المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ايمان المقلِّد ، دعوة للحوار



عمار عبد الله
29-11-2007, 17:36
اختلف علماء أهل السنة في ايمان المقلد فجمهورهم على قبوله مع قولهم بوجب النظر في الادلة .
وبعضهم اختار كفره ولكنه قول ضعيف وإن كنت ارى أن له وجها قويا وهو ما أحاول بحثه مع الاخوة هنا.
والذي أرغب في الحوار فيه هو:
لم قبلنا ايمان المقلد من المسلمين وعذرناه في تقليده وغاية ما يقال فيه أنه قصر في واجب النظر .
ولم نعذر مقلدي باقي الملل فعددناهم كفارا بل واعتبرنا أن جهلهم جهلا مركبا لأنهم جزموا بما لم يقم عليه الدليل وكان جزمهم بخلاف الواقع .
أليس الانصاف إما ان نقول بكفر المقلدَين - منا ومن باقي الملل - أو أن نعذر الاثنين ؟؟
وبعبارة اخرة أخرى إن المقلد من المسلمين وان كان جزمه متفق مع الواقع ونفس الامر إلا أن هذا حدث معه اتفاقا أي لوكان في بيئة أخرى لجزم بخلاف ما هو جازم به الان .
طبعا أنا أعلم أن هذا بقضاء الله وقدره وارادته لكل ما هو كائن .
واعلم أن أدلة من قال بقبول ايمان المقلد قائمة على الدلالة العقلية لصدق نصوص القرآن والسنة والوقوف عند ما دلت عليه حوادث السيرة من عدم تفتيش واختبار كل مؤمن وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتفي من الاعراب مجرد تقليدهم لأحدهم في الايمان .
ولكني أرجو بحث المسألة من ناحية فلسفية

يونس حديبي العامري
29-11-2007, 18:17
الإختلاف واسع نعم في هذه القضية والكثير اتخذ فيها رأيا لكن الجمهور على ما ذكرت لكن بشرط إذا كانت له الأهلية للنظر فهذا هو قول الجمهور
لكن أخي المسألة التي ذكرتها هي بعض الأدلة التي تمسك بها العلماء في بداية أمرهم كالشيخ سيدي الأصولي السنوسي وتراجع عنه في الأخير على ما نقل عنه وما كتبه في شرحه
والذي قال بحكم الإسلام للمسلمين المقلدين هو حديث المصطفى الذي رواه مسلم في التقليد في حد ذاته وهو "..وإن كان مسلمين فمسلم.." فهو صلى الله عليه وآله أثبت له الإسلام ولكن بقي علاج القضية من حيث الفرق من حيث الفلسفية سيكون لي رأي لكن بعد أن يمد كل واحد بدلوه

عمار عبد الله
29-11-2007, 23:15
جزاك الله خيرا ........
وننتظر الاخوة الافاضل

ماهر محمد بركات
30-11-2007, 01:00
والذي قال بحكم الإسلام للمسلمين المقلدين هو حديث المصطفى الذي رواه مسلم في التقليد في حد ذاته وهو "..وإن كان مسلمين فمسلم.."

هل لك سيدي يونس أن تنقل لنا نص الحديث كاملاً لو تكرمت ؟

ماهر محمد بركات
30-11-2007, 01:11
أخي عمار :

ايرادك التالي جيد ووجيه جداً :
(وبعبارة اخرة أخرى إن المقلد من المسلمين وان كان جزمه متفق مع الواقع ونفس الامر إلا أن هذا حدث معه اتفاقا أي لوكان في بيئة أخرى لجزم بخلاف ما هو جازم به الان .)

شخصياً لا أعرف جواب الجمهور القائلين بصحة ايمان المقلد على هذا الايراد ؟

بانتظار بقية الاخوة .

سعيد فودة
30-11-2007, 09:38
الإخوة الأفاضل،
إن سمحتم لي بالكلام في هذه المسألة مركزا على محل الاستشكال ملخصا المعنى بحسب ما يكفي بإذن الله تعالى:
أقول:
لو فرضنا أن الله تعالى قد خلق الإيمان في نفس شخص ابتداء وكان هذا بحيث لا يشك فيه وإن أوردت عليه الشبه، يعني صار كالعلم الضروري في ثبوته في نفس الإنسان وإن لم يكن عن دليل، فهل تقول إنه مؤمن أو لا؟
المقصود بالنظر -وإن كان في نفسه واجبا- هو الوصول إلى الإيمان الجازم، وقد وصل إليه المقلد بغير نظر، فغاية ما يقال إنه قصر في البحث والنظر تقصيرَهُ في واجبٍ شرعيٍّ، ولا ينقض ما قام في نفسه من إيمان بحجة أنَّه لم يقم على نظر، لأنه في الحقيقة قائم فيها ثابت لا يقبل الشك ولا تأثير الشبه إذا وردت.
أما أن يقال : هذا الرجل لو كان في بلد غير مسلم لصار مثلهم، فنقول: نعم هذا الاحتمال وارد عقلا، إلا أن الحاصل أن هذا الرجل ولد في بلد مسلم وقبل الإسلام تقليدا بلا دليل واستقرت نفسه عليه وقبلته ورضيت به. فلا يقال له لو كنت في بلد آخر لما كنت كذلك، فالثابت عادة لا ينقضه الاحتمال العقلي، والمشروط فقط إنما حصول الإيمان لا وجوب حصوله.
فغاية ما ينقضه هذا الاحتمال إنما هو وجوب حصول ما حصل، يعني إن الاحتمال العقلي المذكور إنما ينقض كون إيمان هذا الرجل واجبا، ولكن لا يوجد شرط لقبول الإيمان أن يكون الإيمان واجبا لا جائزا ممكنا مرجَّحا بإرادة الإنسان، ولم يشترط لهذا الترجيح أن يكون بدليل إلا عند من كفر المقلد، وأما غيره فاكتفى لقبول الإيمان أن يرجح الرجلُ الإيمان بإرادته قابلا له مطمئنا به.
وأضيف إلى هذا سؤالا:
هل يمكن حصول الإيمان في نفس إنسان عادةً بدون أن يعرف مطلقا أي مرتبة من مراتب الأدلة الإجمالية أو التفصيلية؟
يعني هل يتصور عادة في إنسان يعيش وسط مسلمين أن لا يقدر على معرفة دليل إجمالي كالأدلة التي اكتفى بها العلماء في قبول الإيمان.
والله الموفق.

عمار عبد الله
30-11-2007, 11:16
سيدي الشيخ سعيد
جزاكم الله خيرا على مشاركتكم
قد أعيد عرض ما أشكل علي بصورة أخرى
ان صورة المقلدَين - منا ومن باقي الملل - هي جزم بدون دليل .
ومهما وردت من شبه أو أدلة عليهما فلن يغيرا موقفهما وما اعتقداه تقليدا .
أي بعبارة أخرى كلاهما يتفقان في الصورة الا أن من كان منا اتفق له أن كان جزمه مطابق للواقع .
وحتى لو لم يكن مطابقا لما حاد عن هذا الجزم ولو أتيته بكل دليل .
فهذه العقلية التي تجزم بدون دليل ولا تغير جزمها مهما ورد عليها من أدلة أو شبه واحدة في كل المقلدين
وقد عاب القرآن هذه العقلية فقال الله في كتابه العزيز واصفا لهم ومبينا لحالهم
( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) )الاعراف
( وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43)أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) ) الفرقان
وانظروا حال مقلدي الوثنية كيف استمروا على تقليدهم رغم كل دليل أتاهم .
وقد عاب القرآن هذه الصورة من حيث هي صورة تقليد بدون دليل لا يتزحزح بكل برهان .
وصورة المقلد المسلم لا تختلف عن هذه الصورة الا أنه اتفق له أن كان جزمه مطابقا للواقع وكان هذا اتفاقا لا بعلم هذا المقلد ولا اختياره .
أما قولكم:

وأضيف إلى هذا سؤالا:
هل يمكن حصول الإيمان في نفس إنسان عادةً بدون أن يعرف مطلقا أي مرتبة من مراتب الأدلة الإجمالية أو التفصيلية؟
يعني هل يتصور عادة في إنسان يعيش وسط مسلمين أن لا يقدر على معرفة دليل إجمالي كالأدلة التي اكتفى بها العلماء في قبول الإيمان.
هذا ممكن عقلا ويؤسفني أن أقول وحاصل في واقع عدد غير قليل .

سعيد فودة
30-11-2007, 11:34
أشكرك على كلامك السابق، وشرحك الدقيق لأصل المسألة
وأنا أعرف حساسيتها ومقدارالإشكال فيها، ولذلك حصل خلاف بين العلماء فيه، فبعضهم صحح التقليد بشرط كونه مطابقا للحق، وبعضهم منع صحته وإن كان مطابقا للوجه الذي قررته، لدقة هذه المسألة ...
ولكن هذا لا يمنع أن المراد من الإيمان هو الرضا بالعقائد وقبول النفس لها،وبهذا يفترق المسلمون عن النصارى والمشركين ونحوهم.
ولا يمنع أيضا أن يكون معرفة الأدلة سببا في زيادة وكمال منزلة المؤمن....
وأما قولك"

وقد عاب القرآن هذه الصورة من حيث هي صورة تقليد بدون دليل لا يتزحزح بكل برهان .

فهو ممنوع، فلم لا يكون الذم واردا على التقليد بشرط كونه غير مطابق للحق، فينفك الإشكال..
والله تعالى أعلم...

ماهر محمد بركات
30-11-2007, 12:56
سيدي الشيخ سعيد حفظكم الله

لو سمحتم لي أن أقول مايعتلج في نفسي حول هذه المسألة

قولكم معتمد على القول بأن المراد والمقصود هو حصول الايمان الجازم في النفس بغض النظر عن وجود الدليل لكن قد يكون هذا القول غير مسلم به أصلاً .. بل يمكن أن يقال أن المقصود هو حصول الايمان الجازم عن دليل وليس وقوع الايمان فحسب وهنا تساق الأدلة من الطرفين لاثبات هذا وذاك ودلائل القائلين بأن المقصود هو حصول الايمان الجازم عن دليل ربما تكون هي الأقوى كقوله تعالى (فاعلم أنه لا اله الا الله ) ولو كان المقصود حصول الايمان في النفس فحسب لقال (فاعتقد أنه لا اله الا الله) ..
ولنا أن نسأل ماهي أدلة القائلين بأن المقصود هو حصول الايمان فحسب ولو من غير دليل حتى نسلم لهم بصحة ايمان المقلد ؟

ثم الذي يتبادر للذهن أنه لايليق بحكمة الله ولابدين الله أن يكون المقصود من الايمان وقوعه وحده فحسب من غير دليل .. لأن الله تعالى - كما ذكر أخي عمار - قد عاب على المشركين تقليدهم وهم في الحقيقة يتبعون أشخاصاً وثقوا بهم لا ديناً قامت لديهم دلائله وكذلك المقلد في الايمان هو يتبع أشخاصاً يثق بهم لا ديناً قامت لديهم دلائله وان أفضى ذلك الى الجزم بالايمان الا أنه قد حصل اتفاقاً لغيره لا لذاته ودين الله أسمى وأعلى من أن يتبعه متبع لغيره لا لذاته فلايكون مقصوداً لذاته بل لغيره وفيه مافيه من النقص الذي قد لايخفى .

ويمكن تقرير المسألة بالشكل التالي :
الجزم لابد له من داعي وسبب فما هو السبب والداعي الذي دعا المقلد للجزم ؟
اما ثقته بأن هذا الدين حق وعند ذلك لابد أن يتوافر لديه الدليل الذي يجعله يثق ويجزم بذلك فلايكون مقلداً ..
أو ثقته بمن قلده أنه لايعتقد الا الحق فرجع الأمر الى أنه تابع للشخص وان أفضت تبعيته هذه الى اتباع الحق لكن اتباعه للحق يكون في هذه الحالة لغيره لا لذاته وهذا ما لايليق بدين الله أن يكون مقبولاً فيه بحال من الأحوال .
وأسأل هل هناك سبب أو داع آخر غير الذي ذكرت يمكن أن يؤدي الى الجزم بالايمان ؟

هذا مع اعترافنا بأن صورة المقلد أساساً صورة نادرة جداً بحيث يصعب تصور مؤمن لايوجد لديه أي دليل اجمالي أو تفصيلي .

وقولكم مولانا :
فهو ممنوع، فلم لا يكون الذم واردا على التقليد بشرط كونه غير مطابق للحق، فينفك الإشكال ..
قد يرد عليه أن الله تعالى عاب عليهم عدم استعمالهم لعقولهم وعدم التفكر في مخلوقات الله تعالى وهو واقع كثيراًُ في كتاب الله فهو قد عاب عليهم عدم استعمالهم للدلائل مما يشير أن عدم استعمالهم للدليل هو المقصود من التشنيع على تقليدهم لا أنه غير مطابق للواقع .

نرجو تبيان هذه الاشكالات سيدي الفاضل ولكم المثوبة والأجر ان شاء الله .

عمار عبد الله
30-11-2007, 12:59
سيدي الشيخ سعيد
قولكم:

فهو ممنوع، فلم لا يكون الذم واردا على التقليد بشرط كونه غير مطابق للحق، فينفك الإشكال..
لم كان استدلالي بالايات السابقة ممنوعا ؟؟
فالسياق يدل على ذم صورة التقليد البعيد عن الدليل والتعامي عن الادلة والاكتفاء بالدين الموروث .
وأحببت نقل كلام الامام الرازي التالي :
"( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44) )
اعلم أنه سبحانه لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته وفي إيراد الشبهات في ذلك ، بين بعد ذلك أنهم إدا رأوا الرسول اتخذوه هزواً فلم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار ، ويقول بعضهم لبعض { أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف» ( إنْ ) الأولى نافية والثانية مخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بينهما .
المسألة الثانية : جواب ( إذا ) هو ما أضمر من القول يعني وإذا رأوك مستهزئين قالوا أبعث الله هذا رسولاً ، وقوله : { إِن يَتَّخِذُونَكَ } جملة اعترضت بين ( إذا ) وجوابها .
المسألة الثالثة : اتخذوه هزواً في معنى استهزؤا به والأصل اتخذوه موضع هزء أو مهزوءاً به .
المسألة الرابعة : اعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول أتوا بنوعين من الأفعال أحدهما أنهم يستهزئون به ، وفسر ذلك الاستهزاء بقوله : { أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً } وذلك جهل عظيم لأن الاستهزاء إما أن يقع بصورته أو بصفته .
أما الأول فباطل لأنه عليه الصلاة والسلام كان أحسن منهم صورة وخلقة ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك ، لكنه عليه السلام ما كان يدعي التمييز عنهم بالصورة بل بالحجة .
وأما الثاني فباطل لأنه عليه السلام ادعى التميز عنهم في ظهور المعجز عليه دونهم ، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته ودلالته ، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم ، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية واستهزؤا بالرسول عليه السلام ، وذلك يدل على أنه ليس للمبطل في كل الأوقات إلا السفاهة والوقاحة .
وثانيهما أنهم كانوا يقولون فيه : { إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } وذلك يدل على أمور :
الأول : أنهم سموا ذلك إضلالاً ، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم وفي استعظام صنيعه صلى الله عليه وسلم في صرفهم عنه ، وذلك يدل على أنهم كانوا يعتقدون أن هذا هو الحق ، فمن هذا الوجه يبطل قول أصحاب المعارف في أنه لا يكفر إلا من يعرف الدلائل لأنهم جهلوه ، ثم نسبهم الله تعالى إلى الكفر والضلال ، وقولهم : { لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } يدل أيضاً على ذلك .
الثاني : يدل هذا القول منهم على جد الرسول عليه السلام واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان ، ولولا ذلك لما قالوا : { إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } وهكذا كان عليه السلام فإنه في أول الأمر بالغ في إيراد الدلائل والجواب عن الشبهات وتحمل ما كانوا يفعلونه من أنواع السفاهة وسوء الأدب .
الثالث : أن هذا يدل على اعتراف القوم بأنهم لم يعترضوا ألبتة على دلائل الرسول صلى الله عليه وسلم وما عارضوها إلا بمحض الجحود والتقليد لأن قولهم : { لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } إشارة إلى الجحود والتقليد ، ولو ذكروا اعتراضاً على دلائل الرسول عليه السلام لكان ذكر ذلك أولى من ذكر مجرد الجحود والإصرار الذي هو دأب الجهال ، وذلك يدل على أن القوم كانوا مقهورين تحت حجته عليه السلام ، وأنه ما كان في أيديهم إلا مجرد الوقاحة .
الرابع : الآية تدل على أن القوم صاروا في ظهور حجته عليه السلام عليهم كالمجانين لأنهم استهزؤا به أولاً ، ثم وصفوه بأنه كاد يضلنا عن آلهتنا لولا أن قابلناه بالجحود والإصرار ، فهذا الكلام الأخير يدل على أن القوم سلموا له قوة الحجة وكمال العقل والكلام الأول وهو السخرية والاستهزاء لا يليق إلا بالجاهل العاجز ، فالقوم لما جمعوا بين هذين الكلامين دل ذلك على أنهم كانوا كالمتحيرين في أمره ، فتارة بالوقاحة يستهزئون منه ، وتارة يصفونه بما لا يليق إلا بالعالم الكامل .
ثم إنه سبحانه لما حكى عنهم هذا الكلام زيف طريقتهم في ذلك من ثلاثة أوجه :
أولها : قوله : { وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً } لأنهم لما وصفوه بالإضلال في قولهم : { إِن كَانَ } بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه فهو وعيد شديد لهم على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر .
وثانيها : قوله تعالى : { أَرَءيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } والمعنى أنه سبحانه بين أن بلوغ هؤلاء في جهالتهم وإعراضهم عن الدلائل إنما كان لاستيلاء التقليد عليهم وأنهم اتخذوا أهواءهم آلهة ، فكل ما دعاهم الهوى إليه انقادوا له ، سواء منع الدليل منه أو لم يمنع ، ثم ههنا أبحاث :
الأول : قوله : { أَرَأَيْتَ } كلمة تصلح للإعلام والسؤال ، وههنا هي تعجيب من جهل من هذا وصفه ونعته .
الثاني : قوله : { اتخذ إلهه هَوَاهُ } معناه اتخذ إلهه ما يهواه أو إلهاً يهواه ، وقيل هو مقلوب ومعناه اتخذ هواه إلهه وهذا ضعيف ، لأن قوله : { اتخذ إلهه هَوَاهُ } يفيد الحصر ، أي لم يتخذ لنفسه إلهاً إلا هواه ، وهذا المعنى لا يحصل عند القلب .
قال ابن عباس : الهوى إله يعبد ، وقال سعيد بن جبير : كان الرجل من المشركين يعبد الصنم فإذا رأى أحسن منه رماه واتخذ الآخر وعبده .
الثالث : قوله : { أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } أي حافظاً تحفظه من اتباع هواه أي لست كذلك .
الرابع : نظير هذه الآية قوله تعالى : { لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ } [ الغاشية : 22 ] وقوله : { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } [ ق : 45 ] وقوله : { لا إِكْرَاهَ فِى الدين } [ البقرة : 256 ] قال الكلبي : نسختها آية القتال .
وثالثها : قوله : { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ } أم ههنا منقطعة ، معناه بل تحسب ، وذلك يدل على أن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها ، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول ، لأنهم لشدة عنادهم لا يصغون إلى الكلام ، وإذا سمعوه لا يتفكرون فيه ، فكأنه ليس لهم عقل ولا سمع ألبتة ، فعند ذلك شبههم بالأنعام في عدم انتفاعهم بالكلام وعدم إقدامهم على التدبر والتفكر وإقبالهم على اللذات الحاضرة الحسية وإعراضهم عن طلب السعادات الباقية العقلية وها هنا سؤالات :
السؤال الأول : لم قال : { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ } فحكم بذلك على الأكثر دون الكل؟
والجواب : لأنه كان فيهم من يعرف الله تعالى ويعقل الحق ، إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة لا للجهل .
السؤال الثاني : لم جعلوا أضل من الأنعام؟
الجواب : من وجوه :
أحدها : أن الأنعام تنقاد لأربابها وللذي يعلفها ويتعهدها وتميز بين من يحسن إليها وبين من يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يميزون بين إحسانه إليهم وبين إساءة الشيطان إليهم الذين هو عدو لهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يحترزون من العقاب الذي هو أعظم المضار .
وثانيها : أن قلوب الأنعام كما أنها تكون خالية عن العلم فهي خالية عن الجهل الذي هو اعتقاد المعتقد على خلاف ما هو عليه مع التصميم .
وأما هؤلاء فقلوبهم كما خلت عن العلم فقد اتصفت بالجهل فإنهم لا يعلمون ولا يعلمون أنهم لا يعلمون ، بل هم مصرون على أنهم يعلمون .
وثالثها : أن عدم علم الأنعام لا يضر بأحد أما جهل هؤلاء فإنه منشأ للضرر العظيم ، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجاً.
ورابعها : أن الأنعام لا تعرف شيئاً ولكنهم عاجزون عن الطلب وأما هؤلاء الجهال فإنهم ليسوا عاجزين عن الطلب ، والمحروم عن طلب المراتب العالية إذا عجز عنه لا يكون في استحقاق الذم كالقادر عليه التارك له لسوء اختياره .
وخامسها : أن البهائم لا تستحق عقاباً على عدم العلم ، أما هؤلاء فإنهم يستحقون عليه أعظم العقاب .
وسادسها : أن البهائم تسبح الله تعالى على مذهب بعض الناس على ما قال { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الأسراء : 44 ] وقال : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السموات } [ الحج : 18 ] إلى قوله : { والدواب } [ الحج : 18 ] وقال : { والطير صافات كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } [ النور : 41 ] وإذا كان كذلك فضلال الكفار أشد وأعظم من ضلال هذه الأنعام .
السؤال الثالث : أنه سبحانه لما نفى عنهم السمع والعقل ، فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين وكيف بعث الرسول إليهم فإن من شرط التكليف العقل؟
الجواب : ليس المراد أنهم لا يعقلون بل إنهم لا ينتفعون بذلك العقل ، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم إنما أنت أعمى وأصم ."اهـ .

عمار عبد الله
30-11-2007, 13:03
سيدي ماهر:
اطلعت على ردكم بعد أن كتبت المشاركة السابقة .
وأحب أن ألفت النظر الى قولكم:

هذا مع اعترافنا بأن صورة المقلد أساساً صورة نادرة جداً بحيث يصعب تصور مؤمن لايوجد لديه أي دليل اجمالي أو تفصيلي .
بأنه توجد في عصرنا صورة أشنع من صورة المقلد .
وهي ليست نادرة .
وحتى لو كانت كذلك فهذا لا يمنع من بحثنا فيها .

سعيد فودة
30-11-2007, 15:05
أين موضع الاستشهاد بكلام الإمام ....؟
وعلى أي شيء تريد الاستدلال به؟
وما وجه الدلالة؟

عمار عبد الله
30-11-2007, 19:11
سيدي الشيخ سعيد:
موضع الاستشهاد من كلام الامام الرازي أنه تكلم عن طريقة تفكيرهم التي أدت بهم الى معاندة الحق .
وأن الذم كان متجه للتقليد الاحمق الذي كانوا فيه .
وخصوصا قوله:

الثالث : أن هذا يدل على اعتراف القوم بأنهم لم يعترضوا ألبتة على دلائل الرسول صلى الله عليه وسلم وما عارضوها إلا بمحض الجحود والتقليد لأن قولهم : { لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } إشارة إلى الجحود والتقليد ، ولو ذكروا اعتراضاً على دلائل الرسول عليه السلام لكان ذكر ذلك أولى من ذكر مجرد الجحود والإصرار الذي هو دأب الجهال ، وذلك يدل على أن القوم كانوا مقهورين تحت حجته عليه السلام ، وأنه ما كان في أيديهم إلا مجرد الوقاحة .
وغير ذلك من كلامه .
وهذا حال كل شخص يجزم على شئ بدون دليل يفيده الجزم .
وقد أوردت كلام الامام بطوله لفائدته .
وما عابه الله على المشركين يجب ألا يكون من صفات المسلمين من باب اولى.
والله اعلم

مصطفى سعيد
03-12-2007, 18:46
وإن كان في نفسه واجبا- هو الوصول إلى الإيمان الجازم، وقد وصل إليه المقلد بغير نظر،
سيدي هل فى أصل الاعتقاد تقليد وكيف أقلد مالا أطلع عليه ؟ ان الايمان سر في قلب أبي أو أهلي
واذا قلدت في القول وقلت مثلهم فالحكم " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون "
فماذا يفعل المقلد عند الفتنة ؟
وان عرض أباه أو شيخه دلائل للايمان وطالبه بالتقليد بعد ذلك في الطقوس والأفعال فأيضا –في رأيى –لايجزأه التقليد وكنت ضربت مثلا لذلك: طفل رأى والده يمتنع عن الطعام ويسمى هذا صيام والسبب أننا في رمضان فصام الطفل تقليداً لأباه ،وفى رمضان القادم صام لأن رمضان قد جاء فهل سينوي الصيام لله أم ينوي الصيام لرمضان أم ينوي تقليد أباه أم لا ينوي لأنه لم يري ولم يعلم أن أباه ينوي ؟وماالحال اذا لم يصم أباه من الأصل ؟
ولذلك أري أن التقليد علي كل المستويات فيه نظر
وحبذا لو علمنا أطفالنا التفكر والبحث عن الأدلة بل واثارة الأسئلة ...و...وكل ما من شأنه أن ينمي ملكة البحث وحب العلم ويبعد عن التقليد

يونس حديبي العامري
03-12-2007, 20:08
الحمد لله
أنا آسف أخي الفاضل ماهر على التأخر..انظر ففي صحيح مسلم ( 4 / 2049 ) جاء فيه " فإن كانا مسلمين فمسلم " .

سامح يوسف
03-12-2007, 20:34
اقرأوا هذه الرسالة اللطيفة لشيخ الإسلام تقي الدين السبكي رضي الله عنه

http://www.aslein.net/showthread.php?t=3635&highlight=%C7%E1%CA%DE%E1%ED%CF

ففيها غنية و كفاية

ماهر محمد بركات
03-12-2007, 20:52
أخي الحبيب يونس :

(ان كانا مسلمين فمسلم ) هذا حكمه في الدنيا ولا خلاف على اسلام المقلد في الدنيا لكي تسري عليه أحكام الاسلام من الارث والزواج والصلاة عليه والدفن وغير ذلك ..

انما الخلاف بين علماء العقيدة هو في حكمه في الآخرة .

عمار عبد الله
04-12-2007, 00:37
سيدي سامح :
شكرا لمشاركتكم
ولكن كلام التقي السبكي رحمه الله قد لا يسلم
وخصوصا قوله :
وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لَا لْمُوجِبُ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ إنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ إلَّا أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ انْفَرَدَ بِذَلِكَ عَنْ طَائِفَتِهِ وَسَائِرِ طَوَائِفِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَخَالَفَ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ فِي ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ لَا يَصِحُّ وَأَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ نَجِدْ لَهُ مُوَافِقًا إلَّا أَبَا هَاشِمٍ ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَحْمِلَ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ .
بل يوجد من الاشاعرة من اختار هذا المذهب وإن كان الجمهور بخلافه .
قال الامام السنوسي :
اعلم - شرح الله صدري وصدرك ، ويسر لنيل الكمال في الدارين أمري وأمرك - أن أول ما يجب قبل كل شئ على من بلغ ، أن يعمل فكره فيما يوصله الى العلم بمعبوده من البراهين القاطعة ، والادلة الساطعة ، الا أن يكون حصل له العلم بذلك قبل البلوغ فليشتغل بعده بالاهم فالاهم .
ولا يرضى لعقائده حرفة التقليد ، فإنها في الاخرة غير مُخَلِّصة عند كثير من المحققين ، ويخشى على صاحبها الشك عند عروض الشبهات ، ونزول الدواهي المعضلات كالقبر ونحوه ، مما يفتقر فيه الى قول ثابت بالادلة ، وقوة يقين ، وعقد راسخ لا يتزلزل ، لكونه نتج عن قواطع البراهين .
ولا يغتر المقلد ويستدل على أنه على الحق بقوة تصميمه ، وكثرة تعبده ، للنقض عليه بتصميم اليهود والنصارى وعبدة الاوثان ، ومن في معناهم ، تقليدا لأحبارهم وابائهم الضالين المضلين .
عقيدة أهل التوحيد ص 3 .

صهيب منير يوسف
04-12-2007, 09:15
وأضيف إلى هذا سؤالا:
هل يمكن حصول الإيمان في نفس إنسان عادةً بدون أن يعرف مطلقا أي مرتبة من مراتب الأدلة الإجمالية أو التفصيلية؟
يعني هل يتصور عادة في إنسان يعيش وسط مسلمين أن لا يقدر على معرفة دليل إجمالي كالأدلة التي اكتفى بها العلماء في قبول الإيمان.
والله الموفق.

أعتقد انه يصعب ذلك و لو نظرنا إلى العامة و العجائز لوجدنا أن الأدلة الإجمالية كقول الأعرابي ( البعرة تدل على البعير .... ) حاصلة عندهم كقولهم لمن أنكر وجود الله ( معقول هالعالم جاي هيك ) و كثيرا ما تسمع منهم الاستدلال على وجوده تعالى بالظواهر الطبيعية كالزلازل و البراكين و الحوادث الكونية الدائمة الحصول أو النادرة الحصول و هذه الأمور يستدل بها العلماء على وجوده و صفاته تعالى و الفرق إنما هو في الاصطلاح و التوسع و التفصيل

و الحق انه يمكن الإيراد على عمار بسؤال من جنس أسئلته فيما يتعلق حتى بالأدلة فالأدلة كما هو معروف مراتب تتفاوت سهولة و صعوبة و قوة و ضعفا فأي مرتية من هذه المراتب يجب على المؤمن تحقيقها حتى يقال عنه إنه مؤمن ؟ و هل الكافر العامي و المتخصص عري عن صورة الدليل الداعم لمذهبه و ملته ؟

حسين القسنطيني
04-12-2007, 09:57
سيدي و شيخنا الفاضل محمد في قولك : أعتقد انه يصعب ذلك و لو نظرنا إلى العامة و العجائز لوجدنا أن الأدلة الإجمالية كقول الأعرابي ( البعرة تدل على البعير .... ) حاصلة عندهم كقولهم لمن أنكر وجود الله ( معقول هالعالم جاي هيك ) و كثيرا ما تسمع منهم الاستدلال على وجوده تعالى بالظواهر الطبيعية كالزلازل و البراكين و الحوادث الكونية الدائمة الحصول أو النادرة الحصول و هذه الأمور يستدل بها العلماء على وجوده و صفاته تعالى و الفرق إنما هو في الاصطلاح و التوسع و التفصيل.... يمكن أن يكون دليلا عند أهل الكتاب كذلك فهم لا ينكرون وجود الله و لا يختلفون معنا في ذلك، و إنما الخلاف بيننا و بينهم من حيث أنهم جعلوا لله الولد و كفرهم بما أنزل على نبينا صلى الله عليه و على آله و سلم، و لكنهم يؤمنون بوجود الله و الآخرة و النبيين و الملائكة و الكتب السماوية، و عامتهم يعتمدون على نفس ما أشرت له من الأدلة الإجمالية، فأين الفرق بينهما؟ و كذلك كان لي تساؤل أردت طرحه و ليعذر المشايخ جهلي، و هو من خلال قول شيخنا الفاضل أنه إيمان يخلقه الله في نفس الإنسان، فربما التبس الأمر على البعض فقالوا بالجبر من هذا الباب أو بالمحاباة تعالى الله عن ذلك...

