المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قاعدة (الخروج من الخلاف مستحب)



اسامة الكبيسي
16-02-2008, 21:38
قاعدة (الخروج من الخلاف مستحب)إنه لا إنكار في الاجتهادات، وإن الأمة يـسع بعضها بعضاً فيما يسوغ فيه الخلاف، ولكن يـجـب أن لا نـنـسـى أن الاخـتـلافـات الـعـلـمية تثير جدلاً أحياناً، وربما تؤثر في الألفة والتقارب، ولما كان قطع النزاع في الاجـتـهـادات أمراً صعباً، وكان الخلاف شراً.. جاءت هذه القاعدة لتقرر أن الخروج من الخلاف مـسـتحب ـ مع مراعاة شروطه. وهذا تأكيد على أن التقارب هو الأصل، ولذا حرص الإســــلام على تسوية الصفوف في الصلاة؛ لئلا تختلف القلوب في الباطن "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" .
ولـهذه القاعدة سندها الشرعي، فهي ضرب من الورع المشروع، والاحتياط في الدين، وترك الشبهات، ليسلم للمرء دينه وعرضه.
وقد ندب النبي-صلى الله عليه وسلم-إلى ترك الشبهات، كما في حديث النعمان بن بشير -رضـي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول:"إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن، وبيـنهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه".
بل إن أكثر مسالك الـورع داخـلـة في هذه القاعدة. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"يا أبا هريرة: كن ورعاً تكن أعبد الناس" قال يونس بن عبيد:"الورع: الخروج من كل شبهة"، وقال بعض الصحابة:"كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام" وهو أمر ميسور لصاحب النية والهمة. قال سفيان الثوري:"ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك فاتركه".
ومن الشبهات التي يحيك في النفس أمرها ما اختلف أهل العلم في حله وتحريمه من طعام كالخيل، أو شراب كبعض الأنبذة، أو لباس كجلود السباع، أو مكسب كالتورُّق، ســــواء كان سبب الاختلاف تعارض الأدلة الشرعية، أو كون المسألة من مسائل الاجتهاد لا نص صريحاً فيها، فهذه وأشباهها مما يستحب الخروج من الخلاف فيها.
ويكون الخروج من الخلاف بفعل ما اختلفوا في وجوبه، وترك ما اختلفوا في حرمته.

ضوابط الاحتياط والخروج من الخلاف:
هـذا الـباب قد يكون مزلقاً خطيراً، وباباً يولَج منه إلى الابتداع في الدين، أو التضييق على الناس، وســلـب خـاصـيـة الـتـيسير ورفع الحرج في كثير من الأحكام، خاصة في الصورة الأولى؛ لذلك فإن القول بالاحتياط والأخذ به يحتاج إلى عدة ضوابط هي:
1- أن يكون مأخذ المخالف - في المسألة التي نريد الخروج منها قوياً، فإذا كان ضعيفاً فلا يؤبه به، كقول ابن حزم بوجوب الفطر على المسافر، فلا يقال بأفضلية الفطر مطلقاً مراعاة لخلافه، بل الأفضل هو الأيسر.
2- أن الـقـول المـعـتـبر في مشروعية الخروج من الخلاف في مسألة ما هو قول العالم القادر على الموازنة بين الأقوال.
3- هـذا العالم ليس له أن يفتي الناس بالاحتياط في كل مسألة، بل الواجب عليه الفـتوى بما يدين لله به أنه الحق، وهو ما أداه إليه علمه بالدليل واجتهاده في المسائل، ولا يفـتي بالاحتياط إلا حين يتساوى القولان عنده في المسألة؛ فهناك فرق بين فتواه وعمله لـنـفسه؛ فـإن الـشـأن في عمله لنفسه أوسع؛ فله أن يحتاط لنفسه في كثير مما لا يسعه أن يفـتي به الناس.
4- أن لا تؤدي مراعاة الخروج من الخلاف إلى ترك سنة ثابتة، أو خرق إجماع، فمثلاً لو قيل ببطلان الصلاة برفع اليدين لم نعبأ بهذا الخلاف؛ لمعارضته للأحاديث الثابتة.
5- أن لا تـؤدي المراعــاة إلى المنع من الاستكثار من عبادة ثابتة، فلا ينبغي ترك الاعتمار مراعاة لكراهة المالكية تكرار العمرة في السنة الواحدة، وكراهة الحنفية اعتمار المقيم بمكة في أشهر الحج، فلا تنبغي هذه المراعاة؛ لكونها يُفَوَّت بها خير كثير ثبت فضله بلا تقييد.
6- ألا تُـوقِـعَ المـراعـاةُ في خلاف آخر، فنحتاج إلى الخروج منه، فـيـلـزم الـدوْر
أمثلة للقاعدة:
- اسـتـحـبـاب تـبـيـيت نية صوم النفل من الليل؛ لأن التبييت واجب عند المالكية، غير واجب عند غيرهم.
- استحباب المضمـضة والاستنشاق في غسل الجنابة والوضوء، باعتبار وجوبها عند بعض العلماء.
- استحباب الدلك في الطهارة، واستيعاب الرأس بالمسح، وغسل المني بالماء، والترتيب في قضاء الصلوات، واجتناب استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة - مع وجود ساتر - كل ذلك خروجاً مِن خلاف مَنْ أوجب الجميع .
- استحباب الـشـرب جـالـســاً، خروجاً من خلاف من أوجب الجلوس، واعتبر الوقوف خاصاً بالنبي .
- ترك أكل اللحوم المستوردة حين اشتباه حالها؛ نظراً لاختلاف أهل العلم فيها.
- ترك الأخذ من الزكاة حين يشتبه حال الآخذ: هل هو من أهلها أم لا؟ كمن لديه فضل مال وعليه حاجات واختلف أهل العلم في حاله، فيكون الأفضل الترك.
- ترك الأخذ من الأوقاف الموقوفة على أصحاب أوصاف معينة كالفقهاء أو القراء؛ فهناك المتمكنون والمبتدئون، فقد يشتبه حال الرجل؛ فيختلف فيه أهل العلم بناء على اشتباه حاله.

محمد نصار
27-02-2008, 08:10
قاعدة الخروج من الخلاف من القواعد العظيمة التي تؤسس لوحدة الفقه الإسلامي مع اختلاف الاجتهادات فيه، فهي تربط المذاهب ربطاً مرناً لا يلغي تفردها ولا يرفع وحدة أصولها. وكون الاستحباب هو حكم الخروج من الخلاف يثبت هذه المرونة ويعبر عن روحها، فهي مرونة في التفرد ومرونة في التجمع.

جلال علي الجهاني
19-03-2008, 09:48
هناك قاعدة أخرى، هي مراعاة الخلاف .. ما رأيك أخي أسامة أن تشرحها كما شرحت هذه القاعدة؟