المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هكذا نشأت القومية



محمد عوض عبد الله
22-01-2008, 18:26
هكذا نشأت القومية
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
كنت أدير إبرة المذياع يوماً، فوقعَتْ بي على حديث من إذاعة أنقرة التركية، فأصغيت إليه، وإذا بالمتحدث يتكلم عن السلطان عبد الحميد قائلاً: إن عبد الحميد قد تآمر على القومية التركية، وراح يفتح أمام العرب أبوابَ النفوذ والسيطرة، من خلف ستار فكرة الجامعة الإسلامية التي نادى بها؛ ولكن اليقظة التركية قطعت عليه الطريق، واستطاعت أن تنقذ القومية التركية من مؤامرته ورجعيته،..
لقد تملكتني حيرة بالغة لهذا الكلام،.. فالذي نسمعه من إذاعاتنا، ويُعلِّمونه في مدارسنا، أن السلطان عبد الحميد كان مستعمراً تركياً لهذه البلاد، وكان يبسط سلطان القومية الطورانية على شعبنا العربي باسم الخلافة الإسلامية. فكيف يكون هذا القومي الطوراني والمستعمر التركي في الوقت نفسه عدواً للقومية التركية، متآمراً عليها، صديقاً للعرب متحيزاً إليهم؟،.. كيف يكون الرجل، في آن واحد، سائراً في سبيلين متخالفتين، هاتفاً بحقيقتين متناقضتين؟،.
إن حقيقة الرجل مدفونة - ولا ريب - بين هذين النقيضين. وإن قصته لضائعة، وراء لغو هذين التأريخين. ذلك لأن التاريخ لم يعد اليوم - كما نعلم - نوراً تُكتشف به الحقائق الثابتة، بل هو اليوم حمض تذاب فيه هذه الحقائق،..
لقد فقد التاريخ - ويا للأسف - شرف حريته، فقد أوقعته حضارة القرن العشرين في يد السياسة. ومعنى ذلك أن أشرف ما في الكون على الإطلاق، وهو الحقيقة، قد قُضي عليه بالإعدام،، ولست أدري أي قيمة تبقى للعقل البشري، بعد أن يحال بينه وبين الحقيقة، وبعد أن يزجَّ به في متاهات الاختلاق والتزييف والتضليل،..
ولكن لمن يكون الانتصار أخيراً؟
ما من ريب في أن العقل هو الذي سينتصر، وأن الحقيقة آيلة - ولاشك - إلى التحرر والانعتاق، بدليل أن أي حرّ مفكر يسمع هذا التناقض عن حياة السلطان عبد الحميد، مثلاً، يدرك أن هناك حقيقة مخبوءة، وأنه إنما يسمع وقع المعاول التي تحفر قبراً لدفنها فيه،..
وحتى السياسة نفسها التي تسير إلى أهدافها على أشلاء الحقائق، لابدَّ أن تزلّ قدمها، وتهوي على رأسها، قبل أن تجني ثمار تلك الأهداف، لأن معالم الطريق لا يمكن أن تستنير بغير نور الحقيقة، ولأن الحقائق مهما غُشِّي عليها، فإن العقل سرعان ما يبرزها ويعيد إليها القوة والحياة.
* * *
لقد كتبت أقلام السياسة صفحات كثيرة عن القومية العربية، تفلسفها وتحلِّلها، وتلبسها لَبوس العلم والعمق، وتضفي عليها قداسة العقيدة والدين، وترفعها فوق كل شيء، وتزيح عن طريقها كل حقيقة مهما كانت أصيلة أو ضخمة،.. فهل استطاعت أن تسير بشراشرها هذه إلى نهاية الطريق وتقدم ثمارها المأمولة؟.
لا.. فقد زلّت بها القدم، لم تستطع أن تصبح ديناً جديداً، تقدم لأهلها ما يقدِّمه الدين، من الوحدة والحب والتضامن. وإنما استطاعت أن تحييَ دفين القوميات الصغيرة الأخرى في صدور أربابها. فإذا بالقوميات تتناطح، وإذا بهيبة الفلسفة التحريرية تنحسر عنها، وإذا بلَبُوس العلم والعقيدة والعمق يطير عن كاهلها، وإذا بالحقيقة الخالدة تقف ملتمعة أمام كل بصيرة وفكر، وهي تردد قول خالقها عز وجل: {سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 41/53].