عمار عبد الله
04-12-2007, 12:18
الاخ محمد هشام
قولكم:

أعتقد انه يصعب ذلك
هو اعتراف بوجود مثله وان كان قليلا ، أي ليس وجوده مستحيلا .
وقد أجبت عن هذا سابقا .
ولست ممن يفتش عن ايمان الناس ليحكم عليهم ، ولكني شاهدت في أرض الواقع أمثلة تتقزز نفسي أن انسبهم الى الاسلام .
وأعيد توضيح المسألة
شخص يجزم بأمر لا دليل عنده عليه ؟؟
فلو تركنا موضوع " نفس الامر " جانبا وبحثنا في فكر هذا الرجل .
من أين أتاه هذا الجزم ؟؟
وما أدراه أن ما جزم به حقا ؟؟
وهل تقليده لغيره يعد كافيا للجزم ؟؟
وهل هذا منهج مقبول في المعرفة ، أعني أن نجزم بقول لغيرنا بمجرد التقليد ؟؟
فلو كان كذلك ، فلم عابه الله على المشركين ؟؟

و الحق انه يمكن الإيراد على عمار بسؤال من جنس أسئلته فيما يتعلق حتى بالأدلة فالأدلة كما هو معروف مراتب تتفاوت سهولة و صعوبة و قوة و ضعفا فأي مرتية من هذه المراتب يجب على المؤمن تحقيقها حتى يقال عنه إنه مؤمن ؟
في الحقيقة جواب ايرادك موجود في كلام الامام السنوسي:
اعلم - شرح الله صدري وصدرك ، ويسر لنيل الكمال في الدارين أمري وأمرك - أن أول ما يجب قبل كل شئ على من بلغ ، أن يعمل فكره فيما يوصله الى العلم بمعبوده من البراهين القاطعة ، والادلة الساطعة
فالجزم يجب أن لا يكون الا بعد دليل قاطع ، وأما غير هذا فلا يفيد الجزم بل الظن وما دونه .

و لو نظرنا إلى العامة و العجائز لوجدنا أن الأدلة الإجمالية كقول الأعرابي ( البعرة تدل على البعير .... )
فرق بين دليل اجمالي وعدم الدليل أصلا .
والمقلد الذي نتكلم عنه هو من اكتفى بالتقليد بدون أي دليل سوى مجرد التقليد .
فهل مجرد التقليد والجزم بهذا التقليد كاف للايمان الذي يجب أن يكون قطعيا أو لا .

الاخ حسين :

و هو من خلال قول شيخنا الفاضل أنه إيمان يخلقه الله في نفس الإنسان،
هذا على مذهب الاشاعرة
أي ان النتيجة - والتي هي الايمان هنا - تكون بخلق الله عادة بعد المقدمات الدالة عليها .
وذهبت المعتزلة الى أن هذه النتيجة تكون بالتولد من المقدمات .
وذهبت الفلاسفة الى ان النتيجة تكون معلولة للمقدمات .
فلا يلزم من ذلك جبر ، وهذا ما أظنك قصدته فلم يبدو لي من أين اقتبست هذا الكلام .

naser Ameen naser
04-12-2007, 15:24
كنت قد كتبت هذا الرد صباحا وتعطل الانترنت قبل مداخلة محمد عبدالله وحسين وعمار
فاسمحوا لي ان اضعه ولو فات وقته

قد يكون هنالك فرق بين مسالة ايمان المقلد واستشكال الاخ عمار من حيث الواقع

**********************************
قال الامام التفتازاني في شرحه للمقاصد
فان قيل : ان أكثر أهل الإسلام آخذون بالتقليد، قاصرون أو مقصرون في الإسلام، ولم يزل الصحابة ومن بعدهم من الأئمة والخلفاء يكتفون منهم بذلك، ويجرون عليهم أحكام المسلمين، فما وجه الاختلاف ؟ وذهاب كثير من العلماء والمجتهدين إلى أنه لا صحة لإيمان المقلدين ؟

قلنا: ليس الخلاف في هؤلاء الذين نشأوا في ديار الإسلام من الأمصار والقرى والصحارى، وتواتر عندهم حال النبي صلى الله عليه وسلم، وما أوتي به من المعجزات ولا في الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، فإنهم كلهم من أهل النظر والاستدلال، بل فيمن نشأ على شاهق جبل مثلاً ولم يتفكر في ملكوت السموات والأرض، فأخبره إنسان بما يفترض عليه اعتقاده، فصدقه فيما أخبره بمجرد إخباره من غير تفكر وتدبر، انتهى.


المقصد ان الخلاف الواقع بين المتكلمين في ايمان المقلد اقرب الى الخلاف النظري الا ان سلمنا بان مصداق المسالة متحقق وليس نادرا جدا

ومصداق المسالة لا يتوفر الا :
1* يتحقق في حق من نشأ في شاهق جبل (لان من نشا في الامصار لا يخلو من دليل اجمالي
كقولنا لا شيء بلا سبب والله سبب الكون فليس احد لا يعلم مثل هذا)

*ولم يخالط الناس (فلم تتكون عنده طريقة استدلال ولو عامية بسيطة )

*ولم تبلغه الدعوة

2* ولم يتفكر
3* وأخبره إنسان بما يفترض عليه اعتقاده
4* صدقه من غير تفكر



*************************************************
الفرق بين من ينشا في بلاد المسلمين وبلاد غير المسلمين وهو اساس سؤال الاخ عمار

ان هذه المسالة ليست مندرجة تحت التقليد الذي بحثه العلماء فهي مسالة اخرى

كليهما (من نشا في بلاد المسلمين ومن نشا في غيرها )لا يخلو عن دليل اجمالي(وهذا هو محل التباين بين مسالة ايمان المقلد ومن نشا في غير بلاد المسلمين ) ولا يخلون عن طريقة تفكير ولوبسيطة

الا ان الاختلاف في صحة هذا الدليل الاجمالي (بين من نشا في بلاد المسلمين ومن نشا في غيرها ))
وتترقى درجة الدليل الاجمالي بترقي صاحب الدليل
وكل صاحب درجة دليل لا شك في انه يمتلك كلاما نفسيا على الاقل ينقض دليله الاجمالي الخاطئ

فمثلا النصراني يمتلك دليلا اجماليا على التثليث بحسبه لكنه يمتلك دليلا اجماليا ينقض التثليث بحسبه
فكل نصراني يعلم علما اقوى من علمه بالتثليث ينقض التثليث
فان الواحد لا يساوي الثلاثة اوضح عنده من التثليث ودليله (وهي معلومة اضطرارية لا سبيل لدفعها )
فاذا ترقى في مفهوم التثليث ودليله لا شك انه يترقى معه الادلة الناقضة
فالفهم للشخص الواحد يترقى بعقليته
وعقليته التي قادته الى الترقي بالتثليث هي التي تقوده بنفس المستوى الى الترقي في نقضه بحسبه
الا ان التقليد هو الدافع لتجاهل وارد النقض او غيره من الدوافع

ولعل هذا التقليد هو الذي عابه القران وهو الذي يحمل عليه كلام الرازي
************************************************** *

فالتقليد في المسالة الاولى لا دليل اجمالي فيه ولم يتحقق تفكر
اما في المسالة الثانية ففيه دليل اجمالي وتحقق التفكير فيه ولو بالمستوى البسيط العامي

************************************************** **
ملخص:
**مسالة ايمان المقلد ناردة التحقق جدا (الا اذا اخذنا بعين الاعتبار بلوغ الدعوة وحده بغض النظر عن الدليل الاجمالي وغيره)
**سؤال الاخ مختلف عن مسالة ايمان المقلد فالواقع الذي يتحدث عنه الاخ غير واقع مسالة ايمان المقلد
فالاول ايمان بلا دليل والثاني ايمان بدليل اجمالي خاطئ يمكنه دفعه لكن بسبب الكبر او الجحود او العادات او التقليد مع ورود خاطر النقض الذي هو اقوى من الخاطئ يمتنع
**

ملاحظة :
قول الاخ عمار
هو اعتراف بوجود مثله وان كان قليلا ، أي ليس وجوده مستحيلا .

بل اذا تجاوزنا عن بلوغ الدعوة فان الحالة التي تكلم العلماء عنها اقرب الى الاستحالة فان يتحقق
* يتحقق في حق من نشأ في شاهق جبل *ولم يخالط الناس*ولم تبلغه الدعوة
2* ولم يتفكر
3* وأخبره إنسان بما يفترض عليه اعتقاده
4* صدقه من غير تفكر

لا شك انها مقيدات لا تنطبق على من يعيش في المجتمعات
****************************************
بالشرع (على فرض تحقق الحالة):
الايمان واجب هو مدار الخلود في النار من عدمه
النظر واجب ولا يترتب عليه وحده خلود في النار

والمقلد المسلم حصل الاولى دون الثانية
والمقلد غير المسلم لم يحقق الاولى ولا الثانية
كليهما مقصر ولكن
المسلم حصل الاولى من غير اجتهاد منه وانما بفضل الله
والثاني عامله الله بعدله ولم يكتب له ان ينشا بين المسلمين فيحصل الاولى
"يهدي من يشاء "

والله تعالى لا يسال عما يفعل

عمار عبد الله
04-12-2007, 16:11
الاخ ناصر :
المسالة التي نتكلم عنها هنا هي مسألة التقليد في الايمان .
أما مسألة الدعوة وبلوغها أو عدمه فبحث أخر .
وفي تقسيم الامام السبكي في رابط الاخ سامح تفصيل ذلك فأرجو ان تراجعه .
مع ملاحظة أن حصره خيار كفر المقلد بابي هاشم لا يسلم وبدليل كلام التفتازاني الذي نقلته:
وذهاب كثير من العلماء والمجتهدين إلى أنه لا صحة لإيمان المقلدين ؟
وقول الامام التفتازاني:
قلنا: ليس الخلاف في هؤلاء الذين نشأوا في ديار الإسلام من الأمصار والقرى والصحارى، وتواتر عندهم حال النبي صلى الله عليه وسلم، وما أوتي به من المعجزات ولا في الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، فإنهم كلهم من أهل النظر والاستدلال، بل فيمن نشأ على شاهق جبل مثلاً ولم يتفكر في ملكوت السموات والأرض، فأخبره إنسان بما يفترض عليه اعتقاده، فصدقه فيما أخبره بمجرد إخباره من غير تفكر وتدبر، انتهى.
تمثيل دقيق لأصل المسألة .
أي هل من قلد في الاسلام وجزم به بدون دليل يكون اسلامه منجيا في الاخرة ؟؟
ذهب البعض الى قبوله لأنه وافق الواقع ونفس الامر وعد هذا الرجل مقصرا في النظر ، وهم الجمهور .
وذهب غيرهم الى عدم قبوله .
وقد بينت هذا سابقا .

سامح يوسف
04-12-2007, 20:16
السلام عليكم

أري أولا ان حصر المسألة المتكلم عليها مهم

فكما قال الإمام تقي الدين السبكي :

النَّاسُ فِي اعْتِقَادِ الْإِيمَانِ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ:
الْعُلْيَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ إما بالنظر والاستدلال و إما بالتفكر في الأنفس وفي الآفاق
وَالْوُسْطَى أَهْلُ الْعَقِيدَةِ مَعَ التَّصْمِيمِ
وَالدُّنْيَا مَنْ لَمْ يَحْصُلُ عِنْدَهُ تَصْمِيمٌ ، وَلَكِنَّهُ قَلَّدَ فِيهِ كَمَا يُقَلِّدُ فِي الْفُرُوعِ مع وَهَذَا لَا أَعْلَمُ أَحَدًا صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَكْفِي

فالطبقة العليا لا كلام فيها
والطبقة الدنيا من قلدت بلا تصميم مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي خِلَافِ ما قلدت فيه لا يكفي ذلك منها بالاتفاق

والطبقة الوسطي لديها الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ والمخالف فيها أبو هاشم وحده كما يقتضيه كلام الإمام السبكي و بعض المحققين كما يقتضيه كلام الإمام السنوسي الذي نقله أخي عمار

وعليه فالطبقة الوسطي هي محل الكلام

وفي تصورها صعوبة إن لم أقل استحالة فالإنسان الذي علي جبل شاهق الذي قلد في أصل الإيمان تقليدا جازما وعلم انه لا إله إلا الله و أن إلي الله المصير وأن الله وحده هو من ينفع ويضر لابد ان هذا الإنسان بمرور الوقت عليه سيتحقق عنده بعض النظر فيعلو إلي الطبقة العليا
فمن لا ينظر ونعم الله تتوالي عليه ؟!
ومن لا ينظر و النقم تتجافي عنه ؟!
ومن لا ينظر وقد دعا الله بدعاء فاستجاب الله له فازداد هو إخباتا و خشوعا ؟!
ومن لا ينظر وهو يري صاحبه الذي قلده في أصل الدين قد مات و أفضي إلي ما قدّم ؟!
أعتقد أن لا أحد

والله تعالي اعلم

عمار عبد الله
04-12-2007, 20:40
اعتقد الان أن صورة المقلد المختلف فيه قد اتضحت تماما .
واتضح وجاهة كلا القولين .
فمن قال بقبوله كان نظره متجه الى أنه وصل الى المقصد .
ومن رده كان نظره متجه الى أنه لم يسلك الوسائل الموصلة الى المقصد وهو الايمان بالله .
وإن كنت أميل الى القول الثاني لأن الاسلام اهتم بالوسائل الموصلة الى الغاية كما اهتم بالغاية .
ولا أجد أن التقليد وسيلة مقبولة للوصول الى الايمان ، بل أراه مذموما مطلقا .
والله أعلم .

مصطفى سعيد
07-12-2007, 21:20
ولتفعيل هذا الذي تراه يجب علي الجميع تنشئة الأبناء علي عدم التقليد وتعليمهم التفكير والبحث والسؤال لأنها مفاتيح العلم

عمار عبد الله
07-12-2007, 22:17
نعم أخي الفاضل
فأول واجب على المكلف هو النظر الموصل لمعرفة الله بالادلة اليقينية كما هو مقرر .
وهذا يدفع الانسان الى البحث والتفكر في الخلق وفي الوجود وباقي المطلب العليا .

