المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موضوع منقول لكنه مفيد



قتيبة بن محمود الفارس
15-01-2008, 17:52
ظاهرتا الاشتغال والتنازع في النحو العربي

التمهيد

تعد قضية الاشتغال والتنازع واحدة من قضايا النحو الأكثر قدرة على كشف منهج النحاة، وخصوصاً مسألة المفارقة بين نظريتهم والواقع اللغوي الذي اعتمدوا عليه والبابان من أكثر الأبواب النحوية اضطراباً وتعقيداً، ويبدو الاضطراب في كثرة الآراء والمذاهب المتعارضة.

مفهوم الاشتغال بين القديم والحديث

ويتفاوت أسلوب النحاة في تعريف الاشتغال بين الاختصار الذي لا يوضح أطراف الموضوع كلها والشرح المطول الذي يعرض القضية في صورتها المتكاملة. فالاشتغال هو:
(أن يتقدم اسم، ويتأخر عنه فعل متصرف أو ما جرى مجراه قد عمل في ضمير ذلك الاسم أو في سببه، ولو لم يعمل فيه لعمل في الاسم المشتغل عنه أو موضعه)(1).
وإذا جئنا إلى التعريفات الحديثة وجدناها تدور كذلك في الإطار نفسه، ومن هذه التعاريف:
(أن يتقدم اسم واحد، ويتأخر عنه عامل يعمل في ضميره مباشرة، أو يعمل في سببي للمتقدم مشتمل على ضمير يعود على المتقدم، بحيث لو خلا الكلام من الضمير الذي يباشر العامل ومن السبب وتفرغ العامل للمتقدم لعمل فيه النصب لفظاً أو معنى كما كان قبل التقدم)(2).

أركان الاشتغال وشروطه

وأركان الاشتغال حسب ورودها أربعة: الفعل المضمر، والاسم المشغول عنه، والفعل المفسِّر، والمشغول والمشغول به، ولكل واحد من هذه الأركان شروطه الكثيرة التي أسهب النحاة في سردها، ومن أمثلة أسلوب الاشتغال قوله تعالى "إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين"(3)، فالشمس والقمر مفعول لفعل محذوف يفسره الفعل رأيتهم.

أ) وفيما يتصل بالفعل المضمر وموافقته للفعل المظهر فإن صور الموافقة بينهما تتنوع بين الموافقة لفظاً ومعنى مثل (زيداً أكرمته) والتقدير: أكرمت زيداً، ومنه في القرآن الكريم "والسماء بنيناها"(4)، والصورة الثانية للموافقة في المعنى دون اللفظ مثل: (زيداً مررت به) والتقدير: جاوزت زيداً مررت به. وقد أطال النحاة في شرح هذه المسألة إطالة يشوبها قدر كبير من المبالغة وافتراض كل الصور، ومن صور العلاقة بين الفعل المحذوف والفعل المذكور أن يخالفه من حيث اللفظ والمعنى معا، ولا يتم ذلك إلا بوجود قرينة تدل على هذه المخالفة مثل الإجابة ": كتاباً أقرؤه" على السؤال: ماذا اشتريت؟ فالمحذوف مخالف للمذكور لفظاً ومعنى هذا عن الركن الأول وهو الفعل المضمر، أما الركن الثاني وهو الاسم المشغول عنه فقد اختلف النحاة حول ناصبه فذهب الجمهور إلى أن المشغول عنه منصوب بفعل محذوف يفسره الفعل المذكور لأنه يدل عليه، ووجب الإضمار للاستغناء عنه، وهذا الرأي هو الذي ساد في كتب النحو وقام على أساسه باب الاشتغال في تراثنا النحوي، وذهب الكوفيون إلى أن المشغول عنه منصوب بالفعل المذكور بعده، ويتفرع داخل المدرسة الكوفية رأي آخر للفراء يذهب إلى إعمال الفعل المذكور في الاسم المشغول عنه والضمير معاً(5).

