المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قبسات من الحلبيات لشيخ الإسلام تقي الدين السبكي



سامح يوسف
01-02-2008, 01:02
الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام علي سيدنا محمد أشرف الأنبياء و المرسلين وبعد فما زال العلماء يسأل بعضهم بعضا و يفيد الواحد منهم الآخر ما ليس عنده و قديما قالوا : العلم رحم بين أهله ولهذا تعددت أسئلة العلماء لبعضهم البعض فوجدنا في الفقه مسائل الإمام أحمد وفي الحديث سؤالات الحفاظ كالدارقطني و البرقاني و غيرهما

وكان لشيخ الإسلام تقي الدين السبكي نصيب وافر من هذا النوع ففي شبابه سأل الحافظ المزي أسئلة حديثية نقل بعضها ابن حجر في فتح الباري

ولما تصدر السبكي للتدريس و الإفتاء ومن بعدهما القضاء وأصبح حجة أهل عصره في الفقه و اللغة و الحديث باتفاق فانهالت عليه المسائل

ففي الحديث : سؤالات أهل مصر حول اعتراضات مغلطاي علي تهذيب المزي

وفي اللغة : سؤالات السكسكي له ومراسلات الصفدي إليه

وفي أصول الفقه : سؤالات ابنه تاج الدين له

وفي الفقه : سؤالات أهل مكة و رسالة الحافظ العلائي و سؤالات الحافظ عفيف الدين المطري و سؤالات الإمام شهاب الدين الأذرعي التي أرسلها إليه من حلب وهي التي تعرف في كتب الفقه الشافعي بالحلبيات و بالمسائل الحلبية وكان الإمام السبكي رحمه الله سماها : قضاء الأرب في أسئلة حلب لكنها اشتهرت بالحلبيات

وأرسل الأذرعي مسائله من حلب إلي دمشق عام 748 هـ

ومن معرفة السائل و المسئول تعرف قدر هذه الفتاوي

فالسائل هو الإمام العلامة أحمد بن حمدان بن أحمد شهاب الدين الأذرعي ولد عام 707
سمع من المزي وحضر عند الذهبي وتفقه على ابن النقيب وابن جملة ودخل القاهرة فحضر درس الشيخ مجد الدين الزنكلوني ولازم فخرالدين المصري وهو الذي أذن له وشهد له عند السبكي بالأهلية ثم ألزم بالتوجه إلى حلب وناب عن قاضيها نجم الدين ابن الصائغ فلما مات ترك ذلك وأقبل على الأشغال والاشتغال واشتهرت فتاويه في البلاد الحلبية وصنف كثيرا فمن تصانيفه :

1- التوسط والفتح بين الروضة والشرح
2- شرحا المنهاج : قوت المحتاج و غنية المحتاج
3- تعقب مهات الإسنوي
وغيرها
وكان عمره وقت الأسئلة 41 عاما
وتوفي رحمه الله عام 783

والمسئول هو شيخ الإسلام الشيخ الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي ولو كتبت ما قاله الأئمة عنه وعن علمه و زهده لبلغ ذلك مجلدات ولطال المقام فحسبك الآن نبذة يسيرة لنبدأ بعدها في القبسات فأقول :

السبكي الكبير هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام الأنصاري ولد بسبك العبيد أول صفر سنة 683

أخذ الفقه عن والده القاضي زين الدين وعن شافعي زمانه الإمام نجم الدين بن الرفعة
وأخذ الأصلين عن العلامة علاء الدين الباجي
و النحو عن الأستاذ أبي حيان الأندلسي
والقراءا ت عن تقي الدين بن الصائغ
والحديث عن الحافظ الدمياطي و رحل إلي الإسكندرية و الشام و الحجاز في طلب الحديث حتي بلغت مشايخه فيه نحو المائتين
وأخذ التصوف عن ابن عطاء الله
والتفسير عن علم الدين العراقي
و غيرهم كثير