همام ابراهيم طوالبه
07-12-2007, 22:35
أخي عمار:
وربما أضيف أن الله تعبدنا بالعادة التي أجرى عليها كونه
والعادة التي خلق الله عليها حصول الاعتقاد هو وصول الانسان لها بالدليل(على قول الامام الأشعري)
فالدليل واجب طلبه من هذه الحيثية
ولكن:
ألا ترى معي سيدي أن كلامنا هنا من باب أن الدليل مطلوب لا أن الايمان لا يصح عند الله الابه
فاطلب منكم ايها الاخوة أن نبين التلازم بين طلب الدليل وصحة الايمان
أما طلب الدليل فهو مسلم ولكن هل يدخل في صحة الايمان أم لا؟
وهل يتوقف الايمان عليه أم لا؟
أعتقد أن الامر يحتاج الى مقدمات أخرى
والله أعلم

عمار عبد الله
07-12-2007, 23:32
سيدي الفاضل همام :
وجه التلازم بين الدليل والايمان هو أن الايمان هو نتيجة للدليل .
ولا يقبل الايمان الا إن كان قطعيا .
وعليه فدليله يجب ان يكون مفيدا للقطع .
أما لو قطع شخص بدون دليل فهل يقبل هذا القطع منه !!
وهل التقليد يفيد القطع أصلا !!
أما أنا فلا أرى ذلك .
وأنا لا أتكلم هنا عن الالهام .
ومع أن الالهام أيضا هو علم بالنتيجة - الايمان - والدليل أيضا .
واحب أن أوضح أكثر بمثال
فلو جزمت تقليدا بان الله جسم .
أو ان الله ثالث ثلاثة .
فهل سيقبل الله مني أن قلدت غيري من أهل الشهرة في هذا ؟؟
واكتفيت بهذا التقليد وجزمت ببطلان كل ما سواه !!

همام ابراهيم طوالبه
08-12-2007, 00:13
الأخ المبارك عمار:
هناك مقدمات علمية توصل الى نتيجة منطقية(وهي في العقائد يجب ان تكون علما)يجب أن تذعن لها النفس شرعا وهو الايمان

الاذعان الشرعي مبني على التصديق المنطقي القطعي الذي يترتب على المقدمات ترتبا عاديا (التلازم عادي)كما هو رأي الامام الاشعري

فالامكان العقلي في حصول التصديق المنطقي ثم الاذعان الشرعي حاصل،بدون مقدمات موصلة (الامكان العقلي)

وعليه فتوقف صحة الايمان المطلوب شرعا على المقدمات يحتاج الى دليل شرعي محض مغاير للدليل الذي فيه طلب الايمان

وهنا أورد سؤالا:لو قلنا بتوقف صحة الايمان المطلوب شرعا على الدليل (التصديق مع المقدمات)
الا يلزمنا شرعا أن نقول بعدم صحة المذعن للتصديق الصحيح بمقدمات اعتقدها قطعية وهي ليست كذلك،كأن كانت خطابية مثلا؟؟

أما الالهام:
الا يصح لنا أن نقول بإلهام وقع في القلب موقع الضرورة بلا دليل فأصبح بديهيا،الا يقال بامكان هذا عقلا؟
فاذا وقع أيكفي في القبول عند الله تعالى شرعا،ام ان صاحبه لا يسمى مؤمنا
نعم قد تسقط عنه المطالبة بالدليل (كواجب شرعي)ولكن هل ايمانه صحيح؟؟

أما من كان اعتقاده مخالف للواقع أصلا فهو مطالب شرعا بالبحث،فمجرد ارسال الرسول له يعني المطالبة بذلك،
وليس هو محل النزاع.
ولاحظ سيدي انا لا نتكلم عن المطالبة الشرعية(وجوب طلب الدليل)
وانما عن توقف صحة الايمان على الدليل ومقدماته.

عمار عبد الله
08-12-2007, 03:14
سيدي همام :
الوصول للايمان منحصر في ثلاث طرق :
الالهام : وهو علم مع الدليل ولكن من غير أن يكون هذا العلم ناتجا عن الدليل بل النتيجة ومقدماتها معلومة معا .
البرهان : وهو الوصول للايمان بعد اقامة البراهين القطعية على أنه حق .
التقليد : وهو جزم بقول الغير بدون أي دليل .
ولا توجد غير هذه الطرق الثلاثة .
فأما الالهام فلا كلام لنا فيه .
وأما طريقة البرهان فالدليل عمودها الذي قامت عليه لا يمكنك الوصول للنتيجة وهي الايمان بدون هذا الدليل .
أما التقليد الذي هو جزم بدون دليل فهو محل خلافنا .
وقولكم :

وعليه فتوقف صحة الايمان المطلوب شرعا على المقدمات يحتاج الى دليل شرعي محض مغاير للدليل الذي فيه طلب الايمان
لا يسلم , اذا لا يتم الوصول للايمان - وشرط الايمان القطع - الا بعد اقامة الدليل .
وهذا الدليل يجب أن يكون قطعيا لكي يفيد القطع فلا تقبل الادلة الخطابية وما سواها .
والتقليد لا يوصل للقطع .
ولو قطع مقلد بأمر فهو عناد منه لا غير .
وقد عاب القرآن على المشركين تقليدهم .
فدل على أن التقليد مذموم كاسلوب !!
وما عاب الله على المشركين تقيلدهم ليرضاه من بعض المسلمين .
ولو سلمناه فانظر قوله تعالى : ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) و(إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ).

الا يصح لنا أن نقول بإلهام وقع في القلب موقع الضرورة بلا دليل فأصبح بديهيا،الا يقال بامكان هذا عقلا؟
الالهام يحصل للنتيجة والدليل معا فلا يرد ما ذكرته .

أما من كان اعتقاده مخالف للواقع أصلا فهو مطالب شرعا بالبحث
كيف يطالب نفسه بالبحث مع أنه يجزم بأنه على حق وبدون دليل !!
هذه صورة المقلد .
فهو لا يطالب نفسه بالبحث بل ولا يكلف نفسه عناء التفكير أصلا .

ولاحظ سيدي انا لا نتكلم عن المطالبة الشرعية(وجوب طلب الدليل)
وانما عن توقف صحة الايمان على الدليل ومقدماته.
وجوب طلب الدليل متفق عليه .
الخلاف في قبول الايمان مع عدم وجود الدليل .
فهل هذا مقصر أم غير مؤمن أصلا .
ذهب الجمهور الى الاول وذهب البعض الى الثاني .
والقول الثاني أراه أقرب للصواب .
والله أعلم .

ماهر محمد بركات
08-12-2007, 20:54
أرى أن يتركز البحث ان أردنا أن نخرج منه بنتيجة على التالي :

هل المقصود هو حصول الايمان في النفس على وجه الجزم فقط ؟؟ وما دليل القائلين بذلك ؟

أم المقصود هو حصول الايمان في النفس على وجه الجزم بالدليل ؟؟ وما دليل القائلين بذلك ؟

همام ابراهيم طوالبه
09-12-2007, 21:54
الأخ ماهر:
أعتقد أخي ان المسألة لها ما قبلها،من ناحية البناء العقلي في الذهن لذا نحن بحاجة الى تثبيتها.
فمثلا:
لتحديد ماهية الايمان أثر مهم في تحديد وحسم الخلاف.
هل هو(اي الايمان) المعرفة نفسها؟أم حديث النفس التابع للمعرفة(الاذعان بعد المعرفة)؟
وأظن أن الحوار سيختلف باختلاف القول فيها.

وكنت أحاور على أن بناء المسألة بالشكل التالي:
مقدمات....ثم.....معرفة وفيها جزم وانفعال....ثم...اذعان النفس وهو فعلها وهو الايمان.كما صحح ذلك العلامة البيجوري
وكذا بعض المسائل الأخرى المطروحة هنا
فارجو ان تتحمل منا بعض التفصيل في المسألة

الأخ عمار:
أعتقد أخي الحبيب أن كلامي السابق كان له وجهة في نفي التلازم العقلي بين الدليل من جهة والايمان من جهة أخرى فقد يتم الوصول الى الايمان القطعي من غير دليل.
ويكفي لاثبت الانفكاك العقلي أن أورد مثالا جزئيا أثبت فيه امكان الانفكاك (نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية)
لذا أوردت مثال الالهام
وانا لا أسلم بأن حصول الالهام يشترط فيه حصوله مع الدليل
بل وأزيد:
ألا يمكن أن يخلق الله في نفس الانسان معرفة ضرورية بوجوده تعالى(والضرورة لا تحتاج الى دليل كما هو معلوم)؟
وخلق المعرفة الضرورية داخلة ضمن قدرة الله على الممكن.
فاذن لا يلزم عقلا من حصول الايمان حصول الدليل عليه.
والقول سيدي
((وهذا الدليل يجب أن يكون قطعيا لكي يفيد القطع فلا تقبل الادلة الخطابية وما سواها .
والتقليد لا يوصل للقطع)) .
أعتقد أن فيه خروجا على أقوال أهل السنة الاشاعرة كلها .
لأنه يوجب معرفة الدليل التفصيلي لحصول الايمان لأن الدليل الجملي لا يعتبر قطعيا للعجز عن تقريره (كما هو معلوم الدليل الجملي ما يعجز عن تقريره وحل شبهه)
وقد نص بعض أكابر العلماء على أن القرآن يستخدم أدلة اقناعية وأدلة تحقيقية لمناسبة أحوال المخاطبين به.
وانت تعلم أخي ما هو الدليل الاقناعي.
ولقد أشار الامام الغزالي وغيره من العلماء الى أهمية عدم تحريك عقائد العوام،والاكتفاء بتحصيل الجزم منهم بآية قرآنية أو قول عالم.
فلاحظ أن العلماء لم يشترطوا الادلة التحقيقية في مخاطبة العوام.
ثم،ان افادة الدليل للقطع يحتاج الى عقول وأفهام،لا تطيقها عقول بعض طلبة العلم فضلا عن العوام.
فأقول كما قال أهل السنة:لقد ضيق من قال بهذا القول واسعا وجعل الجنة لطائفة يسيرة من الناس.
وهو قول ابي هاشم الجبائي من المعتزلة.فلتراجع المسألة أخي

أما ان كان كلامك أخي من الناحية الشرعية بمعنى أن الدليل السمعي بين أن الايمان لا يصح الا بدليل فلا يسلم.
نعم الشرع بين طلب الدليل وجوبا لا أن الايمان يتوقف عليه صحة
ولقد وجدت كلاما ملخصا لشيخنا الشيخ سعيد فودة في تعليقه على صغرى الصغرى،استدل بمضمونه لعلمي بخلاف العلماء في المسألة -استدلال بالمضمون فرأي الشيخ معلوم لديكم فيما اعتقد-
( قد وجب النظر،والحض على التفكير بكثير من الايات لمعرفة الادلة بالتأمل والفكر في الآفاق والانفس،
وفي نفس الوقت كان النبي يقبل شهادة الاعراب وكثيرمن الناس بلا فحص لهم هل عرفوا الدليل أو لا،بل يكتفي من البعض أن يستحلفه:هل الله هو الذي أرسله؟
وهذا وغيره دليل على قبول ايمان المقلد )اهـ.
فالدليل الشرعي أخي ناطق بعدم توقف صحة الايمان على الدليل،والواقع (واقع العوام)يؤيده،والعقل يجوز حصول الايمان مع الجزم دون دليل.
والله أعلم

عمار عبد الله
09-12-2007, 23:07
سيدي الفاضل
سأنقل كلام الامام السنوسي كاملا من عدة مواضع مع بعض الحواشي .
وأنا أسعى للحصول على نسخ غير المتوفرة عندي لوجود خلل طباعي يخل بالمعنى .

عمار عبد الله
09-12-2007, 23:42
الفاضل همام :
أحببت أن أعلق على كلامكم ريثما تكتمل بعض النصوص عندي .

أعتقد أخي الحبيب أن كلامي السابق كان له وجهة في نفي التلازم العقلي بين الدليل من جهة والايمان من جهة أخرى فقد يتم الوصول الى الايمان القطعي من غير دليل.
وهذا هو التقليد باتفاق الاشاعرة .

ويكفي لاثبت الانفكاك العقلي أن أورد مثالا جزئيا أثبت فيه امكان الانفكاك (نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية)
لذا أوردت مثال الالهام
نحن متفقون على وجود الانفكاك العقلي بل والحاصل عند المقلد بين الايمان والدليل .
ولكن الخلاف في كون هذا الايمان منجيا في الاخرة .

وانا لا أسلم بأن حصول الالهام يشترط فيه حصوله مع الدليل
يجب ان نسأل أحد اهل الالهام !
ولكن من ذكر الالهام ذكر أن الالهام يكون مع الدليل .
وهذا ما ذكره الشيخ سعيد في الشرح الصوتي لصغرى الصغرى على ما أذكر .
ولا اخفيك كم استفدت من هذا الشرح جزى الله الشيخ سعيد خيرا .

ألا يمكن أن يخلق الله في نفس الانسان معرفة ضرورية بوجوده تعالى(والضرورة لا تحتاج الى دليل كما هو معلوم)؟
وخلق المعرفة الضرورية داخلة ضمن قدرة الله على الممكن.
لو حصل ذلك لم يكن هذا الرجل مكلفا بالمعرفة اصلا .
كما هو حال الملائكة .
ولكن هل يمكن حصول ذلك لأحد المكلفين ؟؟
الجواب لا بالتأكيد !!
وإلا لما كانوا مكلفين .

والقول سيدي ((وهذا الدليل يجب أن يكون قطعيا لكي يفيد القطع فلا تقبل الادلة الخطابية وما سواها .
والتقليد لا يوصل للقطع)) .
أعتقد أن فيه خروجا على أقوال أهل السنة الاشاعرة كلها .
لا يا سيدي ليس فيه خروج .
وسأنقل ما يؤكده .

لأنه يوجب معرفة الدليل التفصيلي لحصول الايمان لأن الدليل الجملي لا يعتبر قطعيا للعجز عن تقريره
لا يا سيدي لا يوجب ذلك
والعجز عن تقرير الدليل الاجمالي وحل الشبه التي ترد عليه أمر .
وكون هذا الدليل قطعيا أمر اخر .

وقد نص بعض أكابر العلماء على أن القرآن يستخدم أدلة اقناعية وأدلة تحقيقية لمناسبة أحوال المخاطبين به.
نعم ولكن بعد أن يثبت صدق القرآن وهذا لا يثبت الا بالدليل العقلي القطعي .

ولقد أشار الامام الغزالي وغيره من العلماء الى أهمية عدم تحريك عقائد العوام،والاكتفاء بتحصيل الجزم منهم بآية قرآنية أو قول عالم.
فرق بين أن تختبر العوام بدقيق المتشابه وبين أشتراط وجود الدليل القطعي عندهم على الايمان .

فأقول كما قال أهل السنة:لقد ضيق من قال بهذا القول واسعا وجعل الجنة لطائفة يسيرة من الناس.
في الحقيقة هذا رأي الامام الغزالي رحمه الله وهو لا يمنع غيره .
وأعذرني إن قلت عنه مصادرة .
واشتراط الدليل لا يخرج من الجنة الا طائفة يسيرة .

وهو قول ابي هاشم الجبائي من المعتزلة.فلتراجع المسألة أخي
نعم وقول لغيره من المحققين كما سبق النقل عنه .
فأرجو أن تراجع الموضوع من بدايته فقد تطرقنا لهذه المسألة .

ملخص الحوار :
الدليل إما أن يكون شطرا للايمان أو أن يكون شرطا له .
فمن قال بالاول قبل ايمان المقلد .
ومن قال بالثاني رده .

وسازيد لاحقا بعض نصوص أهل السنة في المسألة وأذكر ادلة الطرفين ان شاء الله .