ب) أما شروط المشغول عنه وهو الاسم المتقدم على الفعل المشغول فهي كثيرة منها التقدم وعدم التعدد مع اتحاد العامل، وقابليته للإضمار والافتقار لما بعده وأخيراً ألا يكون نكرة محضة، وتتوافر الشروط كلها في مثل (زيداً أكرمته).

ج) وثالث أركان الاشتغال هو الفعل المشغول وهو العامل الذي اشتغل عن العمل في الاسم المتقدم بالعمل في ضميره أو سببيه فإن من شروطه اتصاله بالاسم السابق وصلاحيته للعمل في ما قبله والاشتغال عن الاسم السابق بضميره، وأخيراً موافقته للفعل المفسِّر المحذوف.

د) وآخر أركان الاشتغال هو الشاغل أو المشغول به، وهو ما اشتغل به العامل عن العمل في الاسم المتقدم، ومن شروطه أن يكون ضميراً معمولاً للشاغل وأن تتحد وجهة ناصب المشغول عنه والشاغل(6). ويجوز حذف هذا الشاغل كما في قوله تعالى "وكلا وعد الله الحسنى"(7)، والتقدير: وكلا وعده، وكذلك قول الشاعر:
حميت حمى تهامة بعد نجد وما شيء حميت بمستباح
والتقدير: وما شيء حميته.

الحكم الإعرابي للاشتغال

أما عن أحكام الاشتغال الإعرابية فهي خمسة أحكام: وجوب النصب وترجيح النصب، واستواء الرفع والنصب، وترجيح الرفع، ووجوب الرفع.

ويمثل الحكم الأول، وهو وجوب النصب، الشكل الآتي:
أداة تختص بالدخول على الفعل + اسم + فعل + ضمير أو سبب منصوب كما في قول الشاعر:
لا تجزعي إن منفا أهلكته وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي

والحكم الثاني ترجيح النصب مع جواز الرفع يمثله الشكل الآتي:
اسم + فعل طلبي + ضمير أو سببي منصوب.
ومنه قول الشاعر:
هريرة ودّعها وإن لام لائم غداة غد أم أنت للبين واجم

والحكم الثالث وهو استواء النصب والرفع فيمثله الشكل الآتي:
جملة ذات وجهين + عاطف + اسم + فعل + ضمير أو سببي منصوب والجملة ذات الوجهين هي الجملة التي صدرها اسم وخبرها فعل مثل (زيد قام وعمرو أكرمته) فيستوي رفع كلمة عمرو ونصبها.

والحكم الرابع للمشغول عنه هو اختيار الرفع وترجيحه على النصب فيمثله الشكل الآتي:
اسم + فعل + ضمير أو سبب منصوب
وذلك عندما لا يوجد موجب للنصب أو الرفع أو ما يرجح النصب أو ما يجوز فيه الأمران على السواء، ومنه قول الشاعر:
قد أصبحت أم الخيار تدعي عليَ ذنباً كله لم أصنع
برفع (كله) والتقدير لم أصنعه.

رأي المجمع في الظاهرة:

وقد ذهب مجمع اللغة العربية بالقاهرة إلى أن الصيغة الأساسية للباب (محمد رأيته) يجوز فيها الوجهان النصب على المفعولية والرفع على الابتداء، أي جواز استواء الأمرين(9).

وآخر الأحكام وجوب الرفع، ويخرج هذا القسم من الاشتغال لأن تعريف الاشتغال يعني خصوص النصب(10) وإنما جاء ذكره على سبيل الضرورة في تتميم ذكر الأقسام(11).

موقع جملة الاشتغال من الإعراب
وقد دار خلاف بين النحاة حول موقع جملة الاشتغال من الإعراب. وجملة الاشتغال جملة تفسيرية عند النحاة بلا خلاف، والجملة التفسيرية من الجمل التي ليس لها محل من الإعراب عند النحاة وهي كما يقول ابن هشام (الفضلة الكاشفة لحقيقة ما تليه)(12).

