى اليقينيات الكونية، ص313، وانظر، الملل والنحل، (ج1، ص178). 35. المصدر السابق، ص314، والملل والنحل، (ج2، ص178). 36. شرح الجوهرة التوحيد، ص98، وانظر عون المريد شرح الجوهرة، (ج2، ص556). 37. سورة الصافات: آية: 96. 38. الشاطبي: أبي إسحاق إبراهيم بن موسى: الموافقات في أصول الشريعة، دار الكتب العلمية بيروت (ج1، ص147). 39. ابن تيمية: شيخ الإسلام مجموعة الرسائل والمسائل، ط1 دار الكتب العلمية بيروت سنة 1403هـ (ج5، ص330)، وانظر له مجموع الفتاوى، (ج8، ص137).40. البوطي؛ كبرى اليقينيات الكونية، ص309، وانظر، الغزالي المستصفى من أصول الفقه، (ج2، ص92). 41. محمد علي أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة سنة 1983، ص494. 42. الغزالي، أبوحامد: إحياء علوم الدين، الدار البيضاء (ج4، ص263). 43. الموافقات في أصول الشريعة، (ج1، ص148). 44. سليمان دنيا: التفكير الفلسفي الإسلامي، ص193. 45. ابن رشد، تهافت التهافت، تحقيق سليمان دنيا، ط2 دار المعارف، مصر بدون سنة( ج2، ص786). 46. المصدر السابق. 47. المصدر السابق. 48. ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت (ج5، ص15)، وانظر، ابن منظور لسان العرب مادة (عود) ط3 دار الفكر، بيروت سنة 1994(ج30، ص316). 49. تهافت التهافت ص786، وانظر أحمد عبد الله عارف، الصلة بين الزيدية والمعتزلة، تقديم محمد عمارة، ط1 دار أزال، صنعاء اليمن سنة 1407، ص231. 50. المصدر السابق، 51. المصدر السابق، وانظر أحمد عرفات القاضي، الفكر التربوي عند المتكلمين المسلمين ودوره في بناء الفرد والمجتمع، الهيئة المصرية للكتاب ص193، 166، 167. 52. الكشف عن مناهج الأدلة، ص 193، 166، 167. 53. الإيجي: المواقف في علم الكلام، ص280، وانظر الإرشاد ص73. 54. ابن القيم: شمس الدين أبي عبد الله بن الشيخ أبي بكر ، شفاء الغليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تحقيق السيد محمد السيد، وسعيد محمد، دار الحديث القاهرة ط1 سنة 1414هـ ، ص417. 55. ابن تيمية، مجموع الفتاوى- جمع وترتيب عبد الرحمن الحنبلي، (ج8، ص136). 56. ابن القيم، شفـاء العليل، ص417، وانظـر ابن القيم، مفتـاح دار السعـادة (ج2، 493).57. البوطي: نقض أوهام المادية الجدلية، ص 66 نقلاً عن كتاب المادية والمذهب التجريبي النقدي ص148، 149. 58. ابن سينا، تسع رسائل في الحكمة، الرسالة الثانية، القسطنطينية سنة 1398، ص30. 59. الألوسي، الدكتور حسام، حوار بين الفلاسفة والمتكلمين ط2 المؤسسة العربية للدراسات سنة 1400هـ ص37، وانظر ابن سينا، تسع رسائل ص35. 60. ابن القيم شفاء العليل ص463، وانظر كبرى اليقينيات الكونية ص417. 61. البوطي: نقض أوهام المادية الجدلية ص164. 62. ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة ص169، وانظر شفاء العليل ص417. 63. المصدر السابق ص170، وانظر ابن رشد، ما بعد الطبيعة ضمن رسائله دار المعارف العثمانية سنة1395 (ج1، ص168). 64. المصدر السابق ص167. 65. ابن القيم: شفاء العليل ص114، 115، 116، 117، وانظر ابن تيمية، مجموعة الرسائل والمسائل، (ج5، ص330). 66. سورة التوبة: آية: 14وكذلك ق: 9، الأنعام: 99، النحل: 10، 91. 67. سورة البقرة: آية: 214 وكذلك الأعراف 157، والبقرة26. 68. ابن تيمية: مجموعة الرسائل والمسائل (ج5، ص330)، وانظر مجموعة الفتاوى له، (ج8، ص137)، وشفاء العليل، ص417. 69. ابن تيمية، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية –دار الكتب العلمية، بيروت لبنان بدون تاريخ (ج2، ص17، 1. وانظر، الذهبي محمد بن عثمان، النتقي من منهاج الاعتدال، حققه محب الدين الخطيب ط1 الرياض سنة 1409، ص143. 