المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال لسيدي أبي الفداء ، الشيخ سعيد سيد النجباء.



خالد حمد علي
11-07-2004, 09:04
هذا سؤال طالما انشغل الذهن في تحصيل جوابه، ولم أجد من أشفى غليلي بجوابه، فتوجهت إلى سيدي أبي الفداء، فهو الدواء لكل داء، حتى يشنّ علينا من مكنونات علمه غارات ، فيفنّد ما في العقول من شبهات، فاللهم احفظ هذا الشيخ بحفظك ، وصنه اللهم من أعين الحساد ، وأدران القلوب والأحقاد، حتى يبقى حام لساحات العقائد ، من كل مبتدع وكائد.

أما السؤال ياسيدي فهو كالتالي :

ماهو ظابط استخدام العقل في العقيدة ؟

يعني متى يقال للعقل قف هنا ، ومتى يقال: هذا يمنعه العقل؟

هذا هو سؤالي .

وأعلم والله أنّ مثلي لا يحل له أخذ منكم شيئا من الأوقات ، لكنّ الضرورات تبيح المحضورات.

والصلاة والسلام على سيدي محمد وعلى آله وصحبه الكرام.

جلال علي الجهاني
11-07-2004, 16:48
تجد جزءاً من الجواب هنا بإذن الله ..

http://www.al-razi.net/website/pages/m26.htm

بلال النجار
12-07-2004, 12:18
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ نايف،
السلام عليكم، وأهلاً وسهلاً بك في المتدى. ثمّ قل حتى يبقى حامياً.
أما سؤالك: (ما هو ظابط استخدام العقل في العقيدة؟)
فاعلم أنّ أصول العقايد مبنيّة على العلم. والأصل في كلّ عقيدة أن تنبني على العلم. أي على القطع. وأنّ أسباب العلم عند أهل الحقّ ثلاثة: الحواس السليمة، والخبر الصادق، والعقل. فيقبل كلّ واحد من هذه الأسباب طريقاً لإثبات القضايا الاعتقاديّة العلميّة. بلا فرق بين طريق وطريق، فما دامت طريقاً صحيحة يثبت بها ذلك الحكم فهي دليل معتبر شرعاً. لأنّ العلوم لا تتناقض، وما دامت هذه وسائل وآلات تحصيل العلوم فلا فرق بين آلة وآلة وطريق وطريق. لأنها طرائق مستيقن تأديتها للمعارف. فالله تعالى وهبنا الحواس لنستفيد منها العلوم، وتفضّل علينا ببعث الرسل ومن أهمّ وظائفهم تعليم الناس وتوريث العلم، ووهبنا العقل لننظر ونكتسب العلوم ونرشد فنعقد ونعمل لنسعد في الدارين باتباعها.
إذا فهمت ذلك، ستعرف أنّ الحدّ الذي يجب على العقل أن يقف عنده في جميع الأمور وليس في المسائل الشرعيّة فحسب هو حين يفقد شروطه التي تمكّنه من تحصيل العلم فيما لا يقبل فيه إلا العلم، أو غلبة الظنّ فيما لا يقبل فيه إلا غلبة الظنّ.
فلو تأمّلت مثلاً في حكم وجوب الصلاة، فإنك ستدرك أنّه لا يمكنك أن تصل إلى وجوبها ابتداء من طريق العقل. لأنّ معرفة أنّ الله تعالى أوجب علينا الصلاة، متوقّف على معرفة أنّ الله تعالى طلب إلينا ذلك، ولا طريق لمعرفة ذلك إلا الوحيّ، والوحيّ لا يكون إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فطريق معرفة ذلك يكون من خبرهم، فنعقل خبرهم ونفهم منه بعقولنا ما اقتضاه من وجوب الصلاة، وصفاتها وأوقاتها، ونعمل وفقاً لذلك.
ولو تأمّلت أيضاً في حقيقة الذات الإلهيّ الأقدس، تأمّل طول حياتك، وبكلّ ما أوتيت من قوّة، فهل ستصل إلى إدراك كنه الإله؟!
إنك لن تصل إلى ذلك مطلقاً بما أوتيته من أسباب للمعرفة. لأنّ الحسّ شرط العقل. والإله سبحانه لا يدرك بالحواس، لأنه تعالى ليس بمحسوس بالحواس الخمس. فانسدّ طريق الحسّ وطريق العقل. ثمّ لم يخبرنا الله تعالى عن كنه ذاته وصفاته. فانسدّ أمامنا طريق الخبر. فانسدت بذلك جميع طرق الإدراك التي نملكها لتحصيل هذا المطلوب، فعلمنا أنه لا يمكننا أن ندرك كنه ذاته تعالى بما أوتينا من وسائل للمعرفة، هذا إذا كان من الممكن أن يدرك الحادث حقيقة القديم سبحانه أصلاً.
فالعاقل يعلم أنّه إن فكّر في ذات الله تعالى فلن يصل إلى شيء، لأنّ مقدّمات التفكير في ذاته لن تكون علميّة، بل ستكون من نسيج الوهم والخيال. فأيّ خوض في كنه الذات الإلهيّ وصفاته لن يكون في الحقيقة إلا خوضاً في شيء آخر لا يمتّ بصلة للإله سبحانه. لأنّ كلّ ما يمكن أن يخطر على بالك من صور ومعاني حسيّة حين تخوض في ذلك فالله تعالى يخالفها، لأنه تعالى كما أخبرنا (ليس كمثله شيء). فليتوقف العقل عن ذلك لأنه إن استمر فيه كان كمن يضيع العمر في طلب المحال. فلذلك نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن التفكّر في ذاته تعالى، وحضّ على التفكّر في مخلوقاته. لأنّ النظر في الموجودات الحادثة هو المتيسّر لنا والمناسب لآلات إدراكنا. وهو كافٍ في معرفة أنّ لهذا العالم صانعاً هو الله تعالى، متّصفاً -كما أخبرنا به الشرع- بصفات الكمال. ولم يوجب الله تعالى علينا معرفة ما لا نطيق معرفته.

