المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محمد أركون الداعي الجَلْدُ إلى نفي مقولة الحق، بما يدعوه بالعقل المنبثق أو بالانفتاح



سعيد فودة
13-01-2008, 00:14
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين وبعد،
فإن الصراع بين الحق والشر ما يزال موجوداً، والدعاة لكل فريق موجودون، وما زلنا نرى في كل وقت من يعيد التنظير إلى نوع من السفسطة في الأديان والعقائد، نوع من الناس لا يرون في أي مذهب أيَّ مقدار من الحق، ولكنهم ما يزالون يتوسلون بأساليب جديدة لخداع الناس عن رؤيتهم هذه فيستعيرون لها من الألفاظ والتسميات ما ربما يصنع نوعا من الستار عن حقيقة ما يريدون ونهاية ما يسعون إليه.

ومن هؤلاء، محمد أركون الذي يزعم أنه يريد أن يساعد المسلمين على الانفتاح، والانفتاح بحقيقة مفهومه هو التخلص من مقولة أن الدين الحق هو الإسلام، بل يجب أن يعتقدوا أن الدين الإسلامي ما هو إلا خيار بشري، كما اختار غيرهم من البشر أديانا أخرى، إما وضعية أو سماوية، وربما لا يعترف هو بأنها أيضا سماوية إلا بالنظر إلى اعتقاد المعتقد بأنها كذلك.
إن محمد أركون يسعى إلى تثبيت ما يسميه بالعقل المنبثق، وخلاصة هذا العقل هو أنه لا يختار أمرا ما ويسميه حقا، بل إنه يبقي نفسه منفتحا على الآراء بشرط عدم اختيار واحد منها ولا اعتقاد أن أيا منها هو الحث، فمقولة الحق والباطل منتفية عند صاحب العقل المنبثق.
لما شاهدته على شاشة العربية في هذه الليلة اندهشت من الصراحة التي صار يتحدث بها، ومن الوقاحة التي يدعو بها إلى أفكارهمن وتحسرت على من يحاوره عندما كان يحاول أن يبذل جهده في تفسير بعض أفكاره بما لديه من مفاهيم فعجز في مواضع عديدة عن إدراك ما يريد محمد أركون الوصول إليه.

إن محمد أركون لا يخجل عندما يقول إن الإسلام ما هو إلا نتيجة مرحلة تاريخية بكل ما اشتملت عليه من ظروف اجتماعية وسياسية وفكرية وغيرها...الخ ولذلك فإنه يدعو إلى ما يسميه بالإسلام الجديد الذي يجب أن يكون مستمداً من واقع هذا العصر، ولذلك هو يدعو غلى ما يسميه بالفكر الإنساني، لأنه لا يعتقد بمعارف أنزلت من لدن عليم خبير. وإذا كان الفكر إنسانيا، فلا فضل لواحد على الآخر.
إن محمد أركون ما يزال يحاول بكل جدية أن يخترق النظم المعرفية التي يتبناها المسلمون على اختلاف أطيافهم، وعندما نقول (محمد أركون) فإنا لا نعني مجرد شخصه ، بل نقصد أيضا جميع ما يردفع من مؤسسات وتوجهات علمانية غربية وأمريكية وغيرها.... إن الاتجاه الذي يدعو إليه أركون اتجاه يراد له أن يكون السائد إلى الأبد....
ولذلك فإنه عندما يضرب المذهب السني بالشيعي أو أو المعتزلي، فإنه لا يريد أن يقول للناس إنني أفضل مذهبا على مذهب، بل غاية مايريده هو تطبيق مقولة السفسطائيين القدامى التي نقلها لنا السعد في شرحه على النسفية عندما نفوا الحق ونفوا أن يكون أمر من الأمور ثابتا على الحقية، فقالوا: اختلاف الناس في المسألة الواحدة يستلزم انعدام الحق بينهم ، فهم يستدلوا بالاختلاف على رفع الحق مطلقا من بين المختلفين، وهذا نوع من السفسطة.
وكثيرا ما كنت أقول إن الفلسفة الغربية ما هي إلا نوع متقدم أو مظهر متقدم من الفلسفة السوفسطائية، وكل ما نراه من أفكارهم يثبت ما نقوله.
لقد أضحكني أركون عندا صرح بكل جرأة إنه إنما يريد مساعدة العقل المسلم؟! ولكنه صادق فيما يقول: إنه يريد أن يساعد العقل المسلم على التخلي بقناعة عن الخيار الإسلامي.... إنه يقول بكل وضوح إنه يدعو إلى الانفتاح على الخيارات كلها بما فيها الأديان الوضعية، وهذا يعني بكل بساطة اعتبارها على مرتبة واحدة من الحقية....!

لقد قلت في نفسي عندما سمعته لا بدَّ أن أذكر بعض الأفكار التي أكتبها حاليا في بيان تهافت الفكر العلماني المعاصر، وقبل ذلك في الكشف عن حقيقته لأن العديد من الناس ما سزالون يجهلون حقيقته وعلامَ يعتمد، أي ما هي مقولاته...
إنا لا بدَّ أن نطبق عملية كشف وتحليل للعملية الفكرية التي يسبكها هؤلاء العلمانيون المخالفون لأصل الأديان، لا بدَّ أن عري منظومتهم المعرفية، وما يتحذلقون بتسميته بالإبيستمولجيا الخاصة بهم... فيكفي أن يطبقوا هذا المنهج التفكيكي على غيرهم، يكفي أن يظهروا أنفسهم للناس أنهم مجرد باحثين يستاءلون مجرد تساؤلات، وينسون أن التساؤل نفسه إذا انبعث من فلسفة اطر معرفية خاصة، فإنه يكون عقيدة خاصة.... إن الإنسان إذا اعتقد أن التساؤل والتشكك فيما أمامه هو الهدف والغاية، فإن الشكَّ يصبح مذهبا له... فيكون قد وقع في الأمر نفسه الذي يعزوه إلى ما يسميهم الدوغمائيين!!!
هذا بعض ما أردت أن أكتبه على عجل هنا، وإن كنت أنوي أن أنشر الكثير مما كتبته في مجال نقد هذا الاتجاه في وقته ندعو الله تعالى أن ييسره لنا قريبا، فإنني شارع بنقد العديد من الكتب التي توضح أسسهم، وأعمل على نقد مفهوماتهم وتعريتها بمنهج كلامي لا ربما يعلو على أذهانهم وعقولهم.....
وأدعو الله أن أكون قد لفتُّ الأنظار إلى بعض خطرهم في هذه العجالة.
والله الموفق.

هاني علي الرضا
13-01-2008, 00:47
كل عام وأنتم بخير شيخنا الفاضل

وبارك الله فيكم وجزاكم كل خير على جهودكم .

شاهدت اللقاء وقد ارتفع ضغط دمي حقيقة لما رأيت من تهافت وجهل يقابله في الكرسي المقابل شخص يبدو أنه لا يفهم أبجديات ما يتحدث عنه أركون وقد ضاع وتاه وغرق تماما في بحر الدهشة مما يستخدمه أركون من مصطلحات وجدل.

وقلت لنفسي : كم من العوام والجهلة وأنصاف المتعلمين سيفتن بهذه المقابلة والله المستعان !!

ويظهر لي أن عقيدة أركون ما هي إلا نسخة محسنة من الـ"لا أدرية" ، وهي مغلفة بمحسنات تجعلها أكثر قبولا لدى العوام من نحو إظهار الشفقة بالإسلام والمسلمين والإيحاء بأن الهدف من كل ما يفعله هو تحريك مياه العقل الراكدة في المجتمعات المسلمة بما يمهد لنهضة تنتظمها .

الرجل وجماعته لا يعترفون بثنائية (الحق - الباطل) فيما يخص المعتقدات ، وكل المعتقدات ليهم سواء : السماوي منها والوثني ، فالدين عنددهم ما هو إلا نتاج إنساني آخر مثله مثل الصناعة والزراعة والفكر والفلسفة ، فكما أن الطعام يسد حاجة بطن الإنسان والجنس يسد حاجة فرجه فكذلك الأديان والعقائد إنما هي اختراع بشري ليسد به الإنسان جوع عقله ونفسه - لا روحه إذ القوم لا يقرون إلا بالمادة المحسوسة - لتفسير المجهول وحاجته إلى إعطاء معنى لوجوده هو و للوجود كله حتى تستقر حياته ويتبعها استقرار المجتمعات كلها وانتظامها . إن الدين ما هو إلا سلعة ابتكرها العقل البشري ليعطي نفسه مسوغا لوجوده ووجود ما حوله ، وفي هذا السياق فإن كل الأديان تتساوى ولا يفضل أحدها الآخر إذ كلها تؤدي إلى ذات النتيجة والمنفعة ولا حق ولا باطل فيها إلا بقدر ما يؤمن المغفلون الحمقى من الناس بوجوده فيها ، وباعتبارها اختراعا بشريا فلا قداسة لها إلا في عقل المغفلين ، وهي بهذا الإعتبار البشري قابلة للتطوير والتغيير بل يجب أن تطور وتغير لتوائم وتواكب المرحلة وضرورياتها وحاجاتها بما يتماشى والتطور الإنساني الحضاري والعلمي والعقلي ، فدين القرن السابع الميلادي لا يوائم في بساطته تحديات القرون الوسطى والانفتاح المعرفي على الآخر في وسط المسلمين مثلا ، وهذا الأخير لا يوائم مكتشفات العلم الحديث وتطور المجتمعات الإنسانية نحو الليبرالية والفردية والإستهلاكية وغيرها من قيم العصرنة الحديثة . وهذا التطور والتغيير الذي ينشده أركون وجماعته لا يقف عند العمليات بل يمتد ليشمل ذات فكرة الإله في الأديان المختلفة وتصور أتباع كل دين لمعبودهم ، أي انه يمس أصول كل دين وعقائده ، فكل شيء في الأديان قابل وخاضع للتغير عندهم وفقا لحاجات المرحلة .