70. ابن تومرت: أعز ما يطلب، نشره جولد زيهرالجزائر سنة 1903، ص25، وانظر: مقدمة الكشف عن مناهج الأدلة، ص43. 71. السفاريني، العلامة الشيخ، محمد بن أحمد بن سالم، لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السُّنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحانية في عقيدة أهل الآثار السلفية، دراسة وتحقيق عبد الله بن محمد البصيري ط1 الرياض سنة 1415(ج2، ص142). 72. ابن تيمية، مجموعة الرسائل والمسائل، (ج5، ص332). 73. ابن تيمية، مجموع الفتاوى (ج8، ص133)، ومجموعة الرسائل، (ج5، ص 327). 74. أبو حنيفة النعمان، الفقه الأكبر بشرحه للقاضي الملا ط2 مصطفى جلبي سنة 1375هـ ص41. وانظر، البيهقي، الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، ط2 دار الكتب العلمية بيروت لبنان سنة 1406، ص83. 75. محمد بن علي سلومة، مختصر لوامع الأنوار البهية، حققه محمد زهدي النجار، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان سنة 1403، ص212. وانظر محمد بم عبد الرحمن الخميس، أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة، ط1 دار الصميعي الرياض سنة 1416هـ ، ص 530، 531، 534. 76. السفاريني؛ لوامع الأنوار البهية، ط3 المكتب الإسلامي سنة 1411هـ (ج1، ص 314). 77. الحلبي المذاري، إبراهيم بن مصطفى، اللمعة في تحقيق مباحث الوجود والحدوث والقدر وأفعال العباد، حققه زاهد الكوثري، مطبعة الأنوار سنة 1358 ص57، 60. 78. الجويني، إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية، تحقيق الكوثري، بدون طبعة، دار النشر المكتبة الأزهرية سنة 1412هـ. ص 43، 44، وانظر، إشارات المرام من عبارات الإمام، ص 255، 256، وانظر، الأشعري: الإبانة، ص191، 196، 238. 79. السفاريني؛ لوامع الأنوار البهية، (ج1، ص 319). 80. الجويني، الإرشاد إلى قواطع الأدلة، تحقيق محمد يوسف موسى، مطبعة السعادة سنة 1369هـ ، ص217. 81. العقيدة النظامية، ص46، 47. وانظر: البياضي – إشارات المرام، ص256. 82. الشهرستاني، الملل والنحل، (ج1، ص299). 83. البوطي: كبرى اليقينيات الكونية، ص309، وانظر: العقيدة النظامية ص43. 84. ابن رشد، تهافت التهافت (ج2، ص785)، وانظر مناهج الأدلة ص193. 85. المصدر السابق. 86. المصدر السابق، ص782، 783. 87. انظر محمد عبد الهاديأبو ريدة، مذهب الذرة عند المسلمين(ترجمة) مطبعة لجنة التأليف، القاهرة ص(ز) مقدمة المترجمأبو ريدة.88. العامري، هو أبو محمد بن محمد بن يوسف العامري النيسابوري ولد في أوائل القرن الرابع الهجري وينتمي إلى أصل عربي وتوفي سنة 1381، وكان عالمًا فيلسوفًا منضبطًا بضوابط الشرع. 89. العامري، القول في الإبصاروالمبصر رسالة ضمن مجموعة رسائلللعامري تحقيق سحبان خليفات ص417. 90. الغزالي، تهافت الفلاسفة، التعليقات الهامشية ص241، وانظر الكشف عن مناهج الأدلة ص194. وانظر: سليمان دنيا: التفكير الفلسفي الإسلامي ص194. 91. منى أبو زيد، الإنسان في الفلسفة الإسلامية في فكر العامري، ص137 وانظر القول في الإبصار والمبصر ص417. 92. المصدر السابق ص136. وانظر العامري، رسالة التقرير لأوجه التقدير، ضمن رسائل العامري، ص415. 93. ابن تيمية –الاستقامة تحقيق محمد رشاد سالم، القاهرة سنة 1409(ج2، ص515). 94. الشاطبي، الموافقات (ج2، ص218) وانظر، القول الفصل، ص30 وانظر نهاية الإقدام في علم الكلام، ص95. 95. ابن القيم، تفسير المعوذتين، تحقيق سيد إبراهيم دار الحديث ص20 وانظر الموافقات (ج2، ص211). 96. مصطفى صبري، القول الفصل، ص30، وانظر نهاية الإقدام ص20. 97. المصدر السابق (الهامش) ص30. 98. ابن سينا، تسع رسائل، ص36، 37، وانظر حوار بين الفلاسفة والمتكلمين ص39. 99. ابن رشد، تهافت التهافت، ص773، 774، ومناهج الأدلة ص 175، 176، 177، 185.