وذهب الشلوبين إلى أن موقع الجملة المفسرة يتحدد بحسب ما تفسره فلا يكون لها موضع في مثل (زيداً ضربته) لأن الجملة المفسرة أيضاً ليس لها موقع، وتكون جملة الاشتغال في محل رفع في مثل قوله تعالى "إنا كل شيء خلقناه بقدر"(13) وذلك لأن المفسر في محل رفع خبر إنَّ(14)، وهو رأي يلقى قبولاً عند المحدثين(15).

مفهوم التنازع

وأما الظاهرة الثانية في هذه الدراسة فهي ظاهرة التنازع، فيعرفها السيوطي
بقوله: (إذا تعلق عاملان) فأكثر كثلاثة وأربعة (من الفعل وشبهه) كالوصف واسم الفعل اتحد النوع أو اختلف بخلاف الحروف كإن وأخواتها (باسم) بأن طلبا فيه رفعاً أو نصباً أو جراً بحرف أو أحدهما رفع والآخر خلافه (عمل فيه أحدهما) السابق أو الثاني باتفاق الفريقين(16).

فالتنازع هو توجه عاملين أو أكثر إلى معمول يطلبه كل منهما من حيث المعنى، فيعمل فيه الثاني لقربه حسب مذهب أهل البصرة، ويعمل الأول في ضميره، أو يعمل الأول في الاسم لسبقه حسب مذهب أهل الكوفة ويعمل الثاني في ضميره.
ونلاحظ هنا قانونين يلعبان دوراً كبيراً في التراث النحوي عامة وفي هذا الباب خاصة، والقانون الأول هو قانون السبق؛ فالأسبق له الأولوية في الحكم والعمل، والقانون الثاني قانون الجوار، فالتجاور له اعتباره الكبير في أبواب نحونا العربي، ولعلنا نلمح أثراً كبيراً للقانونين في مباحث الفقه أيضاً، ولا يخفى علينا ما بين العلمين من علاقة وثيقة وأثر وتأثر.

أركان التنازع و مصطلحاته

وأركان التنازع و مصطلحاته هي المتنازع والمتنازع فيه، ويسمي النحاة هذا الباب باب الإعمال.

فالعوامل الطالبة تسمى العوامل المتنازعة، ويسمى المعمول (المتنازع فيه) و (المتنازع) وهناك صور كثيرة للمتنازع نذكر منها هذه الصور على سبيل المثال:

.1 فعلان متصرفان.
.2 فعل متصرف + فعل جامد.
.3 وصفان مشتقان.
.4 فعلان من باب ظن.
.5 فعلان من باب أعطى.
.6 فعلان من باب أعلم.
.7 وأخيراً تنازع حرفين.

وحول الشروط الخاصة بالعوامل المتنازعة منها أن يكون العامل فعلاً أو شبهه كما في قول الشاعر:
لقد علمت أولي المغيرة أنني لقيت فلم أنكل عن الضرب مسمعا

حيث تنازع كل من (لقيت)، و(الضرب) مسمعاً.

وقد ذهب جمهور النحاة إلى امتناع التنازع بين الحرفين أو بين الحرف وغيره، لأن الإعمال قد يؤدي إلى الإضمار ولا يجوز الإضمار في الحروف(17).
وقد أجازه بعضهم، كالفارسي وابن العلج، ومنه قوله تعالى "فإن لم تفعلوا"(18) حيث تنازع "أن" و "لم" الفعل بعدهما.(19)

رأي المجمع في الظاهرة:

وقد أشار المجمع إلى ورود التنازع في الحرف وذلك في التعبيرات الحديثة كتنازع لم ولن في قولهم "أنَ صورتها لم ولن تغيب عني". وتنازع لا ولن في قولهم "إن موقفك لا ولن يغير رأيي"، وأجاز المجمع التعبيرين، واقترح إدخالهما في باب التنازع مع الأخذ برأي البصريين في إعمال الثاني وتطبيقه على الحروف على سبيل التوسعة.(20)
ويلاحظ في كلا التعبيرين وجود الرابط بين العاملين وهو العطف بالواو، ولكن وردت أمثلة لتنازع الحروف وليس بينها رابط كما في قول امرئ القيس:

فقالت يمين الله ما لك حيلة وما إن أرى عنك الغواية تنجلي(21)

الشروط العامة والخاصة

ومن شروط العوامل المتنازعة أن يكون العامل متصرفاً كما في قوله تعالى "آتوني أفرغ عليه قطرا"،(22)
وكذلك يشترط اقتضاء العاملين للمعمول وتقدم العوامل على المعمول وضرورة الربط بين العاملين، ووسائل ذلك الربط كثيرة منها:
العطف، وأن يكون الثاني جواب العامل الأول كما في قوله تعالى "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة"،(23) فالفعل الثاني جواب للأول، وغير ذلك من وسائل الربط بين العوامل المتنازعة،
ومن الشروط أيضاً وجود العوامل المتنازعة، ولا يجوز حذف أحد العوامل.

** أما عن الشروط الخاصة بالمتنازع فيه فيمكن أن نوجزها في وجوب تأخره عن العوامل، وألا يكون ضميراً فلا يجوز "علي قام وقعد هو" وألا يكون واقعاً بعد إلا،

وعلى هذا فليس من التنازع قول الشاعر:

ما جاد رأياً ولا أجدى محاولة إلا امرؤ لم يضع دنيا ولا ديناً

والغالب في الإعمال هو "إعمال الثاني" وقد ورد ذلك في الشعر(24) وكذلك في القرآن الكريم كما في قوله تعالى "هاؤم اقرءوا كتابيه".

محاولة تفسير الظاهرتين
وإذا نظرنا لهاتين الظاهرتين، في محاولة لتفسيرهما، فإننا قد نجد أن السبب الأول في ظهور ظاهرة الاشتغال هو:
فكرة العامل وما أدت إليه من أحكام، فأي ظاهرة من ظواهر الإعراب عند النحاة أثر ولابد لها من مؤثر وموجد لها وعامل قد عمل فيها، وقد يكون هذا العامل ظاهراً أو غير ظاهر، وقد وجد النحاة بعض الظواهر اللغوية كظاهرة نصب الاسم المتقدم على الفعل ولا عامل هناك مثل "زيداً أكرمته"، ولا يصح عند النحاة أن ينصب الفعل الاسم وضميره في وقت واحد، فراح النحاة يبحثون عن مخرج حتى تتوافق الأمثلة أو الواقع اللغوي مع قواعدهم النحوية، فذهب جمهورهم إلى أن الاسم المتقدم منصوب بفعل محذوف واجب الحذف لدلالة الفعل الموجود عليه.

وقد أرجعت فكرة العامل في النحو عند الكثيرين إلى تأثر النحاة بأصول الفقه فقد ذهب الفقهاء إلى القول بالعامل والبحث عن العلة، كما تأثر النحاة بعلم الكلام وعلمائه من قولهم بأن لكل حادث محدثاً ولكل موجود موجداً، وأنه لا يمكن أن يكون هناك مخلوق بغير خالق، ولم ينتبه النحاة إلى الفرق بين طبيعة كل من العلمين حيث يعتمد النحاة على شواهد من كلام الناس في حين يقوم الفقه على النص القرآني(25).

وإذا كان باب الاشتغال يقوم في جوهره عند النحاة على عدم جواز إعمال الفعل في الاسم الظاهر وضميره معاً فإن الباب يواجه اعتراضاً في أصله وذلك عند كثير من المحدثين الرافضين لفكرة العامل، وذلك انطلاقاً من أن العوامل في النحو تختلف عن مثيلاتها من العوامل الأخرى فهي ليست طبيعية وإنما هي من صنع المتكلم ويمكن له أن يغفلها ولكنه يكون قد خالف القواعد النحوية، فقاعدة النحاة أن لكل منصوب ناصباً هي التي حملتهم على ذلك التقدير غير اللازم(26).