ولا يقف الأمر عند هذا وحده، بل يأبى العقل إلا أن يلتفت إلى الوراء، ليكشف زيف الصفحات الطويلة التي تسترت بأسلوب الفلسفة ولسان العلم، علّها تخدع ألباب الناس وتلبّس عليهم الحقائق بأشباهها.
لقد حان الوقت لأن نلتفت إلى الوراء، لنكشف حقائق عن تاريخ نشأة القومية، طالما ظلت أيدٍ سوداء ممتدة فوقها في سكون وصمت، كي لا تقع عليها أعين الناظرين، فيؤمنوا بها.
ولكن الأيدي السوداء لم تكن تحتمل من الصبر تحت أشعة العقل والبحث أكثر مما احتملت. إنها اليوم تتحرك في ارتجاف، وإن حقائق خطيرة تتبدى تحتها لكل ذي عينين.. وإليك بعضاً من هذه الحقائق:
إن مقدمة نشأة القومية في عالمنا الإسلامي، تبدأ مع بدءَ التجمع الصهيوني وسعيه ابتغاء استلاب فلسطين،.. فقد كانت الخلافة الإسلامية إذ ذاك تطوق معظم بلاد الإسلام - وفلسطين قلب فيها - بطوق متين، على ما كانت تعانيه الخلافة حينئذ من ضعف وتأخر.
وكان المحور الذي استقطب من حوله هذا التجمع الصهيوني، هو المحفِل الماسوني، الذي تأسس في أواخر عهد الدولة العثمانية، باسم محفل الشرق العثماني. فقد كان هذا المحفل مكوَّناً من كبار أغنياء اليهود ورؤوسهم، وكانت مدينة (سولانيك) مركزاً رسمياً له وهي المدينة التي ترعرعت في أحضانها جماعة اليهود المرتدين (الدونمة).
وبدأت أول محاولات اليهود المباشرة للاستيلاء على فلسطين، بدخول الثري الماسوني (قرصّو) على السلطان عبد الحميد، بواسطة مرافقه، عارف بك. فقد قال له إذ ذك بالحرف الواحد: ((إنني قادم مندوباً عن الجماعة الماسونية لرجاء جلالتكم بأن تقبلوا خمسة ملايين ليرة ذهبية، هدية لخزينتكم الخاصة، ومائة مليون كقرض لخزينة الدولة بلا فائدة، على أن تسمحوا لنا ببعض الامتيازات في فلسطين)).
فما هو إلا أن اربدّ وجه السلطان، والتفت إلى مرافقه الذي دخل بواسطته قائلاً: ((أفما كنت تعلم ما يريد هذا الخنزير))؟ ثم نظر إلى قرصو، وصاح في وجهه: ((اخرج من وجهي يا سافل)).
فخرج من عنده قاصداً إلى إيطالية، ومن هناك أرسل إلى السلطان عبد الحميد البرقية التالية، التي لا تزال صورتها محفوظة بالزنكوغراف في كثير من كتب التاريخ التركية: ((أنت رفضتَ عرضنا، ولكن هذا الرفض سيكلفك أنت شخصياً، ويكلف مملكتك كثيراً)).
وفي هذه الأثناء، قابله زعيم صهيوني آخر، هو (هرتزل) برفقة الحاخام (موسى ليفي) وراح يرجوه في تزلُّف أن يبيع أراضي فلسطين بالثمن الذي يريد، فقال له السلطان عبد الحميد رحمه الله بالنص:
((إن هذه الأراضي قد امتلكها المسلمون بالدماء، وهي لاتباع إلا بالثمن نفسه)).
وهكذا يئست الصهيونية، وماسونيتها، من إمكان إغراء الخلافة الإسلامية ببيع فلسطين أو التنازل عنها، مهما كان الأجر والثمن، فراحت تسلك إلى ذلك سبيلاً آخر، مستعينة بالخبث البريطاني.
فماذا كان هذا السبيل؟
كان ملخصاً في القضاء على الخلافة التي تشكل الطوق الحديدي المحيط بفلسطين، وذلك على حدّ ما اعترف به (حاييم وايزمن) نفسُه في مذكراته.