بلال النجار
17-07-2004, 13:13
السلام عليكم

أرجو من الإخوة المشرفين نقل هذا الموضوع إلى القسم الجديد الخاص بالرد على غير الإسلاميين، لعل الله تعالى يوفقنا لنتكلم عليه.

ولكم الشكر الجزيل

بلال النجار
16-12-2004, 15:17
بسم الله الرحمن الرّحيم
السادة الأفاضل،

كثيراً ما سمعت انتقادات على قول الأشاعرة بأنّ التلازم بين الأسباب والمسببات في العالم هو تلازم عاديّ، وكلّما أتأمّل في كلام المنتقد أجده غير فاهم لمبدأ العادة كما يشرحه الأشاعرة، وهذه المشكلة في تصوره لكلامهم هي منشأ غلطه في الأحكام، وغلطه عليهم. وأنا أجزم أن كثيراً من العقلاء الذين قابلتهم في حياتي ممن يظهرون عداء للدين عامة أو المذهب الأشعري خاصّة، إذا ما صوّرت لهم المسائل بالطريقة الصحيحة ستجدهم موافقين لنا أو لنقل إن الهوة الكبيرة التي يرونها بيننا وبينهم ستتضاءل فيقتربوا منا أكثر. وفي أقل التقادير فإن أقل ما أحصله حين أتكلم مع المخالف أن أنتزع منه احتراماً وتقديراً للدين وللمذهب الأشعريّ خاصة، واعترافاً بأن مقالات علمائه ليست كلاماً سخيفاً يمكن نقضه أو حتى نقده ببادي النظر. وكن يا أخي واثقاً أنه يبعد جداً بل يكاد يستحيل عادة أن يطبق العلماء، أو يرى جمهورهم رأياً ويكون هذا الرأي ضعيفاً واهناً، بادي الوهن، ومن تجرأ على وصف قول الجمهور بذلك فإنه يغامر أيما مغامرة، ولا أظنّ أحداً يجرؤ على مثل ذلك إلا أن يكون ناقص العقل، أو غير عارف بعلومهم.

وعلى أي حال، وللحديث شجون، فقد قرأت هذه المقالة، ووجدت كاتبها يقول:
(العادة تعني أنه لا شيء يؤثر في شيء ولا علة تؤثر في معلولها فالنار مثلاً ليس لها أثر في الإحراق، وما يراه الناس من إحراق إنما هو عادة وإلف فقط وليس ناشئًا عن علة في النار والله الخالق له باطراد كلما التقت النار مع ما تحرقه دون أن يكون للنار أثر يُذكر وهكذا لا حقيقة لطبائع الأشياء. وحكموا على أنها فارغة من القوى ومن ثم التأثير في غيرها أو التأثير بقدرة الله-سبحانه- باعتبارها وسائط وهذا معناه أيضًا إنكار لعلاقة الأسباب بمسبباتها وأن التلاقي بينهما ما هو إلا عادة فليس هناك أي علاقة ترابطية إلا ما يشاهده الإنسان بعينه والمشاهدة ليست حجة. بمعنى: أن اطراد الموجودات وتسلسلها ليس قائمًا على الترابط (العلّيِّ) بل إن العادة وجريانها هما السبيل في إحساسنا بالتعاقب بين ما يقال أنه سبب وما يقال أنه مسبب، وإن وجود أحدهما في الذهن يلزمه –بالتداعي – وجود الآخر دون أن يكون هناك في الواقع رابطة علّية حقيقة)