أركون يريد من الناس أن يتعاملوا مع الدين كما يتعاملون مع السيارات فيشتري كل ما يعجبه ويعتنق كل ما يوائمه ما دام يوصله إلى المبتغى في النهاية الذي هو سد تلك الحاجة في النفس البشرية التي تميل إلى فعل الخير وترتاح إن فعلته وتميل إلى إعطاء معنى للحياة ولكل شيء ، فهذه كلها عندهم مجرد حاجات عقلية نفسية لا بد من إشباعها لدى السذج بالدين ، أما الناس الأكثر ذكاء وفهما فيعرفون أن الأمر مجرد خدعة كبيرة وتجارة أخرى ، والدين بهذا الإعتبار قيمة إستهلاكية أخرى كما قلت ولا حقية له في نفسه أو فيما يبشر به من غيبيات وعوالم غير محسوسة وفي هذا إلغاء وكفر بالغيبيات تماما .

جزاكم الله خيرا سيدي الشيخ سعيد ، وننتظر ما تكتبون في ذا الشأن ببالغ الشوق .

ودمتم في رعاية الله .

سعيد فودة
13-01-2008, 00:48
هذا جزء من مقال يبين فيه الكاتب بعض الأفكار التي ينادي بها بعض العلمانيين في هذا العصر، وهم يدورون مع محمد أركون معصابته على المفاهيم نفسها التي يدعون إليها، ويبين صاحب المقال بعض الإشكالات التي يمكن أن تنشأ من وراء ذلك...
اسم كاتب المقال: أحمد إدريس الطعان-جامعة دمشق
http://www.procover.com.sa/index.cfm?method=home.con&contentid=7324

"أما مراد وهبة فالعلمانية بنظره هي الحل لمشكلة الشرق الأوسط في فلسطين ذلك أنه يعرف العلمانية بأنها "النظر إلى النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق"، ويعني بذلك سيادة النسبية على كافة المستويات، وإقصاء المطلقات من الوجود، لأنه لا وجود لحقيقة مطلقة، والقول بها مجرد خرافة، وسيادة المطلق يهدد السلام العالمي، لأنها ستدخل في صراع كما هو الحال بين المطلقات الثلاثة الإسلامي اليهودي والمسيحي، وليس من وسيلة لحل هذا الصراع إلا بالقضاء على المطلقات، ويتم ذلك بنفي "الدوجماطيقية"، أي نفي علم العقيدة، لأن مفهوم الحرب كامن في هذا العلم. لأن هذا العلم قائم على اليقين "واليقين لا يمكن أن يكون إلا مغلقاً، ولهذا فهو يؤول في المنتهى إلى الدوغمائية التي تُترجَم تعصباً وتحزباً وربما عنفاً وإرهاباً"، ومع أن هذا الكلام لا يرضي الناطقين باسم الغائب والمدافعين عن العقائد وحراس النصوص كما يقول الخطاب العلماني، إلا أنه يقرر ذلك ليؤكد على أن الصراع العربي الإسرائيلي في النهاية هو صراع مطلقات، والحل الوحيد في العلمانية لأنها المضاد الحيوي للأصوليات الدينية التي تغذي المطلقات وتتغذى منها، وعلى ذلك بدلاً من شعار "الإسلام هو الحل" تصبح "العلمانية هي الحل".


ولكن تجاهل مراد وهبة هنا أن العلمانية تصالحت مع الصهيونية واليهودية وبررت لهم وجودهم في فلسطين، وشرّعت لاستمرارهم فيها على حساب العرب والمسلمين الذين لم يربحوا شيئاً، ولم يحصلوا على شيء من علمانية مراد وهبة، إلا إذا كان مراد وهبة وأمثاله سيجيبون بأن الربح العربي يتمثل في النجاة من القنابل النووية الإسرائيلية، وهذا ما لا يحسب الأصوليون المسلمون حسابه، لأن الخوف من الموت لا يردعهم عن المطالبة بحقوقهم ولديهم من الآليات والوسائل "الإرهابية" ما يجعل إسرائيل تفقد صوابها.


بقي أن نتساءل: ألم تتحول علمانية مراد وهبة إلى مطلق هي أيضاً ينفي المطلقات الأخرى؟ فإذا قرر هو وشيعته أن "العلمانية هي الحل"، وقرر المسلمون بشكل مطلق أن "الإسلام هو الحل"، وقررت إسرائيل أن "التلمود هو الحل"، أفلا تدخل العلمانية هنا طرفاً جديداً فيما يسميه "صراع المطلقات"، وبالتالي فإن أية رؤية تُطرح على أنها الحل هي بنظر أصحابها مطلق على الآخرين أن يرضخوا لها، وهكذا فإنه لا خلاص من المطلق، ولا بد من مطلق واحد تذعن له كل الأطراف المعارضة.


ونتساءل مرة أخرى: هل حربنا مع إسرائيل هي حرب مطلقات؟ في الواقع لا، لأننا نحن لا نحارب إسرائيل لندخلها في مطلقنا الإسلامي، وإسرائيل لا تحاربنا لتدخلنا في مطلقها اليهودي، نحن نريد أن نستعيد أراضينا المغتصبة –في إطار وعود ومؤامرات دبرت– على مرأى ومسمع من كل العالم، ونريد أن يعود الشعب المشرد الطريد في كل بقاع العالم إلى أرضه ودياره، ويريد الشعب المضطهد المقموع أن يتخلص من الاضطهاد والقمع، ويتمتع بحريته وكرامته واستقلاله، فأين المطلقات في هذا الصراع؟ وإذا كانت حربنا مع إسرائيل حرب مطلقات، فإن هذا يعني أنه لا يوجد خلاف بين شخصين في محكمة إلا ويمكن تسميته أيضاً "صراع مطلقات"، وأن الإنسان الذي يأتي ليغتصب منزل مراد وهبة أو يعتدي على أسرته أو حتى على حياته، على مراد وهبة ألا يدافع عن نفسه -طبقاً لعلمانيته أو لنسبيته- حتى لا يدخل في صراع المطلقات. "

فمقاصدهم واحدة كما ترون وهي عبارة عن حرب موجهة ...ذات أهداف معروفة بأدنى نظر....

سعيد فودة
13-01-2008, 00:54
بوركت وسلمت يا هاني، فقد والله توقعتُ أن تكونَ أنتَ أولَ من يكتب تعليقا على ما أوردته من ملاحظات، وصدق حدسي....!

محمد محمود المؤيد
13-01-2008, 13:00
أركون ومن على شاكلته يدعون الى الغوغائية والغثائية والاتحديد واللاحق وترك الثوابت والأخذ برأي كل عالم ليفروا من الانضباط ، فهم دعاة تحرر مطلق من خلال الاسلام وعلومه .
والأخذ بالمطق ودون تحديد طريقة جماعة من الحقوقيين الجهلة الذين يظنزن أنهم درسوا الشريعة ، والحق أنهم ما درسوها ولكن درسوا كيف تكون هلاميا غير منضبط .

محمد عوض عبد الله
13-01-2008, 20:40
غذا ان شاء الله سيكون لنا تعليق ...

نسال الله العافية في الدنيا والاخرة ..

محمد عوض عبد الله
15-01-2008, 19:13
ان اركون وغيره يعتبر نفسه من العقلانيون الجدد ، هذه المدرسة التي تخرج منها العديد من عملاء الفكر الغربي ، الذي يتبنى العلمانية من جهة .. لكنه يخشى التصريح بتمبنيها لانه يعيش وسط بلاد اسلامية ، ترى في الاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة ، وتؤمن بالله ...
ويسير على شاكلته محمد سعيد عشماوي ، خليل عبد الكريم ، ولحق بهم جمال البنا ،وغيره ..
وهذه العلمانية هي امتداد لفلسفة الفكر الاغريقي على وجه الخصوص .! لانه لم يزعم الحكماء البارزون في الحضارات الاخرى انهم قد اعتمدوا على عقولهم فقط .
او على الناتج العقلي بوجه عام ..فلم يزعم زرادشت في فارس او جوتاما بوذا في الهند او كونفوشيوس في الصين انهم ياتون بحكمتهم من خلال الناتج الفكري للعقل وخبراته ...!