أما الطريقة التي اتُبعت لذلك فهي ما قامت به جماعة الماسونية من إشاعة أن السلطان عبد الحميد قد اتفق مع العرب على مؤامرة يراد منها الكيد للشعب التركي والقضاء على العنصرية التركية، وأن الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، ليست إلا غطاء دينياً لستر هذه المؤامرة، وأوحت إلى أحد الكتاب الملاحدة، وهو (ضياء كوك آلب) مع زمرة من أتباعه، بفكرة إيقاظ القومية الطورانية وفلسفتها والدعوة لها والغلو في تمجيدها، فاستجابوا لذلك، وراحوا يبشرون بالدين الجديد، ويملؤون من حديثه أدمغة الشباب والطلاب، مستعينين على ذلك بترداد ما أشاعته فلول الماسونية عن الجامعة الإسلامية وما وراءها.
وما هي إلا فترة، حتى استطاعوا أن ينبهوا مِنْ حولِهم الأذهان، وأن يفتحوا لدعوتهم بعض القلوب، وأن يجمعوا لها بعض الشبان الأغرار.
وسرعان ما تألفت من مجموعة هؤلاء الداعين والمستجيبين، جميعة أسمت نفسها جمعية الاتحاد والترقي، وهي التي ثارت على السلطان عبد الحميد، واستطاعت إزاحته عن الحكم. وإذن فهي جمعية يهودية ماسونية، انبعثت لفتح أول باب في الطريق إلى فلسطين، وبذلت كل جهدها في سبيل تقويض الخلافة، واستعانت على ذلك بحمل سلاح القومية الطورانية. يعلم هذا كل مثقف لا يكذب على عقله ولا على الله.
غير أن سلاح القومية التركية لم يكن هو وحده أمل اليهود في القضاء على حصن الخلافة، وإنما استعملوه ليكون باباً ومنطلقاً لأعاصير الفتنة والقوميات المتعارضة فوق الصعيد الإسلامي الواحد، كي تقوم هي نفسها بعملية الثورة والانفجار الذي يودي بالخلافة ويكسر طوقها المحيط من حولها.
هكذا أفهم وزيرُ المستعمرات البريطاني كبارَ قادة الصهيونية، وهكذا خطط لهم،.. يعلم هذا أيضاً كلُّ مثقف لا يريد أن يبتلع الحقيقة ليخون الله والتاريخ. وهذا ما تم بعد ذلك.
سمع العرب هنا باسم القومية التركية تهتف بها حناجر الأتراك الذين كانوا إلى الأمس لا يعرفون غير الإسلام ولا يهتفون بغير الجامعة الإسلامية، ولا يميزون رعاياهم في الهويات إلا بالإسلام، فعجبوا.. ثم تأملوا وفكروا.. وإذا بهم يقولون بدورهم: ولكننا نحن عرب، وهل القومية التركية أولى بتمثيل الدولة الإسلامية من القومية العربية، متى كان الأمر كذلك؟.
قال العرب هذا الكلام بوحي من ردة الفعل التي طفحت بها نفوسهم، دون أن يسبروا غور الأمر، وأن يكشفوا عما وراء الأكَمة من عوامل وبواعث،..
وكانت خطوط المؤامرة قد وصلت إلى هنا أيضاً، فانتهز الفرصة من كانوا ينتظرونها، وراحوا يبعثون في الناس فلسفة القومية العربية، ويتلون عليهم تنزيلها، ويفرغون لها مكان القداسة والعقيدة من القلب، ويجعلون منها ديناً مكان دين. ومثيرو القومية التركية، من الماسونيين ينفخون من هذا سالونيك في نار الفتنة هنا.
والغريب العجيب - لمن لم يعرف مخطط الكيد - أن كلا القوميتين المتعارضتين المتناقضتين اتجهتا في الهجوم على عدو واحد، ألا وهو الخلافة الإسلامية، متمثلة في السلطان عبد الحميد. فقد كان دعاة القومية الطورانية يتهمونه بممالأة العرب وشق سبيل السيطرة أمامهم، على حين يعتقد دعاة القومية العربية أن كلاً من الخلافة والجامعة الإسلامية ليستا سوى مبرر لفرض القومية الطورانية على العرب. ولقد علم كل عاقل فيما بعد أن كلا هذين الخصمين كانا مسخَّرين تسخيراً محكماً من قبل الثلاثي الماكر الخبيث: الصهيونية والماسونية وبريطانية، وبتعبير أصح كانا مسخرين من قبل الصهيونية التي كانت تقوم إذ ذاك بأخطر دور على أوسع نطاق، للانقضاض على فلسطين.