رحل في طلب الحديث خارج مصر عام 703 ثم عاد ومنذ عام 706 و حتي وفاته تصدر للإفتاء و التدريس و الإفادة فولي التدريس بالمنصورية و الهكارية و جامع الحاكم و جامع أحمد بن طولون ثم ولاه الملك الناصر محمد بن قلاوون قضاء الشام عام 739 هـ علي تمنع منه فباشر القضاء بهمة وصرامة وعفة وديانة ثم ولي الخطابة بالجامع الأموي فباشرها مدة في سنة 742 وولي التدريس بدار الحديث الأشرفية بعد وفاة المزي وتدريس الشامية البرانية بعد موت ابن النقيب في أوائل سنة 746

وبدأ به الضعف آخر عام 755هـ فعاد إلي مصر و توفي بها ليلة الاثنين المسفرة عن ثالث جمادى الآخرة سنة 756 بالقاهرة ودفن بباب النصر


وفتاواه و مصنفاته وفوائده لا تدخل تحت الحصر فقد استمر في التدريس و الإفادة نحو خمسين عاما ومن أهم مؤلفاته الموجودة :

1- الابتهاج بشرح المنهاج
2- تكملة شرح المهذب
3- الفتاوي الكبري
4- شفاء السقام في زيارة خير الأنام صلي الله عليه وسلم
5- التحقيق في مسألة التعليق
6- قضاء الأرب في أسئلة حلب أو الحلبيات موضوع كلامنا

طبعت الحلبيات بالمكتبة التجارية بمكة المكرمة عام 1993مـ طبعة يندر وجودها الآن
وأقيمت دراستان جامعيتان حول الحلبيات في جامعة أم القري إحداهما عام 1988م و الأخري عام 2005 م

تنوعت المسائل الحلبية ففيها مسائل في أصول الدين و أخري في أصول الفقه و أخري في الفقه.

وفي هذا الموضوع سأعرض قبسات منها مختصرا لها و مهذبا لعبارتها دون إخلال بمقاصد شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رضي الله عنه.


أولا : مسألة مراتب التخريج في المذهب الشافعي


سؤال الإمام الأذرعي

نقل أبو زكريا النووي عن ابن الصلاح ما لفظه :" والأوجه لأصحاب الشافعي المنتسبين إلي مذهبه يخرجونها علي أصوله و يستنبطونها من قواعده و يجتهدون في بعضها و إن لم يأخذوها من أصله "
أشكل هذا الكلام علي الخادم في عد مثل هذا وجها في المذهب وأي فرق بين هذا و بين مفردات المزني و المشهور أنها لا تعد من المذهب ؟!
و كيف يسوغ لمن سئل عن حكم مسألة في مذهب الشافعي من مفتيّ العصر أن يجيب فيها مصرحا بإضافة ذلك إلي مذهب الشافعي إذا لم يعلم أن ذلك من منصوصاته أو مخرجا منها فالمسئول كشف الغطا في ذلك حرس مجدكم و كبت ضدكم


جواب شيخ الإسلام تقي الدين السبكي

الحمد لله

التخريج رتب :

الأولي : أن يؤخذ من نص معين في مسألة معينة فيخرج منها إلي مثلها المساوية لها من غير فرق و لا نص يعارضه فهذا أقوي ما يكون من التخريج.

الثانية : أن يكون من نص معين في مسألة معينة و له في نظيرها نص يخالفه فيتحزب الأصحاب منهم من يتكلف فرقا ومنهم من يقول :"قولان" بالنقل و التخريج .

الثالثة : ألا يكون له نص معين في مسألة معينة و لكن يكون له قواعد مذهبية ونصوص مختلفة في مسائل يؤخذ منها قاعدة كلية تدل علي حكم في مسألة لم يوجد له فيها نص .
وهذه الثالثة قد تكون أقوي من الثانية إذا ظهر الفرق في الثانية ولم يظهر في هذه وهي تزاحم الأولي و قد تربو عليها لأن الأولي من مسألة واحدة وهذه من مسائل شتي.

