المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المساجد التعليمية ودورها في الحركة الفكرية



عماد أحمد الزبن
10-01-2008, 14:12
بسم الله الرحمن الرحيم
المساجد التعليمية ودورها في الحركة الفكرية

هذه إطلالة على دور المسجد في الحركة الفكرية في هذه العصور ، وقد اقتصرت فيها على المساجد المشهورة التي كان لها أثر واضح في الحركة العلمية والفكرية ، وسأعرض لذكر هذه المساجد التعليمية ، وأتكلم على دورها في الحركة الفكرية عبر هذه العصور .

أولا : المسجد الأقصى :

لقد استوفي أستاذنا العلامة عبد الجليل عبد المهدي الكلام على دور المسجد الأقصى في الحركة الفكرية ، بما لا مزيد عليه ، لذلك سأكتفي ههنا بتلخيص ما ذكره أستاذنا العلامة في كتابه ( الحركة الفكرية في ظل المسجد الأقصى في العصرين : الأيوبي والمملوكي ) .

المقدمة :
لقد أثبت الأستاذ المؤلف وجود حركة علمية في المسجد الأقصى في مرحلة ما قبل الاحتلال تتمثل بالعلماء الذين كانوا يعقدون المجالس العلمية والحلق الفقهية والكلامية واللغوية ، بما يظهر الجانب المشرق للحركة العلمية في المسجد الأقصى ، ويجلي الدور الواضح لهذا المسجد في صياغة الحياة العلمية في هذه الحقبة . ونجم علماء كثر في المسجد الأقصى ساهموا في هذه الصياغة العلمية من مثل ابن القيسراني وغيره ، كما نشطت حركة الرحلة العلمية إلى المسجد الأقصى من شتى الأمصار ؛ الأمر الذي وسع دائرة المعارف في هذه الجامعة العلمية ، ورفع من كفاية الحركة العلمية فيها .
وسأتناول الحديث عن دور المسجد الأقصى في الحركة العلمية من خلال المحاور الآتية :

1ـــ دور السلاطين والولاة :
اهتم السلاطين والولاة والقضاة بالمسجد الأقصى ، وأسهموا في الحركة العلمية فيه من خلال الأوقاف والمكتبات والمدارس ، بل كان بعضهم يشارك بنفسه في المجالس العلمية الكبرى التي تعقد فيه ، فلم يقتصر دور المسجد الأقصى على حلقات العلم التي كانت تعقد فيه ، بل تعداه إلى هذه المجالس العلمية الكبرى التي كان يعقدها أمثال السلطان صلاح الدين الأيوبي
وكذلك مجالس الملك المعظم عيسى التي كان يشارك فيها بنفسه ، ومنها المجلس العلمي الذي عقده الملك المؤيد في المسجد الأقصى ، والمجلس الذي عقد بحضور السلطان الأشرف وشارك فيه بعض أركان الدولة والعلماء والقراء وعقدت فيه المناظرات والمطارحات ، ويحدثنا الأستاذ المؤلف عن مجالس الملك المعظم عيسى ، التي كانت تعقد في الصخرة المشرفة ، وتدور حول مسائل في اللغة والتاريخ والفقه ويشارك فيها علماء وأدباء من أمثال : واصل الحموي وابنه ، وعدد من الفضلاء من أمثال : شرف الدين أبي المحاسن ، وجمال الدين ابن شيث ، ويذكر الأستاذ بعض المسائل التي كانت تطرح للحوار في هذه المجالس .
ويتجلى اهتمام هؤلاء السلاطين والولاة بالحركة العلمية في الأقصى من خلال المدارس العلمية التي أسسوها في المسجد الأقصى أو تابعة للمسجد الأقصى ، من مثل : المدرسة النحوية، والنصرية، والفارسية، وقد تنوعت الموضوعات التي تدرس في هذه المدارس من علوم شرعية ( تفسير ، وحديث، وفقه، وقراءات، وتصوف) ، وعلوم لغوية ( نحو، وصرف، وبلاغة، وأدب، وعروض) ، وعلوم التاريخ ، والعلوم الرياضية والمنطق ، وعلم الكلام .
ولم يقتصر الاهتمام بالحركة العلمية في الأقصى على السلاطين بل إن القضاة أيضا اهتموا بذلك ، ومن ذلك ما ذكر من أن قاضي دمشق علاء الدين العسقلاني الحنبلي عين في سنة 773هـ معلوما لجماعة من الحنابلة يصرف لهم من وقف المرحوم شمس الدين محمد بن معمر ؛ بشرط ملازمة الاشتغال بالعلم والاجتماع في الأيام المعتادة للدرس في المسجد الأقصى

