المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التوحيد المبتدع



فراس يوسف حسن
08-07-2004, 16:08
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
يقسم ابن تيميه التوحيد إلى قسمين : توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية . وفي مواضع أخرى يقسمه إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات .
و هذا التقسيم مبتدع في الدين لم يسبق إليه أحد قبل الرجل فلم يقل به القرآن ولا النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة أو من العلماء , إنما هو من اختلاقه وابتداعه .
وغاية ما ذهب إليه الرجل انه قال : ( إن الرسل لم يبعثوا إلا لتوحيد الألوهية وهو إفراد الله بالعبادة , واما توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله رب العالمين المتصرف في أمورهم فلم يخالف فيه أحد من المشركين والمسلمين بدليل قوله تعالى : ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ).
ولا معنى لكلامه هذا حتى يلبس به على المسلمين وحتى يعتبره قاعدة في علم التوحيد من شذ عنها أو ارتضى لنفسه ما اقره العلماء الأفاضل عليهم رحمة الله من قواعد في علم التوحيد اعتبره هو واتباعه شاذا عن الإسلام بل فاسقا بل كافرا خارجا عن الملة.
قال العلامة المحقق يوسف الدجوي رحمه الله تعالى : ( قولهم إن التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية تقسيم غير معروف لأحد قبل ابن تيميه وما كان رسول الله عليه السلام يقول لأحد دخل الإسلام أن هناك توحيدين ولا أشار إلى ذلك بكلمة ) ونحن نقول أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل للمشركين أنني اشترك معكم في قسم من التوحيد وأختلف معكم في قسمه الآخر فتعالوا نوفّق بين ما نتفق عليه وأدلكم على ما قد غفلتم عنه في إيمانكم بالله انتم يا من كنتم نصف مؤمنين ونصف مشركين . بل انهم قاتلوه وحاربوه لمجرد أن قال ربّي الله
( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) . ولاحظ كيف أن ابن تيميه وبكل بساطة يوفق بين المؤمنين الموحدين لله الذين ما عرفوا ربا خالقا مدبرا لهذا الكون سواه وبين الكفار الذين اتخذوا أربابا متفرقين ويجعل الفريقين في خندق واحد لا فرق بينهما . والله عز وجل يخاطب الكفار في كتابه الكريم بان هذا النبي الكريم يدعوكم لمعرفة رب العالمين الذي بعثه وبعث النبيين من قبله فاتخذتموهم والملائكة أربابا من دون الله , قال تعالى : ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ) .
ونسأل سؤالا هنا: ما معنى الآية الكريمة التالية : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) ؟ إن كان الناس كلهم يوحدون الله توحيد ربوبية فما الطائل من هذه الدعوة للناس الذين هم أصلا موحدين – أي عابدين لله فلا فرق بين العبادة والتوحيد فقد فسر التوحيد بعض أهل السنة بأنه : إفراد المعبود بالعبادة أي تخصيصه بها – فهل الله يطلب منهم تحصيل حاصل أصلا ؟ وتحصيل الحاصل من المستحيلات العقلية ( لأن الحاصل لا يتحصل : أي الموجود لا يوجد مرة أخرى ) . فهل الله عز وجل يطلب المستحيلات من الناس ؟ ما ذلك إلا والله اتهام لله ولكلام الله بالعبثية.
ولاحظ معي يا أخي أن القرآن لا يفرّق بين الدعوة إلى عبادة الرب والدعوة إلى عبادة الإله : قال تعالى :
( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) , وقال تعالى : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ) وقال تعالى : ( إنني أنا الله لا اله إلا أنا فاعبدني ) . وقال تعالى : ( ربّ السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته ) . وأمثالها في كتاب الله كثير كلها دالة دلالة صريحة على أن الله تبارك وتعالى أمر عباده بالتوحيد أمرا مطلقا . ولاحظ في الآية الأخيرة كيف أن الله رتب العبادة على الربوبية فإننا لمّا وحدناه ربا وعلمنا انه ينفع ويضر عبدناه وامتثلنا لأمره بالاصطبار على عبادته فهل كان هذا هو ديدن الكفار المشركين ؟ نعم كان هذا ديدنهم فقد كانوا يعبدون الله كما عبده محمد صلى الله عليه وسلّم وعبده الصحابة الكرام سواءا بسواء ولم يكن لهم على المشركين فضل أبدا وهذا لازم من كلام ابن تيميه .
قال العلامة المحقق يوسف الدجوي رحمه الله تعالى : وانظر إلى قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن انسجد لما تأمرنا ) . فهل ترى صاحب هذا الكلام موحدا أو حتى معترفا ؟
وقال : ويقول الله تعالى في أخذه للميثاق على بني آدم : ( ألست بربكم قالوا بلى ) , فلو كان الإقرار بالربوبية غير كاف وكان متحقّقا عند المشركين ولكنه لا ينفعهم – كما قال ابن تيميه – ما صح أن يؤخذ عليهم الميثاق بهذا ولا صحّ أن يقولوا يوم القيامة : ( أنا كنا عن هذا غافلين ) , وكان الواجب أن يغير الله تعالى الميثاق إلى ما يوجب اعترافهم بتوحيد الألوهية حيث أن توحيد الربوبية غير كاف – كما يقول هؤلاء إلى آخر ما يمكننا أن نتوسع فيه وهو لا يخفى عليك , وعلى كل حال فقد اكتفى منهم بتوحيد الربوبية , ولو لم يكونا متلازمين لطلب إقرارهم بتوحيد الألوهية أيضا.
هذا الكلام في غاية الروعة والتحقيق إذ أن في طلب الله من الناس أن يعرفوه ويوحدوه بتوحيد الربوبية كفاية لتحقيق المطلوب في دخولهم الجنة إذا التزموا بهذا العهد ولم يغفلوا عنه .
قال العلامة المحقق يوسف الدجوي رحمه الله تعالى : ( واما السنّة فسؤال الملكين للميت عن ربه لا عن إلهه لأنهم لا يفرقون بين الرب والإله – فانهم ليسوا بتيميين ولا متخبطين – وكان الواجب على مذهب هؤلاء أن يقولوا للميت من إلهك لا من ربك ! أو يسألوه عن هذا وذاك .
وأما قوله تعالى : " ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله " , فهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم إجابة لحكم الوقت مضطرين لذلك بالحجج القاطعات والآيات البيّنات , ولعلهم نطقوا بما لا يكاد يستقر في قلوبهم أو يصل إلى نفوسهم , بدليل انهم يقرنون ذلك القول بما يدل على كذبهم وأنهم ينسبون الضر والنفع إلى غيره وبدليل أنهم يجهلون الله تمام الجهل ويقدمون غيره عليه حتى في صغائر الأمور .
انظر إلى ذلك في زرعهم وأنعامهم : -هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم . فقدموا شركاءهم على الله في أصغر الأمور وأحقرها .
وان شئت فانظر إلى قول الموحدين لهود عليه السلام :" أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ". فكيف يقول ابن تيميه انهم معتقدون أن الأصنام لا تضر ولا تنفع , إلى آخر ما يقول . انتهى كلام العلامة المحقق يوسف الدجوي رحمه الله تعالى.
ونختم فنقول أية عقلية حملها هذا الرجل حتى أننا لنراه يخرق إجماع علماء المسلين في اقل الأمور شأنا ويصادم ما استقر في الفطر السليمة مخالفا بذلك العقل والنقل .

والحمد لله رب العالمين