دعونا نتأمّل هذا الكلام، والكلام الذي يليه. إنّ الفرق بين الكلام المحقّق والكلام غير المحقق قد يكون مجرّد تدقيقات صغيرة بها يستقيم الكلام.
نعم نحن نقول إنه لا مؤثّر في الوجود إلا الله تعالى.
ولكننا لا نقول: لا علّة تؤثّر في معلولها. لأنّ هذا القول يتضمن إثباتنا للعلّة والمعلول كما هما عند الفلاسفة. ونحن لا نقول بالعلّة والمعلول بمعنى الموجود المؤثر وجوباً في إيجاد شيء آخر بحيث لا يمكن تخلّف المعلول عند وجود العلّة عقلاً.
إن لنا قولنا في مقابل قول الحكماء. إننا لا ننفي وجود الأسباب والمسببات، ولا ننكر العلاقة بين هذه الأسباب والمسببات، ولو أنكر إنسان ذلك لكان مجنوناً، لأنّ ربط الأسباب بالمسببات من البداهة بحيث لا يمكن إنكاره. وكيف نقول بنظرية الكسب وننكر ربط الأسباب بالمسببات!
ولكنّ السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا عند وقوع المسبَّب عقيب السبب هو: هل كان وقوع المسبَّب نتيجة لوقوع السبب واجباً عقلاً أم جائزاً عقلاً؟

إنّ العقل السليم يحكم بجواز تخلّف المسبب عن سببه والمعلول عن علّته عقلاً. والقرآن الكريم والسنّة النبويّة يزخران بأخبار الأنبياء ومعجزاتهم، وكلّ معجزة لنبيّ فهي دليل على جواز تخلّف المعلول عن علّته والمسبب عن سببه.
وهذا منشأ قول الأشعريّ رضي الله عنه بالعادة، أي أنّ هذه الأسباب والعلل ليست إلا أسباباً وعللاً عاديّة قانونيّة. والله تعالى هو خالق كلّ شيء، وهو على كلّ شيء وكيل. والذي أجرى العالم ودبّره على وفق هذه القوانين والأنظمة، قادر على أن يجريه على وفق قوانين وأنظمة مختلفة. وهذا ما نعنيه بخرق العادة. وبجواز انخرام العادات، وهو بالضبط ما نعنيه حين نقول إن العلل والأسباب قانونيّة أو عاديّة، وهو ما نعنيه بقولنا لا يجب عقلاً وقوع المسبب عقيب السبب، بل التلازم بين المسبب والسبب تلازم عاديّ لا عقليّ. وليس هذا التلازم هيناً بالصورة التي يحاول أن يبرزها الكاتب حين يستخدم ألفاظاً كالإلف، إن العادة عند الأشعريّة قانون يوجب العلم القطعيّ. وحين نقول بالعادة، فينبغي أن يتذكر الكاتب أننا أيضاً نقول بأن انخرام العادة مستحيل عادة، جائز عقلاً. فإذا كانت العادة مفيدة للعلم للقطعيّ عندنا، فلا فرق عملياً بين مذهبنا وبين القول بالعلّة والمعلول. لأنّ كلا الفريقين ينظر إلى الأسباب والمسببات وترابطها بوصفها مفيدة للعلم. ولكن الفلسفيّ يقول بوجوب وقوع المعلول عند وقوع العلة التامة عقلاً، ونحن نقول بوجوب وقوعها عادة لا عقلاً، أي نجير انخرام العادة، ولنا في ذلك شاهد وأي شاهد، إنه معجزات الأنبياء التي أقرتها جميع الأديان. فإن لم يجز الكاتب انخرام القانون، فعليه بكل بساطة أن ينكر وقوع المعجزات! أو يفسر وقوعها على مذهبه بالعلة والمعلول.