2ــ دور الأئمة والوعاظ :
كان للأئمة والوعاظ في المسجد الأقصى دور بارز في الحركة العلمية ، إذ كان معظمهم من العلماء والقراء ، ولم يقتصر عملهم على الصلاة بالناس والخطبة ، بل كانوا يقرئون القرآن والحديث والفقه واللغة ؛ فساهموا في تنشيط الحركة الفكرية في المسجد من خلال حلق العلم المشهورة التي كانوا يعقدونها ، وقد ذكر أستاذنا الكثير منهم بحسب مذاهبهم أذكر منهم :
ابن المغيث الأندلسي المالكي ( ت 808هـ ) ، ومن أئمة الشافعية : قاضي القضاة أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن جماعة الكناني ، وكريم الدين أبو المكارم بن أبي الوفا ، ومن الحنفية : سعد الدين بن حسين الفارسي ، وخير الدين محمد بن محمد الغزي .

3ــ دور المؤرخين :
ويذكر هنا ما للمؤرخين من دور واضح في تنشيط الحركة الفكرية في الأقصى سواء أكانوا وافدين أو محليين ، ممن عقدوا المجالس العلمية في المسجد والمدارس التابعة له ، وأغنوا المكتبات بمؤلفاتهم في التاريخ والتراجم وأذكر منهم : ابن واصل الحموي ، وجمال الدين القفطي ،و برهان الدين البقاعي ،و ابن حجر العسقلاني ، والسخاوي .