الرابعة : لا يجد المخرج شيئا من الثلاث و لكن يجد دليلا شرعيا جاريا علي أصل من أصول الشافعي التي قررها في أصول الفقه

الخامسة : لا يجد المخرج شيئا من الأربع و لكن يجد دليلا شرعيا جاريا علي أصل من جنس ما يقول به الشافعي وليس للشافعي نص في ذلك الأصل

السادسة : لا يجد المخرج شيئا من الخمس ولكنه رجل قد تكيّف بمذهب الشافعي و بتصرفاته الفقهية و الأصولية حتي صارت له مزاجا ومن يكون كذلك تجده يدرك مراد الشخص فيما لم يصرح به ثم يجد مع ذلك دليلا شرعيا فيقول به فيما لم يجد فيه نصا للشافعي

وفي جميع الرتب السابقة تقيد بالمذهب

السابعة : ألا يكون شيء من ذلك و لا يكون الشخص مقلدا لإمامه في المذهب و لا في الدليل و إنما ينتسب إليه لكونه سلك طريقه في الاجتهاد ودعا إلي سبيله فيقول قولا فهو فيه كالمجتهد المطلق و لكن لانتسابه إلي الشافعي و قدوته بقوله يعد قوله وجها

وليس فوق هذه السبعة رتبة إلا الاجتهاد المطلق الذي لا يسلك فيه طريقة غيره و لا ينتسب إليه وهي التي اختلف في إثباتها للمزني حتي إن تفرداته لا تعد من المذهب و له مع ذلك ما يشارك فيه السبعة المتقدمة فيعد ما قاله علي ذلك من المذهب

والقسم الذي قاله ابن الصلاح و أشكل عليكم جدير بأن يكون هو السادس

وأما من يُسأل عن مذهب الشافعي و يجيب مصرحا بإضافته إلي مذهب الشافعي و لم يعلم ذلك منصوصا للشافعي و لا مخرجا من منصوصاته فلا يجوز ذلك لأحد

بل اختلفوا فيما هو مخرج هل يجوز نسبته إلي الشافعي أو لا ؟ واختيار الشيخ أبي إسحاق أنه لا ينسب إليه فهذا في القول المخرج

و أما الوجه فلا تجوز نسبته إليه بلا خلاف نعم إنه مقتضي قول الشافعي أو من مذهبه بمعني أنه من قول أهل مذهبه و المفتي يفتي به إذا ترجح عنده لأنه من قواعد الشافعي

ولا ينبغي أن يقال : قال الشافعي إلا لما وجد منصوصا له

ولا ينبغي أن يقال: مذهب الشافعي إلا لما جمع أمرين :

أحدهما : أن يكون منصوصا له

والثاني : أن يكون قال به أصحابه أو أكثرهم

أما ما كان منصوصا له وقد خرج عنه الأ صحاب إما بتأويل و إما بغيره فلا ينبغي أن يقال إنه مذهب الشافعي لأن تجنب الأصحاب له يدل علي ريبة في نسبته إليه

وما اتفق عليه الأصحاب وقالوا : إنه ليس بمنصوص فيسوغ تقليدهم فيه ولكن لا يطلق إنه مذهب الشافعي بل مذهب الشافعية.

وما اتفقوا عليه ولم يعلم هل هو منصوص له أو لا؟ يسوغ اتباعه فيه و يسهل نسبته إليه لأن الظاهر من اتفاقهم أنه قال به . والله أعلم

انتهي كلامه رحمه الله

ولا يخفي فوائده فرتب التخريج مهمة لمعرفة تصرفات السادة العلماء
وفي كلامه الفرق بين ما يطلق عليه مذهب الشافعي وما يطلق عليه مذهب الشافعية

بانتظار تعقباتكم وفقكم الله تعالي

سامح يوسف
02-02-2008, 01:00
يا أهل السنة أين التعقيبات لتتم الفوائد لي ولكم ؟!
الهمة يا اهل السنة !

شفاء محمد حسن
02-02-2008, 18:39
الأخ الفاضل سامح يوسف..
أولا: جزاكم الله خيرا على هذا النقل، ونرجو أن تكملوا ما بدأتم به، ولا يصدكم عدم وجود تعليق..
ثانيا: رأيتكم تهتمون بآل السبكي وكتبهم، فهل لكم علم بما إذا كان كتاب (الأشباه والنظائر) للتاج السبكي مطبوع غير طبعة دار الكتب العلمية؟
إذ أنني لم أجد غير طبعتهم، وقد رأيتها كالأنجيل المحرف..