وقد كان قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة عند مناقشته باب الاشتغال أنه "يجوز رفع المشغول عنه ونصبه ولا داعي لذكر حالات الوجوب أو الترجيح، وتردَ أمثلة هذه الحالات إلى أبوابها من كتب النحو"(27)

وهكذا يمكن أن نرى النحاة قد لجأوا إلى تقدير محذوف اتقاء للتصادم بين هذه الأمثلة وقواعدهم من ناحية، ومنعاً للتعارض بينها وبين ما يعتنقه النحاة من وجهات عقدية.
أما السبب في ظهور قضية التنازع فربما يعود إلى من أوضعه النحاة، وهو عدم جواز اجتماع عاملين على معمول واحد، وذلك مثل "قام وقعد علي" فلا يجوز أن يكون "علي" فاعلاً لكل من "قام" و"قعد" معاُ.

وقد تطورت المسألة من هذه البداية البسيطة إلى التعقيد والتركيب فأخذوا يتصورون ويفترضون أشكالاً مختلفة ومتعددة لما يمكن أن تأتي عليه ظاهرة التنازع، وبالغوا في ذلك مبالغة خرجت بالباب إلى لون متعسف من الافتراضات غير الواقعية، ولم يكتفوا بما ورد من أنماط في الواقع اللغوي بل أخذوا في اختراع أنماط من مخيلتهم، فمن الصور المرفوضة في باب التنازع صور الأفعال المتعدية إلى اثنين كظن، والأفعال المتعدية إلى ثلاث كأعلم حيث لم يرد فيها استعمال عن العرب.

ولعل المسألة ترتبط أيضاً بأمور عقدية وفقهية مؤداها أنه لابد من موجد واحد للظاهرة حتى لا يجتمع مؤثران على أثر واحد(28) وتتعارض صورة مثل "قام وقعد علي"مع هذه القاعدة، وذلك لاجتماع الفعلين على فاعل واحد ومن هنا لجأ النحاة إلى وضع باب التنازع وما يتصل به من قواعد الإضمار في أحد الفعلين حتى ينسجم النمط مع القاعدة، ويظل للمعمول عامل واحد يعمل فيه.

ويرى د. شوقي ضيف أن أغلب صور هذا الباب من افتراضات النحاة ويقترح عدم الإبقاء عليه في درس النحو، والاكتفاء بالصيغ الواردة في الاستعمال، فيعمل الفعل الثاني ويحذف من الفعل الأول لدلالة الثاني عليه ولدلالة السياق ، وقد ذهب مجمع اللغة العربية بالقاهرة إلى حذف باب التنازع والاكتفاء بالصور التي توارد بها الاستعمال في الفصحى.(29) وقد كان المفروض في النحاة أن يقتصروا على رصد ما هو واقع وحقيقي، ولا يفترضون أشكالاً للعبارات من غير أن يكون لها أساس من الاستعمال مما دعاهم إلى التقدير والتأويل.

وبعد أن استعرضنا آراء النحاة في بابي الاشتغال والتنازع نستطيع أن نرصد
القواعد التي أقام عليها النحاة هذين البابين والتي أدت في معظمها إلى ذلك التعقيد فيهما:

1. قضية العامل وأثرها وقد أشرنا إليها سابقاً وما ترتب على القول بها من افتراض صور ليس لها نصيب من الواقع.
2. ضرورة الحفاظ على الشكل النمطي للجملة، ومن ثم وجوب الإضمار في باب الاشتغال.
3. اختصاص بعض الأدوات بالدخول على الأفعال، وما يترتب على ذلك عندما تدخل هذه الأدوات على الأسماء، وغلبة دخول بعض الأدوات الأخرى على الفعل، وإضافة بعض الأحكام الإعرابية الجديدة نتيجة دخول هذه الأدوات على الأسماء.
4. إجراء القياس على كل ظاهرة، فيجرون أحكام نصب المشغول عنه على الاسم المرفوع، وإجراء أحكام التنازع في المتعدي إلى واحد، على المتعدي إلى اثنين وكذلك المتعدي إلى ثلاثة.
5. تجنب الإضمار قبل الذكر، ولذلك ذهب جمهورهم إلى ضرورة إعمال الثاني في باب التنازع.
6. تجنب حذف الفاعل، ولذلك ذهبوا إلى ضرورة إضمار المرفوع في العامل الأول عند إهماله.
7. جواز الاستغناء الفضلة وإهمالها، ولذلك ذهبوا إلى عدم وجوب إضمار المنصوب والمجرور في العامل الأول عند إهماله.
8. انتباه النحاة إلى التفرقة بين ما أطلقوا علية (تفسير المعنى) و (تفسير الإعراب(، وإدراكهم أن تفسير الإعراب ربما يأتي مخالفا للمعنى وربما مناقضا له، ولكن القاعدة عندهم أولى بالاتباع.