واعلم يا نايف، أن العقل مناط التكليف في الشريعة، فإذا أخذ الله تعالى ما أوهب من العقل، أسقط ما أوجب من التكاليف. من ذلك تعرف أنّ الإنسان لا تكليف له إلا من حيث ما هو عاقل، لأنه لا يمكنه القيام بالتكاليف إلا إذا علم ما يجب عليه وما يجوز له وما لا يجوز. وهذه هي أحكام الشرع. وهي قسمان اعتقاديّة وعمليّة. والأحكام العمليّة مبنيّة على الأحكام الاعتقاديّة. فلا يقبل قليلها ولا كثيرها إلا إذا سلم الاعتقاد. فالأولى يطلب معرفتها واعتقادها. والثانية يطلب معرفتها والعمل بها، ويجب أن تعتقد حقيّتها وصلاحيتها وأفضليّتها وهيمنتها على جميع الأحكام. فكما ترى يجب عليك أن تعلم أموراً معيّنة لتكون مؤمناً مسلماً. ولا يمكنك أن تعلم شيئاً إذا لم تكن عاقلاً. لأنّ النفس لا علم لها إلا من حيث ما هي عاقلة. فكان العقل أساساً في العلم الذي هو شرط العقد والعمل.
واعلم أنّ الرسل عليهم السلام حين يأتون إلى أقوامهم برسالاتهم، يكونون مجرّد مدّعين حتّى يقيموا الأدلّة على كونهم رسلاً، فحين يأتون بالمعجزات يعلم بالعقل أنهم رسل من عند الله تعالى. ويعلم بالعقل وجوب صدقهم واتباعهم. فثبوت الرسالة والشرع عند المكلّف يكون بالعقل، وعليه فمن الحمق أن يقال إن الشرع بعد ذلك يعارض العقل أو يناقضه أو يكذّبه أو يقلل من شأنه، لأنه إذا كان الشرع قد ثبت بالعقل، فإن كذّب الشرع العقل أو لم يعتبره طريقاً للعلم، أبطل كلّ منهما الآخر.