هشام السيد عطية
02-02-2008, 22:54
بسم الله والحمد لله والصلاة السلام علي أشرف خلق الله وبعد
فقد نقل غير واحد من فقهاء المذهب - رحمهم الله - رأي ابن الصلاح في المجتهد المقيد بمذهب وهو :"قال ابن الصلاح إجتماع ذلك كله- يقصد شروط الاجتهاد- إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه أما مقيد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع فإنه مع المجتهد كالمجتهد مع نصوص الشرع ومن ثم لم يكن له عدول عن نص إمامه كما لا يجوز الإجتهاد مع النص انتهى".
وفي نهاية المحتاج تعليل لترجيح الوجه القائل بأن التخريج لا ينسب للإمام الشافعي وذا نصه :" والأصح أن القول المخرج لا ينسب للشافعي إلا مقيدا لأنه ربما يذكر فرقا ظاهرا لو روجع فيه ".......... ثم قال "قال بعضهم وقد تتبع ما أفتى فيه بالقديم فوجد منصوصا عليه في الجديد أيضا وقد نبه في المجموع على شيئين أحدهما أن إفتاء الأصحاب بالقديم في بعض المسائل محمول على أن اجتهادهم أداهم إليه لظهور دليله ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي قال وحينئذ فمن ليس أهلا للتخريج يتعين عليه العمل والفتوى بالجديد ومن كان أهلا للتخريج والاجتهاد في المذهب يلزمه اتباع ما اقتضاه الدليل في العمل والفتوى مبينا أن هذا رأيه وأن مذهب الشافعي كذا وكذا قال وهذا كله في قديم لم يعضده حديث لا معارض له فإن اعتضد بذلك فهو مذهب الشافعي فقد صح أنه قال إذا صح الحديث فهو مذهبي " أهـ .
قد نقل السقاف في الفوائد المكية عن صاحب التحفة :ما يدل علي بعض الاصحاب وصل الي مرتبة الاجتهاد ومما نقله :"وكيف يمكن القضاء علي الأعصار بخلوها عنه- أي المجتهد - والفقال نفسه كان يقول لسائله في مسئل الصبرة تسألني عن مذهب الشافعي أم عما عندي ....وقال القاضي حسين : لسنا مقلدين للشافعي بل وافق رأينا رأيه .قال ابن الرفعة: ولا يختلف اثنان أن ابن عبد السلام وتلميذه ابن دقيق العيد بلغا رتبة الاجتهاد ، وقال ابن الصلاح : إمام الحرمين والغزالي والشيرازي من الأئمة المجتهدين في المذهب ........إلخ ما كتبه ونقله رحمه الله وكتابه قيم في بابه ..
[ينظر ما سبق :فتح المعين بشرح قرة العين، تأليف: زين الدين بن عبد العزيز المليباري، دار النشر: دار الفكر - بيروت ج4/ص214ص215 ،هاية المحتاج إلى شرح المنهاج. ، تأليف: شمس الدين الرملي ، دار النشر: دار الفكر للطباعة - بيروت - 1404هـ - 1984م. ج1/ص50 ، الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية ، للسيد علوي بن أحمد السقاف ، ط/مصطفي الحلبي وأولاه بمصر ،ص 40 ]
أقول (هشام ) : قد يكون في ما ذكرته ما يدل علي الفرق بين مذهب الإمام الشافعي ومذهب الشافعية . وبيان مكانة أهل التخريج والاجتهاد في المذهب من اتباع ما اقتضاه الدليل .
أمتعنا ببقية المسائل الحلبية جزاكم الله خيرا ونفعنا وإياكم بالعمل الخالص لوجهه الكريم

علي محمدالقادري
05-02-2008, 04:39
بارك الله فيك يا أخ سامح ، ووفقك لما يحبه ويرضاه ، وجزاك الله خيرا على ما أتحفتنا به من الفوائد، ونحن في انتظار إكمال ما بدأت على لهف.