4ــ العلوم التي كانت تدرّس في المسجد الأقصى :
تنوعت العلوم التي كانت تدرس في الأقصى بسبب تعدد مشارب العلماء الذين درسوا فيه ، فغدا بحق جامعة علمية تخرج فيها الأساطين من العلماء ، وهذه العلوم هي :
(أ) علم القراءات : بنى الملك المعظم عيسى قبة في المسجد الأقصى لتدريس القراءات السبع، وعهد بالتدريس فيها إلى شمس الدين رزين البعلبكي ، تلميذ تاج الدين الكندي، وكانوا يدرسون تحت هذه القبة العلوم المبادئ للقراءات مثل النحو ، فابن واصل الحموي قرأ تحتها كتاب الإيضاح على الشيخ البعلبكي . وكذلك كانوا يقرئون القرآن في مكتب باب الناظر في المسجد الأقصى ، وممن تصدروا لإقراء القرآن في الأقصى : شهاب الدين بن مغيث الأندلسي، وشمس الدين عبد الواحد جبارة، وعثمان بن عبد الله الجبرتي وغيرهم ، وكان أكثر أئمة الحرم يقرئون القرآن الكريم.
(ب) التفسير : اهتم العلماء المقادسة بعلم التفسير ، بل كان هناك مشيخة تخصصت فقط بالتفسير من مثل الشيخ سعد الدين الديري ، وكانوا يهتمون بتفسير الزمخشري ، الكشاف، ويقرئون أجزاء منه ، وممن كان يقرئ التفسير في الأقصى : ابن جبارة المقدسي الشافعي ، وصلاح الدين بن كيكلدي العلائي ، وشهاب الدين بن أرسلان، وغيرهم .
(جـ ) الحديث الشريف : اهتم المقادسة أيضا بعلم الحديث ، وكانوا يعقدون دروس الحديث في المسجد، ويقرئون أمات كتب الحديث من مثل : البخاري ومسلم ، وممن حضر دروس البخاري في المسجد الشيخ مجير الدين الحنبلي ، وممن قرأ صحيح مسلم فيه الفيروزآبادي .
ومن مشيخة الحديث في الأقصى : محمد بن عبد الرحمن الجزري( ت 752هـ ) كان يدرس الحديث في قبة الصخرة ، ومنهم قاسم بن سليمان الأذرعي ( ت 755هـ ) أقرأ الحديث في قبة موسى ، والإمام صلاح الدين العلائي ( 761هـ ) أشهر شيوخ الحديث في بيت المقدس وقد تلمذ له كثير من العلماء ، وغيرهم.
(د) الفقه : ومهر علماء في تدريس الفقه على المذاهب الأربعة وهم كثر منهم : زين الدين ماهر الأنصاري المصري ، وشهاب الدين العميري ، وسعد الدين الفارسي الحنفي وغيرهم ، وكان الفقه يدرس على المذاهب الأربعة عند أهل السنة ، فدرس المذهب الشافعي والحنفي والحنبلي ، ونشط المغاربة المالكية الوافدون تدريس فقه الإمام مالك في الحرم أيضا .
(هـ) علوم اللغة : ويبدو الاهتمام باللغة من خلال إنشاء القبة النحوية ، فقد اهتم المقادسة أيضا بتدريس النحو والصرف والبلاغة والأدب والعروض ، وعلوم اللغة كافة ، فدرسوا : ألفية ابن مالك ، والمقدمة الجرومية ، وتصريف العزي ، وفي المدرسة النحوية درس كتاب سيبويه ، والإيضاح ، وإصلاح المنطق ، وملحة الإعراب ، والحماسة ، ومن أشهر شيوخ العربية في الأقصى : أبو العباس الرصاصي ، ومحمد بن محمد بن يوسف الشافعي ، وابن جبارة المغربي ، وأبو العباس العميري .
(و) التصوف : ومن العلوم التي كانت تدرس في الأقصى التصوف ، وقد اهتم بعض العلماء بكلام الشيخ ابن عربي وكان يقرئه ، وقد أحفظ هذا الأمر بعض علماء التصوف في بيت المقدس ممن أنكر على ابن عربي وهاجم طريقته في التصوف، من مثل سراج الدين الرومي ، وكانوا كذلك يقرئون كتاب الإحياء ويتعاهدونه جدا ، ومن مدرسي التصوف بالحرم : سراج الدين بن مسافر الرومي ، الذي كان يقرئ كتاب الإحياء في الأقصى ، وأبو بكر الطولوني ، وكان شيخ المدرسة الطولونية في المسجد الأقصى ، وزين الدين الحافي ، وابن أبي الوفا وغيرهم . ويبدو لي أن المقادسة اختلفوا في الشيخ ابن عربي الحاتمي الصوفي .
(ز) العلوم العقلية : نشطت أيضا حركة تدريس العلوم العقلية في المسجد الأقصى ، من هندسة وحساب ، ويلمع هنا اسم محمد بن علي الحصكفي الذي درس الهندسة والحساب في القاهرة ، وكان يدرس في المسجد الأقصى ، ويتحدث أستاذنا الدكتور عبد الجليل في كتابه عن دور المؤذنين الذين تعددت منابع ثقافتهم وعن دور علم الميقات في الحركة الفكرية في المسجد الأقصى ، ويبرز اهتمام المقادسة بعلم الكلام و المنطق بأجلى صورة ، فيدرس العلماء المنطق في حلقهم العلمية ، بل تظهر مصنفات منطقية لهؤلاء العلماء ونذكر منهم : أبو العباس المقدسي الذي كان يدرس كتاب الجمل لخونجي في الأقصى ، وأبو العباس العميري الذي درس الكلام والعقليات على سراج الدين الرومي وكان يدرّس في الأقصى ، بل صار كثير من العلماء يرحلون لدراسة كتب العقليات من مثل شروح السعد ، وحواشي السيد الجرجاني في العقائد والمنطق .
(ح) علم التاريخ : نشطت حركة التأليف والتدريس في علم التاريخ في الأقصى ، ويبدو هذا من خلال الكتب التي ألفت عن المسجد الأقصى ، والكتب التي قرئت فيه ومنها : فضائل بيت المقدس والشام لابن المرجّي ، وكان يقرأ ويتلقى بالأسانيد ، والجامع المستقصى في فضائل المسجد الأقصى ، لعلي بن الحسن بن عساكر ، وقد ذكر السيوطي أن جماعة من العلماء سمعت الكتاب على مؤلفه في الأقصى ، و الأنس في فضائل القدس لابن هبة الله بن عساكر ،ومثير الغرام لابن سرور المقدسي ، والروض المغرس لتاج الدين الحسيني ، وإتحاف الأخصا للسيوطي .
(ط) الأدب : شاع مزاج عام عند المقادسة من التأثر بمقامات الحريري ، وخطب ابن نباتة الفارقي ، وفي المدائح تأثروا بالبردة وبانت سعاد ، فشاع الاشتغال بهذه المدائح من خلال التخميس والمعارضة وغيره من ألوان التأثر ، كما اهتموا بشعر المتنبي وحفظه وإقرائه .