من هذا الكلام تستطيع أن تعرف أنّ عرض مذهب الأشعريّة على هذه الشاكلة التي يقدّمها الكاتب، ليس منصفاً، وفيه استخفاف للعادة أو القانون.
وليعلم هذا الكاتب أنّ الأشاعرة يقولون بأنّ القوانين التي يدبّر الله تعالى وفقها الكون لا تنخرم إلا بإذنه وإرادته، وأننا لا نعلم بعد مضيّ زمن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن وقوع خرق للعادة إلا نزراً مما روي عن كرامات الأولياء. وما دون ذلك فالعالم بجميع ما فيه يسير وفق قوانين منضبطة لا تنخرم. فلا يستخفّ بالعادة التي يستميت العلماء الطبيعيون في الكشف عن القوانين التي تضبطها.

ويقول الكاتب: (وغلوا حتى صادروا ما للطبائع من صفات جوهرية بها تتمايز وتتغاير كالفرق بين الخد والبصر، مع أن القول بأنها لا تفعل استقلالاً وإنما بإذن الله وهو القول الذي كان يجب أن يتوقفوا عنده دون الذهاب إلى آخر الشوط وإنكار حقائق الأشياء الأساسية مما أفسد عليهم طرقهم في إثبات التوحيد)

أقول: أنا أستغرب جداً من هذا الكلام. فمن من المسلمين أنكر الصفات الذاتيّة التي تتميّز بها الحقائق بعضها عن بعض، ومن من المسلمين أنكر أنّ للأشياء حقائق ثابتة؟! كيف والشيخ النسفي في أوّل جملة في عقيدته يقول: (حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقق، خلافاً للسفسطائيّة)! فمن أين جاء الكاتب بهذا الكلام؟!

ثمّ بالله دعونا نر كيف أفسد علينا هذا القول -الذي لم نقله أصلاً ويتّهمنا هو به- إثبات عقائد التوحيد!!
ألا ترون أنّ كثيراً من الناس يقولون مجرّد كلام عار عن الدليل، ادعاءات فحسب تتوالى على أسماعنا، لا تجوز على من له أدنى اطلاع بعقائد الأشاعرة، يلبّس بها على الناس من قليلي المعرفة والعقول. فهل هذه طريق العقلاء والأفاضل في البحث... إنّ حقّ كثير مما يكتب وتسوّد به الصحائف أن يحرق ويلقى في الزبالة.

انظر إلى سخافة هذا الكلام التالي:

يقول الكاتب عن مبدأ العادة الذي يتبناه الأشاعرة: (هذا الاجتهاد الحاصل بسبب ردود الفعل، وكان الأولى أن يبطل الأشاعرة حجج الطبائعيين القائلين باستقلال الطبيعة في إيجاد الأشياء دون الإنسياق وراءهم وإبطال العلل والأسباب والقوى التي أودعها الله في هذه الطبائع ولا تعمل إلا بإذن الله، بمعنى عدم مجاوزة آيات القرآن الحكيم إلى آفاق بعيدة قد يثبت العلم التجريبي والمشاهدة بطلانها، وهذا ما حصل)

فهل يعتقد هذا المعتوه فعلاً أنّ الأشاعرة وكردّة فعل من نقاشاتهم مع الطبائعيين القائلين بالقوى المودعة في العالم ذهبوا إلى القول بالعادة!!
ثمّ ما الفرق بين قوله ههنا بأنّ الأسباب والقوى لا تعمل إلا بإذن الله تعالى وبين قولنا بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلا الله تعالى!!! لو كان منصفاً فاهماً لما يقول.
ونسأله: هل يقتصر تدبير الله تعالى لهذا العالم أن لا يعارض وقوع المسبب عقيب السبب، أم أنه هو سبحانه خالق السبب، وخالق المسبب عقيب السبب. أليس هذا مأخوذاً من نفس التوحيد الذي يدّعي أنا قد أفسدنا على أنفسنا أدلّته. أليس الله تعالى واحداً عنده في ذاته وصفاته وأفعاله، فما معنى كونه واحداً في أفعاله إلا أن يكون هو المدبّر والمتصرّف في كلّ جزئيّة من جزئيّات هذا العالم. فإن سلّم أنّه مدبّر هذا العالم ربّه وسيّده، فكيف يتوقّف في الاعتقاد بالعادة.
وليس أبعث على الضحك من قوله (إنّ هذا ما حصل)، يشير إلى تمادي الأشاعرة في ردّة فعلهم عند الردّ على الطبائعيين.