أشرف سهيل
08-02-2008, 00:02
تسجيل متابعة

سامح يوسف
09-02-2008, 02:12
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا أيها الأفاضل

الأخت الفاضلة شفاء :

اهتمامي بآل السبكي رضي الله عنهم من أجل نعم الله تعالي علي العبد الفقير فالسبكيون من أكابر أهل العلم نفعنا الله بهم
أما عن الأشباه والنظائر للإمام تاج الدين السبكي فلا أعلم له غير طبعة دار الكتب العلمية علي سقمها يسر الله للكتاب طبعة جديدة محققة.

الأخ الفاضل هشام :

نقولك جميلة و المذهب الشافعي به مجتهدون كثيرون لكن ذلك قد قل نوعا ما في العصور المتأخرة فبعد شيخ الإسلام تقي الدين السبكي لم تسلم هذه الرتبة لأحد حتي إن الإمام السيوطي علي تبحره المعلوم كان يقول : لم يأت بعد السبكي مثلي ومع ذلك فلم يسلم معاصرو السيوطي له.
لكن ما يميز المجتهدين من الشافعية أنهم لا يحجرون واسعا فهم يرون أن اجتهادهم أداهم إلي مخالفة بعض مسائل المذهب وهم مع ذلك يرون في اتباع مذهب الإمام الشافعي وغيره من الأئمة خيرا كثيرا ولا يلزمون العوام باتباع ما توصلوا إليه باجتهادهم فتري في فتاوي السبكي و كتبه قرابة مائة مسألة له اجتهاده الخاص فيها وهو يقول : هذا مبلغ علمي و أنا كل وقت أرتقب زيادة علم هذا هو الأدب رضي الله عن سادتنا الفقهاء ونفعنا بهم

الأخ علي القادري والأخ أشرف سهيل :

سرني مروركما الكريم ولا تحرما أهل المنتدي من مشاركاتكما بارك الله بكما


والآن مع القبسة الثانية من الحلبيات


ثانيا : حول اختلاف الأئمة في الفروع

سؤال الإمام الأذرعي

روي في الحديث :" اختلاف أمتي رحمة "

قال إمام الحرمين رحمه الله عند الكلام في الكفاءة : فسره الحليمي باختلافهم في الحِرَف و الصنائع .
هل لهذا الحديث أصل ؟
وقد أشكل علي المملوك هذا التفسير إذ كان الأمم ]قبلنا[ مختلفين في الحرف و الصنائع وإذا كان كذلك فأي فائدة فيه ؟
والذي علي ألسنة الناس أن المراد اختلافهم في الحلال و الحرام و نحوهما من فروع
هل هذا التفسير صحيح أولا ؟


جواب شيخ الإسلام تقي الدين السبكي

الحمد لله

هذا الحديث ليس معروفا عند المحدثين ولم أقف له علي سند صحيح و لا ضعيف و لا موضوع و لا أظن له أصلا إلا أن يكون من كلام الناس بأن يكون أحد قال : اختلاف أمتي رحمة فأخذه بعض الناس و ظنه حديثا فجعله من كلام النبوة

ورأيت في تعليق القاضي حسين في كتاب الشهادات : قال النبي صلي الله عليه وسلم : " اختلاف أمتي رحمة " وقال : وفسره بعضهم باختلاف الهمم و الحرف
وفي النهاية لإمام الحرمين : قال الحليمي في تفسير قوله صلي الله عليه وسلم :"اختلاف أمتي رحمة " : أراد بذلك اختلافهم في الدرجات و المراتب و المناصب انتهي

قال شيخ الإسلام السبكي : وما زلت أعتقد أن هذا الحديث لا أصل له واستدل علي بطلانه ب :

قوله تعالي :" ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم "
وقوله تعالي :" ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر "
وقوله تعالي :"كان الناس أمة واحدة " إلي قوله :" وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم "
وقوله تعالي : " ولقد آتينا موسي الكتاب فاختلف فيه "
وقوله تعالي :" فهدي الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه "
وقوله تعالي :" اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا "
وقوله تعالي :" وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة "

وقوله صلي الله عليه وسلم : لا تختلفوا فتختلف قلوبكم
وقوله صلي الله عليه وسلم لمعاذ و أبي موسي : تطاوعا ولا تختلفا
وقوله صلي الله عليه وسلم: لا ينبغي عند نبي تنازع
وقوله صلي الله عليه وسلم: إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم علي أنبيائهم

