المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العامية في الخطاب الديني



عماد أحمد الزبن
10-01-2008, 14:08
بسم الله الرحمن الرحيم

العامية في الخطاب الديني
الإخوة الأكارم ، أرجو أن تبينوا آراءكم في هذه المسألة ، فهي قضية لغوية ، أحب أن أسمع فيها صوتا غير صوتي .


يسعى الخطاب الديني ، بشتى مستوياته، إلى التأثير في المتلقي، وأهم أدوات هذا التأثير اللغة التي تقرر في ذهن المستمع، انتماء هذا الخطاب إلى المصدر الثابت المقدس؛ لذلك حرص أرباب هذا الخطاب على اختيار اللغة التي تربط ذهن المتلقي بالنص المقدس؛ روما للإقناع والتأثير؛ فكانت العربية الفصيحة لغة الخطاب الديني المؤثر،وأنت خبير بعد، بسبب تجشم بعض الخطباء مخاطر الفصيحة في خطاباتهم؛ وإن لم يتقنوا ذلك، لأنه مركوز في سرائرهم، أن الخطأ في الفصيحة أهون من تعاطي العامية في الخطاب، فالأول سبب الإعراض الجزئي، والاعتراض اللغوي، والثاني سبب عدم الثقة في علم الخطيب .

ولا يبعد أن يكون اختيار الفصيحة في الخطاب الديني، مرتبطا بالحالة الروحية التي تكتنف هذا الخطاب، فالمتلقي ينداح بالفصيحة في دوائر اللغة النبوية، ومستويات التخاطب عند الأجيال التي كانت في مشهد تلقي الوحي .

لذلك؛ فإن العالم والخطيب يعمدان إلى الفصيحة في الخطاب الديني لتحقيق هدفين:
الأول : ضمان التأثير في المتلقي، وتمهيد سبل الإقناع؛ بالتوكؤ على لغة مصدر هذا العلم، أعني لغة القرآن الكريم .
الثاني : خلق حالة من الوعي عند المتلقي بعالـِمية الخطيب؛ فقد ارتبط في ذهن الناس، أن لغة المتكلم عنوان علمه وتمكنه من التحقيق العلمي، ولا نعدم هنا اشتراكا بين هذين الهدفين، فهما في النهاية، يصدران عن معين التأثير والإقناع .

وينجم ههنا سؤال ، يتعلق ببعض من يستعمل العامية في الخطاب الديني، ما تفسير هذه الظاهرة؟ وما تأثيرها في سيرورة العربية ؟

يجب أن نفرق هنا بين مستويين من الخطاب، ومن ثم بين مستويين من المتلقين، فهناك الخطاب الوعظي ، وهناك الخطاب العلمي الذي يقوم على التحقيق والتنظير، وفي الخطاب الوعظي ، هناك مستوى من المتلقين عماده طلاب العلم، ومستوى من العامة، وغالبا نجد في الخطاب الوعظي مستويين لغويين، مستوى اللغة العامية، ومستوى الفصيحة المتوسطة، وعادة تستخدم العامية في المستوى الوعظي الذي يستهدف العامة، وتستخدم الفصيحة المتوسطة في المستوى الوعظي الذي يستهدف طلاب العلم، أما في الخطاب العلمي، فنجد مستويين لغويين، الفصيحة العالية، والفصيحة المتوسطة، وقليلا ما نجد في هذا النوع من الخطاب مستوى اللغة العامية؛ وإن وجد فلأنه قريب من الدروس الوعظية، لا سيما إذا خوطب فيه العامة من المستويات كافة، ولا يخلو أن يكون هذا المستوى دريئة للنقد حتى من العامة الذين لا يتقنون الفصيحة، وهذا أمر نعرفه بالواقع، ومثاله ما كان يقدمه الشيخ محمد متولي الشعراوي، فهو يستخدم العامية المصرية في دروسه العامة التي يختلط فيها الوعظ بالتحقيق العلمي، ولكنني وجدته يستخدم الفصيحة في هذه الدروس ذاتها إذا تجرد الكلام من المواعظ، ودخل مضايق التحقيق العلمي المحض، ثم وجدته في دروس علمية خاصة، وفتاوى علمية، يستخدم الفصيحة حسب، والغريب أنني وجدت أكثر المعجبين بدروسه عندنا، ينكرون استعماله العامية في دروسه، أجل ما استقر في أذهانهم من ارتباط الخطاب الديني بالفصيحة .