5ـــ دار الكتب في المسجد :
من مظاهر الحركة في المسجد الأقصى دار كتب المسجد ، وما تحويه من مصاحف وقفها السلاطين والولاة ، وتنوع الكتب فيها من: كتب دينية، ولغوية وعلوم إنسانية ، وعلوم رياضية ، وكتب تصوف ، ومنطق ، وعلم كلام ، وطب ، وفلك ، وغير ذلك .

6ــ دور المسجد الأقصى في العمل التربوي :
كان في المسجد الأقصى كتّاب يتبع المسجد ، وفيه عدد من المدرسين يشرفون على الأطفال ويقرئونهم ، ومنهم زين الدين عمر بن إسماعيل الحنبلي الذي كان يؤدب الأطفال في المسجد الأقصى ، وكذلك علاء الدين علي بن عبد الله الغزي ، الذي كان يقرئ الأطفال القرآن ويؤدبهم ، وكذلك كان الأطفال يقرؤون في المدارس التابعة للمسجد مثل المدرسة الجوهرية والطازية .
7ـــ الدور السياسي والاجتماعي للمسجد الأقصى :
يبدو الدور السياسي والاجتماعي للمسجد الأقصى من خلال المجالس التي كان يعقدها أهل الحل والربط من العلماء في صحن المسجد لمناقشة ظلم بعض الولاة وتدابير ردها ، كما حصل في مجلس عقد في المسجد لرد ظلم نائب القدس ( خضر بك ) الذي ارتكب المظالم ، وممن جلس في هذا المجلس ابن جماعة ، وكما حصل في مجلس آخر في الأقصى لرد ظلم النائب دقماق ، كما كان يعقد في المسجد الأقصى مجالس للنظر في الشؤون العامة الدينية والاجتماعية والسياسية ، كما كان المسجد المكان الذي تعلق فيه المراسيم السلطانية والمناشير والخطابات ، وكانت هذه المراسيم تقرأ في المسجد الأقصى ، كما كان يعقد في صحن المسجد مجلس لقراءة التوقيع السلطاني .
أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يفك أسر هذا المسجد العظيم، وأن يدحر عنه الرجس، ليعود شامخا ، منارة يهتدي بها الخلق، إنه ولي ذلك والقادر عليه .


ثانيا : الجامع الأزهر :

1ــ النشأة والرؤية :
شرع جوهر الصقلي ، في بناء الجامع الأزهر ليصلي فيه الخليفة المعز لدين الله ، وليكون مسجدا جامعا للقاهرة أسوة بمسجد عمرو بن العاص ، وليكون معهدا لفئة معينة من الطلاب لتعليم الفقه الشيعي ونشره ، فبدأ في بنائه في يوم السبت سنة 359هـ . وانتهى العمل به وأقيمت أول جمعة سنة 361هـ وعرف بجامع القاهرة . وفي سنة 378هـ أشار الوزير يعقوب ابن كلس على الخليفة العزيز بتحويل الأزهر إلى جامعة تدرس فيها العلوم الدينية والعقلية ، ثم زاد كثير من السلاطين والخلفاء في بناء هذا الجامع . وكأنني بالجامع الأزهر وقد نشأ ليكون جامعة لنشر فكر الدولة الفاطمية ، ويدعم هذا ما سنتحدث عنه من العلوم التي بدأ المسجد في تدريسها .