فانظر القرآن العزيز كيف دل علي أن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف وأن الاختلاف نشأ عنه كفر بعضهم و اقتتالهم

وانظر كلام النبوة كيف اقتضي أن الاختلاف سبب لاختلاف القلوب وإن كان الحديث واردا في تسوية الصفوف فالعبرة بعموم اللفظ

والذي نقطع به ولا شك فيه أن الاتفاق خير من الاختلاف و أن الاختلاف علي ثلاثة أقسام :

أحدها : في الأصول و لا شك أنه ضلال و سبب كل فساد وهو المشار إليه في القرآن

والثاني : في الآراء والحروب ويشير إليه قوله صلي الله عليه وسلم :"تطاوعا و لا تختلفا " وكان ذلك خطابا منه صلي الله عليه وسلم لمعاذ و أبي موسي لما بعثهما إلي اليمن ولا شك أيضا أنه حرام لما فيه من تضييع المصالح الدينية والدنيوية .

والثالث : في الفروع كالاختلاف في الحلال و الحرام ونحوهما و الذي يظهر لنا و نكاد نقطع به أن الاتفاق خير من الاختلاف و لا حاجة إلي قولنا يظهر و نكاد فإنه كذلك قطعا
ولكن هل نقول الاختلاف ضلال كالقسمين الأولين أو لا ؟

كلام ابن حزم ومن سلم مسلكه ممن يمنع التقليد يقتضي أنه مثل القسمين الأولين

أما نحن فإنا نجوز التقليد للجاهل و يجوز الأخذ بالرخصة بعض الأوقات من أقوال بعض العلماء عند الحاجة من غير تتبع الرخص ومن هذا الوجه قد يصح أن يقال : الاختلاف رحمة فإن الرخص من الرحمة

مثاله : إذا كان شخص مبتلي بسلس البول و لا يكاد يخلو ثوبه أو بدنه عن نجاسة يسيرة ويشق عليه التنزه عنها ولو ترك النوافل بسببها فاته خير كثير و ربما يشق عليه التنزه عن النجاسة اليسيرة في الفرض أيضا وهو معتقد أن النجاسة اليسيرة غير معفو عنها لتمذهبه بمذهب من يري ذلك فإذا قلد من يري العفو عنها و صلّي كان في ذلك رخصة له و رحمة و إدراك خير كثير

وهذا لا ينافي أن الاتفاق خير من الاختلاف فلا تنافي بين الكلامين لأن جهة الخيرية تختلف و جهة الرحمة تختلف فالخيرية في العلم بالدين الحق الذي كلف الله به عباده وهو الصواب عنده و الرحمة في الرخصة له وإباحة الإقدام بالتقليد علي ذلك .

ورحمة جاءت نكرة في سياق الإثبات فلا تقتضي العموم فيكفي أن يحصل في الاختلاف رحمة ما في وقت ما في حالة ما علي وجه ما فإن كان ذلك حديثا فيخرج علي هذا وإن لم يكن حديثا وكان من كلام أحد من العلماء فمخرجه علي هذا .

وعلي كل تقدير لا نقول : إن الاختلاف مأمور به

وهل نقول الاتفاق مأمور به ؟

هذا يبني علي أن المصيب واحد أو لا

فإن قلنا إن المصيب واحد وهو الصحيح فالحق في نفس الأمر واحد والناس كلهم مأمورون بطلبه و اتفاقهم عليه مطلوب و الاختلاف حينئذ منهي عنه و إن عذر المخطيء

وأما إذا قلنا : كل مجتهد مصيب فكل أحد (من المجتهدين) مأمور بالاجتهاد وباتباع ما غلب علي ظنه فلا يلزم ان يكونوا كلهم مأمورين بالاتفاق ولا أن يكون اختلافهم منهيا عنه و إطلاق الرحمة علي هذا التقدير في الاختلاف أقوي من إطلاقها علي قولنا : المصيب واحد