ومما مضى من الأمثلة والتوضيحات، تعلم أنّ العقل لا يملك أن يدرك بنفسه ابتداء أحكام الله تعالى في محالّها. لأنّ هذه الأحكام أوضاع إلهيّة. والله تعالى أراد أن تكون على نحو معيّن وصورة معيّنة دون ما عداها من الصّور الممكنة. مثاله أنّه تعالى أوجب الصلاة والصوم، وأحلّ البيع، وحرّم الرّبا، والزّنا إلخ، وكذلك أحكام الآخرة من الثواب والعقاب والوزن ... إلخ. ولو شاء لوضع لنا أحكاماً أخرى. فمن أين للعقل أن يدرك بلا واسطة الخبر ما اختاره الله تعالى لنا من أحكام سواء في الدنيا أو في الآخرة، حال كون الجميع محتملاً ممكناً في نفسه. وإنما سبيل العقل في ذلك ليس هو إثبات الأحكام، بل فهم الأخبار والاستنباط منها. أو الكشف عنها، كما في سبره العلل في محالّ الأحكام، والتفتيش عنها في غيرها، فإذا وجدها كان ذلك كاشفاً له عن حكم الله تعالى في المحلّ الثاني. وهذا هو القياس الفقهيّ.

وأما الأحكام الاعتقادية التي ليست من هذا القبيل أعني ما لا يتوقف معرفتها على الخبر كأحكام يوم القيامة وغير ذلك من الأمور الغيبيّة الإخبارية، فهي الأحكام الثابتة لله تعالى ورسوله. وكلّ منهما إما أن يتعلّق بالذات أو الصفات أو الأفعال. وهي في الواقع أحكام عقليّة كليّة يعرف بها ما يجب وما يجوز ويستحيل في حقّ الله تعالى وحقّ رسله الكرام من الحيثيات الثلاثة المذكورة. وقد علمنا بعض ما هو واجب لله تعالى من كلّ من الخبر والعقل معاً، وبعضها من الخبر فحسب بما يؤيّده العقل أو لا يعارضه على الأقل مما لا يتوقف ثبوت نفس الشرع عليه.
وخذ مثلاً على كيفية النظر العقليّ التي يتوسّل به إلى إثبات حكم اعتقاديّ، إنك إذا نظرت في العالم، ستعلم أنه مخلوق، فيقال الله تعالى خالق هذا العالم. والخالق لا بدّ أن يكون قادراً على الخلق، لأن شرط الخالق أن يكون قادراً، فيوجب العقل للإله حكماً وهو كونه قادراً، وشرط الخالق وهو الفاعل أن يكون مريداً، من نفس الباب، وأن يكون عليماً.... وعلى هذا المنوال يكون النّظر العقليّ في العالم للتوصّل إلى الأحكام الاعتقاديّة في باب الإلهيّات.