همام ابراهيم طوالبه
11-12-2007, 21:39
الاخ الفاضل عمار:
لو أن انسانا وصل للجزم بما هو الحق في نفسه بدليل اعتقد صوابه وهو ليس كذلك(دليله غير قطعي)
هل يعتبر مؤمنا عندك:
ان قلتم: نعم ،فقد قلتم بقبول الايمان دون حصول قطعية الدليل.فانتهى الكلام وانتقلنا الى كلام بعده
وان قلتم:لا،لكان ذلك لعدم قطعية الدليل في نفس الامر،لان قطعيته أي الدليل حاصلة في نفس المعتقد(كما هو الفرض)
وهنا أقول ما هو الفرق بين صاحبنا هذا وصاحب الدليل الجملي الذي لا يستطيع تقريره.
وهذا ما قصدته حين قلت:
لأن الدليل الجملي لا يعتبر قطعيا للعجز عن تقريره (كما هو معلوم الدليل الجملي ما يعجز عن تقريره وحل شبهه)
فمن لا يستطيع تقرير الدليل كيف يعلم قطعيته،الا أن قال بقطعيته تقليدا.وهذا ما ترفضه انت(اقصد التقليد)
فالقول بالتلازم بين قطعية الدليل والقدرة على تقريره في علم الانسان Ff0000،فلا يعقل عادة أن تُعلم قطعية الدليل عند الانسان وهو لا يتقن تقريره ابتداء.
فمعرفة قطعية الدليل أعلى رتبة من تقريره،بل تقرير الدليل هو طريق معرفة قطعيته.
وعليه:
فاعتقد أن قول جمهور أهل السنة بوجوب الدليل الجملي دون اعتباره في صحة الايمان،هو نوع تقليد من العوام للعلماء،وهو أعلى من رتبة التقليد المحض.
فالدليل الجملي لا يصح تصوره في رأيي الا مع التقليد لانسان أحسن الناس الظن به،فأخذوه عنه.(جمليا لا تفصيليا)
ثم قولكم سيدي:
((نحن متفقون على وجود الانفكاك العقلي بل والحاصل عند المقلد بين الايمان والدليل .
ولكن الخلاف في كون هذا الايمان منجيا في الاخرة)) .
اعتبره خلاصة ما أردت أن أصل له
وكون هذا الايمان منجيا في الآخرة أم لا، مع قولكم بالانفكاك العقلي بين الايمان والدليل(مقدمات ونتيجة)
هو أمر غيبي يتوقف اثباته ونفيه على الدليل السمعي
وهو ما تطالب بأدلته
وقد أوردت خلاصة أدلة الجمهور في المسألة،في الكلام الذي نقلته عن الشيخ سعيد في كلامي السابق
انتظر كلامكم في الانتصار لأدلة المخالفين للجمهور
مع لفت نظركم الى:
الكلام في الدليل الجملي وقطعيته عند صاحبه،حتى لا نخرج عن أقوال أهل السنة
وكذا الى واقع الناس في معرفتهم بالادلة وقصورهم عن الادلة التحقيقية منها
وفتح الله علينا وعليكم أخي

عمار عبد الله
12-12-2007, 01:05
الفاضل همام :
سأعلق بإيجاز على ما ذكرته وأترك التفصيل لعبارات العلماء فسأنقل إن شاء الله تفاصيل المسالة من عبارات علمائنا بحسب ما يسمح به الوقت ووفرة المراجع .

وان قلتم:لا،لكان ذلك لعدم قطعية الدليل في نفس الامر،لان قطعيته أي الدليل حاصلة في نفس المعتقد(كما هو الفرض)
وهنا أقول ما هو الفرق بين صاحبنا هذا وصاحب الدليل الجملي الذي لا يستطيع تقريره.
سأحاول أن ابحث في هذه النقطة وأجيب عنها لاحقا .
وأظن أنه يجب على صاحب الدليل القطعي أن يقرر قطعيته .

وكون هذا الايمان منجيا في الآخرة أم لا، مع قولكم بالانفكاك العقلي بين الايمان والدليل(مقدمات ونتيجة)
هو أمر غيبي يتوقف اثباته ونفيه على الدليل السمعي
وهو ما تطالب بأدلته
أدلته هي نفس أدلة وجوب الدليل .
ولكن الخلاف الان هو في أن الدليل هو شطر أم شرط .

عمار عبد الله
12-12-2007, 01:08
ذكر كلام بعض العلماء في المسالة :
1.الإمام الرازي – المحصول .
مسألة : لا يجوز التقليد في أصول الدين لا للمجتهد ولا للعوام وقال كثير من الفقهاء بجوازه .
لنا :
أن تحصيل العلم في أصول الدين واجب على الرسول صلى الله عليه وسلم فوجب أن يجب علينا .
وإنما قلنا أنه كان واجبا على الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) .
وإنما قلنا إنه لما كان واجبا على الرسول صلى الله عليه وسلم وجب أيضا على أمته لقوله تعالى ( واتبعوه ) .
فإن قيل لا نسلم أنه يمكن إيجاب العلم بالله تعالى وذلك لأن المأمور إن لم يكن عالما بالله تعالى فحالما لا يكون عالما بالله استحال أن يكون عالما بأمر الله تعالى وحالما يمتنع كونه عالما بأمر الله تعالى يمتنع كونه مأمورا من قبله وإلا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق .
وإن كان عالما بالله تعالى استحال أمره به لأن تحصيل الحاصل محال .
سلمنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بذلك فلم قلت إنه يلزم من كون الرسول مأمورا كون الأمة مأمورين به .
وما ذكرتم من الدليل معارض بأمور :
أحدها أن الأعرابى الجلف العامي كان يحضر ويتلفظ بكلمتي الشهادة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحكم بصحة إيمانه وما ذاك إلا التقليد .
وثانيها أن هذه الدلائل لا يمكن الاطلاع عليها إلا بعد ممارسة شديدة وإنهم لم يمارسوا شيئا من هذا العلم فيمتنع اطلاعهم عليه وإذا كان كذلك تعين التقليد .
وثالثها أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل لأحد ممن تلفظ بكلمتي الشهادة هل علمت حدوث الأجسام وأنه تعالى مختار لا موجب فدل هذا على أن خطور هذه المسائل بالبال غير معتبر في الإيمان لا تقليدا ولا علما .
ومنهم من عول في هذه المسألة على طريقة أخرى فقال:
أجمعت الأمة على أنه لا يجوز إلا تقليد المحق لكن لا يعلم أنه محق إلا إذا عرف بالدليل أن ما يقوله حق فإذن لا يجوز له أن يقلد إلا بعد أن يستدل ومتى صار مستدلا امتنع كونه مقلدا .
فيقال لهم هذا معارض بالتقليد في الشرعيات فإنه لا يجوز له تقليد المفتي إلا إذا كان المفتي قد أفتى بناءا على دليل شرعي .
فإن قلت الظن فيه كاف فإن أخطأ كان ذلك الخطأ محطوطا عنه قلت فلم لا يجوز مثله في مسائل الأصول .
واعلم أن في هذه المسألة ابحاثا دقيقة مذكورة في كتبنا الكلامية .
والأولى في هذه المسألة أن يعتمد على وجه وهو أن يقال دل القرآن على ذم التقليد لكن ثبت جواز التقليد في الشرعيات فوجب صرف الذم إلى التقليد في الأصول .

عمار عبد الله
12-12-2007, 03:49
2.الصحائف الالهية - الصحيفة السابعة عشر - الفصل الخامس :
قال أهل السنّة: كل من اعتقد أركان الدين تقليداً فإن اعتقد مع ذلك جواز ورود شبهة عليها وقال: لا آمن ورود شبهة تفسدها فهو كافر.
ومن لم يعتقد جواز ذلك فقد اختلفوا فيه .
فمنهم من قال: إنه مؤمن، وإن كان عاصياً بترك النظر، والاستدلال المؤدي إلى معرفة أدلة قواعد الدين، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي ومالك وأحمد، والأوزاعي، والثوري، وكثير من المتكلمين.
ومنهم من قال: إنه لا يستحق اسم المؤمن إلا بعد عرفان أدلة قواعد الدين سواء أحسن العبادة عن الأدلة؛ أو لا، وهو مذهب الأشعري وقوم من المتكلمين.

عمار عبد الله
12-12-2007, 03:51
3.لباب الكلام ، علاء الدين السمرقندي :
فصل:
ثم إن المتكلمين من أهل الأديان – مع اتفاقهم على صحة النظر وإفضائه إلى العلم – اختلفوا في أن النظر في دليل معرفة الله تعالى؛ هل هو واجب أم لا، وفي أنه أول الواجبات على المكلّف، أو أول الواجبات غيره.
أما وجوب النظر فثابت بدلالة السمع والعقل.
أما السمع فقوله تعالى: (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) ، وقوله تعالى: (أولم يتفكروا)، وقوله (أولم ينظروا) ، وقوله: (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها) ، وقوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض) الآية .
وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: "ويل لمن لاكها بين لحييه، ولم يتفكر فيها". وأمثال هذه الآيات في الأمر بالنظر، وفي الذمّ بتركه كثيرة، وبهذا القدر كفاية .
أما دليل العقل، فهو أن العلم بالله تعالى واجب عقلاً، ولا حصول للعلم بالله تعالى إلا بالنظر، وكان واجبًا كوجوبه ضرورة.
والدليل على أن العلم بالله تعالى واجب: أن الإنسان إذا كمل عقله، لا بد أن يجوّز أن له ربًّا، تجب عليه طاعته وشكر نعمته، إن أطاعه أثابه، وإن عصاه عاقبه.
إما لأنه يرى اختلاف الناس في ذلك، ودعوى كل احد أنه على الحق وصاحبه على الباطل، وإما لإلقاء الخاطر إليه ذلك، أو بدعاء الدعاة، وتخويف المخوفين، وغير ذلك .
وإذا حصل هذا التجويز، حصل خوف الضرر، فيستحثه عقله على العلم بالله تعالى، ويصير بحال لو تركه يرمي نفسه في محل اللوم، والعقلاء يلومونه على ذلك، وهذا أمر لا محيص لعاقل عنه، ولا نعني بالوجوب العقلي إلا هذا، دون استحقاق العقاب في الآخرة، إذ ذلك لا يعرف إلا بالسمع.
وأما من أبى وجوب النظر, فمنهم من قال: إن النظر ليس بطريق متعين، لمعرفة صحة الأديان وبطلانها، بل من وقع في قلبه حُسن شيء، يلزمه اعتقاده، وكان ذلك دينًا صحيحًا في حقه.
وبطلان هذا مما لا يخفى على أحد؛ لأنه يؤدي إلى صحة الأديان المتناقضة؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون الاعتقاد بثبوت الصانع ونفيه، والاعتقاد بقدم العالم وحدوثه دينًا صحيحًا، ويؤدي إلى أن يكون الدين الواحد صحيحًا وفاسدًا؛ لأن من اعتقد بثبوت الصانع كان دينه صحيحًا، ومن اعتقد نفي الصانع كان القول بثبوته فاسدًا عنده، وهذا ظاهر البطلان.
وبهذا يبطل قول الإلهامية: إن الإلهام طريق لمعرفة صحة الأديان وبطلانها، لما ذكرنا أنه في حالة واحدة يؤدي إلى صحة الأديان المتناقضة، وأن يكون الدين الواحد صحيحًا وفاسدًا، وهم تعلقوا بآيات منها قوله تعالى: (فألهمها فجورها وتقواها) ؛ أي: عرفها بالإلهام.
ومنها قوله تعالى (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) ؛ والمراد منه الإلهام.
والجواب: أن المراد من الإلهام والنور المذكور في هذه الآيات التوفيق للنظر والاستدلال. هكذا نقل عن أئمة التفسير، ومنهم من قال بأن الواجب هو الفزع إلى التقليد، وهو طريق لمعرفة صحة الأديان، وهذا باطل لما ذكرنا أنه يؤدي إلى صحة الأديان المتناقضة، وأن يكون الدين الواحد صحيحًا وفاسدًا.
ثم الدليل على فساد التقليد المحض: أن قول المقلد يحتمل أن يكون خطأ، ويحتمل أن يكون صوابًا.
وليس مع المقلد دليل على ذلك إلا النظر والاستدلال، فيجب الرجوع إليهما.
ثم يقال للمقلد: قلدت هذا الشخص على أنه محقّ أو على أنه مبطل، أو على أنك جاهل بحاله ؟
إن قال: على أنه مبطل، فهذا بعيد؛ لأنه زعم أن الباطل مُتبع .
وإن قال: على أني جاهل بحاله، فيقال له: لم كان تقليدك إياه أولى من تقليد غيره.
وإن قال: على أنه محق ، فيقال له: بم عرفت كونه محقًّا ؟
فإن قال بالتقليد؛ فهو باطل بما ذكرنا.
وإن قال بالنظر والاستدلال؛ ثبت أن طريق معرفة صحة الأديان هو النظر والاستدلال، فيجب الرجوع إليه.
فإن قيل: في هذا نفي صحة الاعتقاد عن عامة المسلمين، وقول ببطلان إيمان المقلد، وهو مخالف للمذهب السديد؛
قلنا عنه جوابان:
أحدهما: أن المسلم العامي منا ليس بمقلد محض، بل هو عالم بالله تعالى ورسوله على طريق الإجمال؛ لأنه يعرف أن البناء لا بد له من بانٍ، والمحدَث لا بدّ له من محدِث، ويعلم بالتوتر أن النبي عليه السلام جاء وادعى الرسالة وأقام المعجزة على ذلك، وأتى بالقرآن الذي عجز الخلق عن الإتيان /98 أ/ بمثله فهو عالم بهذه الجملة، وإن كان لا يعلم تفاصيل ذلك ووجه الدلالة عليه، ولا يقدر على حلّ الشبهة، ولكن قبل اعتراض الشبهة فهو مؤمن عارف بالله تعالى.
والثاني: إن كان مقلدًا؛ فليس له أن يقلد غيره في إيمانه، ولكن مع هذا إذا قلده ووقع تقليده المحق فهو من الفائزين، وإن وقع تقليد المبطل فهو من الهالكين.
فمعنى بطلان التقليد: أنه ليس له أن يفعله، ولو فعله يُلام ويعاقب عليه.
ومعنى إيمان المقلد: أنه لو قلد المحل فهو من الفائزين بإيمانه.
والدليل على أن إيمان المقلد على هذا التفسير صحيح: أن الإيمان هو التصديق لغة، وهكذا حكي عن أبي حنيفة وأبي الحسن الأشعري – وغيرهما؛ فهذا الشخص متى صدق الله تعالى ورسوله فيما جاء به من عند الله تعالى في الجملة عن تقليد أو عن علم؛ كان مؤمنًا، فترتب عليه أحكام المؤمنين بالنصوص، إلا أنه يأثم بترك النظر والاستدلال؛ لأنه ترك الواجب. وهذا المذهب، وهو أن إيمان المقلد صحيح صحيح، وأنه يأثم بترك النظر والاستدلال؛ وحكمه حكم فساق أهل الملة، محكي عن أبي حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي ومالك وابن أبي يعلى والشافعي وغيرهم من أهل السنة والجماعة رحمهم الله، فهذا هو الكلام في وجوب النظر.

عمار عبد الله
12-12-2007, 04:07
ولايخفى في النقل السابق عن لباب الكلام أن ما يقال في حق المقلد يلزم المسلم المقلد أيضا .
ولن يستطيع الخروج عن مفاسد التقليد الا بالنظر .