ويلحق بهم السوفسطائيون ، الذين بظهورهم بداتالملامح الاولى للمفاهيم البرجماتية ، فالانسان عندهم مقياس كل الاشياء جميعا ، كما قال يروناغوراس اهم فلاسفتهم ...

وفي تلخيص لمذاهبهم قال المسيري: لقد انكر السوفسطائيون اي حقيقة كلية نهائية متجاوزة لحواسنا ، فلا توجد ما يسمى " روح العالمة " او " العقل الكلي" خلف الظواهر المتغيرة ، والتي ندركها من خلال حواسنا ...

-اما بالنسبة الى تاريخية الاحكام التي يكررها اركون والعلمانيين امثاله ، فهم لا يطبقون هذا الكلام العبادات ، انما يقولون بها في احكام المعاملات ..وهم يخطئون اذا ظنوا ان هناك حاجة اليها في احكام المعاملات التي جاء بها القران الكريم .. ذلك ان القران الكريم -في المعاملات - قد وقف عند فلسفة وكليات وقواعد ونظريات التشريع ، اكثر مما فصل في تشريع المعاملات .. فهو قد فصل في الامور الوثوابت ، التي لاتتغير بتغير الزمان والمكان ، مثل منظومة الاخلاق والقيم والقواعد الشرعية التي تستنبط منها الاحكام التفصيلية ، والحدود المتعلقة بالحفاظ على المقاصد الكلية للشريعة .. وترك تفصيل احكام المعاملات لعلم الفقه ، الذي هو اجتهخاد محكوم بثوابت الشريعة الالهية..
وذلك حتى يظل فقه المعاملات - متطورا دائما وابدا ، عبر الزمان والمكان ليوكب العصر ...

- اما يالنسبة للعقل الذي يحاول ان يطلق العنان له اركون وغيره .. فنظرة الاسلام انها لا تلغي العقل بل تجعله نور يرى به ، فتاخذ بقطعياته ..ولا تدخله فيما ليس بمكانه .

ومن بين علماء الاسلام العظام الذين عبروا عن مكانة العقل في الاسلام ، حجة الاسلام ابي حامد الغزالي "عندما قال : ان اهل السنة قد تحققوا ان لا معاندة بين الشرع النقول والحق المعقول ، وعرفوا ان من ظن وجوب الجمود على التقليد واتباع الظواهر ، ما اتوا به الا من ضعف العقول وقلة البصائر . وان من تغلغل في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع ، ما اتوا به الا من خبث الضمائر. فميل اولئك الى التفريط ، وميل هؤلاء الى الافراط ، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط .. فمثال العقل البصر السليم عن الافات والاذاء ، مثال القران : الشمس المنتشرة الضياء ، فاخلق ان يكون طالب الاهتداء المستغني اذا استغنى باحدهما عن الاخر في غمار الاغبياء ، فلا فرق بينه وبين العميان ، فالعقل مع النقل نور على نور ...


وسنكمل عن موضوع فلسطين الذي يدعون العلمانيون ، ان الحل لفلسطين بالعلمانية ..!!؟

سعيد فودة
18-02-2008, 16:30
محمد أركون
الباطنية الجديدة

ذكر الباحث الدكتور محمد محمد يونس علي، صاحب كتاب علم التخاطب الإسلامي، هناك منهجين في دراسة ‏النص
الأول المنهج الباطني، يتجاوز أصحابه عنصر "القصد" أو "المراد" من الخطاب. ‏
والثاني المنهج البراغماتي، وهؤلاء يجعلون من مراد المتكلم محوراً للدراسة، ويقوم على فكرة مبادئ التعاون ‏التي تعني أن للمتخاطبين مصالح مشتركة في حصول التفاهم بينهما، وهو ما يؤول إلى القول بوجود أصول ‏للتخاطب، منها مثلاً تلك التي صاغها بول غرايس ‏Paul Grice‏ في براغماتيته المشهورة كمبدأ الكم، ومبدأ ‏الكيف، ومبدأ صدق المتكلم ، ومبدأ الأسلوب، ومبدأ المناسبة. ‏
ومنها تلك التي عرفها الأصوليون كمبدأ صدق المتكلم، ومبدأ الاستصحاب، ونحو ذلك، فضلا عن الأصول ‏التخاطبية التي تصف طبيعة الخطاب المثالي، كأصل الحقيقة وأصل الترتيب وعدم الاشتراك وغيرها. ‏
وأما المنهج الباطني الذي نجد له جذوراً في التاريخ الإسلامي عند الفرق الباطنية وبعض الطوائف الصوفية، ‏والمذاهب الغنوصية، وسار على دربه (في إطار ما يمكن تسميته بالباطنية الجديدة ثلة من المحدثين يتزعمهم ‏علي حرب، ومحمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، مع تفاوت بينهم في مدى التمسك بهذا المنهخج، فيقوم على ‏مبادئ مغايرة تماما لمبادئ المنهج البراغماتي، مثل مبدأ الحجب، ومبدأ الشك، ومبدأ المخاتلة، وهي مبادئ تقوم ‏في مجملها على فكرة أن المتكلم لا يقول الحقيقة بل هو مخادع مضلل، وهذا المنهج وإن صلح لدراسة النصوص ‏الأدبية المستغلقة وما شابهها من الفنون، فلا أظن أنه يصلح لدراسة النصوص الدينية والقانونية ونحوها مما ‏ينتمي إلى المقاصدية. ‏

محمد عوض عبد الله
13-05-2008, 09:50
استكمال لموضوع العلمانيين الذين ينظرون الى الصراع على فلسطين انه ليس صراع اسلامي وحضاري، بل له توصيفات اخرى انزلوها من عند انفسهم ..
فهذا مقال كبير للدكتور محمد عمارة عن الموضوع يدحض ارائهم وافكارهم ..


(1)



في البداية لابد من تحديد المخاطب بهذه الصفحات التي تتحدث عن "الطبيعة الإسلامية للصراع حول مدينة القدس" تحديداً... وحول فلسطين بوجه عام.

فالخطاب حول إسلامية القدس... وإسلامية الصراع عليها بيننا وبين الصهيونية، وكيانها ومسانديها، ليس توجهاً إلى "الذات" ذات الذين يؤمنون بإسلامية القدس، وإسلامية الصراع حولها. وإلا كان الأمر تحصيلاً للحاصل، لا يستحق عناء الخطاب.

وإنما الخطاب هنا موجه - بالحوار - إلى الذين ينكرون إسلامية القدس، وإسلامية قضيتها ومشكلتها، وإسلامية الصراع حولها، وإسلامية آليات تحريرها من الأسر "الصهيوني- الإمبريالي"... أولئك الذين يعترضون على أسلمة هذا الصراع القائم حولها، ويريدون إما الوقوف بطبيعة هذا الصراع عند "الدائرة الوطنية الفلسطينية" باعتبار القدس مجرد أرض فلسطينية، وعاصمة للدولة الفلسطينية. أو الوقوف بتوصيف هذا الصراع عند "الدائرة القومية العربية" باعتبار المشروع الصهيوني مشروعاً قومياً يهودياً، يقوم التناقض بينه وبين المشروع القومي العربي... ومن ثم، فالقدس قضية عربية بالمعنى القومي والصراع حولها قومي عربي فقط.

أي إن الخطاب -في هذه الصفحات- موجه إلى الذين يريدون "علمنة" هذا الصراع، وتجريده من الطبيعة الإسلامية - العقيدية والفكرية والحضارية - ويحذرون من "أسلميته" التي يرون فيها مخاطر و محاذير تضر بموقفنا وتحالفنا في هذا الصراع. لذلك، وجب البدء بتحديد "طبيعة المشكلة " التي تحدد - بدورها - طبيعة الصراع، ومن ثم طبيعة آليات الحل، انتهاء بالمقاصد المبتغاة من تحرير هذه المدينة، التي تمثل البؤرة الأكثر تعقيداً في هذا الصراع.

إن مشكلتنا لم ولن تكون مع "اليهودية" التي جاء بها موسى -عليه السلام- فنحن المسلمين نؤمن باليهودية رسالة سماوية من رسالات السماء، بل لا يكتمل إيمان المسلم إلا إذا آمن باليهودية كمعلم من معالم طريق الدين الإلهي الواحد، وشريعة متميزة لـ"بني إسرائيل".