والمنصف يرى حكم العقل في الأحكام الاعتقاديّة صحيحاً ومقبول شرعاً بلا إشكال. لأنه إن كشف عن علم مستيقن فلا يمكن أن يناقض هذا العلم الأحكام الاعتقادية المبنيّة على العلم. وإن كشف عن ظنّ فإن لم يعارض مقطوعاً به من الشرع اعتبر، وإلا فلا يقدّم المظنون على المقطوع به بأيّ حال من الأحوال. والعكس صحيح، أي أنه إذا كان غاية ما نستفيده من الأخبار هو الظنّ في حكم اعتقاديّ، وعارض هذا الظنّ حكماً عقليّاً مقطوعاً به، فلا يجوز أن نتعلّق بالظنّ المستفاد من الخبر، وندع المعلوم قطعاً من العقل. لأنّا لو فعلنا فإننا بذلك نقرّ بأنّ الشرع قد جاءنا بما تحيله وتبطله العقول، وهو محال.
والحق أنّ هذا مبحث مهم يكثر السؤال عنه هذه الأيام، لما أشاعه أهل الحشو والتجسيم من أفكار مشوّهة، وأسئلة تافهة من قبيل قولهم: إذا تعارض العقل والنقل فأيهما نقدّم؟ ولا يسأل هذا السؤال إلا بليد لا يدري ما العلوم. وقد سألت شيخي سعيداً أن يكتب في هذا الموضوع شيئاً، ثمّ أحاول أنا بسطه، فلعله يجد وقتاً لذلك، ولكنّي ألخّص مرّة أخرى الجواب عن سؤالك بكلمات قليلة، وهي أنّ الشرع الشريف قد اعتبر العقل مصدراً من مصادر المعرفة، وعليه فحكم العقل القطعيّ مقبول مطلقاً في العقيدة، وأما الظنّي فيؤخذ به في العقيدة بضوابط أشرنا إلى بعضها. والأمر المهمّ الذي يجب أن يعلم هو أنّ النظر العقليّ ما دام طريقاً للعلم والظنّ مطلقاً وممدوحاً شرعاً، وهما مطلبان شرعيّان، فلا حجر على النظر للوصول إلى هذه المطلوبات إذا استوفى شروطه التي معها ينتجهما. فلا عقل لمن يعيبه مطلقاً. وأما إذا كان نظراً فاسداً غير مستوفٍ لشروطه وقواعده فهو قبيح سواء كان في الشرعيّات أو غيرها. وقد بيّنا أين يكون للعقل مجال، وأين لا يكون له مجال. فهذا ما تيسر لي قوله وهو إن شاء الله كافٍ لمن تأمّل هذا الكلام جيّداً. والله تعالى أعلم.

ابومحمد التجاني
12-07-2004, 14:07
سيدنا الشيخ بلال,

كيف يكون الحس شرط العقل و في نفس الوقت يكون سبب من اسباب العلم مثل العقل.

بلال النجار
12-07-2004, 19:53
أين الإشكال في ذلك يا أبا محمّد؟

إنّ الحسّ السليم مصدر أصيل من مصادر الإدراك، والعقل مصدر أصيل آخر. ولكن لا بدّ من إدراك يتمّ من طريق الحواس ليبدأ العقل عمله، وينتج علوماً جديدة، فالعقل يتوقف على الحس توقف المشروط على الشرط، وليس المعلول على العلّة كما توهّمه بعضهم، فحققه.

وليس في كون العقل أي عمليّة التعقل المنتجة للمطلوبات مشروطة بامتلاك مدركات حسيّة ما يمنع من كونه مصدراً للمعرفة، أليس كذلك؟

ابومحمد التجاني
12-07-2004, 23:53
اوضح لك سيدي الاشكال.

يظهر لي ان العقل شرط للحس و الخبر لأن الادراك الذي تيم عن طريق الحس و الخبر بلا عقل لا يعني شئ مثل المجنون. و الحس كذلك شرط للعقل فكيف يكون ذلك.

خالد محمد خالد
13-07-2004, 10:11
كلام جميل جدا و مقنع و لله الحمد حوالت ان اجد امر في مأخذ فلم اجد و اعجبني كثير حتى اني رتبته. و اتعبر نفسي الان اتممت السؤال الاول الذي طرحته في قسم المناظرات عن حاكمية العقل.

اليكم ترتيبي و ما بين الاقواس فهو كلامي.

ما هو ظابط استخدام العقل في العقيدة؟

اعلم أنّ أصول العقايد مبنيّة على العلم. والأصل في كلّ عقيدة أن تنبني على العلم. أي على القطع. (يخرج من ذلك العلم الذي هو من باب الاجتهاد اي الظن)

اعلم أنّ أسباب العلم عند أهل الحقّ ثلاثة: الحواس السليمة (البصر)، والخبر الصادق (السمع)، والعقل

فيقبل كلّ واحد من هذه الأسباب طريقاً لإثبات القضايا الاعتقاديّة العلميّة. بلا فرق بين طريق وطريق، فما دامت طريقاً صحيحة يثبت بها ذلك الحكم فهي دليل معتبر شرعاً. لأنّ العلوم لا تتناقض، وما دامت هذه وسائل وآلات تحصيل العلوم فلا فرق بين آلة وآلة وطريق وطريق. لأنها طرائق مستيقن تأديتها للمعارف. فالله تعالى وهبنا الحواس لنستفيد منها العلوم، وتفضّل علينا ببعث الرسل ومن أهمّ وظائفهم تعليم الناس وتوريث العلم، ووهبنا العقل لننظر ونكتسب العلوم ونرشد فنعقد ونعمل لنسعد في الدارين باتباعها.