عمار عبد الله
13-12-2007, 04:26
4. الإمام الغزالي - المستصفى - القطب الرابع :
الفن الثاني من هذا القطب : في التقليد والاستفتاء وحكم العوام فيه .
وفيه أربع مسائل :
مسألة : التقليد هو قبول قول بلا حجة .
وليس ذلك طريقا إلى العلم لا في الأصول ولا في الفروع .
وذهب الحشوية والتعليمية إلى أن طريق معرفة الحق التقليد وأن ذلك هو الواجب وأن النظر والبحث حرام .
ويدل على بطلان مذهبهم مسالك :
الأول : هو أن صدق المقلد لا يعلم ضرورة فلا بد من دليل .
ودليل الصدق المعجزة فيعلم صدق الرسول عليه السلام بمعجزته وصدق كلام الله بإخبار الرسول عن صدقه وصدق أهل الإجماع بإخبار الرسول عن عصمتهم .
ويجب على القاضي الحكم بقول العدول لا بمعنى اعتقاد صدقهم لكن من حيث دل السمع على تعبد القضاة بإتباع غلبة الظن صدق الشاهد أم كذب ، ويجب على العامي إتباع المفتي ؛ إذ دل الإجماع على أن فرض العوام إتباع ذلك كذب المفتي أم صدق أخطأ أم أصاب .
فنقول : قول المفتي والشاهد لزم بحجة الإجماع فهو قبول قول بحجة فلم يكن تقليدا ، فإنا نعني بالتقليد قبول قول بلا حجة فحيث لم تقم حجة ولم يعلم الصدق بضرورة ولا بدليل فالإتباع فيه اعتماد على الجهل .
المسلك الثاني : أن نقول : أتحيلون الخطأ على مقلدكم أم تجوزونه ؟
فإن جوزتموه فإنكم شاكون في صحة مذهبكم .
وإن أحلتموه فبم عرفتم استحالته بضرورة أم بنظر أو تقليد ، ولا ضرورة ولا دليل ؟
فإن قلدتموه في قوله : إن مذهبه حق فبم عرفتم صدقه في تصديق نفسه ؟
وإن قلدتم فيه غيره فبم عرفتم صدق المقلد الآخر ؟
وإن عولتم على سكون النفس إلى قوله فبم تفرقون بين سكون نفوسكم وسكون نفوس النصارى واليهود ؟
وبم تفرقون بين قول مقلدكم : إني صادق محق وبين قول مخالفكم ؟
ويقال لهم أيضا في إيجاب التقليد : هل تعلمون وجوب التقليد أم لا ؟
فإن لم تعلموه فلم قلدتم وإن علمتم فبضرورة أم بنظر أو تقليد ؟
ويعود عليهم السؤال في التقليد ، ولا سبيل لهم إلى النظر والدليل فلا يبقى إلا إيجاب التقليد بالتحكم .
فإن قيل : عرفنا صحته بأنه مذهب للأكثرين فهو أولى بالإتباع .
قلنا : وبم أنكرتم على من يقول : الحق دقيق غامض لا يدركه إلا الأقلون ويعجز عنه الأكثرون ؛ لأنه يحتاج إلى شروط كثيرة من الممارسة والتفرغ للنظر ونفاذ القريحة والخلو عن الشواغل .
ويدل عليه أنه عليه السلام كان محقا في ابتداء أمره وهو في شرذمة يسيرة على خلاف الأكثرين ، وقد قال تعالى : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) كيف وعدد الكفار في زماننا أكثر ؟
ثم يلزمكم أن تتوقفوا حتى تدوروا في جميع العالم وتعدوا جميع المخالفين ، فإن ساووهم توقفوا وإن غلبوا رجحوا ، كيف وهو على خلاف نص القرآن ؟
قال الله تعالى : ( وقليل من عبادي الشكور ) ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ( وأكثرهم للحق كارهون ) .
فإن قيل : فقد قال عليه السلام : ( عليكم بالسواد الأعظم ) و من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ( والشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ) .
قلنا : أولا ، بم عرفتم صحة هذه الأخبار وليست متواترة ؟
فإن كان عن تقليد فبم تتميزون عن مقلد اعتقد فسادها ؟
ثم لو صح فمتبع السواد الأعظم ليس بمقلد بل علم بقول الرسول وجوب إتباعه وذلك قبول قول بحجة وليس بتقليد .
ثم المراد بهذه الأخبار ذكرناه في كتاب " الإجماع " وأنه الخروج عن موافقة الإمام أو موافقة الإجماع .
ولهم شبه :
الشبهة الأولى : قولهم : إن الناظر متورط في شبهات وقد كثر ضلال الناظرين فترك الخطر وطلب السلامة أولى .
قلنا : وقد كثر ضلال المقلدين من اليهود والنصارى فبم تفرقون بين تقليدكم وتقليد سائر الكفار حيث قالوا : إنا وجدنا آباءنا على أمة ؟
ثم نقول : إذا وجبت المعرفة كان التقليد جهلا وضلالا فكأنكم حملتم هذا خوفا من الوقوع في الشبهة ، كمن يقتل نفسه عطشا وجوعا خيفة من أن يغص بلقمة أو يشرق بشربة لو أكل وشرب ، وكالمريض يترك العلاج رأسا خوفا من أن يخطئ في العلاج ، وكمن يترك التجارة والحراثة خوفا من نزول صاعقة فيختار الفقر خوفا من الفقر .
الشبهة الثانية : تمسكهم بقوله تعالى : ( ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ) وأنه نهى عن الجدال في القدر والنظر يفتح باب الجدال .
قلنا : نهى عن الجدال بالباطل كما قال تعالى : ( وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ) بدليل قوله تعالى : ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) فأما القدر فنهاهم عن الجدال فيه ؛ إما لأنه كان قد وقفهم على الحق بالنص فمنعهم عن المماراة في النص أو كان في بدء الإسلام فاحترز عن أن يسمعه المخالف فيقول : هؤلاء بعد لم تستقر قدمهم في الدين أو لأنهم كانوا مدفوعين إلى الجهاد الذي هو أهم عندهم .
ثم إنا نعارضهم بقوله تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ( قل هاتوا برهانكم ) ، هذا كله نهي عن التقليد وأمر بالعلم ، ولذلك عظم شأن العلماء وقال تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) وقال عليه السلام : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين ) ولا يحصل هذا بالتقليد بل بالعلم وقال ابن مسعود : " لا تكونن إمعة " قيل : وما إمعة ؟ قال : " أن يقول الرجل أنا مع الناس إن ضلوا ضللت وإن اهتدوا اهتديت ، ألا لا يوطنن أحدكم نفسه أن يكفر إن كفر الناس " .

عمار عبد الله
13-12-2007, 04:29
5. الإمام الزركشي – تشنيف المسامع :
.... وقد اختلف في التقليد فيه على مذاهب :
أحدها: - وهو قول الجمهور - المنع ؛ للإجماع على وجوب المعرفة ولقوله تعالى ( فاعلم انه لا اله إلا الله ) فأمر بالعلم بالوحدانية ، والتقليد لا يفيد العلم ، وقد ذم الله تعالى التقليد في الأصول ، وحث عليه في الفروع .
فقال في الأصول ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون )، وحث على السؤال في الفروع بقوله تعالى ( فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) . اهـ
وذكر باقي المذاهب .

همام ابراهيم طوالبه
13-12-2007, 21:43
الأخ الكريم عمار:
أما قولكم:
((سأحاول أن ابحث في هذه النقطة وأجيب عنها لاحقا .
وأظن أنه يجب على صاحب الدليل القطعي أن يقرر قطعيته)) .
فارجو أن تبحث سيدي في المسألة فهي مهمة جدا في كلامنا في بناء الموضوع محل البحث
ومسألة وجوب تقرير الدليل على المقلد أعتقد أن فيه قربا من مذهب الجبائي ابوهاشم الذي يقول بوجوب الدليل التفصيلي على المكلف وهو ما يجعلك تتريث وتسأل.
فالخروج عن أقوال أهل السنة بحاجة الى تأمل.
وهو خطر،ولا عصمة لاحد بعد الانبياء.

وقولكم:
((أدلته هي نفس أدلة وجوب الدليل .
ولكن الخلاف الان هو في أن الدليل هو شطر أم شرط))
لا يسلم أخي لك ذلك
فالمطلوب شرعا الدليل (حكم شرعي)
وأما كونه شطر الايمان أو شرط(وهو يؤدي الى نفس النتيجة،فلا يتم الايمان دون شرطه أو شطره)
فالدليل دل على طلب الدليل واثبات أمر زائد كأن يكون الايمان لا يصح الا به يحتاج الى دليل زائد
وهو ما تطالب به

ولا يسلم لك أخي ما نقلته،كدليل على عدم صحة الايمان الا بدلبل
والله أعلم

همام ابراهيم طوالبه
13-12-2007, 21:49
في الختام :
ما رأيكم أخي في ما قلت سابقا:
فاعتقد أن قول جمهور أهل السنة بوجوب الدليل الجملي دون اعتباره في صحة الايمان،هو نوع تقليد من العوام للعلماء،وهو أعلى من رتبة التقليد المحض.
فالدليل الجملي لا يصح تصوره في رأيي الا مع التقليد لانسان أحسن الناس الظن به،فأخذوه عنه.(جمليا لا تفصيليا)
كيف توجه كلامهم؟؟!!

عمار عبد الله
13-12-2007, 22:02
سيدي همام :
لم أنهِ ما أريد نقله من كلام العلماء
وما ذكرته سابقا لا يفيدني كثيرا في ما ذهبتُ اليه .
ولكن الامام الجوني في الشامل نقل الاجماع على كفر المقلد .
وتضاربت الاقوال عن الامام الاشعري .
بل وتضاربت الاقوال في تحديد مذهب الجمهور أيضا .
فهدفي من النقول السابقة عرض وجهات نظر الاشاعرة على اختلاف ما ذهبوا اليه لا أكثر .
وإلا لكنت نقلت عن الجويني أو السنوسي مباشرة .
وأترك التعليق الى أن انتهي من بعض النقول .

عمار عبد الله
15-12-2007, 15:49
5. الشامل في أصول الدين , الإمام الجويني :
..... ولكن غرضنا الآن ذكر مسالة متعلقة بالنظر وهو أن العلم المقدور المستدل عليه المطلوب بالأدلة لا يجوّز ثبوت تقدير وقوعه مقدورا مكتسبا من غير تقدير نظر .
هذا ما ارتضاه القاضي ومعظم المتكلمين .
....
فصل في أن النظر موجب بالشرع :
فإن قال قائل : فما الدليل على وجوب النظر من جهة الشرع ؟؟
قلنا الدليل عليه إجماع المسلمين على وجوب معرفة الله تعالى مع اتفاقهم على أنها من أعظم القرب وأعلى موجبات الثواب .
ولا يقدح في هذا الإجماع مصير بعض المتأخرين إلى أن المعرفة ضرورية ، فإن ما ذكرناه من الإجماع سبق انعقاد هذا المذهب .
فإذا ثبت الإجماع فيما قلناه .
وثبت بدلالة العقول أن العلوم المكتسبة يتوقف حصولها على النظر الصحيح .
وما ثبت وجوبه قطعا ، فمن ضرورة ثبوت وجوبه ، وجوب ما لا يتوصل إليه إلا به .
والذي يوضح ذلك أنه إذا ثبت في الشرع افتقار صحة الصلاة إلى الطهارة ، ثم ورد بعد ذلك أمر بالصلاة الصحيحة فالأمر بها يتضمن الأمر بالطهارة .
وقد أشبعنا القول في الرد على الحشوية المقلدين المنكرين حجاج العقول في بعض الامالي .
فرأينا الاكتفاء به فهم اقل من أن يكترث بهم .
وإنما لم نعتصم في إثبات وجوب النظر بظواهر الكتاب والسنة ، لأن المقصد علم مقطوع به .
والظواهر التي هي عرضة للتأويلات لا يسوغ الاستدلال بها في القطعيات ، ولكن لو استدللت بها وقرنت استلالك بها بإجماع الأمة أنها غير مؤولة ، بل هي محمولة على ظواهرها ، فيحسن الاستدلال على هذا الوجه بظواهر الكتاب ، على ما أوردناها في الرد على المقلدين .

عمار عبد الله
15-12-2007, 17:52
يتبع الكلام السابق للإمام الجوني رحمه الله
فصل في أول واجب على المكلف
فإن قال قائل: ما أول واجب على المكلف ؟
قلنا: هذا مما اختلفت فيه عبارات الأئمة .
فذهب بعضهم إلى أن أول واجب على المكلف معرفة الله .
وذهب المحققون إلى أن أول واجب عليه النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الصانع .
وهذا القائل يقول: إن النظر واقع قبل العلم وهو واجب وفاقا ، فأنى يستقيم مع ذلك المصير إلى أن أول الواجبات المعرفة مع الاعتراف بأن قبلها واجبا !!.
والقائل الأول يعتذر عن ذلك لسبب أنه أنكر وجوب النظر قبل العلم .
ولكن المقصد من النظر العلم ، فعبرنا عن المقصد ، وهذا كما أن القائل يصف الصلاة بالوجوب في مفتتح الوقت في حق المحدث ، وإن كان المحدث لا يتوصل إلى إقامة الصلاة إلا بعد الوضوء .
والذي يوضح ذلك: أن الصائرين إلى أن أول واجب النظر المؤدي إلى العلم بالله متجوزون ، إذ النظر في العلم بالله ينبني على ضروب من النظر سيأتي ترتيبها إن شاء الله .
والذي اختاره القاضي رضي الله عنه التصريح بالمقصد ، فإنه قال: أول واجب على المكلف أول جزء من النظر على الترتيب المشروط فيه .
وقال الأستاذ أبو بكر: أول واجب على المكلف إرادة النظر إذ الإرادة تتقدم على المراد .
وقال أبو هاشم: أول واجب على المكلف الشك في الله ، إذ لا بد على أصله من تقديم الشك على النظر .
ومن هذا الضرب من الشك قال : الشك في الله حسن .
وهذا خروج منه عن قول الأمة ، وتوصل منه إلى هدم أصله ، وذلك أن كل واجب مأمور به، وتقدير الأمر بالشك متناقض، إذ لا يثبت الأمر إلا مع العلم بالأمر ، واعتقاد ثبوته والعلم به مع التشكك فيه متناقضان .
فاعلموا أن الكلام في هذا الفصل يؤول إلى العبارات ، وفيها التنازع ، ولا يتأكد في المعاني إلا الذي قاله أبو هاشم ، فهو مردود لفظا ومعنى .
القول فيمن اخترمته المنية أثناء النظر
فإن قال قائل: لو ابتدر العاقل في أول حالة التكليف على النظر من غير تفريط في النظر فاخترمته المنية قبل انتهاء النظر ، فما قولكم فيه ؟ إن ألحقتموه بالعالم كان بعيدا ، لأنه اخترم وهو غير عالم بالله ، وكذلك إن ألحقتموه بالمقلدين كان مستبعدا لأنه لم يأل جهدا فيما كلف .
قلنا: سبيله عند أئمتنا سبيل من مات في صباه ، وسيأتي تفصيل القول في صبيان المسلمين والمشركين في التعديل والتجوير إن شاء الله .
وهذا مكلف يموت غير عالم بالله ولا نحكم له بالنار على الأصح .
ولو انقضى من أول حال التكليف زمن يسع النظر المؤدي إلى المعارف ولم ينظر مع ارتفاع الموانع ، واخترم بعد زمان الإمكان فهو ملحق بالكفرة .
ولو مضى من أول الحال قدر من الزمان يسع بعض النظر ولكنه لم ينظر مقصرا ، ثم اخترم قبل مضي الزمان الذي يسع في مثله النظر الكامل ، فقد قال القاضي رضي الله عنه: يمكن أن يقال إنه لا يلحق بالكفرة ، إذ تبين لنا بالآخرة أنه لو ابتدأ النظر ما كان له في النظر نظرة ، ولكنه لا يتوصل إلى مطلبه .
وقال: الأصح الحكم بكفره لموته غير عالم ، مع بدو التقصير منه فيما كلف .
وهذا يقرب من اختلاف العلماء في المرأة المصبحة صائمة في شهر رمضان، إذا أفطرت بما يوجب الكفارة ، ثم عاجلتها الحيضة قبل مغيب الشمس ، فقد استبان لنا في الآخر أن صوم هذا اليوم كان لا يتم لها وإن لم تفطر ، فقد اختلف العلماء في وجوب الكفارة عليها .
قال القاضي رضي الله عنه: والحكم بتكفير من مات في الصورة التي قدمناها يضاهي الحكم بتأثيم المفطرة وهي مؤثمة وإن طرأت الحيضة عليها .
وهذا ظاهر، ولكنه رحمه الله أومأ مع ذلك إلى أن المسالة مجتهد فيها وليست من القطعيات .