ونستطيع أيضاً أن نرصد
أهم الانتقادات التي أجريت لآراء النحاة في البابين،
من أجل الاسترشاد بها في مراجعة البابين وتنقيحها، وهي على النحو التالي:

.1 تطبيق النحاة لآراء الفقهاء في علم أصول الفقه دون الوعي بالفرق بينهما.
.2 عكس النحاة الوضع الطبيعي للأشياء فالمفروض أن يرصد الواقع اللغوي ثم تستخرج منه القواعد، فتكون معبرّة عنه وعاكسه له، ولكن النحاة وضعوا قواعدهم، ثم عرضوا عليها الواقع اللغوي وما اختلف معها أوّلوه.
.3 عدم احتياج صور الاشتغال إلى تقدير فعل محذوف لأن الكلام مفهوم بدون هذا التقدير، والدليل على ذلك قدرة الفعل الموجود على تفسير ذلك المحذوف المجهول، وبما أن الفعل يحذف في الاشتغال عند وجود قرينة عليه فلا تبدو هناك حاجة لتقدير هذا المحذوف.
.4 عدم احتياج صور التنازع إلى الإضمار، لأن المعنى مفهوم من السياق، كما أن الإضمار يترتب عليه وجود مجموعة من الصور غير الواقعية، ويؤدي إلى تعقيد في الضمائر وما تعود إليه.
.5 تفسير ظاهرة حذف الفعل في الاشتغال وحذف الفاعل أو المفعول في التنازع بأنه ظاهرة طبيعية في اللغة تتمثل في ميلها إلى الإيجاز والاختصار.
.6 الرد على اختصاص الأدوات بوجود ما يعارضه من أمثلة واقعية وقد التفت بعض النحاة إلى ذلك فذهبوا إلى أن اشتراط وجود الجملة الفعلية بعد أدوات التخصيص يعد ضرباً من الوهم.
.7 التناول الذهني للظواهر، والاعتماد على القسمة العقلية المنطقية.
.8 تدخل الناحية العقدية وأثرها على محاولة النحاة تأويل النصوص- بخاصة القرآنية- بما يتفق مع قواعدهم، في حين أن المفروض هو عكس ذلك تماما.
.9 وجود المثال الطبيعي للتنازع وكذلك للاشتغال، ولكن النحاة أهدروا هذه الاستعمالات الموجودة وذهبوا إلى تأويلها وتخريجها.
.10 عدم ترجيع أعمال أحد العاملين على الآخرين في التنازع والدعوة إلى أعمال الاثنين معا.
.11 عدم تطبيق مبدأ القياس، والاكتفاء بما ورد وسمع، وذلك لما ترتب على هذا القياس من ألوان التعسف المختلفة.
.12تأثر النحاة بما في المنطق والفلسفة من مقولات مثل القول بما هو موجود بالقوة وما هو موجود بالفعل، ومن ثم القول بتقدير عامل ومحله، وهو محذوف.
13. تمسك النحاة بقواعدهم تمسكاً شديداً إلى الدرجة التي تجعلهم يرفضون المساواة بين بعض المباحث النحوية كبحث الاشتغال وبحث التوكيد أو البدل في حين أن الأبواب متشابهة.
14. كثرة الخلافات بين النحاة في البابين ووقوعهم في التناقض فيحرمون ما يحللون حينا، ويحللون ما يحرمون حيناً آخر.
. 15إهمال الاستعمالات الواقعية بل رفضها أحياناً لمجرد تعارضها مع القواعد.
وأخيراً غياب معرفة التطورات التي حدثت في استعمال الظواهر النحوية المختلفة وذلك لوقوف النحاة بالاستشهاد عند زمن معين.