حدّ العقل:

إذا فهمت ذلك، ستعرف أنّ الحدّ الذي يجب على العقل أن يقف عنده في جميع الأمور وليس في المسائل الشرعيّة فحسب هو حين يفقد شروطه التي تمكّنه من تحصيل
أ- العلم فيما لا يقبل فيه إلا العلم(اي القطع)،
ب-غلبة الظنّ فيما لا يقبل فيه إلا غلبة الظنّ.

مثال على ما يُدرك بالخبر و لا يُدرك بالعقل ابتداء ً:

فلو تأمّلت مثلاً في حكم وجوب الصلاة، فإنك ستدرك أنّه لا يمكنك أن تصل إلى وجوبها ابتداء من طريق العقل. لأنّ معرفة أنّ الله تعالى أوجب علينا الصلاة، متوقّف على معرفة أنّ الله تعالى طلب إلينا ذلك، ولا طريق لمعرفة ذلك إلا الوحيّ، والوحيّ لا يكون إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فطريق معرفة ذلك يكون من خبرهم، فنعقل خبرهم ونفهم منه بعقولنا ما اقتضاه من وجوب الصلاة، وصفاتها وأوقاتها، ونعمل وفقاً لذلك.

مثال على ما لا يُدرك باي سبب من اسباب المعرفة:

ولو تأمّلت أيضاً في حقيقة الذات الإلهيّ الأقدس، تأمّل طول حياتك، وبكلّ ما أوتيت من قوّة، فهل ستصل إلى إدراك كنه الإله؟!
إنك لن تصل إلى ذلك مطلقاً بما أوتيته من أسباب للمعرفة. لأنّ الحسّ شرط العقل. والإله سبحانه لا يدرك بالحواس، لأنه تعالى ليس بمحسوس بالحواس الخمس. فانسدّ التالي:

أ- طريق الحسّ
ب- طريق العقل
ج- طريق الخبر لأ، الله تعالى لم يخبرنا عن كنه ذاته وصفاته.

فانسدت بذلك جميع طرق الإدراك التي نملكها لتحصيل هذا المطلوب، فعلمنا أنه لا يمكننا أن ندرك كنه ذاته تعالى بما أوتينا من وسائل للمعرفة، هذا إذا كان من الممكن أن يدرك الحادث حقيقة القديم سبحانه أصلاً.
فالعاقل يعلم أنّه إن فكّر في ذات الله تعالى فلن يصل إلى شيء، لأنّ مقدّمات التفكير في ذاته لن تكون علميّة، بل ستكون من نسيج الوهم والخيال. فأيّ خوض في كنه الذات الإلهيّ وصفاته لن يكون في الحقيقة إلا خوضاً في شيء آخر لا يمتّ بصلة للإله سبحانه. لأنّ كلّ ما يمكن أن يخطر على بالك من صور ومعاني حسيّة حين تخوض في ذلك فالله تعالى يخالفها، لأنه تعالى كما أخبرنا (ليس كمثله شيء). فليتوقف العقل عن ذلك لأنه إن استمر فيه كان كمن يضيع العمر في طلب المحال. فلذلك نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن التفكّر في ذاته تعالى، وحضّ على التفكّر في مخلوقاته. لأنّ النظر في الموجودات الحادثة هو المتيسّر لنا والمناسب لآلات إدراكنا. وهو كافٍ في معرفة أنّ لهذا العالم صانعاً هو الله تعالى، متّصفاً -كما أخبرنا به الشرع- بصفات الكمال. ولم يوجب الله تعالى علينا معرفة ما لا نطيق معرفته.