ومشكلتنا ليست مع "توراة" موسى -عليه السلام- فقرآننا الكريم يعلمنا أنها تنزيل إلهي، فيها هدي ونور ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى و نور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) المائدة 44. ومشكلتنا ليست مع "الإنسان اليهودي" فحضارتنا الإسلامية هي التي جعلت من تعددية الشرائع والملل والشعوب والقبائل والأمم والأجناس والألوان والألسنة واللغات والقوميات والمناهج والثقافات والحضارات سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل... ووضعت هذه السنة الإلهية في الممارسة والتطبيق قروناً طوالاً، تمتع فيها اليهود بكنف الحضارة الإسلامية وأحضانها كما لم يحدث لهم في أي وطن من الأوطان أو حضارة من الحضارات فأثروا وتأثروا وفتحت أمامهم كل ميادين التفاعل الحضاري، حتى غدت فلسفتهم فرعاً من الفلسفة الإسلامية، ولاهوتهم غدا متأثراً بعلم الكلام الإسلامي، وعروض شعرهم متأثراً بعروض الشعر العربي، وأجرومية عبريتهم متأثرة بأجرومية العربية فاستظلوا، لأكثر من عشرة قرون، بمظلة التعددية، في إطار الأمة الواحدة، و حراسة المبدأ الإسلامي "لهم مالنا وعليهم ما علينا"... الذي لم تصل إلى مستوى سموه حضارة من الحضارات الأخرى حتى الآن.

مشكلتنا ليست مع اليهودية الدين... ولا مع التوراة وشريعتها... ولا مع اليهود... وإنما مشكلتنا هي مع "الصورة التلمودية اليهودية" تلك التي نسخت ومسحت توحيد اليهودية، فحولته إلى وثنية أحلت "يهوه" محل الله، ثم جعلته إلها لـ"بني إسرائيل" وحدهم، دون الشعوب الأخرى التي لها آلهتها المغايرة والمتعددة.

ومشكلتنا هي مع "اليهودية - الصهيونية" التي جردت اليهودية من "عموم الدين" وجعلتها ذروة "العنصرية" عندما عرفت اليهودي بأنه: هو المولود من أم يهودية... وليس المتدين حقاً باليهودية الحقة... فأصبح المولود من أم يهودية - بحكم وحق "الولادة - البيولوجية" - "من شعب الله المختار"، حتى لو كان ملحداً، أو ابن زنا...

ومشكلتنا - كذلك - هي مع "المشروع الصهيوني" الذي تبنى - أو استثمر - عنصرية "اليهودية التلمودية" ووظف إمكانات الجماعات اليهودية في الشراكة التي دعت إليها الإمبريالية الغربية في مرحلة زحفها الاستعماري الحديث على وطن العروبة وعالم الإسلام... لأن هذا المشروع الصهيوني، ذو طبيعة استيطانية، تتناقض وتنفي الوجود الوطني والعربي والإسلامي في فلسطين وما حولها، وذو وظيفة إمبريالية غربية تجعل من الكيان الصهيوني جسماً غربياً وغريباً مزروعاً بالقسر في قلب وطن أمتنا يقطع وحدة أرضها، ويجهض محاولات نهوضها ويتصدى بالعداء لصيغته سواء أكانت قومية تلك الصيغة أم إسلامية.

فنحن إزاء "مشروع استيطاني" غربي النشأة والطبيعة والمقاصد تبلور -أول ما تبلور- في "اللاهوت البروتستانتي" الغربي انطلاقاً من الفكر الأسطوري حول "رؤيا يوحنا" وعودة المسيح -عليه السلام- ليحكم الأرض ألف سنة سعيدة، بعد معركة "هرمجدون تجدون" الذي جعل من جمع اليهود و حشرهم في فلسطين، وتهديم القدس وإقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى أي جعل من تحقيق العلو والهيمنة الصهيونية ديناً يتدين به البروتستانت في الغرب... ثم حدث التبشير بهذا المشروع الديني بين الجماعات اليهودية... فتلقفته - الصهيونية كحركة قومية عنصرية - والإمبريالية الغربية إبان زحفها على الشرق الإسلامي، وبحثها عن أقليات توظفها - كمواطئ أقدام - في المشرع الاستعماري... فاجتمعت في هذا المشروع الصهيوني عناصر متعددة... ومركبة منها:


* البعد الديني في لاهوت النصرانية الغربية... وهو الذي بدأ بروتستانتياً، ثم مارس الابتزاز والتأثير على الكنيسة الكاثوليكية الغربية، حتى جعلها تشرع في "تهويد نصرانيتها" بدلاً من تحقيق الاعتراف اليهودي بالمسيحية... فهي -الآن- تسعى لتجعل) يهوه إلههاً، وتتحدث عن "دمج المسيح في "إسرائيل" "وتعدّل، ليس فقط "الفكر المسيحي" وإنما في "الأناجيل والصلوات" لتصل إلى طلب "الغفران" من اليهود، بعد أن ظلت قروناً طويلة تبيع لأتباعها صكوك الغفران" بل إن هذا البعد الديني -في الفكر الغربي- للصراع حول القدس، لم يكن وقفاً على لاهوت الكنائس الغربية وإنما تعداه إلى الأيديولوجيات التي حركت جيوش الحكومات الغربية "العلمانية".

- فمثال السياسي الإنجليزي "سيكس" الذي عقد مع نظيره الفرنسي "بيكو" المعاهدة السرية الشهيرة التي مزقت أوصال المشرق العربي عام 1916م -تمثال هذا السياسي- في قريته "سلديرة، في مقاطعة "يورك شاير" مكتوب عليه: "ابتهجي يا قدس".

- فتمزيق أوصال الوطن العربي - من قبل الاستعمار "العلماني" ، هدفه: القدس...

- والجنرال الإنجليزي "اللنبي" عندما يدخل سنة 1917م على رأس جيشه الاستعماري - يتقمص صورة بابوات الحروب الصليبية، ويعبر عن أحلام الملك الصليبي "ريتشارد قلب الأسد" فيقول "اللبني" اليوم انتهت الحروب الصليبية! يومئذ نشرت مجلة "بنش" Punch الإنجليزية رسماً "كاريكاتورياً" لريتشارد قلب الأسد، وهو يقول "أخيراً تحقق حلمي" ! وذلك تحت عنوان: "آخر حملة صليبية"...

أما الجنرال الفرنسي "جورو" - الذي يرفع راية العلمانية الفرنسية المتطرفة - فهو الذي يذهب عند دخوله دمشق 1920م - إلى قبر صلاح الدين الأيوبي ليركله بحذائه، ويقول "ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين"!

فالبعد الديني لهذا الصراع -حول القدس- قائم وحي ومتأجج في الفكر الغربي -اللاهوتي منه والعلماني- التاريخي منه والحديث... والمعاصر لنا حتى هذه الأيام.

كذلك - نواجه - في الطبيعة المركبة لهذا المشروع الصهيوني:


* البعد الإمبريالي الغربي، الذي يوظف الصهيونية في خدمة هيمنته -الاستعمارية والحضارية- على وطن العروبة وعالم الإسلام.

* البعد العنصري اليهودي الذي تغذيه القومية الصهيونية التي استثمرت وتستثمر كل ألوان التعصب والأحقاد التي طفحت بها أسفار "التلمود" ضد الأغيار" ! وهي التي كشف القرآن الكريم حقائقها عندما قال: (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) آل عمران 75-.


فالمشكلة التي نواجهها طابعها ديني لاهوتي... بدأ في البروتستانتية الغربية وها هو يزحف ليضم لها الكاثوليكية الغربية... لتتلقفه الحركة الصهيونية، التي دعمته "باليهودية التلمودية" لتوظف الجماعات اليهودية - بالتلمود - في خدمة هذه الشراكة في المشروع الإمبريالي الغربي، ضد وطن العروبة وعالم الإسلام.

(2)



بسبب الطبيعة المركبة -لهذه المشكلة، وهذا الصراع- مشكلة الصراع حول القدس وفلسطين ـ عمل ويعمل في خدمة الأعداء: لاهوتيون... وملاحدة: ومتدينون وعلمانيون... ووضعيون ودهريون ومن ينتظرون عودة المسيح... وأيضاً أعداء اليهود ما يسمى بالسامية، يريدون تهجيرهم من المجتمعات الغربية إلى أرض فلسطين، لتوطينهم في هذا المشروع الاستعماري!.

وهذه الطبيعة المركبة للمشروع الصهيوني، هي التي جمعت بين "بونابرت" (1769 - 1821 م). وهو وضعي دهري ـ عندما ارتاد ميدان الدعوة إلى هذه الشراكة " الإمبريالية - اليهودية"، بندائه إلى يهود العالم كي يساعدوه على بناء إمبراطوريته الاستعمارية في الشرق لقاء "إعادتهم" إلى أرض فلسطين!... فكتب - وهو يحاصر مدينة "عكا" سنة 1799م:

"أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد... إن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل... يا ورثة فلسطين الشرعيين: إن الأمة الفرنسية... تدعوكم إلى إرثكم، بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء.