2ــ الجامع الأزهر في عصر الفاطميين :
في هذا العصر كانت النشأة والبداية الجامعية ، ولكن الطابع المذهبي هنا رسم حدود الحركة الفكرية لهذا الجامع ، ففكرة الدراسة في هذا المسجد ترتبت على الدعوة المذهبية ، ففي صفر
( سنة 365 هـ ) في أواخر عهد المعز جلس قاضي القضاة أبو الحسن علي بن النعمان بالجامع الأزهر ليقرأ مختصر أبيه في فقه الشيعة المسمى بالاختصار في جمع من العلماء والكبراء وكانت هذه أول حلقة علمية في هذا المسجد ، ثم توالت حلقات بني النعمان في المسجد .
(أ‌) دور السلاطين والولاة :
حرص الخلفاء والوزراء الفاطميون منذ تأسيس الجامع الأزهر على تشجيع الطلبة على الالتحاق بهذه الجامعة العلمية ، ولا يهمنا هنا البحث في الأسباب والبواعث ، فقد كان لذلك أثر واضح في الحركة الفكرية في الأزهر ، ومن ذلك أنهم ما برحوا يوسعون ويزيدون في هذا الجامع فقد أنشؤوا فيه مساكن للطلاب تحيط بالمقصورة والصحن من الجهات الأربع ، كما حبسوا عليه كثيرا من الأوقاف وأهدوا إليه الهبات الجليلة ، وكان الخليفة العزيز أول من بنى بجوار الأزهر دارا لجماعة من الفقهاء ، كان يجتمعون فيه بعد صلاة الجمعة ويقرؤون القرآن إلى صلاة العصر
(ب‌) العلوم التي كانت تدرس في المسجد :
في هذا العصر افتتح التدريس بالفقه الشيعي ، كما رأينا ، إذ درّس فيه كتاب الاختصار في فقه آل البيت ، وسرعان ما بدأ الوزير ابن كلس بإقراء كتابه الذي ألفه في فقه الطائفة الإسماعيلية ، ثم بدأ الفقهاء يتكاثرون في هذا المسجد لتنتشر دروس الفقه الشيعي لا سيما بعد أن استأذن ابن كلس الخليفة العزيز في تعيين جماعة من الفقهاء للتدريس بالأزهر . وكانت تعقد في الأزهر مجالس تسمى مجالس الحكمة ، تقرأ فيها علوم آل البيت ويهرع الناس إلى شهودها ، وكان فيها مجالس خاصة بالنساء . ولكن الغطاء المذهبي الذي اتشحت به الدولة الفاطمية جعل الدراسة في الجامع الأزهر تقتصر في أكثرها على علوم الدين ؛ لا سيما فقه آل البيت ، ولكننا لا نعدم ، مع ذلك ، دروسا في الفلسفة والمنطق والطب والرياضيات ، كانت تدرس في حدود ضيقة ولطبقة خاصة من الطلاب ، أما عن الكتب التي كانت تدرس في هذا العصر في الجامع الأزهر ، فالظاهر أنهم اقتصروا على كتب الفقه الشيعي من مثل : الاختصار، الذي وضعه أبو حنيفة القيرواني ، وكتب أخرى لهذا المؤلف كلها في فقه الشيعة كدعائم الإسلام ، واختلاف أصول المذاهب ، وكتاب الأخبار ، وكتاب اختلاف الفقهاء ، وهذه كتب تدور حول الفكر الإسماعيلي في الفقه والإمامة ، ثم إن هذه الكتب التي قررت للتدريس في الأزهر هي كتب اشتقت من المصادر المذهبية الرسمية . وكان الفاطميون يتشددون في حصر الطلاب في هذه المصادر ، فهذا المقريزي يخبرنا أنه في عهد العزيز قبض على رجل وجد عنده كتاب الموطأ فجلد من أجل إحرازه
3ـــ الأزهر في الدولة الأيوبيــة :
أبطل السلطان صلاح الدين الدعاء للفاطميين على المنابر ، وأبطل زياداتهم في الأذان ، وعمل على نشر المذاهب السنية ، وعين قاضيا شافعيا في منصب قاضي القضاة ، وهو صدر الدين عبد الملك بن درباس ، فكان هذا توطئة لانتشار المذهب الشافعي في مصر ، وأبطل ابن درباس صلاة الجمعة في الأزهر وفقا للمذهب الشافعي الذي لا يجيز إقامة خطبتين في بلد واحد
فأبطلها اكتفاء بإقامتها في الجامع الحاكمي ، لكن هذا لم يؤد إلى أفول نجم الأزهر علميا كما ذهب إليه الأستاذ حسن عبد الوهاب ، فقد ظل محتفظا بهيبته العلمية ، وقد قصده علماء من شتى الأمصار ، مثل عبد اللطيف البغدادي ، الذي تولى التدريس في الأزهر ، وكان يلقي دروسا في الكلام والمنطق والبيان ، وكان له دروس في الطب ، وممن وفد أيضا على مصر الطبيب اليهودي موسى بن ميمون وكان يلقي في الأزهر بعض دروسه في الطب والرياضة والفلك ، وممن ألقى دروسا في الأزهر في هذا العصر الشاعر الصوفي ابن الفارض حيث كان يعقد حلقات في التصوف ، والشيخ أبو القاسم المنفلوطي ، والشيخ شمس الدين الأتابكي ، والمحدث سعد الدين الحارثي ، والشيخ جمال الدين الأسيوطي ، والشيخ شهاب الدين السهروردي ، ومنهم المؤرخ ابن خلكان ، ويبدو اهتمام صلاح الدين بهذه الجامعة من خلال ما تقرر تدريسه فيها ، فقد كان يدرس في هذا العصر الفقه الشافعي والحنفي وسائر مذاهب أهل السنة ، ولم يقتصر التدريس على الفقه ، بل درست فيه علوم اللغة والمنطق والطب والرياضة