هذا ما تيسر قوله في مقدمة مناقشة هذه المقالة، وللحديث إن شاء الله تعالى بقية.

صهيب منير يوسف
17-06-2007, 22:39
يكاد المرء يعجب من كثرة الخلط و الخبط الذي لازم فهم العديد من الباحثين و أساتذة الجامعات نظرية السببية عند الأشاعرة فاندفعوا يتهمون قولهم بأنه سبب لانهيار العقل و العقلانية و أن المعرفة مستحيلة بناءا على مذهبهم و لا يمكن حصولها و لا التحقق منها إذ لا قوانين ثابتة في العالم كما فهموا من قول الأشاعرة و لا حتمية سببية في الكون و الأشاعرة سبب للتخلف العلمي و التقني و أفول الحضارة و غياب النهضة .. إلخ من المبالغات الشعرية و أخشى أن يأتي يوم يتهمهم أحد أعشار الباحثين بأنهم سبب لظاهرة الانحباس الحراري و ثقب طبقة الأوزون بسبب هذه النظرية بعيدة الغور

أورد البعض من أتباع ابن رشد شبهة على أهل السنة مفادها أن نظرتهم إلى هذه المسألة كانت نظرة غائية لا علمية و أنهم إنما ذهبوا إليها ليبرروا إمكانية وقوع المعجزات مستدلا بكثرة استشهادهم بوقوع المعجزات عند بحثهم لهذه المسألة خاصة الإمام الغزالي في التهافت.

الجواب لا شك أن ثبوت المعجزة و صحة وقوعها مبنية على جواز تخلف العلاقات بين الأسباب و المسببات بحيث يصح وجود سبب من دون مسبب و وجود مسبب من غير سبب عادي و بما أن المعجزات مبنية على ذلك و صدق دعوى النبوة مبنية على المعجزات فيستحيل أن يكون دعوى إمكانية التخلف مبنية على وقوع المعجزات كيلا يلزم الدور و أهل السنة أعقل من أن يفوتهم ذلك و لكن استشهادهم بالمعجزات لأن الخصوم في هذه المسألة فلاسفة يدعون انهم من أهل الاسلام كالفارابي و ابن سينا و السجستاني و غيرهم المئات بل الألوف الذين كان المشرق يعج بهم و يصح إلحاق ابن رشد و غيره بهم و بما أنهم أي هؤلاء الفلاسفة الذين انبرى الإمام الغزالي و غيره لصدهم ادعوا أنهم من أهل الاسلام و أنهم يؤمنون بالنبي و بما جاء به و قد جاء النبي بالقرآن الذي هو معجزته و قد ذكر فيه معجزات كثير من الأنبياء كإبراهيم و موسى و عيسى و غيرهم صلوات الله و سلامه عليهم مما لا يتمشى فهمها و لا تفسيرها و لا الإيمان بها إلا على قول أهل السنة لا قول الفلاسفة فكان من المناسب الاستدلال بهذه الأمثلة لإيقاع الفلاسفة في التناقض فإما أن يسلموا بمذهب أهل السنة بناءا على كونهم مؤمنين بالأنبياء و بما جاءوا به و إما يقدموا لنا تفسيرا يتوافق مع إيمانهم بالأنبياء و نظريتهم للعلاقات السببية و لن يقدروا و إما أن يلزموا بالتمسك بقولهم بالسببية و يتركوا الإيمان بالأنبياء فإن القولين لا يمكن الجمع بينهما و عليهم اختيار أحدهما و الله أعلم و أحكم