المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ايل كارنيجي .. ونقص القادرين



محمد عوض عبد الله
11-01-2008, 20:57
ايل كارنيجي .. ونقص القادرين
يعتبر دايل كارنيجي، أحد أشهر الكتاب الأمريكيين، فقد بلغت شهرته الذروة في منتصف القرن العشرين، إذ قلما تجد مثقفاً ـ ليس في أمريكا فحسب، بل في قارات الأرض ـ لم يسمع بدايل كارنيجي، إن لم نقل لم يطلع بإعجاب على أحد كتبه وبخاصة كتابه الشهير (دع القلق وابدأ الحياة)، وهو يستحق تلك الشهرة، وكتبه لا تخلو من فوائد.. لما حوته من الحكمة ونفائس المعرفة، ولم يكتف بالبحث عن الحكمة وتجليتها وصقلها وتقديمها للناس في رونق جذاب يلائم العصر، مع احتفاظها بجلالها ومهابتها، بل زاد على ذلك، إذ سعى لتمكين الناس من الاستفادة الفعلية من تلك الكنوز في مختلف شؤونهم الحياتية، عندما أسس لأول مرة في تاريخ البشرية معهداً للعلاقات الإنسانية في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1932م، فكان بحق واضع أسس علم العلاقات الإنسانية التطبيقي.
ولأنه غير مسبوق في هذا المجال، فقد يبذل جهداً كبيراً ومضنياً ليبرز مشروعه الإنساني إلى حيز الوجود، ولحسن الحظ أنه سجل لنا ذلك في مقدمة كتابه (كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس).. إذ يقول:
«رحت أبحث عن كتاب عملي في العلاقات الإنسانية وأسسها وقواعدها، فلما أعياني البحث دون أن أجد لمثل هذا الكتاب أثراً، عولت على أن أسد بنفسي هذا النقص، وأضع كتاباً في هذا الموضوع ليكون مرجعاً لطلبة معهدي.
وهاهو ذا الكتاب بين يديك، وغاية أملي أن يحوز رضاك.. واستعداداً لإخراج هذا الكتاب، قرأت كل ما صادفني من الكتب التي تمس ــ من قرب أو بعد ـ علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.. بل لقد استخدمت رجلاً مدرباً على البحث والاطلاع، فقضى عاماً ونصف عام ينقب في مختلف المكتبات، ويقرأ كل ما فاتني قراءته، خاصاً بعلاقات الأفراد، بعضهم ببعض، منذ أقدم عصور التاريخ إلى عصرنا هذا»(1) فما الذي حدث بعد ذلك؟!.. يقول مترجم الكتاب، الأستاذ عبدالمنعم الزيادي:
«... فإذا الكتاب يعاد طبعه ـ باللغة الإنجليزية ـ ستاً وخمسين مرة في مدى اثني عشر عاماً، ويربو ما بيع منه على ثلاثة ملايين نسخة، ويصفه النقاد الأمريكيون بأنه «أوسع الكتب الجدية» انتشاراً في التاريخ باستثناء «الكتب السماوية».. وإذا شهرة الكتاب تتخطى حدود موطنه الأول ـ أمريكا ـ وتنتشر في أرجاء العالم، فيكون حظه فيها مثل حظه في وطنه من رواج وانتشار.. ويترجم إلى ست وخمسين لغة منها اللغة الأفريقية ولغة أهل البنجاب وبورما»(2).. ويضاف إلى تلك اللغات التي ذكرها الزيادي، اللغة العربية بترجمته.
ولا يقل كتابا دايل كارنيجي الآخران (دع القلق وابدأ الحياة) و(فن الخطابة) شهرة عن كتابه السالف الذكر، خصوصاً أولهما، الذي جاء كتاباً عملياً رائعاً في مقاومة (القلق) أحد أبرز أمراض العصر وأشدها فتكاً بالناس، ويكفي أن نعلم شدة خطورة القلق أنه المدخل إلى التوتر والتوتر المدخل إلى أمراض القلب والدورة الدموية والمعدة.. الخ.
| \ |
لقد استخرج دايل كارنيجي مادة كتابه هذا من مظان الحكمة وأقوال الحكماء على مر التاريخ وعبر شتى الحضارات التي سادت أرجاء الأرض، كالحضارة الصينية القديمة، ممثلة في آراء (لاوتي) الذي عاش قبل خمسة وعشرين قرناً، و(كنفوشيوس) من بعده، و(زرد ستار) حكيم بلاد فارس.. يليهم الفلاسفة الرواقيون والمشاؤون كسقراط وأفلاطون، والحكام السياسيون القدماء من رومان وغيرهم كالإسكندر وشيشرون وبعض الأنبياء والمرسلين، كالمسيح عليه السلام في مواعظه.. وداود عليه السلام في مزاميره.. وهو يستخلص الحكمة أينما وجدها، حتى إنه في أحد كتبه «فن الخطابة» ينقل لنا بإعجاب طقوس الخطابة لدى بعض القبائل الأفريقية، ولم يُغفل الحكمة في تجارب وأقوال حكماء الهند، بوذا، قبل خمسمائة عام من ميلاد المسيح، وطاغور والمهاتما غاندي.
| \ |