أهمية العقل:

إعلم أن العقل مناط التكليف في الشريعة، فإذا أخذ الله تعالى ما أوهب من العقل، أسقط ما أوجب من التكاليف. من ذلك تعرف أنّ الإنسان لا تكليف له إلا من حيث ما هو عاقل، لأنه لا يمكنه القيام بالتكاليف إلا إذا علم ما يجب عليه وما يجوز له وما لا يجوز. وهذه هي أحكام الشرع. وهي قسمان اعتقاديّة وعمليّة

أهمية العقل في الحكم الشرعي:

تنقسم اجكام الشرع الى قسمين اعتقاديّة وعمليّة

الأحكام العمليّة مبنيّة على الأحكام الاعتقاديّة. فلا يقبل قليلها ولا كثيرها إلا إذا سلم الاعتقاد. فالأولى يطلب معرفتها واعتقادها. والثانية يطلب معرفتها والعمل بها، ويجب أن تعتقد حقيّتها وصلاحيتها وأفضليّتها وهيمنتها على جميع الأحكام. فكما ترى يجب عليك أن تعلم أموراً معيّنة لتكون مؤمناً مسلماً. ولا يمكنك أن تعلم شيئاً إذا لم تكن عاقلاً. لأنّ النفس لا علم لها إلا من حيث ما هي عاقلة. فكان العقل أساساً في العلم الذي هو شرط العقد والعمل.

درء مقولة ان الشرع يناقض او يكذب العقل

واعلم أنّ الرسل عليهم السلام حين يأتون إلى أقوامهم برسالاتهم، يكونون مجرّد مدّعين حتّى يقيموا الأدلّة على كونهم رسلاً، فحين يأتون بالمعجزات يعلم بالعقل أنهم رسل من عند الله تعالى. ويعلم بالعقل وجوب صدقهم واتباعهم. فثبوت الرسالة والشرع عند المكلّف يكون بالعقل، وعليه فمن الحمق أن يقال إن الشرع بعد ذلك يعارض العقل أو يناقضه أو يكذّبه أو يقلل من شأنه، لأنه إذا كان الشرع قد ثبت بالعقل، فإن كذّب الشرع العقل أو لم يعتبره طريقاً للعلم، أبطل كلّ منهما الآخر.

الخلاصة:

الأولى ان العقل لا يملك ان يُدرك الأحكام العملية ابتداءً و لا يملك ان يُدرك ابتداء الأحكام الإعتقادية التي يتوقف معرفتها على الخبر

ومما مضى من الأمثلة والتوضيحات، تعلم أنّ العقل لا يملك أن يدرك بنفسه ابتداء أحكام الله تعالى في محالّها. لأنّ هذه الأحكام أوضاع إلهيّة. والله تعالى أراد أن تكون على نحو معيّن وصورة معيّنة دون ما عداها من الصّور الممكنة. مثاله أنّه تعالى أوجب الصلاة والصوم، وأحلّ البيع، وحرّم الرّبا، والزّنا إلخ، وكذلك أحكام الآخرة من الثواب والعقاب والوزن ... إلخ. ولو شاء لوضع لنا أحكاماً أخرى. فمن أين للعقل أن يدرك بلا واسطة الخبر ما اختاره الله تعالى لنا من أحكام سواء في الدنيا أو في الآخرة، حال كون الجميع محتملاً ممكناً في نفسه. وإنما سبيل العقل في ذلك ليس هو إثبات الأحكام، بل فهم الأخبار والاستنباط منها. أو الكشف عنها، كما في سبره العلل في محالّ الأحكام، والتفتيش عنها في غيرها، فإذا وجدها كان ذلك كاشفاً له عن حكم الله تعالى في المحلّ الثاني. وهذا هو القياس الفقهيّ.