عمار عبد الله
24-12-2007, 07:45
7. التقي السبكي :
مَسْأَلَةٌ ) مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ : إنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ لَا يَجُوزُ ومَا الذي ذهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ ، وَهَلْ مَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مُوَافَقٌ عَلَيْهِ أَوْ لَا ، وَإِذَا كَانَ كَمَا ذَكَرَ فَمَا حِيلَةُ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْأَدِلَّةَ فِي صِحَّةِ إيمَانِهِ ، وَمَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُحَرَّرُ فِي ذَلِكَ ؟ . أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ .

( أَجَابَ ) الْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يَقُلْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا وَلَا قَالَهُ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَالسَّائِلُ مَعْذُورٌ فِي غَلَطِهِ فَإِنَّ لَفْظَ التَّقْلِيدِ مُشْتَرَكٌ وَالْعُلَمَاءُ قَدْ أَطْلَقُوا كَلِمَاتٍ رُبَّمَا تَوَهَّمَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مِنْهَا ذَلِكَ ، وَأَنَا أُثْبِتُهَا لَكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ بَيَانِ قَاعِدَتَيْنِ :
إحْدَاهُمَا: أَنَّ لَفْظَ التَّقْلِيدِ يُطْلَقُ بِمَعْنَيَيْنِ :
أَحَدُهُمَا: قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَرُبَّمَا قَبِلَ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ
الْمَعْنَى الثَّانِي لِلتَّقْلِيدِ: أَنَّهُ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ لَا لْمُوجِبُ وَرُبَّمَا قِيلَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لَا لْمُوجِبُ .
إنْ عَرَفْت مَعْنَى التَّقْلِيدِ فَهُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَدْ يَكُونُ ظَنًّا وَقَدْ يَكُونُ وَهْمًا كَمَا يُرَى فِي تَقْلِيدِ إمَامٍ فِي فَرْعٍ مِنْ الْفُرُوعِ مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي خِلَافِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ ، وَإِذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يَكْفِي فِي أُصُولِ الدِّينِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ هَذَا .
وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لَا لْمُوجِبُ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ إنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ إلَّا أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ انْفَرَدَ بِذَلِكَ عَنْ طَائِفَتِهِ وَسَائِرِ طَوَائِفِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَخَالَفَ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ فِي ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ لَا يَصِحُّ وَأَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ نَجِدْ لَهُ مُوَافِقًا إلَّا أَبَا هَاشِمٍ ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَحْمِلَ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّمَا إيمَانُ الْمُقَلِّدِ لَا يَصِحُّ وَأَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا فِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ مُصَمَّمٍ فَكَلَامُهُ صَحِيحٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إلَّا مَنْ شَذَّ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِيمَانِ مِنْ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ مُصَمَّمٍ بِحَيْثُ لَا يَتَشَكَّكُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا : أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا أَنَّ شَرْطَ الْإِيمَانِ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ بِحَيْثُ لَا يَتَشَكَّكُ إذَا أُشْكِلَ وَلَا يَضْطَرِبُ إذَا حُرِّكَ لِقَوْلِهِ { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قَالَ إبْرَاهِيمُ فَشَهِدَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ . انْتَهَى قَوْلُ الْوَاحِدِيِّ . وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْإِعْلَامُ لَا الْأَمْرُ فَإِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي ذَلِكَ ، فَنَقُولُ : اعْلَمْ كَذَا أَيْ اعْلَمْهُ مِنْ جِهَتِي وَمَعْنَاهُ أُعْلِمُكَ كَذَا ، وَالْآيَةُ الْأُولَى دَلَالَتُهَا ظَاهِرَةٌ وَالْعِلْمُ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْجَازِمِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الظَّنِّ وَلَا عَلَى الشَّكِّ وَلَا عَلَى الْوَهْمِ فَكَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْإِيمَانُ بِشَيْءٍ مِنْ الظَّنِّ وَالشَّكِّ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْجَزْمِ لَكِنَّ الْجَزْمَ تَارَةً يَكُونُ عَنْ دَلِيلٍ أَوْ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ وَلَا إشْكَالَ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ . أَمَّا عَنْ دَلِيلٍ فَبِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا عَنْ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ فَهُوَ الْمُخْتَارُ فَإِنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِنَايَةِ وَنَازَعَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالَ : إنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالضَّرُورَةِ . وَتَارَةً يَكُونُ الْجَزْمُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا دَلِيلٍ خَاصٍّ كَإِيمَانِ الْعَوَامّ أَوْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ فَهُوَ إيمَانٌ صَحِيحٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ وَيُسَمَّى عِلْمًا فِي عُرْفِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يُسَمِّيهِ عِلْمًا .
إذَا عَرَفْت هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ فَنَرْجِعُ إلَى الْمَقْصُودِ وَنَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ طَبَقَتَانِ :
أَعْلَاهُمَا أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ
وَأَدْنَاهُمَا أَهْلُ الْعَقِيدَةِ وَهُمْ الْعَوَامُّ الْمُعْتَقِدُونَ .
وَإِنْ شِئْت قُلْت :
النَّاسُ فِي اعْتِقَادِ الْإِيمَانِ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ:
الْعُلْيَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ
وَالْوُسْطَى أَهْلُ الْعَقِيدَةِ مَعَ التَّصْمِيمِ
وَالدُّنْيَا مَنْ لَمْ يَحْصُلُ عِنْدَهُ تَصْمِيمٌ ، وَلَكِنَّهُ قَلَّدَ فِيهِ كَمَا يُقَلِّدُ فِي الْفُرُوعِ . وَهَذَا لَا أَعْلَمُ أَحَدًا صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَكْفِي إلَّا مَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ النَّقْلِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَعَنْ الْعَنْبَرِيِّ حَيْثُ قَالَ بِجَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ ، وَقَالَ : إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي الْإِيمَانِ إلَّا بِعَقْدٍ مُصَمَّمٍ
فَلْنُسْقِطْ هَذِهِ الْفُرْقَةَ مِنْ طَوَائِفِ الْمُؤْمِنِينَ وَنَعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ طَبَقَتَانِ لَا غَيْرُ:
إحْدَاهُمَا :الْعَارِفُونَ وَهَؤُلَاءِ دَرَجَاتٌ أَعْلَاهَا دَرَجَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ مِنْ الصِّدِّيقِينَ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى دَرَجَاتِهِمْ وَلَا يَعْلَمُ تَفَاوُتَهَا وَمَقَادِيرَهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِاسْتِدْلَالٍ وَلَا بُدَّ مِنْ مُصَاحَبَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ . وَأَهْلُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَرَاتِبَ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى أَدْنَاهَا مَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ وَحَدَثِ الْعَالَمِ وَنَحْوِهِ ، وَأَدِلَّةُ هَذَا الصِّنْفِ كَثِيرَةٌ أَيْضًا لَا يُحْصِيهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَأَحْسَنُ مِنْهَا طَرِيقَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ إثْبَاتِ الْمُعْجِزَةِ أَوَّلًا وَتَصْدِيقِ الرَّسُولِ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَحْسَنَ ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ ، وَالشُّكُوكُ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْهَا أَقَلُّ وَانْدِفَاعُهَا أَسْهَلُ ، وَكِلْتَا هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ أَهْلُ كَلَامٍ وَنَظَرٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى التَّحْرِيرِ وَالتَّقْدِيرِ وَدَفْعِ الشُّبْهَةِ بِالتَّفْصِيلِ وَأَهْلُ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَدِلُّ بِدَلَائِلِ الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِأَوْضَاعِ الْجَدَلِ لَا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَلَا عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بَلْ بِحَسْبِ مَا يَتَرَتَّبُ فِي ذِهْنِهِ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَدَلَالَتُهَا عَلَى صَانِعِهَا ، وَيَعْرِفُ ذَلِكَ مَعْرِفَةً مُحَقَّقَةً وَيَقْدِرُ عَلَى تَقْدِيرِهَا بِحَسْبِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ . وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَدَلِيِّينَ بَلْ طَرِيقَةُ هَذَا أَنْفَعُ وَأَسْلَمُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ السَّلَفِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرِفُ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ بِالْإِجْمَالِ دُونَ التَّفْصِيلِ فَيُرْشِدُهُ إلَى الْجَزْمِ وَالتَّصْمِيمِ وَلَكِنْ لِجَهْلِهِ بِالتَّفْصِيلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّقْدِيرِ وَدَفْعِ الشُّبَهِ وَهَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَرِّرُ فِي عُقُولِهِمْ بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُكَلَّفُوا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْحَاصِلُ عِنْدَهُمْ يُسَمَّى اعْتِقَادًا وَيُسَمَّى عِلْمًا لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ سَمَّاهُ بَعْضُ النَّاسِ تَقْلِيدًا فَلَا مُشَاحَّةَ فِي التَّسْمِيَةِ ، وَإِنْ نَازَعَ فِي الِاكْتِفَاءِ بِهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَوْمِ عَلَى تَقْرِيرِ الْعَوَامّ عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ أَقُولُ : إنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْعَوَامّ لِاعْتِقَادِهِ الدَّلِيلَ الْإِجْمَالِيَّ بَلْ هَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَمْ يُمَارِسُوا الْعُلُومَ وَلِهَذَا نَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ الْكَرَامَاتِ وَالْخَوَارِقِ مَا لَا يُرْتَابُ فِيهِ وَلَوْ سَأَلَتْهُ عَنْ تَقْرِيرِ دَلِيلٍ لَمْ يَعْرِفْهُ فَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَهُمْ مِنْ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا .
الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: الَّذِينَ لَا دَلِيلَ عِنْدَهُمْ أَلْبَتَّةَ لَا إجْمَالًا وَلَا تَفْصِيلًا بَلْ عِنْدَهُمْ عَقِيدَةٌ جَازِمَةٌ قَدْ صَمَّمُوا عَلَيْهَا وَأَخَذُوهَا عَنْ آبَائِهِمْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ أَصْلًا وَهَذَا فِي تَصْوِيرِهِ عُسْرٌ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ لَا بُدَّ أَنْ يَنْظُرَ وَيَصِلَ إلَيْهِ مِنْ الدَّلَائِلِ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الِالْتِحَاقُ إلَى الطَّبَقَةِ الْأُولَى فَإِنْ فُرِضَ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ إلَّا تَصْمِيمٌ تَقْلِيدِيٌّ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَأَبُو هَاشِمٍ يَقُولُ بِكُفْرِهِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِإِيمَانِهِ ، وَلَكِنَّهُ عَاصٍ بِتَرْكِ النَّظَرِ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ بَلْ هُوَ مُطِيعٌ مُؤْمِنٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْهُ إلَّا الِاعْتِقَادَ الْجَازِمَ الْمُطَابِقَ وَقَدْ حَصَلَ . وَأَمَّا الْقِيَامُ بِتَقْرِيرِ الْأَدِلَّةِ وَدَفْعِ الشُّبَهِ فَذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ فَحِينَئِذٍ نَقُولُ الْقِيَامُ بِتَقْرِيرِ الْأَدِلَّةِ وَدَفْعِ الشُّبَهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيَكُونُ بِأَحَدِ طَرِيقِينَ إمَّا طَرِيقَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْجَدَلِيِّينَ وَإِمَّا طَرِيقَةُ السَّلَفِ وَهِيَ الْأَنْفَعُ وَالْأَسْلَمُ . وَالِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ كَوْنِهِ عَنْ دَلِيلٍ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَالْقَائِلُونَ بِوُجُوبِهِ اكْتَفَوْا بِالدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ وَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِالْعِصْيَانِ وَأَبْعَدَ أَبُو هَاشِمٍ فَقَالَ : إنَّهُ كَافِرٌ وَرُبَّمَا فُهِمَ مِنْ أَبِي هَاشِمٍ إجْرَاءُ ذَلِكَ فِي تَرْكِ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الْحَنِيفَةُ السَّهْلَةُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ وَلَا عَاصٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - . انْتَهَى . .


أحببت وضعه هنا وذكره بعد كلام الامام الجويني للمقارنة بينهما .
والكلام منقول من الاخ سامح جزاه الله خيرا .
http://www.aslein.net/showthread.php?t=3635&highlight=%C7%E1%CA%DE%E1%ED%CF