وعلى الرغم مما تحظى به مؤلفات دايل كارنيجي السالفة من تقدير المنصفين من المثقفين على مختلف مللهم ونحلهم لجهده الكبير فيما ينفع الناس وإسهاماته في تلمس ما يعانون منه من أزمات ومشكلات واستنباطه الحلول الناجعة لها من أقوال الحكماء ومواعظهم التي اختزنتها ثقافات الأمم والشعوب، إلا أنني أشعر بعميق الأسى عند مطالعتي لهذا الحشد من الناصحين المخلصين ولا أرى (محمداً) صلى الله عليه وسلم في مقدمتهم!
لقد أنصف كتاب وأدباء ومفكرون عظام محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم من بني جلدة دايل كارنيجي!
فلقد جاء ترتيب الرسول صلى الله عليه وسلم (الأول) في الكتاب الشهير (المئة الخالدون) لمؤلفه الأمريكي الدكتور مايكل هارت.
وخص الشاعر الألماني الكبير (جوته) رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجموعة رائعة من شعره!
وقال الأديب والفيلسوف الإيرلندي الشهير (برنارد شو) ذات يوم: «لو عاد محمد إلى العالم اليوم لحل مشكلاته»!!
وقال المؤرخ (ول ديورانت) مؤلف (موسوعة قصة الحضارة): «إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في نفوس الناس، قلنا إن محمداً أعظم عظماء التاريخ»(3).
و(غوستاف لوبون) يقول: «إن التعاليم الأخلاقية التي جاء بها القرآن، في صفوة الآداب، وخلاصة المبادىء الخلقية الكريمة..»(4).
لقد أنصف أولئك النفر من المفكرين الكبار محمداً صلى الله عليه وسلم.. الذي لم يكن ـ فقط ـ حكيماً في أفعاله وأقواله لكنه كان معلماً للحكمة.. كما وصفه أصدق القائلين، في كتابه العزيز: {...ويعلمهم الكتاب والحكمة} (البقرة: الآية 129).
ومما يحز في نفس القارىء المسلم أكثر وأكثر، عند مطالعته لمؤلَّفي دايل كارنيجي.. (دع القلق وابدأ الحياة) و(كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس).. أن المبادىء التي يدعو إليها كأسس يجب أن تقوم عليها العلاقات الإنسانية.. هي في أغلبها مقتبسة من تعاليم الإسلام وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، متمثلة في قوله وفعله وإقراره عليه السلام!! ولا يحتاج القارىء المسلم لكثير من الجهد لرد تلك المبادىء إلى أصولها المنبثقة من مشكاة النبوة(5)!
فدايل كارنيجي في الكتاب الأول (دع القلق...) يدعو إلى الإيمان، والصلاة، وتجنب الحقد والضغينة، والعفو والصفح عن المسيء، والإحسان إلى الغير، والمواساة، والتبسم في وجه الآخر، وأن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، والرضا بما ليس منه بد، والقناعة.. إلخ.
وقد دفع هذا الأمر الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله قبل أكثر من عشرين عاماً، بعد اطلاعه على كتاب دايل كارنيجي (دع القلق وابدأ الحياة).. أن يضع بين يدي القراء المسلمين كتاباً أسماه (جدد حياتك) موجهاً من خلاله الحديث لعلاج القلق والتغلب على أزمات الحياة بهدي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة(6).
أما إن دايل كارنيجي لو أنصف لرد كثيراً من هذه المبادىء الإنسانية العظيمة إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولاستطاع أن يرتقي بذلك الإنصاف إلى مرتبة أعلى في مراتب الناصحين المخلصين الذين كرسوا جهوداً مشكورة في سبيل سعادة البشرية وهنائها من خلال دعواتهم ـ عبر التاريخ ـ إلى علاقات إنسانية تقوم على تدعيم أواصر المحبة والوئام والخير.. ولكن رحم الله، أبا الطيب المتنبي، القائل:
ولم أرَ في عيوب الناس شيئاً
كنقص القادرين على التمام
المراجع
1،2ــ كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، دايل كارينجي، تعريب عبدالمنعم الزيادي، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة.
3،4ــ المجلة العربية، العدد 272 رمضان 1420هـ، هذه شهاداتهم، أحمد حسين الجهماني.
5ــ دع القلق وأبدء الحياة، دايل كارينجي: فن الخطابة، دايل كارينجي.
6ــ جدد حياتك، محمد الغزالي، دار الآفاق الجديدة، بيروت.

محمد حجازي
12-01-2008, 10:52
من الناشر للترجمات العربية لكتب هذا المؤلف؟

محمد عوض عبد الله
13-01-2008, 20:57
موجود اخي في اخر المقال بعض اسماء دور النشر لاعمال هذا الكاتب ...

وعلى العموم الدار تتبع المترجم ..