الثاني ان الأحكام الثابته لله تعالى و رسوله و التي لا يتوقف معرفتها لى الخبر فقط هي احكام عقلية كلية

وأما الأحكام الاعتقادية التي ليست من هذا القبيل أعني ما لا يتوقف معرفتها على الخبر كأحكام يوم القيامة وغير ذلك من الأمور الغيبيّة الإخبارية، فهي الأحكام الثابتة لله تعالى ورسوله. وكلّ منهما إما أن يتعلّق بالذات أو الصفات أو الأفعال. وهي في الواقع أحكام عقليّة كليّة يعرف بها ما يجب وما يجوز ويستحيل في حقّ الله تعالى وحقّ رسله الكرام من الحيثيات الثلاثة المذكورة. وقد علمنا بعض ما هو واجب لله تعالى من كلّ من الخبر والعقل معاً، وبعضها من الخبر فحسب بما يؤيّده العقل أو لا يعارضه على الأقل مما لا يتوقف ثبوت نفس الشرع عليه.
وخذ مثلاً على كيفية النظر العقليّ التي يتوسّل به إلى إثبات حكم اعتقاديّ، إنك إذا نظرت في العالم، ستعلم أنه مخلوق، فيقال الله تعالى خالق هذا العالم. والخالق لا بدّ أن يكون قادراً على الخلق، لأن شرط الخالق أن يكون قادراً، فيوجب العقل للإله حكماً وهو كونه قادراً، وشرط الخالق وهو الفاعل أن يكون مريداً، من نفس الباب، وأن يكون عليماً.... وعلى هذا المنوال يكون النّظر العقليّ في العالم للتوصّل إلى الأحكام الاعتقاديّة في باب الإلهيّات.

خلاصة الخلاصة:

والمنصف يرى حكم العقل في الأحكام الاعتقاديّة صحيحاً ومقبول شرعاً بلا إشكال. لأنه إن كشف عن علم مستيقن فلا يمكن أن يناقض هذا العلم الأحكام الاعتقادية المبنيّة على العلم. وإن كشف عن ظنّ فإن لم يعارض مقطوعاً به من الشرع اعتبر، وإلا فلا يقدّم المظنون على المقطوع به بأيّ حال من الأحوال. والعكس صحيح، أي أنه إذا كان غاية ما نستفيده من الأخبار هو الظنّ في حكم اعتقاديّ، وعارض هذا الظنّ حكماً عقليّاً مقطوعاً به، فلا يجوز أن نتعلّق بالظنّ المستفاد من الخبر، وندع المعلوم قطعاً من العقل. لأنّا لو فعلنا فإننا بذلك نقرّ بأنّ الشرع قد جاءنا بما تحيله وتبطله العقول، وهو محال.
والحق أنّ هذا مبحث مهم يكثر السؤال عنه هذه الأيام، لما أشاعه أهل الحشو والتجسيم من أفكار مشوّهة، وأسئلة تافهة من قبيل قولهم: إذا تعارض العقل والنقل فأيهما نقدّم؟ ولا يسأل هذا السؤال إلا بليد لا يدري ما العلوم. وقد سألت شيخي سعيداً أن يكتب في هذا الموضوع شيئاً، ثمّ أحاول أنا بسطه، فلعله يجد وقتاً لذلك، ولكنّي ألخّص مرّة أخرى الجواب عن سؤالك بكلمات قليلة، وهي أنّ الشرع الشريف قد اعتبر العقل مصدراً من مصادر المعرفة، وعليه فحكم العقل القطعيّ مقبول مطلقاً في العقيدة، وأما الظنّي فيؤخذ به في العقيدة بضوابط أشرنا إلى بعضها. والأمر المهمّ الذي يجب أن يعلم هو أنّ النظر العقليّ ما دام طريقاً للعلم والظنّ مطلقاً وممدوحاً شرعاً، وهما مطلبان شرعيّان، فلا حجر على النظر للوصول إلى هذه المطلوبات إذا استوفى شروطه التي معها ينتجهما. فلا عقل لمن يعيبه مطلقاً. وأما إذا كان نظراً فاسداً غير مستوفٍ لشروطه وقواعده فهو قبيح سواء كان في الشرعيّات أو غيرها. وقد بيّنا أين يكون للعقل مجال، وأين لا يكون له مجال. فهذا ما تيسر لي قوله وهو إن شاء الله كافٍ لمن تأمّل هذا الكلام جيّداً. والله تعالى أعلم.

هل هناك مثال لقضية مقطوعة عقلا تعارض ظن مستفاد من خبر

عبدالرحمن الإدريسي
04-01-2012, 12:13
كلام لطيف للشيخ بلال .. حفظه الله