جمعت هذه الطبيعة المركبة لهذا المشروع، بين "بونابرت" –الدهري- وبين الكنائس البروتستانتية الغربية، التي رأت في حشر اليهود إلى فلسطين، وتهويد القدس، وإقامة الهيكل على أنقاض الأقصى، وإبادة العرب والمسلمين في معركة "هرمجدون"، السبيل إلى عودة المسيح ليحكم العالم ألف سنة سعيدة. وبين الكاثوليكية، التي عقدت مع الكيان الصهيوني معاهدة الاعتراف بالأمر الواقع - أي اغتصاب فلسطين والقدس - في 31/12/1993 م ، وتحدثت في مقدمتها عن "العلاقة الفريدة بين الكاثوليكية والشعب اليهودي".



حتى البابا يوحنا بولس الثاني تحدث عن القدس - بمناسبة "سنة الفداء" في 20/4/1984م - فقال: "منذ عهد داود الذي جعل أورشليم عاصمة لمملكته، ومن بعده ابنه سليمان، الذي أقام الهيكل، ظلت أورشليم موضع الحب العميق في وجدان اليهود، الذين لم ينسوا ذكرها على مر الأيام، وظلت قلوبهم عالقة بها كل يوم، وهم يرون المدينة شعاراً لوطنهم".



وبين الكونجرس الأمريكي، الذي قرر في -1995م- نقل السفارة الأمريكية من "تل أبيب" إلى "القدس" ... وردد، في مقدمة هذا القرار المعنى نفسه الذي تحدث عنه بابا الفاتيكان "إن القدس هي الوطن الروحي لليهودية". مع أن القدس لم تعرف في تاريخها -ولم يعرفها- بنو اليهودية... ولا نزلت فيها توراتها... وداود وسليمان - اللذان عاشا فيها لمحة من التاريخ - هما، في عرف اليهودية، ملكان، وليسا رسولين ولا نبيين لليهودية...

فمن أين... ومتى... وكيف كانت أو تكون "الوطن الروحي لليهودية"...



لقد أضفي الغرب الاستعماري على هذا المشروع الصهيوني طابعاً دينياً... وجعله ضمن مكونات البعد الديني في الحضارة الغربية... وعلى هذا الدرب سارت الحركة القومية الصهيونية، حتى الفصائل العلمانية والمادية منها، فتحدث الجميع عن أسطورة وعد الله بأرض فلسطين لنسل - إبراهيم الخليل - عليه السلام... ثم احتكروا - بالاغتصاب - ميراث إبراهيم، دون الغالبية من نسله - العرب والمسلمين - ... وتحدثوا جميعاً - متدينين وعلمانيين - عن أرض التوراة، والوطن التوراتي... ورفضوا كل البدائل التي عرضت عليهم لإقامة وطن تُحَلُّ فيه "المشكلة اليهودية" - في أوغندا... أو كينيا... أو كندا... أو أستراليا... أو حتى في سيناء.



بل إن الصهاينة العلمانيين، حتى هذه اللحظة، يطبقون العقوبات التوراتية ضد المجاهدين من أبناء فلسطين: - الإبادة... وإهلاك الحرث والنسل... ومنافذ المنازل... وهدم البيوت.



وكما وضح البعد الديني والطبيعة الدينية للمشروع الصهيوني - الذي نواجهه في القدس منذ سنوات - فإن المقاصد الدينية لهذا المشروع معلنة هي الأخرى، وليست حديث مؤامرة، ولا أثراً لأشباح "المنهاج التآمري" على بعض العقول... فالوظيفة الصهيونية تصل آفاتها واختصاصاتها إلى الإسلام ويقظته، والأمة الإسلامية وعالمها، ولا تقف عند حدود الوطن الفلسطيني، ولا عرب ما بين الخليج والمحيط...



فإيران - وهي ليست عربية - فليست خارج المخطط الصهيوني ... إذ عندما كان يحكمها الشاه كانت ركيزة للصهيونية... وهي في ظل النظام الإسلامي في مقدمة أعداء الصهيونية...



وتركيا وهي ليست عربية - يعلن رئيس وزراء الكيان الصهيوني إبان الانتخابات التي تقدم فيها حزب "الرفاه" ـ فيقول: "نحن منزعجون لتقدم حزب "الرفاه"، نحن حريصون على بقاء تركيا علمانية".



ومن على منابر البرلمانات الأوربية، يعلن رئيس دولة الكيان الصهيوني: "إن "إسرائيل" تصدت في الماضي لخطر الشيوعية والاتحاد السوفيتي، وإن لها دوراً في المستقبل، بعد زوال الاتحاد السوفيتي، وهو التصدي لخطر الأصولية الإسلامية على نطاق منطقة الشرق الأوسط كلها... وإن العالم يجهل الخطر "الأكبر الذي يهدده، وهو الأصولية الإسلامية".

بل إن المشروعات الصهيونية لتفتيت حتى الكيانات القطرية لأمتنا - منذ عقد الأربعينيات من القرن العشرين - لا تقف عند العمل على تفتيت الوطن العربي وحده، و إنما ترسم وتسعى لتفتيت سائر الدول الإسلامية، من باكستان حتى المغرب...



فخطة المستشرق الصهيوني "برنارد لويس" تتحدث عن ضرورة تفتيت العالم الإسلامي بأسره إلى ذرات طائفية وعرقية و"اثنية" في باكستان وإيران والعراق وسوريا ولبنان وشبه الجزيرة العربية ومصر والسودان والجزائر والمغرب... الخ وذلك - كما يقول -: "حتى يكون كل كيان من هذه الكيانات أضعف من "إسرائيل"، فتضمن تفوقها لمدة نصف قرن على الأقل"...



والآفاق نفسها، والاستراتيجية ذاتها يتحدث عنها "آرييل شارون" في محاضرته - 18 ديسمبر عام 1981م عندما يرى العالم الإسلامي - وليس العربي فقط - هو المجال الحيوي لـ"إسرائيل"، الذي لابد من أن تطاله ذراعها الطويلة... فيقول: "إن "إسرائيل" تصل بمجالها الحيوي إلى أطراف الاتحاد السوفيتي شمالاً، والصين شرقاً وإفريقيا الوسطى جنوباً، والمغرب العربي غرباً - (أي العالم الإسلامي كله) - فهذا المجال عبارة عن مجموعات قومية واثنية ومذهبية متناحرة... وفي العام التالي لمحاضرة "شارون" - 14 فبراير سنة 1982 م - تنشر المنظمة الصهيونية - في مجلتها "كيفو نيم" kivunim " ذات المخطط لتفتيت كل العالم الإسلامي، تحت عنوان: "استراتيجية "إسرائيل" في الثمانينيات"... وفيها نقرأ:

محمد عوض عبد الله
13-05-2008, 09:55
إن صورة الوضع (القومية - الاثنية - الطائفية) من المغرب حتى الهند، ومن الصومال حتى تركيا، تشهد على انعدام الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة المحيطة بنا... إن دولاً مثل ليبيا والسودان والدول الأبعد منهما لن تبقى على صورتها الحالية، بل ستقتفي أثر مصر في انهيارها وتفتتها، فمتى تفتت مصر تفتت الباقون... إن رؤية دولة قبطية مسيحية في صعيد مصر، إلى جانب عدد من الدول ذات سلطة أقلية - مصرية، لا سلطة مركزية كما هو الوضع الآن، هي مفتاح هذا التطور التاريخي... وإن تفتت لبنان بصورة مطلقة إلى خمس مقاطعات إقليمية هو سابقة للعالم العربي بأسره، بما في ذلك مصر وسوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية... وإن تفتت سوريا والعراق لاحقاً إلى مناطق ذات خصوصية اثنية ودينية، على غرار لبنان، هو هدف من الدرجة الأولى بالنسبة لإسرائيل... وسوف تتفتت سوريا... بحيث تقوم على ساحلها دولة علوية - شيعية، وفي منطقة حلب دولة سنية، وفي منطقة دمشق دولة سنية أخرى معادية للدولة الشمالية، والدروز ربما سيشكلون دولة أيضاً في الجولان...



وطبعاً في حوران وشمال الأردن وستكون هذه ضمانة الأمن والسلام في المنطقة بأسرها في المدى الطويل... وإن تفتيت العراق هو أكثر أهمية من تفتيت سوريا... فالعراق أقوى من سوريا، وقوته تشكل في المدى القصير خطراً على "إسرائيل" أكثر من أي خطر آخر... وفيه سوف يكون التقسيم الإقليمي والطائفي متاحاً... فتقوم ثلاث دول (أو أكثر) حول المدن العراقية الرئيسة: البصرة، وبغداد، والموصل، وتنفصل مناطق شيعية في الجنوب عن الشمال السني والكردي بأكثريته.

وكذلك فإن الأردن هدف استراتيجي في المدى القصير... وليس هناك أي إمكان بأن يبقى الأردن قائماً على صورته وبنيته الحاليتين في المدى الطويل، وينبغي أن تؤدي سياسة "إسرائيل" - حرباً أو سلماً - إلى تصفية الأردن بنطاقه الحالي... لتصفية مشكلة المناطق الآهلة بالعرب غرب النهر، حرباً أو سلماً...