والذي يثير الانتباه، أن ظاهرة استخدام العامية في الخطاب الديني، تبدو جلية عند العلماء المصريين، وقد يرجع هذا ، بتقديري، إلى شعور المصري بتقبل الآخرين للغته، وسهولة هذه اللغة، وسرعة فهمها .

ونشير هنا أيضا إلى شعور بعض أرباب الخطاب الديني بضرورة الادّغام بالفضاء الجديد الذي ينداح فيه المتلقي، إذ صار من الواجب الدعوي ملاحقة المتلقي في فضائه الذي أضحى بعيدا عن الصورة التقليدية للخطاب، وبهذا نفسر نجاح (عمرو خالد) مثلا مع هذه الأجيال، التي صارت تستثقل هيئة الشيخ المعمم الذي يتكلم بلغة غير عصرية ،بزعمهم، فمن أراد أن يخاطب هؤلاء من خارج دائرتهم ، الصورة واللغة، فإنه يبعد النجعة، وينتجع الجدب .

ولكن هذه المغامرة تحمل بذرة خطيرة، فإننا بهذا نصطنع هوة بين اللغة والنص المقدس، ونقوض الجسر الذي يربط الفصيحة بالنص المقدس، إذ إننا بهذا نرسخ الفرق بين لغة القرآن، ولغة الدعوة إلى الفكر الذي في القرآن، بما يولد قناعة عند الأجيال بخصوصية لغة القرآن، خصوصية تنأى بها عن أنماط الاستعمال؛ إذ إنها لم تستعمل في أكثر الأمور ادغاما بالقرآن الكريم، فنكون كالذي بنى قصرا وهدم مصرا، وهذه جهة من جهات التحفظ من هذه الظاهرة .

سامح يوسف
11-01-2008, 00:48
هذا إشكال كبير سيدي عماد

فالعوام عندنا في مصر لا يمكن أن يستمعوا إلي الفصحي علي مدار درس كامل أبدا بل و يتهكمون ممن يحافظ علي الفصحي
وقد أورث هذا جهلا كبيرا بالقرآن و اللغة حتي إن بعض النصاري لعنه الله أقام مسرحية هزلية سخر فيها من عدم فهم المسلمين لكتابهم وضرب مثالا علي ذلك بسورة العاديات

والذي أراه أن علي الخطيب و مدرس العلوم الشرعية أن يعلو بمستمعيه شيئا فشيئا لا أن ينزل إلي مستواهم
ولكن تبقي المشكلة كيف يتدرب الخطيب و المدرس علي هذا و الناس مختلفون وما يستوعبه بعض الناس قد يعد من المستغلقات عند الآخرين ولعلك يا سيدي تفيدنا جميعا في هذا الصدد فأنت شيخ العربية وفتاها أدام الله أيامك

عبدالرحمن عثمان الصندلاني
11-01-2008, 02:29
جزاك الله خيرا أستاذنا عماد...

فنعم الموضوع.

والإشكال الذي أشار إليه الأخ الفاضل سامح يوسف كبير جدا في حق أمثالي من العجم الذين تعلموا العربية من القرآن الكريم و الحديث الشريف و كتب الدين و لا يحسنون إلا الفصحى. فنسمع الدرس في المسجد بالفصحى فنخشع و نخضع ثم ينكت الشيخ فجأة بالعامية و يضحك جميع المستمعين سواي حتى الأطفال.

يعني أنا عايز أضحك كمان!!!:confused:

العويني
11-01-2008, 07:34
ما يؤذيني في هذه الظاهرة أمران

الأول : أن كثيرا من الدعاة الذين بدأوا يظهرون على الملأ لا يكادون يستخدمون الفصحى إلا عند قراءة آية أو حديث ، فلو أن الأمر اقتصر على مثل أسلوب الشيخ الشعراوي - رحمه الله - لكان خيرا كثيرا ، مع مراعاة الفارق الكبير بين هذا الجبل وغيره .

الثاني : أن هؤلاء الدعاة حتى عند قراءتهم الآيات والأحاديث يقعون في أخطاء شنيعة قد تحيل المعنى ، أما عند محاولتهم التفاصح وترك اللهجة الدارجة ، فحدث عن المهازل ولا حرج ، وهذه النقطة الثانية هي جوهر الفرق - في نظري - بين عالم متمكن يصل إلى مختلف طبقات المتلقين بأساليب مختلفة من جملتها أن يحدثهم بالدارجة ، وبين من أهو أقرب للعوام منه لأهل العلم ولا يتقنن من لغة الخطاب إلا محادثة الناس بلهجتهم الدارجة .