4ــ الأزهر في دولة المماليك :
اعتنى المماليك بالجامع الأزهر عناية فائقة ، وأعادوا فيه صلاة الجمعة في سنة 665هــ ،
وتباروا في إصلاحه والزيادة عليه وبناء القبب والمآذن ، وكان للجامع الأزهر في هذا العصر دور كبير في الحركة الفكرية ، ويمكن أن نسمي هذا العصر عصر الأزهر الذهبي ، فقد نشطت حركة التأليف والتدريس فيه ، واجتمع فيه كثير من العلماء من شتى المشارب ، وزادت الرحلة إليه بسبب كثرة المدارس في هذا العصر ، مما جعل الجامع الأزهر جامعة علمية أسهمت في صوغ الحركة الفكرية بكفاية عظيمة ، وقد انتهت إلينا في هذا العصر أسماء بعض أكابر العلماء الذين تولوا التدريس في الجامع الأزهر ومنهم : علي بن يوسف بن جرير اللخمي ، الذي تصدر للتدريس وأقبل عليه الطلاب إقبالا عظيما وقوام الدين الكرماني ، وشمس الدين الأصبهاني ، إمام المعقولات ، وشرف الدين الزواوي ، والعلامة الأندلسي ابن حيان النفري، الذي تلمذ له شيخ الإسلام تقي الدين السبكي ، ومنهم قنبر الشرواني وكان فيلسوفا يدرس العلوم العقلية كالمنطق والحكمة والهيئة ، وابن الدماميني الإمام النحوي ، والفخر البلبيسي الضرير إمام القراءات ، والمقريزي المؤرخ ، وابن حجر العسقلاني المحدث الذي تولى الخطابة في الأزهر في أواخر حياته . وبهذا تبوأ الأزهر في هذا العصر الزعامة الفكرية والثقافية في العالم الإسلامي ، وغلبت الصفة الدراسية في هذا العصر على أي صفة أخرى في الجامعة الأزهرية

ثالثا : مساجد أسهمت في الحركة العلمية والفكرية في هذه العصور :