**********************************

الهوامش

1. ابن عصفور، المقرب، ج1، ص 87.
. 2عباس حسن، النحو الوافي، ج2، ص127.
. 3سورة يوسف، الآية 4.
. 4سورة الذريات، الآية 47 .
. 5الفراء، معاني القرآن، ج2، ص ص552، 256.
. 6حاشية الصبان، ج2، ص ص71-72.
. 7حاشية الخضري، ج1، ص155.
. 8ابن هشام، مغني اللبيب، ج2، ص610.
. 9مجلة المجمع، كتاب الأصول، ج3، ص243.
. 10حاشية الخضري، ج1، ص155.
. 11الأزهري، شرح التصريح، ج1، ص303.
. 12ابن هشام، المغني، ج2، ص ص399، 402.
. 13سورة القمر، الآية 49.
. 14ابن هشام، المغنى، ج2، ص ص402-403.
. 15عباس حسن، النحو الوافي، ج2، ص143.
. 16السيوطي، المجمع، ج5، ص137.
. 17ابن عصفور، شرح الجمل، ج2، ص641.
. 18سورة البقرة، الآية 24.
. 19الأزهري، شرح التصريح، ج1، ص317.
. 20مجلة المجمع، كتاب الأصول، ج3، ص156.
. 21الأنباري، شرح القصائد السبع، ص53. والتبريزي، شرح القصائد العشر، ص37.
. 22سورة الكهف، الآية 96.
. 23سورة النساء، الآية 176.
. 24سورة الحاقة، الآية 19.
. 25عباس حسن، اللغة والنحو، ص ص186، 188.
. 26ابن مضاء، الرد على النحاة، ص79.
. 27مجلة المجمع، كتاب الأصول، ج3، ص243.
. 28عباس حسن، اللغة والنحو، ص ص186، 189.
. 29مجلة المجمع، كتاب الأصول، ج3، ص ص239، 241، 243.

**********************************************

المراجع

1. القرآن الكريم
2. حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، المطبعة العامرية الشرقية، القاهرة، 1901م.
. 3حاشية الصبيان على شرح الأشموني، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه (د.ت).
. 4الرد على النحاة، ابن مضاء، تحقيق د. شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية 1982.
. 5شرح التصريح على التوضيح للأزهري، دار الفكر، بيروت (د.ت.(
. 6شرح جمل الزجاجي لبن عصفور، تحقيق صاحب أبو جناح، وزارة الأوقاف بالعراق 1980م.
. 7شرح القصائد السبع الطوال لابن الأنباري، تحقيق عبد السلام هارون، الطبعة الرابعة 1980م.
. 8شرح القصائد العشر للتبريزي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة صبيح، مصر الطبعة الأولى 1962م.
. 9مجلة مجمع اللغة العربية، كتاب في أصول اللغة، الجزء الثالث، الطبعة الأولى، القاهرة 1983م.
. 10معاني القرآن للفراء، تحقيق أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الثانية 1980م.
. 11مغنى اللبيب، لابن هشام، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة محمد علي صبيح.
. 12المغرب، لابن عصفور، تحقيق أحمد عبد الستار الجواري، وعبد الله الجبوري، مطبعة العاني، بغداد، الطبعة الأولى 1971م.
. 13اللغة والنحو بين القديم والحديث، عباس حسن، دار المعارف، مصر 1966م.
. 14النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف، القاهرة 1980م.
. 15همع الهوامع، للسيوطي، تحقيق عبد العال سالم مكرم، دار البحوث العلمية، الكويت 1979م.

محمد محمود المؤيد
15-01-2008, 18:08
أفدتنا جدا بارك الله فيك ، وأكثر من هذا النوع من الفوائد التي تشحذ الهمم .