المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإشارة



عماد أحمد الزبن
10-01-2008, 14:03
بسم الله الرحمن الرحيم


الإشارة :

1ـ قال أبو هلال العسكري في الصناعتين : الإشارة أن يكون اللفظ القليل مشاراً به إلى معان كثيرة، بإيماء إليها ولمحة تدل عليها، وذلك كقوله تعالى: " إذ يغشى السّدرة ما يغشى " . وقول الناس: لو رأيت عليّا بين الصفين، فيه حذف وإشارة إلى معان كثيرة.

الفرق بينها وبين الكناية :

ههنا نكتة ذكرها أسامة بن منقذ في البديع في الفرق بين الكناية والإشارة : اعلم أن الفرق بين الكناية والإشارة، أن الإشارة ترتبط بكل شيء حسن، وتشير إليه، والكناية ترتبط بكل شيء قبيح، وتكني عنه ،مثل قوله عز وجل: " فيهن قاصرات الطرف " ، إشارة إلى عفافهن. وقوله سبحانه: " كانا يأكلان الطعام " كناية عن قضاء الحاجة . وهذا فرق وظيفي كما ترى ، وليس ذاتيا .

2ـ وقال المظفر بن الفضل في نضرة الإغريض في نصرة القريض : والإشارة من محاسن البديع، ومعناه اشتمالُ اللفظِ القليل على المعاني الكثيرة وإنْ كان بأدْنى لمْحٍ يُستدل به على ما أُضمِرَ من طويل الشرحِ كقولِ امرئ القيس:
على هيكلٍ يُعطيكَ قبلَ سؤالهِ ... أفانينَ جرْيٍ غير كزٍّ ولا وانِ
تأمّل ما تحت لفظة أفانين، وما اقترنَ بها من جميع أصناف الجوْدة، ثم نفى عنه الكزازة والوَنى وهُما أكبر معايب الخيْلِ.
3ـ وجعل ابن رشيق في كتابه العمدة الإشارة من غرائب الشعر وملحه، وبلاغته العجيبة، تدل على بعد المرمى وفرط المقدرة، وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرز، والحاذق الماهر، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة، واختصار وتلويح يعرف مجملاً، ومعناه بعيد من ظاهر لفظه .
4ـ وجعل بعض البلاغيين الكناية والتعريض والتتبع من أنواع الإشارة .
5ـ الإشارة عند الجاحظ :

الإشارة الحسية عند الجاحظ من خلال نصوصه :
1ـ قال في البيان والتبيين: فأمّا الإشارة فباليد، وبالرأس، وبالعين والحاجب والمَنْكِب، إذا تباعَدَ الشخصان، وبالثَّوب وبالسَّيف، وقد يتهدَّد رافعُ السَّيف والسَّوط، فيكون ذلك زاجراً، ومانعاً رادعاً، ويكون وعيداً وتحذيراً، والإشارة واللّفظ شريكان، ونِعْم العونُ هي له، ونعم الترجمانُ هي عنه، وما أكَثرَ ما تنوب عن اللّفُظِ، وما تُغني عن الخطِّ، وبعدُ فهل تَعدو الإشارةُ أن تكون ذاتَ صورةٍ معروفةٍ، وحِلْية موصوفة، على اختلافها في طبقاتها ودلالاتها، وفي الإشارة بالطَّرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح، مرفقٌ كبير ومَعُونة حاضرة، في أُمورٍ يستُرها بعضُ النَّاسِ من بعض، ويخفونها من الجليس وغيرِ الجليس، ولولا الإشارةُ لم يَتفاهم النَّاسُ معنَى خاصّ الخاصّ، ولَجَهِلوا هذا الباب البتّة ...
قلت : وهذا بمعنى الإشارة بالبدن ؛ بما يساعد المتكلم على توضيح مراده ، والجاحظ يمدح الإشارة ، ويجعل مبلغها أبعد من مبلغ الصوت ! فيقول في ذات الصفحة : هذا ومبلغُ الإشارة أبعَدُ من مبلغ الصَّوت، فهذا أيضاً باب تتقدَّم فيه الإشارةُ الصوتَ، والصوتُ هو آلةُ اللَّفظِ، والجوهرُ الذي يقوم به التقطيع، وبه يُوجَد التأليف، ولن تكون حركات اللسان لفظاً ولا كلاماً موزوناً ولا منثوراً إلاّ بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاماً إلا بالتقطيع والتأليف، وحُسنُ الإشارة باليدِ والرأسِ، مِن تمام حسن البيان باللسان، مع الذي يكون مع الإشارة من الدَّلِّ والشَّكل والتقَتُّل والتَثَنِّي، واستدعاء الشّهوة، وغير ذلك من الأمور.
3ـ وقال : وكان أبو شَمِرٍ إذا نازع لم يحرِّكْ يديه ولا مَنْكِبيه، ولم يقلّبْ عينيه، ولم يُحرِّكْ رأسَه، حتَّى كأنَّ كلامَه إنما يخرج من صَدْع صخرة، وكان يَقضِي على صاحب الإشارة بالافتقار إلى ذلك، وبالعجز عن بُلوغ إرادته، وكان يقول: ليس من حقِّ المنطق أن تستعين عليه بغيره، وحتَّى كلّمه إبراهيمُ بن سيَّار النّظَّامُ عند أيوبَ بن جعفر، فاضطرَّه بالحجَّة، وبالزيادة في المسألة، حتّى حرَّكَ يديه وحَلَّ حُبْوَتَه، وحَبَا إليه حتى أخذ بيديه، وفي ذلك اليوم انتقل أيُّوبُ من قول أبي شَمِر إلى قول إبراهيم، وكان الذي غَرَّ أبا شَمِرٍ ومَوَّهَ له هذا الرأي، أنَّ أصحابه كانوا يستمعون منه، ويسلِّمون له ويميلون إليه، ويَقْبلون كلّ ما يُورِده عليهم، ويُثبِّته عندهم، فلما طالَ عليهِ توقيرُهم له، وتَرْكُ مجاذبتهم إيّاه، وخفت مؤونة الكلامِ عليه - نَسِيَ حالَ منازعة الأكْفاء ومجاذبةِ الخصوم، وكان شيخاً وقوراً، وزميتا رَكيناً، وكان ذا تصرف في العلم، ومذكوراً بالفهم والحلم،
4ـ وقال الجاحظ أيضا : وقال ثمامة بنُ أشرس: كان جعفرُ بنُ يحيى أنطَقَ الناس، قد جَمَع الهُدوءَ والتمهُل، والجزالة والحلاوة، وإفهاماً يغنيه عن الإعادة، ولو كان في الأرض ناطقٌ يَستغنِي بمنطقه عن الإشارة، لاستغنى جعفرٌ عن الإشارة، كما استغنى عن الإعادة.
قلت : فالإشارة التي يتكلم عليها الجاحظ ، إشارة حسية مرتبطة بحركات البدن ، وتأثير هذه الحركة في تأدية المعاني ، و يؤكد الجاحظ أهمية الإشارة الحسية في تأدية المعاني ، لذلك كانت من سيما بلغاء العرب .