(أ) الجامع الأموي بدمشق : لقد أسهم هذا المسجد في هذه العصور في الحركة الثقافية مساهمة بارزة ، فقد كانت تعقد فيه حلقات العلم في شتى العلوم ، وكانت تتبع له زوايا للتدريس والنسخ ، ومدارس للمذاهب السنية المعروفة ، يصف ابن جبير في رحلته هذا الجامع ويبين أن فيه حلقا للتدريس ، وزوايا للمالكية يجتمع فيها الطلبة المغاربة ، ومدرسة للشافعية ، وفيه عدة زوايا يتخذها الطلاب للنسخ والدرس ، من أجل البعد عن ازدحام الناس

(ب) جامع عمرو بن العاص : أول مسجد أنشئ في الديار المصرية، أنشأه عمرو بن العاص سنة 21هــ ، كانت حلقات الدروس تعقد في هذا المسجد في هذه العصور في شتى الموضوعات، من فقه ولغة وحديث وكلام ، وقد أطلق على أماكن هذه الحلقات في المسجد زوايا ، فكان هناك زاوية للشافعية ، يدرس فيها أكابر علماء الشافعية ، ومنها الزاوية المجدية نسبة إلى واقفها مجد الدين أبي الأشبال ( ت 628 هـ ) واختص بالتدريس فيها قاضي القضاة وجيه الدين عبد الوهاب البهنسي ، ومنها الزاوية الصاحبية وفيها مدرسان شافعي ومالكي ، وبلغت حلقات التدريس في هذا المسجد سنة 749 هــ بضعا وأربعين حلقة ، كما كانت تعقد حلقات لوعظ السيدات ، تصدرتها في الدولة الفاطمية ( 415هـ ) واعظة زمانها أم الخير الحجازية ، ولم تنقطع أخبار التدريس في هذا الجامع إلا في القرن التاسع الهجري

سامح يوسف
11-01-2008, 00:35
جزاكم الله خيرا سيدي عماد علي هذا الموضوع النفيس

ولا شك أن الواحد منا يكفيه أن يعرف أسماء الخطباء والمدرسين الذين تولوا أمر هذه المساجد ليسرح بناظره لعله يصل إلي صورة عن النهضة العلمية التي كان عليها أجدادنا رضي الله عنهم

فالخطابة في الجامع الأموي بدمشق تولاها سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام و تولاها أيضا شيخ الإسلام تقي الدين السبكي وولده تاج الدين و غيرهم من أكابر العلماء

ومن لطيف ما يذكر عن جامع عمرو بن العاص أن به زاوية كانت تسمي الخشابية نسبة إلي ابن الخشاب وهذه الزاوية هي المكان الذي كان يجلس فيه سيدنا الإمام الشافعي فكان علماء مصر يعتبرون الجلوس مكان الإمام الشافعي أعلي من كل المناصب فدرس بالخشابية الأئمة ابن الخشاب و شمس الدين بن اللبان و عز الدين بن جماعة و بهاء الدين السبكي و بهاء الدين بن عقيل و سراج الدين البلقيني و ابنه علم الدين و هلم جرا

وجامع أحمد بن طولون كان منارة لا سيما في عصر المماليك فكان يدرس فيه الفقه الشافعي تولي ذلك شيخ الإسلام تقي الدين السبكي ما يزيد علي عشرين عاما ثم ولده بهاء الدين بعد تولي أبيه قضاء الشام وكان العلامة جمال الدين الإسنوي يقرئ فيه كتب الأصول
أما اليوم فجامع ابن طولون معطل اسما و معني تحت الترميم منذ سنوات !!

وجامع السلطان حسن أعظم الجوامع المصرية بناء كانت به أربعة مدارس للمذاهب الأربعة السنية لا تزال بقاياها موجودة حتي اليوم و قد انقطعت الدروس من هذا المسجد من زمن بعيد حتي أعادها بقوة الشيخ علي جمعة ثم لما تولي منصب المفتي قلت دروسه بالمسجد سوي درس التفسير الذي يلقيه بعد صلاة الجمعة حضرته العام الماضي ولا أعلم هل يعقد الآن أو لا ؟

عماد أحمد الزبن
16-01-2008, 19:27
بارك الله فيك يا سامح