شفاء محمد حسن
13-01-2008, 21:15
بسم الله الرحمن الحيم

إن كنت لست أهلا لإبداء الرأي، إلا أنني لما رأيت هذا الموضوع وقرأته لم أحتمل أن أمر عليه بلا تعليق، وأنا ممن يعشق لغة العرب ويغار عليها، وأتألم غاية الألم لبعدنا عنها، وجهلنا بها..
وما أرى إلقاء الدروس بالعامية إلا جزء من المخططات لهدم الدين، ويؤسفني أن أرى البعض ينخدع بأساليب تزييف الباطل، ويسير وراء من ينادي بالتنازل من أجل الشباب، وهكذا يبدأ التدرج بالانحراف، يبدأ بالتنازل عن لغة الدين، وينتهي بالتنازل عن الدين كله بعد أن يتنازل عن مبادئه الواحد تلو الآخر..
لم أستمع لعمروا خالد أو غيره من الدعاة الجدد، إلا أن صاحبتي أحضرت لي تسجيل درسه، ولكني لم أحتمل أن أصمد أمام الشاشة أكثر من دقيقتين، فلم تتقبل أذناي سماعه وهو يتحدث بالعامية، ولا عيناي رؤيته، ولم أملك إلا أن أقول: ويل للإسلام من أمثال هؤلاء الدعاة الجدد (ولست أتكلم عن ذات عمرو خالد أو غيره، بل عن الطريقة التي انتهجوها بالدعوة)..
وقد سمعنا إلى أي مستوى وصل وأمثاله في الفضائيات، فلم يبقوا من الإسلام إلا اسمه، وليتهم تخلو عن اسمه وعملوا بعيدا عنه، فذاك أسلم لهم وللدين، فقد نسي الدعاة أن أسلافنا فتحوا العالم شرقا وغربا وما تنازلوا عن دينهم قيد شعرة، وأبدلوا قول الله تعالى: {يأيهاالذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} بقولهم: يا أيها الذين آمنوا عليكم دعوة الناس، لا يضركم أن تضلوا إذ هديتم غيركم..
وكما قلتم شيخنا الفاضل:نبني قصرا ونهدم مصرا..
وإن كان دعاة مصر قد انتشرت عندهم العامية، فذاك أهون في نظري من دعاة الكويت الذين انتشرت بينهم اللغة الأجنبية، فهم يدروجونها في دروسهم، بل وفي خطب الجمعة أحيانا، ووصل الأمر بين العامة إلى حد أن يستنكروا بل ويسخروا ممن يستخدم الكلمات العربية في بعض المصطلحات، كالهاتف، والجوال، والبريد الإلكتروني، والرسالة، والشبكة أو الخط، والفصل الدراسي، والامتحانات النهائية، و كلمات الاعتذار والمجاملات، وغيرها الكثير جدا، حتى صار الجيل الجديد لا يعرف معنى هذه الكلمات باللغة العربية، وهذا في كلامهم، وأما في الكتابة فقلما نجد أحدا من الجيل الجديد يكتب بالحروف العربية، بل يكتبون العربية بالحروف الأجنبية، ويستعمل هذه الحروف كذلك بعض الدعاة في إعلاناتهم عن دروسهم، ومن كتب من العامة بالحروف العربية فبلهجة عامية، لا تكاد تفهم..
ولا نسمع من الناس بعد الإنكار عليهم إلا الكلمة المعتادة: ما هو الدليل الشرعي على منع الكلام باللغة الأجنبية، أو الكتابة بحروفها، أو إلقاء الدروس بالعامية؟؟!!
فلا نملك حينها إلا أن نقول:

فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل

أعلم أنني ابتعدت عن الموضوع،ولكني كتبت ما جال في ذهني، وهاج في قلبي، دون تنسيق، فسامحوني إن أسأت التعبير..

عبدالرحمن عثمان الصندلاني
14-01-2008, 01:15
...وأبدلوا قول الله تعالى: {يأيهاالذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} بقولهم: يا أيها الذين آمنوا عليكم دعوة الناس، لا يضركم أن تضلوا إذ هديتم غيركم..