هذا كله إذا جعلنا الاختلاف المراد به الاختلاف في الفروع

وأما ما حمله الحليمي عليه فقد علمت نقل الإمام عنه في النهاية لم يقل فيه :" الصنائع والحرف " ولوقال ذلك لا يستبعد كما استبعده السائل لأنه كان المناسب ان يقال : اختلاف الناس رحمة ولا شك أن ذلك من نعم الله تعالي و قد عدها الحليمي في شعب الإيمان من النعم التي يطلب من العبد شكرها

وأما اختلاف الامة فلا بد فيه من خصوصية وما قاله إمام الحرمين من أن المراد اختلافهم في الدرجات و المراتب و المناصب قد يظهر فيه خصوصية لان المراتب والمناصب التي أعطيتها أمة النبي صلي الله عليه وسلم لم تعطها أمة غيرهم فهي من رحمة الله تعالي لهم وفضله عليهم لكنه لا يسبق إلي الذهن هذا المعني و لا الاختلاف في الصنائع و الحرف والله أعلم

انتهي كلامه رحمه الله

أقول (سامح ) : كلام الشيخ الإمام تقي الدين السبكي هنا مفسر بكلامه في كثير من كتبه كالسيف المسلول و استفتاء الشيخ فرج وعقود الجمان وحاصله أن الأخذ بالرخصة من كلام بعض العلماء لا بد فيه ألا يكون الشخص ديدنه تتبع الرخص كما صرح هو هنا و ألا تكون المسألة التي يريد التقليد فيها مخالفة للنص أو الإجماع أو القياس الجلي أو القواعد الكلية مع ملاحظة أن المخالف لمجموع المذاهب الأربعة كالمخالف للإجماع فليعلم والله تعالي أعلم

سعيد فودة
09-02-2008, 10:08
قول الشيخ الإمام السبكي

لكنه لا يسبق إلي الذهن هذا المعني و لا الاختلاف في الصنائع و الحرف

هذا صحيح تماما، فإنه لا يسبق الذهن إلى هذا المعنى، وإضافة الأمة إلى النبي عليه الصلاة والسلام يقتضي أن الاختلاف المراد اختلاف من جهة كونهم أمة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الجانب الذي ذكره الأئمة الأعلام ليس من هذه الجهة.
بارك الله تعالى فيك على هذه النقول أيها اللبيب الأريب سامح...