"تلك سطور من مخطط" استراتيجية "إسرائيل" في الثمانينيات"... وهو المخطط الذي يعلق الصهاينة على تنفيذه تحقيق الأمن الحقيقي للكيان الصهيوني على أرض فلسطين.



(3)



لقد أعلنت المنظمة الصهيونية -في ثمانينيات القرن العشرين- أن تفكيك وطن العروبة وعالم الإسلام هو الشرط الضروري لتحقيق أمن "إسرائيل"... وجاء في وثيقة استراتيجيتها - بالحرف الواحد:



"فإنه - في العصر النووي - لا يمكن بقاء "إسرائيل" إلا بمثل هذا التفكيك، ويجب من الآن فصاعداً بعثرة السكان وهذا دافع استراتيجي، فإذا لم يحدث ذلك، فليس باستطاعتنا البقاء مهما كانت الحدود! وهذا الهدف - الذي عبرت عنه استراتيجية الثمانينيات - هو الذي عبر عنه "برنارد لويس" في الأربعينيات عندما قال: "حتى يكون كل كيان من هذه الكيانات أضعف من "إسرائيل" فتضمن تفوقها لمدة نصف قرن على الأقل"!



وحول المخطط ذاته لتفتيت العالم الإسلامي عقدت ندوة متخصصة - في التسعينيات- في 20 مايو 1992م دعا إليها "مركز بارايلان للأبحاث الاستراتيجية "تابع "لجامعة بارايلان" الإسرائيلية شارك فيها "مركز الأبحاث السياسية" التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية - و"مركز ديان" التابع لجامعة تل أبيب - ... وغطت أبحاث هذه الندوة الموقف الإسرائيلي من الأقليات القومية والدينية في العالم الإسلامي لتخلص إلى "أن هذه الأقليات هي شريكة لـ"إسرائيل" في المصير، ولابد من أن تقف مع "إسرائيل" في مواجهة ضغط الإسلام والقومية العربية... ذلك أن أية طائفة أو جماعة تواجه ضغط الإسلام والقومية العربية (العدو الأول للشعب اليهودي) أو تبدي استعداداً لمحاربتها أو مقاومتها، هي حليف وقوة لنا لتنفيذ سياسة الاستيطان والدولة التي مازالت في مرحلة التكوين"! فالدولة التوراتية ترى الإسلام والقومية العربية العدو الأول للشعب اليهودي... وترى أمنها مشروطاً ومرهوناً بتفتيت دار الإسلام وعالم القرآن.



يقرر ذلك "برنارد لويس" في الأربعينيات... و"أرييل شارون والمنظمة الصهيونية في الثمانينيات. والمراكز الاستراتيجية المتخصصة - في التسعينيات... أي حتى بعد الدخول مع العرب في "السلام" والتسويات و"التطبيع"!. -



فالهدف بعبارة "برنارد لويس" هو: "تحويل العالم الإسلامي إلى مجتمعات فسيفسائية"، أو مجتمعات الموزاييك Mosaic Society ... وهو ما بدأ تنفيذه "بن جوريون" و"موسى شاريت" و"موشي ديان" - في لبنان - منذ عقد الخمسينيات - عندما أعلن "موسى شاريت " - في مذكراته "أن تحريك الأقليات هو عمل إيجابي ينتج آثاراً تدميرية على المجتمع المستقر... ويذكي النار في مشاعر الأقليات المسيحية في المنطقة، ويوجهها نحو المطالبة بالاستقلال"!. -



فالمواجهة الصهيونية - بسبب البعد الديني لمشروعها... وبسبب الأفق الكوني لشراكتها مع الامبريالية الغربية - لا تقف عند الوطنية الفلسطينية، ولا حتى القومية العربية، وإنما ترى عالم الإسلام "مجالها الحيوي" الذي تمتد إليه ذراعها الطويلة.! " فالكانتونات" التي تريدها للشعب الفلسطيني، والوطن الفلسطيني هي ما تريده لكل ديار الإسلام.

مجتمعات الموزاييك



فإذا كانت المواجهة مع الإسلام وأمته وعالمه وحضارته... فهل يجوز لعاقل أن يسقط البعد الإسلامي والإمكانات الإسلامية من حسابنا وعدتنا في هذا الصراع؟



هل نواجه هذا الحلف "العنصري - التوراتي - اللاهوتي الغربي - الإمبريالي" بإمكانات الوطنية الفلسطينية وملايينها الثمانية فقط؟ أم بالدائرة القومية العربية وحدها، وهي أقلية إسلامية - لا تتعدى ملايينها الـ235 مليوناً؟-. أم ندعم هاتين الدائرتين بالمحيط الإسلامي، وفيه - عدا الإمكانات المادية والعمق الاستراتيجي أمة يزيد تعدادها على المليار وثلث المليار- 1.384.800 مليوناً (أي 24 % من سكان العالم) ؟.



وإذا كنا نسعى -فلسطينيين وعرباً- إلى كسب وحشد وتوظيف دوائر: "عدم الانحياز"... و"إفريقيا"... بل كل الإمكانات في الدائرة الإنسانية فهل نسقط الدائرة الإسلامية من حساباتنا في هذا الصراع ؟ وإذا كان العدو قد أعطى لعقيدته القتالية -في هذا الصراع - بعداً دينياً... فهل نسقط نحن طاقات العقيدة الإسلامية - في الفداء... والجهاد... والاستشهاد من عقيدتنا القتالية والصراعية؟.



فنتجاهل - مثلاً - معنى ورود الرباط القرآني الذي جمع بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، جاعلاً من هذا الرباط آية من آيات الله، وعقيدة من عقائد الإيمان - وليس مجرد امتداد للأرض والتراب-؟ (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير)- الإسراء.



إن هذا الرباط الإلهي لا يجعل المسجد الأقصى - وما حوله في القدس وفلسطين - مجرد أرض... ولا حتى مجرد مسجد... بل هو شرط من شروط وحدة وكمال واكتمال الدين الإلهي الواحد، عندما ترتبط قبلة أمة خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام - التي رفع قواعدها إبراهيم - أبو الأنبياء - عليه السلام - بقبلة النبوات السابقة ومواريث الرسالات التي خلت... فتنتظم كل مواريث النبوات بهذا الرباط في عقد إيماني واحد... وهذا هو المعنى الذي جعل القدس... في العقيدة الإسلامية - وليس في الوطنية أو القومية - أولى القبلتين، وثالث الحرمين... وإليها مع الحرم المكي والحرم المدني تشد الرحال دون كل بقاع الكوكب الذي عليه نعيش إنها حرم... وليست مجرد أرض متنازع عليها، أو تتفاوض فيه وطن أو قومية... ولذلك، هي وقف على الأمة بالمعنى العقدي القومي فقط - لأن المالك الحقيقي للحرم هو خالقه... والأمة فيه بمنزلة الخليقة والنائب والوكيل المؤتمن على أمانة الله التي أودعها لدى الأمة الراشد الثاني عمر بن الخطاب..



ولهذه... الحقيقة ولهذا المعنى لم يتحدث صلاح الدين الأيوبي ( 532- 589 هـ 1137- 1193م) عن القدس بأنها مجرد أرض مغتصبة لأنها في عقيدته القتالية كانت حرماً مقدساً... "من القدس عرج نبينا إلى السماء وفي القدس تجتمع الملائكة" وحقوقنا فيها إسلامية وليست فقط وطنية أو قومية.



لكن... ماذا تعني "إسلامية هذا الصراع"؟..

- هل يعنى إسقاط - أو حتى تهميش - البعد الوطني الفلسطيني، وإهمال طاقاته وإمكانياته في هذا الصراع؟

- أو الاستغناء بالبعد الإسلامي عن البعد القومي العربي لهذا الصراع-؟



إن هذا التصور غير وارد، بل لا يخطر لعاقل ببال... فإسلامية هذا الصراع هي "واقع" يضيف الإمكانات الإسلامية للإمكانات الوطنية الفلسطينية والطاقات القومية العربية... فهو يرفدها، ولا ينتقص منها، ويدعمها، ولا يضعفها، لأن البعد الإسلامي، والدائرة الإسلامية هي واحدة من دوائر الانتماء لإنساننا، تضم وتحتضن وتدعم وتلي الدائرة الوطنية والدائرة القومية...



ثم... هل تعني إسلامية هذا الصراع تحويله إلى "صراع ديني" نستبدله بالأبعاد الوطنية والقومية للقضية؟... أو نستعدي به أهل الديانات الأخرى؟



كلا... ذلك أن الإسلام ينكر ويستنكر الصراعات الدينية في أي ميدان من الميادين فالصراع ليس سبيلاً للدخول في دين الإسلام، وإنما سبيله هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) - البقرة: 256 - (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) - النحل: 125 - ذلك لأن الإيمان الإسلامي: تصديق قلبي يبلغ مرتبة اليقين... وهذا لا يمكن أن يتم أو أن يكون ثمرة "للصراع الديني" بأي حال من الأحوال...