وهكذا قامت الأعاصير في وجه الخلافة من كل جانب، خدمةً للسيد المنبوذ الذي يأبى إلا استيلاءً على فلسطين، إلى أن انتابتها هزة، ثم سرى فيها زلزال، ثم حلّ بها الدمار،..
إذن، لقد تكسّر الطوق الذي لم يستطع (قرصّو) أن يفتح في أي جانب منه أيّ ثقب إلى فلسطين، وتبعثرت كتلة الإسلام التي كانت موحدة، ومجتمعة في داخله، وانكشفت فلسطين عارية أمام العدو المتربص بها، فجاءت إسرائيل تدلف إليها بخطاً هادئة ثابتة، وراحت بريطانية تتسلل إلى المستعمرات التي في بالها، وجاءت فرنسة هي الأخرى لتأخذ قسمتها من الغنيمة، وكان لسان حال هؤلاء جميعاً يقول للمسلمين: اهتفوا الآن بقومياتكم ما طاب لكم الهتاف، مادام الطوق قد تكسر والشمل قد تبعثر وفلسطينكم قد ضاعت،..
يا قارئي العزيز: هذا طرف من تاريخ نشوء القومية، وأسباب انبثاقها فوق أرض الإسلام، كما يسجله التاريخ ويعلمه كل من أراد أن يلتفت لمعرفة شيء من الماضي الذي خلّفه. أفلا تحسّ أن بين سطوره لهيباً يمتدّ إلى الأحشاء ويسري في مجاري الدم، أفلا تأكل النار كبدَك أسفاً للعصائب التي عُصِّبتْ بها أعين المسلمين، فانطلقوا ينتشرون كخراف ضائعة في فجاج الأرض. وراحوا يخترقون بحار الظلمات على غير تفكير أو هدى.. ثم طال بهم الأمد، فأصبحوا يستنيرون بالظلام ويستأنسون بالضلالة، ويركنون إلى صوت كل خادع وطامع.
ماذا يفعل الإنسان إذا داهمته مشكلة، غير اللجوء إلى منطق العقل السليم، أو إلى تجربة التاريخ الصحيح؟.. وهذه هي حقائق التاريخ تنطق بوضوح لكل ذي أذن عن حال المسلمين يوم كانوا لا يميزون أنفسهم بشيء غير شارة الإسلام، قوة وتضامناً وتآلفاً. ثم عن حالهم يوم قضت الصهيونية والماسونية بأن يستبدلوا برابطة الإسلام رابطة القوميات، تفككاً وتدابراً وضعفاً.
صحيح أن الروح الصليبية المنطلقة من الجامعة الأمريكية في بيروت والقادمة مع حقد المستشرقين من الغرب تحاول أن تسدل حُجُباً كثيفة على هذه الحقاق التاريخية بكل ما يسعها من جهد، ولكنّ كل ذي عقل يستطيع أن يستعمل عقله في الوصول إلى ما وراء هذه الحجب، وأن يمزقها بنفخة فكريّة واحدة، وأن يرى الأيدي الملوثة التي تحاول أن تشدّ هذه الحجب لتبقى ممدودة فوقها، في هلع وخوف.
فأين هي حرية الفكر عند أدعيائها من أبناء جِلدتنا الذين يستسلمون في غباء منقطع النظير لوحي الصهيونية المتحالفة مع الصليبية، ويرددون ما يملونه عليهم من دروس؟
إنني أتحدى كلَّ من يقرأ التاريخ أو يكتب أو يدرس شيئاً منه، ممن يدينون بدين القومية، أن يقولوا إنهم لا يعلمون هذه الحقائق التي عرضتها، أو أن يدّعوا أن التاريخ غير صادق في بثها وتسجيلها.
وإذن، ففيم الابتعاد عن الحقيقة ومناصبة العداء لها؟ وما هي المصلحة الوطنية أو الاجتماعية أو حتى الشخصية من وراء محاربة الحقيقة والتضحية بها؟.
أما ضاعت فلسطين بعد ميلاد القومية، وكأنما ولدت هذه لتموت تلك؟،..
أما ذرَتْ من ورائها قرون القوميات الصغيرة التي تتفجر اليوم من هنا وهناك، كردّ فعل طبيعي للباب الذي فتحته جميعة اليهود (الدونمة) أمام القوميات التي كانت تتعانق نائمة في مهد الإسلام؟