سبحان الله! أدهشتني هذه الترجمة من لسان الحال إلى لغة التنزيل. أكرمك الله يا شفاء. فهذا يلخص الحال تماما في ضوء القرآن.

ماهر محمد بركات
14-01-2008, 22:09
أرى أن الخطاب الشرعي نوعان :

خطاب علمي أكاديمي يعنى بتدريس طلاب العلم بالدرجة الأولى المناهج العلمية الشرعية فهذا النوع يجب أن تكون اللغة العربية عمدته وأساسه .

وخطاب وعظي ارشادي دعوي وهو موجه لكل الناس العوام منهم وغير العوام فهذا النوع من الخطاب لايشترط فيه اللغة العربية الفصحى بل الغرض منه يحصل بمخاطبة الناس ولو بلهجاتهم العامية .

وهذا أمر عهدناه من شيوخ وعلماء أفاضل يتكلمون العامية كثيراً في مجالس الوعظ لأن فهم المعنى وايصال المراد من الكلام لايتوقف فيه على شكل الكلام ولفظه بل على المعنى فحسب بل أحياناً كثيرة يكون مخاطبة الناس في الوعظ بلهجاتهم أقرب لهم في فهم المعنى والتأثر به .

والقاعدة في الخطاب الديني (خاطبوا الناس على قدر عقولهم) هي التي تحدد صياغة الخطاب والله أعلم .

قتيبة بن محمود الفارس
15-01-2008, 14:49
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبارك في الإخوة غيرتهم على لغتنا العربية ولكن لا بد لنا مناقشة هذا الموضوع من جوانب عدة
الأول: كيف انتشرت العامية وطغت على أمها الفصحى؟؟؟
الثاني: مدى ارتباط أهل اللغة العربية في لغتهم؟؟؟
الثالث: هل العربي يغار على لغته أو أن هذا هاجس يحلم به؟؟؟
الرابع: ماذا يترتب علينا حيال سطوة العامية؟؟؟
أسئلة يجب أن تطرح على نفس كل واحد منا...

أقول وبالله التوفيق أننا لو كنا نغار على لغتنا لوجدنا أنفسنا نهرع إلى أصول العربية لتعلمها ،
فلو أنا بحثنا عن سبب ضعفنا - نحن طلبة العلم - وأزلنا هذا الضعف لكنا حجر أساس في إعادة تشييد صرح العربية ولكن انظروا معي إلى هذه الصورة: المعلم - أعني معلم العربية - عليه لوم وأي لوم ولكن لا يحمل هذا اللوم وحده بل كل من يسير في سلك التدريس أيا كان تخصصه فهو متهم في نشر العامية .
نتحدث نحن عن الجيل الجديد الذي لا يفهم الخطاب الديني إلا بالعامية، أسألكم من الذي قوى عند هذا الجيل غلبة العامية على الفصحى؟؟؟ لا جواب

أعتقد يا سيدي عماد وإخواني الأعزاء أن من ينصب نفسه للتدريس ( أعني جميع العلوم دينية ودنيوية ) لا بد أن يقوي غلبة الفصحى على العامية في نفسه ولسانه ، فلو شددنا أزرنا وغيرنا من هذا الواقع لوجدنا اللغة العربية متمثلة في الفصحى على ألسنة الأطفال فيكبر هذا الجيل الذي لا يفهم سوى الفصيحة .
وحينئذ يتلقى الخطاب الديني فصيحا وينكر على من يتكلم العامية.

سوف نجلس مائة عام نندب سطوة العامية على الفصحى إذا ما فكرنا في تحرير ألسنتنا من قيود العامية.

هذا موضوع شائك أهم سبب في هذه المشكلة ضعف الطلاب في العربية ليكبر الطالب ويصبح داعية أو معلما ويعمل على مسح ما تبقى من آثار للفصحى، إذا كنا غيورين فعلا على لغتنا فلا بد لنا أن نقف الآن ونشمر عن السواعد ونحصل على الفصحى من أفواه العلماء والكتاب الفصحاء.

قد يكون كلامي في غير محله لكنه يدعم جزءا من الحل

عماد أحمد الزبن
16-01-2008, 19:36
الإخوة الأكارم ، بارك الله فيكم ، وزادكم علما وأدبا
آراؤكم ثمينة ، وأفكاركم محترمة ، وأشكر لكم حسن أدبكم بالجواب ، وتواضعكم في الرد ، ويبقى في النفس أشياء