هشام السيد عطية
09-02-2008, 20:53
السلام عليكم ، أخي الفاضل / سامح جزاك الله خيرا علي هذه القبسات من الحلبيات فهي تحوي درر ، ولكي تمم الفائدة للاخوة أنقل أمرين :
الأول : عن تخريج الحديث :
فقد قال الامام السخاوي : (البيهقي في المدخل من حديث سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحد في تركه فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية فإن لم تكن سنة مني فما قال أصحابي إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة " . ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني والديلمي في مسنده بلفظه سواء وجويبر ضعيف جدا .والضحاك عن ابن عباس منقطع .وقد عزاه الزركشي إلى كتاب الحجة لنصر المقدسي مرفوعا من غير بيان لسنده ولا صحابيه وكذا عزاه العراقي لآدم بن أبي اياس في كتاب العلم والحكم بدون بيان بلفظ"اختلاف أصحابي رحمة لأمتي " قال : وهو مرسل ضعيف .)
وقال صاحب التيسير بشرح الجامع الصغير : ( نصر المقدسي في كتاب الحجة والبيهقيّ في الرسالة الأشعرية معلقا بغير سند لكنه لم يجزم به بل قال روى وأورده الحليمي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم كالديلمي والسبكي ولعله خرّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا والأمر كذلك فقد أسنده البيهقيّ في المدخل وكذا الديلمي في الفردوس من حديث ابن عباس لكن بلفظ اختلاف أصحابي رحمة. )
[ ينظر : المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تأليف: أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي، دار النشر: دار الكتاب العربي - بيروت - 1405 هـ - 1985م، الطبعة: الأولى، تحقيق: محمد عثمان الخشت ، ج1/ص69 .التيسير بشرح الجامع الصغير، تأليف: الإمام الحافظ زين الدين عبد الرؤوف المناوي، دار النشر: مكتبة الإمام الشافعي - الرياض - 1408هـ - 1988م، الطبعة: الثالثة ،
ج1/ص49 . المغني عن حمل الأسفار، تأليف: أبو الفضل العراقي، دار النشر: مكتبة طبرية - الرياض - 1415هـ - 1995م، الطبعة: الأولى ، ج1/ص23/ص24 ]
الثاني : عن معني الحديث أنقل كلام نفيس للامامين ابن عساكر ، و القرطبي :
قال الامام ابن عساكر : ( وعلماء هذه الأمة من أهل السنة والجماعة في الإشتغال بالعلم مع الإتفاق في أصول الدين على اضرب منهم من قصر همته على التفقه في الدين بدلائله وحججه من التفسير والحديث والإجماع والقياس دون التبحر في دلائل الأصول ومنهم من قصر همته على التبحر في دلائل الأصول دون التبحر في دلائل الفقه ومنهم من جعل همته فيهما جميعا كما فعل الأشعريون من أهل اليمن حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :"أتيناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر كيف كان وفي ذلك تصديق ما روي عن المصطفى صلى الله عليه وسلم "إختلاف أمتي رحمة "كما سمعت من الشيخ الإمام أبي الفتح ناصر بن الحسن العمري قال سمعت الشيخ الإمام أبا بكر القفال المرزوي رحمه الله يقول معناه إختلاف هممهم رحمة يعني فهمة واحد تكون في الفقه وهمة آخر تكون في الكلام كما تختلف همم اصحاب الحرف في حرفهم ليقوم كل واحد منهم بما فيه مصالح العباد والبلاد ثم كل من جعل همته في معرفة دلائل الفقه وحججه لم ينكر في نفسه ما ذهب إليه أهل الأصول منهم بل ذهب في إعتقاد المذهب مذهبهم بأقل ما دله على صحته من الحجج إلا إنه رأى أن إشتغاله بذلك أنفع وأولى ومن صرف همته منهم إلى معرفة دلائل الأصول وحججه ذهب في الفروع مذهب أحد الأئمة الذين سميناهم من فقهاء الأمصار إلا إنه رأى أن اشتغاله بذلك عند ظهور البدع أنفع وأحرى فعلماء السنة إذن مجتمعون والأشعريون منهم لجماعتهم في علم الأصول .)
قال الامام القرطبي :( الثانية قوله تعالى (ولا تفرقوا ) يعنى في دينكم كما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم عن بن مسعود وغيره ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة وكونوا في دين الله إخوانا فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وليس فيه دليل على تحريم الإختلاف في الفروع فإن ذلك ليس اختلافا إذ الإختلاف ما يتعذر معه الإئتلاف والجمع وأما حكم مسائل الإجتهاد فإن الإختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع وما زالت الصحابه يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون )
[ ينظر :تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، تأليف: علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، دار النشر: دار الكتاب العربي - بيروت - 1404، الطبعة: الثالثةج1/ص105/ص106. الجامع لأحكام القرآن، تأليف: أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار النشر: دار الشعب – القاهرة ج4/ص159]
وفي الختام أسألكم الدعاء بالعلم النافع . ومشتاقون الي بقية الحلبيات .

سامح يوسف
10-02-2008, 00:34
سيدي العلامة سعيد فودة

مروركم الكريم أسعدني وأسأل الله تبارك وتعالي أن يزيدكم علما و شرفا في الدنيا والآخرة آمين

أخي هشام

ما أروع تلك الدرر التي تنقلها بارك الله فيك

وللحديث بقية إن شاء الله تعالي

هشام السيد عطية
20-02-2008, 23:37
أخي الشيخ /سامح ، وبارك فيك يا أخي ، ونفعنا وإياكم بالعلم النافع ، أرجو من الله أن تكون بخير ،تأخرت علينا بالحلبيات كثيرا ، ونحن مشتاقون إليها .

هشام السيد عطية
07-03-2008, 18:18
أخي الشيخ سامح السلام عليكم طلت غيبتك رجو من الله أن تكون بخير

أشرف سهيل
07-11-2010, 01:17
أرفعه للفائدة