في التعددية في المِلل والشرائع الدينية سنة من سنن الله - سبحانه وتعالى - التي لا تبديل ولا تحويل لها (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) - المائدة: 48 -.



بل إن الإيمان الإسلامي بالتعددية - التي يراها الأصل والقاعدة في كل ما عدا الخالق الواحد- قد جعل المنهج الإسلامي رافضاً "لفلسفة الصراع" كلها، لأن الصراع يعني: أن يصرع طرف الطرف الآخر، فيلغيه وينفيه وينفرد بالساحة، ملغياً - بذلك - التعددية... ولذلك آثر الإسلام منهاج "التدافع" سبيلاً لتعديل المواقف بالحراك- بدلاً من "الصراع" (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) - فصلت: 34.-



بل إن هذا الطريق - اللاصراعي - هو الذي يراه الإسلام سبيلاً، لا لنفي الآخر غير الإسلامي فقط، وإنما سبيل للحفاظ إلى وجوده المتميز... فالتدافع لا يكون للحفاظ على مقدسات الإسلام وحدها، وإنما للحفاظ على كل مقدسات أصحاب المقدسات (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله ينصره، إن الله لقوي عزيز) - الحج: 40 - فهو السبيل للحفاظ على المقدسات المتعددة، للمِلل المتعددة... حتى لقد ذكرها القرآن الكريم بالترتيب التاريخي لنبواتها وأمم رسالاتها، دون تقديم -حتى مجرد تقديم - لمساجد ومقدسات الإسلام.

"فالصراع" - كالقتال - يفرضه الآخرون على الإسلام والمسلمين... دون أن يكون الخيار هو الإسلامي في حل التناقضات.



(4)



إن الإسلام لا يرى ولا يريد نفي اليهود من ديار الإسلام وإنما هو يفتح لهم كما صنع تاريخياً - ميادين العيش والتعايش، والتفاعل في دياره وبين أمته - "لهم مالنا وعليهم ما علينا"... ملة من الملل المتنوعة والمتمايزة في إطار الأمة الواحدة - وهو قد صنع ذلك قبل أربعة عشر قرناً وقبل أن تعرض الحضارات حتى مصطلح التسامح والتعايش والتعددية - عندما قرر دستور دولة المدينة - على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في مواده: " وأن يهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم... وأن بينهم النصر... والنصح والنصيحة والبر، دون الإثم"...



فالمرفوض ليس اليهودية، وإنما المرفوض هو المشروع الصهيوني - الذي يمثل امتداداً سرطانياً للمشروع الإمبريالي الغربي - الذي ينفي المشروع الإسلامي والوجود الإسلامي في قلب وطن العروبة وعالم الإسلام "فالصراع الديني" غير وارد بأية حال من الأحوال.



بل إن إسلامية هذا الصراع هي في مصلحة الآخر الديني، نصرانياً كان هذا الآخر أو يهودياً، ذلك إن الإسلام - وحده - هو الذي يعترف بدين هذا الآخر، حتى ليجعل من الإيمان بكل النبوات والرسالات والشرائع والملل، ومن ثم مقدسات أممها، شرطاً من شروط اكتمال وكمال الإيمان الإسلامي فهو - وحده - ومن ثم أمته - وحدها - هي الأمينة والمؤتمنة بحكم الاعتقاد الديني... وليس بمجرد "التسامح" الإنساني - الذي يمنع كما يمنح - على كل مقدسات جميع الآخرين... تنافح عنها، وتدافع عن صيانة قدسيتها... وتقاتل لتحرير أراضيها... ولهذه الحقيقة من حقائق "إسلامية هذا الصراع" - الذي فرض علينا - أطلق المسلمون اسم "القدس الشريف" و"بيت المقدس"، "الحرم القدسي" على هذه المدينة، منذ أن دخلت - سنة 15هـ 636م- في إطار الدولة الإسلامية، حتى قبل بناء أي من مساجدها، وقبل إسلام أي واحد من سكانها!... بل وعاملوها، منذ اللحظة الأولى، وعلى مر تاريخها الإسلامي، معاملة "الحرم" الذي تجب صيانته عن "القتال" حتى في سبيل التحرير... فلقد حاصرها أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة الإسلامية - حتى صالح أهلها، وفتحت صلحاً - دون قتال - وذلك صيانة لحرمتها وقدسيتها، وتعظيماً لمقدساتها- ولم يكن فيها مقدسات إسلامية في ذلك التاريخ بل اختصوها - دون كل المدن المفتوحة - بأن يتسلمها ويعقد عهدها أمير المؤمنين، وليس القائد الفاتح وصنع الصنيع ذاته صلاح الدين الأيوبي، إبان تحريرها من الاحتلال الصليبي (583هـ 1187م) وكان الصليبيون قد دمروا واغتصبوا ودنسوا مقدسات المسلمين واليهود فيها... فالحرمة كانت دائماً لمطلق القدس... والقدسية كانت لكل المقدسات...



-ولذلك- ازدهرت - في ظل السلطة والسيادة الإسلامية على القدس- تعددية مقدسات الديانات فيها حتى كانت الأسر المسلمة هي المؤتمنة على نظارة أوقاف الكنائس ومفاتيحها!... ولم ينعم اليهود بالتعايش الحر في القدس إلا في ظلال الإسلام!... بينما تميزت كل عهودها غير الإسلامية بالاحتكار للطرف المتغلب عليها، دون الآخرين صنع ذلك الرومان - في حقبة ذلك وثنيتهم... وبعد أن تنصروا -... وصنع ذلك الصليبيون اللاتينيون -الفرنجة- عندما احتلوها... ويصنع ذلك الصهاينة اليوم، بالتهويد الذي ينفي وجود الآخر، وتزحف، مخاطره على كل المقدسات غير اليهودية في المدينة المقدسة... "فإسلامية القدس" لا تنفي "وطنيتها الفلسطينية" ولا طابعها العربي"... ولا تحتكر قداستها للإسلام - وإنما هي المظلة الجامعة للوطنية: والعروبة... وهي المؤتمنة على جعل هذه المدينة "قدساً شريفاً" لسائر مقدسات كل الديانات.



ففي الصراع التاريخي، الذي فرضته الحروب الصليبية على أمتنا، كان "البعد الديني" عند الفرنجة سبيلاً لاحتكار القدس "دون المسلمين واليهود... بينما كان "البعد الديني الإسلامي" - الذي حاربت أمتنا تحت راياته - هو السبيل لإشاعة قداسة القدس لكل أصحاب المقدسات...



يجسد هذه الحقيقة صلاح الدين الأيوبي (532-589هـ 1137-1193م) في الرسالة التي بعث بها إلى "ريتشارد قلب الأسد" (1189-1199م) عندما يقول له: "القدس إرثنا كما هي إرثكم... من القدس عرج نبينا إلى السماء. وفي القدس تجتمع الملائكة... لا تفكر بأنه يمكن لنا أن نتخلى عنها كأمة مسلمة.



أما بالنسبة إلى الأرض، فإن احتلالكم فيها كان شيئاً عرضياً، وحدث لأن المسلمين الذين عاشوا في البلاد حينها كانوا ضعفاء. ولن يمكنكم الله أن تشيدوا حجراً في هذه الأرض طالما استمر الجهاد..." فالأمة الإسلامية... والجهاد الإسلامي، لا يبغيان "احتكار القدس"، وإنما يسعيان لتكون "إرثاً" مقدساً لكل أصحاب المقدسات... وبعبارة صلاح الدين الأيوبي - لريتشارد قلب الأسد - "القدس إرثنا كما هي إرثكم"!.



ولذلك، فإذا كانت الكثرة من كنائس الغرب - قد خانت القضية العادلة للقدس الشريف، وتنكرت لتاريخها مع اليهود، بل لتراثها الديني!... وأخذت تدعم - أو تصمت على - تهويد القدس... وانحدرت إلى هذا المنحدر حتى أصبحت تستجدي من اليهود قبول التوبة، والصفح والغفران!... فإن كنائس النصرانية العربية والشرقية - حتى تلك التي لها علاقات مذهبية بالكنائس الغربية - هي مع الإسلام وأمته في خندق واحد، لأن هذه الكنائس الشرقية جزءاً أصيلاً من نسيج أمتنا - أعراقاً... وثقافة... وقيماً... وحضارةً... ومصيراً - وهى تدرك - بالتجربة التاريخية والحديثة والمعاصرة - أن "إسلامية القدس" هي سبيل نجاتها من الاحتكار اليهودي. فدون "إسلامية القدس" لن يكون هناك هذا السياج الحافظ لمقدساتهم في هذه المدينة... ذلك السياج الذي بلغ ويبلغ مستوى العقيدة الدينية والإسلامية، ولا يقف عند حدود "التسامح الإنساني"، الذي يمنحه حاكم، ويمنعه آخرون!.



ثم هل حدث وأسقطت أمتنا العامل العقدي والبعد الديني في معارك التحرر والتحرير الوطني للأراضي غير المقدسة، حتى يطلب منها أن تسقط هذا العامل في صراعها لتحرير القدس الشريف، أولى القبلتين، وثالث الحرمين؟...



إن كل معاركنا للتحرر الوطني قد بدأت إسلامية، واستمرت تتغذى بالإيمان الديني والميراث الحضاري الإسلامي... ولم تنفصل في الوجدان الشعبي التضحية في سبيل تحرير الوطن عن الجهاد في سبيل الله، فكان قرابين الوطنية هم الشهداء... ولقد كان إسهام إخوتنا وأهلينا ومواطنينا النصارى، في هذه المعارك الوطنية، انطلاقاً من القيم الإيمانية الجامعة لنا جميعاً، التي أعطت الوطنية بعداً متميزاً... وانطلاقاً - أيضاً - من الطابع الإسلامي للثقافة والحضارة، الذي صهر الجميع في السمات المشتركة والقسمات الجامعة للأمة، بمللها المتعددة وأعراقها المتنوعة... وكان ذلك حال معاركنا لتحرير الأرض في العصر الحديث، كما كان في التاريخ الوسيط.



فتحت رايات الإسلام، وبزعامة نقيب الأشراف السيد عمر مكرم (1168 - 1237هـ 1755 - 1822م) هزمنا بونابرت وحملته الفرنسية، التي أسست للشراكة "الصهيونية- الامبريالية"...



وتحت رايات الإسلام هزمنا الحملة الإنجليزية التي قادها الجنرال "فريزر" على مدينة "رشيد" في مصر (1222هـ- 1807م) وتحت رايات الإسلام حارب الأمير عبدالقادر الجزائري (1222 - 1300هـ 1807 - 1883م)... وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين... وجبهة التحرير الوطني الجزائرية... ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر... وهى الرايات نفسها التي جاهدت تحت ظلالها "السنوسية" في ليبيا والحزام الإفريقي... و"المهدية" في السودان... ومن عبارة جمال الدين الأفغاني (1254 - 1314هـ 1838 - 1897م) - فيلسوف - الإسلامية، ورائد اليقظة الإسلامية الحديثة - خرجت الثورة العرابية (1298هـ 1881م)... بقيادة تلميذه الشيخ سعد زغلول (1273-1346هـ 1857 - 1927 م) - ابن الأزهر الشريف - خرجت - من الأزهر ومن الكنيسة - ثورة مصر (1337هـ 1919م)..



وتحت رايات الإسلام ثار وقاوم الأمير عبد الكريم الخطابي (1299 - 1383هـ 1882 - 1963م) وثورة الريف - في المغرب العربي... وكذلك "حزب الاستقلال" - بقيادة الفقيه المجدد علال الفاسي.



ومن عباءة مصطفى كامل (1291 - 1326هـ 1874 - 1908م) وحزبه الوطني - حزب الجامعة الإسلامية - خرج "الضباط الأحرار" وثورة يوليو سنة 1952م...



وكذلك كان الحال مع ثورة العشرين في العراق... وثورات فلسطين - من البراق سنة 1929م... إلى ثورة سنة 1936م... حتى الآن، أي منذ عز الدين القسام... إلى أمين الحسيني... إلى الجذور الإسلامية "الفتح"... إلى "حماس" و"الجهاد"...



والمنطلق الإسلامي ذاته، والطاقة العقدية الإيمانية سنجدها في سائر حركات التحرر الوطني الإسلامية من حول الوطن العربي، في إفريقيا وآسيا وسائر بلاد الإسلام التي نكبت بالاستعمار... وما بصمات وامتدادات السنوسية والمهدية على حركات التحرر الوطني الإفريقية بخفية ولا بعيدة عن الأذهان...



فكيف نطلب من الأمة التي اصطبغت معاركها لتحرير الأراضي غير المقدسة بصبغة الإسلام، وتغذت من طاقاته الجهادية، وبعده العقدي... كيف نطلب منها "علمنة " الصراع حول الأرض المقدسة دينياً، فنحرمها من قدسية الجهاد لتحرير المقدسات؟.



(5)

نريد أن نقول للقلة العلمانية، التي تريد استبعاد الإسلام من أسلحة الصراع حول القدس وفلسطين: إن "علمنة" هذا الصراع ستفتح الباب أمام الذين يرون الإسلاميين الخطر الأول والمحدق وهذا الباب سيقود أصحابه إلى الخندق الذي يقف فيه الصهاينة الذين يرون في الإسلام الخطر الأول الذي يهددهم ويهدد العالم، كما يقولون - وستصبح القضية، بالنسبة لهؤلاء العلمانيين هي زيادة نصيبهم من الفتات.. وليس تحرير المقدسات وستجعل هذه "العلمنة" أصحابها شاؤوا أم أبوا- مع العسكر الأتراك، الذين حركوا قواتهم المسلحة ضد الذين احتفلوا - مجرد احتفال بيوم القدس: .. وهم الذين يقيمون تحالفاً استراتيجياً مع الصهاينة - ضد العروبة والإسلام.



إن القدس - والأقصى.. وكنيسة القيامة - ليست مجرد "أرض".. كما أن الأزهر الشريف عندما احتله بونابرت - لم يكن مجرد "أرض". وحسابات القدس الشريف لا تتم "بمعايير الجدوى العلمانية".. لأنها لو تمت بهذه المعايير لربما كان "فندق النجوم الخمسة" أجدى من المسجد الأقصى!!..



إن اليهود، الذين حولوا دينهم إلى عنصرية وتجارة واستعمار استيطاني، قد جعلوا في "تل أبيب" أعلى نسبة للدعارة في أي مدينة من مدن العالم.. وهم يريدون للقدس ذات المصير! فبحسابات "الجدوى المادية العلمانية" تمثل الدعارة مصدر الدخل القومي، تحسب له الحسابات.. بينما لا تعني القداسة شيئاً يذكر، بهذه المعايير!.. وليس هذا هو طريق الذين يدركون معنى قدسية وإسلامية المقدسات.



وإذا كانت إسلامية الصراع لتحرير القدس، لن تحرم قوى الأمة من"الطاقات الوطنية الفلسطينية" ولا من "الإمكانات القومية العربية" ولا من تلاحم الصف الجامع للملل الدينية المتعددة.. وإنما ستضيف إليها "طاقات العقيدة الإسلامية وإمكانات الأمة الإسلامية، وعالمها الإسلامي، فإنها - علاوة على ذلك كله - ستنمي وعي الأمة - في هذا الصراع - بدلالات ومعاني ومعايير السنن والقوانين الإلهية الثابتة التي تحكم دورات هذا الصراع..



فبدون إسلامية هذا الصراع، لن نفهم السنة الإلهية التي تحدث عنها القرآن الكريم، وصدَّق عليها التاريخ، عندما قال: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) المائدة 82-. ودون هذه الإسلامية لن نعي دلالات القانون الذي تحدث عنه القرآن الكريم عندما قال عن فريق من اليهود: (أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون) البقرة 100-.

وبدون التفسير الإسلامي لهذا الصراع سيتحول "العدو الإسرائيلي" الراهن والمتصاعد، إلى نهاية التاريخ، ومصدر لليأس والقنوط والاستسلام للأمر الواقع.. أما التفسير الإسلامي فإننا سنكون أمام بشارات بالخلاص التحريري، تدعونا إلى أن نستجمع لتحقيقها الأسباب.



بل إن حاجتنا إلى هذه "الأسلحة" اليوم هي أشد من حاجاتنا إليها قبل الآن.. ففي ظل شيوع الهزيمة النفسية لدى قطاعات من الساسة والمثقفين، ومسلسل تغيير "البرامج" و"المواثيق اعترافاً واستسلاماً" للأمر الواقع المفروض على الأمة، تحتاج الأمة إلى مرجعية "المواثيق الثوابت" التي تتغير، وإلى "سنن الله" في التدافع الأزلي الأبدي بين الحق والباطل، تلك التي لا تبديل لها ولا تحويل..



فالإسلامية حتى في الوعي بقوانين الصراع - تفيد.. وتضيف إلى الخبرات الوطنية والقومية ولا تنقص منها بأي حال من الأحوال.



بل إن هذه "الإسلامية " لن تحرم قضيتنا من إمكانات العلمانيين والماديين من مثقفينا.. فهم مدعوون إلى استثمار البعد الديني للقضية "كتراث" لأمتهم، هو الأقدر والأفعل في حشد طاقاتها لتحرير الأرض المغتصبة.. وهذا هو الذي صنعه العلمانيون اليهود مع "أساطير التلمود".. فأولى بالعلمانيين من أبنائنا أن يصنعوه مع "حقائق الإسلام!..