عمار عبد الله
24-12-2007, 07:46
8. قال الإمام السنوسي في أم البراهين :
ويجب على كل مكلف شرعا أن يعرف ما يجب في حق ملانا جل وعز وما يستحيل وما يجوز ، وكذا يجب عليه أن يعرف في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام .
وقال رحمه الله في شرحه على المتن :
يعني انه يجب شرعا على كل مكلف - وهو البالغ العاقل - أن يعرف ما ذكر لأنه بمعرفة ذلك يكون مؤمنا محققا لإيمانه على بصيرة في دينه ، وإنما قال يعرف ولم يقل يجزم إشارة إلى أن المطلوب في عقائد الإيمان المعرفة ، وهي الجزم المطابق عن دليل ، ولا يكفي فيها التقليد وهو الجزم في عقائد الإيمان بلا دليل .
وإلى وجوب المعرفة وعدم الاكتفاء بالتقليد ذهب جمهور أهل العلم كالشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وإماما الحرمين وحكاه ابن القصار عن مالك أيضا .
ثم اختلف الجمهور القائلون بوجوب المعرفة .
فقال بعضهم: المقلد مؤمن ولكنه عاص بترك المعرفة التي ينتجها النظر الصحيح .
وقال بعضهم: المقلد ليس بمؤمن أصلا وقد أنكره بعضهم .
ولإمام الحرمين في الشامل تقسيم المكلفين إلى أربعة أقسام :
فمن عاش بعد البلوغ زمنا يسعه للنظر فيه ونظر لم يختلف في صحة إيمانه .
ومن عاش بعده زمنا لا يسعه النظر وشغل ذلك الزمن اليسير بما يقدر عليه فيه من بعض النظر لم يختلف في صحة إيمانه .
وإن أعرض عن استعمال فكره فيما يسعه ذلك الزمن اليسير بما يقدر عليه فيه النظر ، ففي صحة إيمانه قولان: والأصح عدم الصحة .
قلت : ولعل هذا التقسيم إنما هو فيمن لا جزم عنده بعقائد الإيمان أصلا ولو بالتقليد .
وذهب غير الجمهور إلى أن النظر ليس بشرط في صحة الإيمان بل وليس بواجب أصلا وإنما هو من شروط الكمال فقط .
وقد اختار هذا القول الشيخ العارف الولي ابن أبي جمرة والإمام القشيري والقاضي أبو وليد بن رشد والإمام أبو حامد الغزالي وجماعة .
والحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وجوب النظر الصحيح مع التردد في كونه شرطا في صحة الإيمان أو لا .
والراجح أنه شرط في صحته .
وقد عزا ابن العربي القول بأنه تعالى يعلم بالتقليد إلى المبدعة ونصه في كتابه المتوسط في الاعتقاد :
اعلموا علمكم الله أن هذا العلم المكلف به لا يحصل ضرورة ولا إلهاما ولا يصح التقليد فيه , ولا يجوز أن يكون الخبر طريقا إليه ، وإنما الطريق إليه النظر , ورسمه أنه الفكر المرتب في النفس على طريق يفضي إلى العلم أو الظن .
يطلب به من قام به علما في العلميات أو غلبة ظن في المظنونات .
ولو كان هذا العلم يحصل ضرورة لأدرك ذلك جميع العقلاء ، أو إلهاما لوضع الله تعالى ذلك في قلب كل حي ليتحقق به التكليف ، وأيضا فإن الإلهام نوع ضرورة وقد أبطلنا الضرورة .
ولا يصح أن يقال أنه تعالى يعلم بالتقليد كما قال جماعة من المبتدعة ، لأنه لو عرف بالتقليد لما كان قول واحد من المقلدين أولى بالإتباع والانقياد إليه من الأخر , كيف وأقوالهم ومختلفة .
ولا يجوز أيضا أن يقال انه يعلم بالخبر ، لأن من لم يعلم الله تعالى كيف يعلم أن الخبر خبره .
فثبت أن طريقه النظر وهو أول واجب على المكلف إذ المعرفة أول الواجبات ولا تحصل إلا به .
فبضرورة تقديمه عليها تثبت له صفة الوجوب قبلها ، وإيجاب المعرفة بالله معلوم من دين الأمة ضرورة .
فصل :
ومع أنا نقول إن المعرفة واجبة ، وإن النظر الموصل إليها واجب ، فإن بعض أصحابنا يقول إن من اعتقد في ربه الق وتعلق به اعتقاده على الوجه الصحيح في صفاته فإنه مؤمن موحد، ولكن هذا لا يصح في الأغلب إلا لناظر ، ولو حصل غير ناظر لم نأمن أن يتخلل اعتقاده ، فلابد عندنا أن يعلم كل مسالة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد ، ولا ينفعه اعتقاده إلا أن يصدر عن دليل علمه بذلك ، فلو اخترم وقد تعلق اعتقاده بالباري تعالى كما ينبغي وعجز عن النظر ، فقال جماعة منهم يكون مؤمنا .
وإن تمكن من النظر ولم ينظر ، قال الأستاذ أبو إسحاق يكون مؤمنا عاصيا بترك النظر ، وبناه على أصل الشيخ أبي الحسن ، فأما كونه مؤمنا مع العجز والاخترام فظاهر إن شاء الله تعالى، وأما كونه مؤمنا مع القدرة على النظر وتركه ، فقوله فيه نظر عندي ولا أعلم صحته الآن .
فإن قيل أوجبتم النظر قبل الإيمان على ما أستقر في كلامكم فإذا دعي المكلف إلى المعرفة فقال حتى أنظر فأنا الآن في مهلة النظر وتحت ترداده ماذا تقولون ؟
أتلزمونه الإقرار بالإيمان فتنقضون أصلكم في أن النظر يجب قبلها ، أم تمهلونه إلى حد يتطاول به المدى فيه .
أم تقدرونه بمقدار فتحكمون عليه بغير نص ؟
فالجواب أنا نقول :
أما القول بوجوب الإيمان قبل المعرفة فضعيف لأن إلزام التصديق بما لا تعلم صحته يؤدي إلى التسوية بين النبي والمتنبي ، وأنه يؤمن أولا فينظر فيتبين له الحق فيتمادى أو يتبين له الباطل فيرجع وقد اعتقد الكفر .
وأما إذا دعا المطلوب بالإيمان إلى النظر فيقال له إن كنت تعلم النظر فاسرده وإن كنت لا تعلمه فاسمعه , ويسرد في ساعة عليه فإن أمن تحقق استرشاده ، وإن أبى تبين عناده فوجب استخراجه منه بالسيف أو يموت .
وإن كان ممن ثافن أهل الإسلام وعلم طريق الإيمان لم يمهل ساعته .
ألا ترى أن المرتد استحب فيه العلماء الإمهال لعله إنما ارتد لريب فيتربص به مدة لعله أن يراجع الشك باليقين والجهل بالعلم ؟
ولا يجب ذلك لحصول العلم بالنظر الصحيح أولا ، وكيف يصح لناظر أن يقول إن الإيمان يجب قبل النظر ولا يصح في المعقول إيمان بغير معلوم ؟
وذلك الذي يجده المرقي نفسه حسن ظن بمخبره وإلا فإن تطرق إليه التجويز أو التكذيب تطرق .
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق إلى النظر أولا ، فلما قامت الحجة به وبلغ غاية الاعذار فيه حملهم على الإيمان بالسيف .
ألا ترى أن كل من دعاه إلى الإيمان قال له : اعرض علي آياتك فيعرضها عليه فيظهر له الحق فيؤمن فيأمن أو يعاند فيهلك ؟ انتهى .
قلت هذا كلام ابن العربي وهو حسن واستشكل القول بان المقلد ليس بمؤمن لأنه يلزمه تكفير أكثر عوام المسلمين وهم معظم هذه الأمة، وذلك مما يقدح فيما علم أن سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعا، وورد ان أمته المشرفة ثلثا أهل الجنة .
وأجيب بأن المراد بالدليل هو الدليل الجملي وهو الذي يحصّل في الجملة للمكلف العلم والطمأنينة بعقائد الإيمان بحيث لا يقول قلبه فيها لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ، ولا يشترط النظر على طريق المتكلمين من تحرير الأدلة وترتيبها ودفع الشبهة الواردة عليها ، ولا القدرة على التعبير عما حصل في القلب من الدليل الجملي الذي حصلت به الطمأنينة .
ولاشك أن النظر على هذا الوجه غير بعيد حصوله لمعظم هذه الأمة أو لجميعها فيما قبل أخر الزمان الذي يرفع فيه العلم النافع ويكثر فيه الجهل المضر ولا يبقى فيه التقليد المطابق فضلا عن المعرفة عند كثير ممن يظن به العلم فضلا عن كثير من العامة ، ولعلنا أدركنا هذا الزمان بلا ريب ، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

عمار عبد الله
24-12-2007, 08:00
9. حاشية الدسوقي على بعض العبارات :
يعني انه يجب شرعا على كل مكلف - وهو البالغ العاقل - أن يعرف ما ذكر لأنه بمعرفة ذلك يكون مؤمنا محققا لإيمانه على بصيرة في دينه ، وإنما قال يعرف ولم يقل يجزم إشارة إلى أن المطلوب في عقائد الإيمان المعرفة ، وهي الجزم المطابق عن دليل ، ولا يكفي فيها التقليد وهو الجزم في عقائد الإيمان بلا دليل .
وإلى وجوب المعرفة وعدم الاكتفاء بالتقليد ذهب جمهور أهل العلم كالشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وإماما الحرمين وحكاه ابن القصار عن مالك أيضا .
ثم اختلف الجمهور القائلون بوجوب المعرفة .
فقال بعضهم: المقلد مؤمن ولكنه عاص بترك المعرفة التي ينتجها النظر الصحيح .
وقال بعضهم: المقلد ليس بمؤمن أصلا ( أي بل هو كافر وليس المراد أنه منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة في المؤمن العاصي أنه يخلد في عذاب غير عذاب الكفر ، إذ لا قائل بذلك في المقلد كما قاله ابن عرفة ، وناهيك بتحصيله بخلاف القول بكفره فإنه موجود فيحمل كلام الشارح عليه . وعلى هذا القول تكون المعرفة واجبة وجوب الأصول فمن لا يحصلها يكون كافرا ، وهذا القول مبني على أن النظر شرط في الإيمان وأن الإيمان المعرفة أو حديث النفس التابع للمعرفة على ما سبق ، ومهما انتفى الشرط انتفى المشروط ) وقد أنكره بعضهم .( أي وقد أنكر القول بعدم إيمان المقلد بعضهم وهذا خلاف ما صححه في شرح الكبرى من كفره وادعى الإجماع عليه ، وقد علمت ما هو المعتمد من تلك الأقوال ، واعلم أن الخلاف في المقلد في كفره وعدم كفره إنما هو بالنسبة لنجاته وعدمها في الآخرة لأنه في الدنيا لا قائل بأنه يعامل معاملة الكافر بل يعامل فيها معاملة المسلمين اتفاقا . قال الشاوي: وهذا الخلاف الذي في المقلد بعكس الخلاف الذي في المعتزلة في أنهم كفار أو مؤمنون عصاة فإنه بالنظر لحال الدنيا ؛ أي هل تجري عليهم أحكام الكفار في الدنيا أم لا ؟ وأما في الآخرة فلا خلاف أنهم يخلدون في النار فتأمله . )
ولإمام الحرمين في الشامل تقسيم المكلفين إلى أربعة أقسام :
فمن عاش بعد البلوغ زمنا يسعه للنظر فيه ونظر لم يختلف في صحة إيمانه .
ومن عاش بعده زمنا لا يسعه النظر وشغل ذلك الزمن اليسير بما يقدر عليه فيه من بعض النظر لم يختلف في صحة إيمانه .
وإن أعرض عن استعمال فكره فيما يسعه ذلك الزمن اليسير بما يقدر عليه فيه النظر ، ففي صحة إيمانه قولان: والأصح عدم الصحة .
قلت : ولعل هذا التقسيم إنما هو فيمن لا جزم عنده بعقائد الإيمان أصلا ( أي والذي جرى فيه الخلاف فيمن عنده جزم فقوله ولعل ...الخ جمع بين كلام إمام الحرمين وما قبله وإنما ترجى الشارح ولم يجزم للاحتمال كلام الشامل أن يخص بما لا جزم عنده كما قال الشارح ، وأن يعمم فيه بحيث يشمله ويشمل المقلد الجازم. هذا وفي كلام الشارح شئ وذلك لأن من لا جزم عنده صادق بالظان والشاك في العقائد والمتوهم لها والمعتقد لضدها وخالي الذهن عنها لكونه نشأ بعيدا عن أهل الإسلام بالمرة وهذا وإن ظهر في القسم الثاني وهو من عاش بعد البلوغ زنا طويلا يسعه فيه النظر وترك ، لا يظهر بالنسبة للقسم الأول وهو من عاش بعد البلوغ زمنا طويلا يسعه فيه النظر ونظر لأن هذا عنده جزم فلا يصح أن يحمل على من لا جزم عنده الصادق بالخمسة المتقدمة ، ولا يظهر أيضا بالنسبة للقسم الثالث وكذا الرابع بالنظر للقول فيه بالإيمان وذلك لأن من عاش بعد البلوغ زمنا لا يسعه فيه النظر وشغل ذلك الزمن ببعض بالنظر أو اعرض عن النظر فيه بالمرة ولم يحصل عنده جزم بالعقائد بل ظنها أو شك فيها أو توهمها أو جزم بضدها أو كان خالي الذهن عنها كيف يقال بصحة إيمانه ؟ بل هذا كافر قطعا ، وأجيب بأن المراد بقوله: ولعل هذا التقسيم أي ولعل بعض هذا التقسيم وهو القسم الثاني والثالث والرابع فمن لا جزم عنده بدليل أن الأول عنده جزم ويراد بالإيمان في الثالث والرابع على أحد القولين لازمه وهو عدم المؤاخذة بالكفر فلا ينافي انه كافر في الواقع ، ولا غرابة في عدم مؤاخذة من اعتقد الضد والشك ونحوه لأنه لما ضاق الزمان عليه ولم يتسع للنظر غاية أمره أن يكون كأهل الفترة، وهذا الجواب الذي ذكره الشارح بعيد فالأحسن أن يحمل كلام إمام الحرمين على المقلد الجازم كما في الذي قبله، ويكون ما ذكره إمام الحرمين من عدم الخلاف في كفر المقلد طريقة ، والذي قبله من جريان الخلاف فيه طريقة أخرى ، فالأهل الفن طريقتان: طريقة تحكي الخلاف في إيمانه وكفره، وطريقة تحكي الاتفاق على كفره ، كذا قرر شيخنا العلامة العدوي ، وذكر الشيخ الملوي ما حاصله أن تقسيم إمام الحرمين يحتمل أن يكون في المقلد والغافل والساهي والذاهل ليخرج معتقد الضد والشاك ؛ أي أنهم إما أن ينظروا نظرا كاملا زال به التقليد والغفلة والسهو والذهول ، وإما أنهم لم ينظروا مع سعة الزمان إلى أخر ما ذكره إمام الحرمين ) ولو بالتقليد .( هذا من مدخول النفي أي فيمن كان جزمه ولو بالتقليد منتفيا ).
وذهب غير الجمهور إلى أن النظر ليس بشرط في صحة الإيمان بل وليس بواجب أصلا وإنما هو من شروط الكمال فقط .
وقد اختار هذا القول الشيخ العارف الولي ابن أبي جمرة والإمام القشيري والقاضي أبو وليد بن رشد والإمام أبو حامد الغزالي وجماعة .
والحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة ( أي فقد ورد فيهما الأمر بالنظر في مواضع كثيرة ، والأمر إذا أطلق ينصرف للوجوب وكثرته تفيد القطع بالوجوب، والوجوب محتمل للشرطية غيرها إذ الوجوب أعم منها ، والأعم لا أشعار له بأخص معين ولذا قال مع التردد ) وجوب النظر ( أي الموصل لمعرفة العقائد ومثله المعرفة بها لأنها تابعة له والتابع يعطى حكم المتبوع ) الصحيح مع التردد في كونه شرطا في صحة الإيمان ( أي فيكون واجبا وجوب الأصول ) أو لا .( فيكون واجبا وجوب الفروع . وهذا الحق الذي ذكره هنا هو عين ما ذهب إليه جمهور أهل العلم سابقا . )
والراجح أنه شرط في صحته . ( يعني في صحة الإيمان بمعنى انه لا يوجد إيمان ولا يتحقق إلا إذا نشأ عن نظر ، وأما إذا نشأ عن تقليد فلا يحصل الإيمان ويحصل الخلود في النار، وقد علمت أن هذا خلاف الراجح وأن الراجح أن النظر واجب وجوب الفروع في حق من فيه أهلية للنظر ، وحينها فالمقلد الذي فيه أهلية للنظر مؤمن عاص فقط وإيمانه منج له من الخلود في النار ، وأما إذا كان ليس فيه أهلية للنظر فهو مؤمن غير عاص . )
وقد عزا ابن العربي القول بأنه تعالى يعلم بالتقليد إلى المبدعة ( أشار بذلك إلى ضعف القول بأن النظر ليس شرطا في صحة الإيمان بل شرط كمال وأن التقليد كاف في عقائد الإيمان ) ونصه في كتابه المتوسط في الاعتقاد :
اعلموا علمكم الله أن هذا العلم المكلف به لا يحصل ضرورة ولا إلهاما ولا يصح التقليد فيه , ولا يجوز أن يكون الخبر طريقا إليه ، وإنما الطريق إليه النظر , ورسمه أنه الفكر المرتب في النفس على طريق يفضي إلى العلم أو الظن .
يطلب به من قام به علما في العلميات ( أي في المسائل التي لا يكفي فيها إلا العلم كالعقائد ) أو غلبة ظن في المظنونات .
ولو كان هذا العلم يحصل ضرورة لأدرك ذلك جميع العقلاء ، أو إلهاما لوضع الله تعالى ذلك في قلب كل حي ليتحقق به التكليف ، وأيضا فإن الإلهام نوع ضرورة وقد أبطلنا الضرورة .
ولا يصح أن يقال أنه تعالى يعلم بالتقليد كما قال جماعة من المبتدعة ، لأنه لو عرف بالتقليد ( هذه إشارة إلى قياس شرطي حذفت استثنائيته وذكر دليلها وحذف أيضا مقدم الشرطية ، وأصل التركيب هكذا : لو كان التقليد طريقا للعلم لحصل العلم به تعالى بالتقليد لكن التالي باطل فكذلك المقدم . أما الشرطية فالملازمة فيها ظاهرة ، ووجه بطلان التالي الذي هو الاستثنائية أن المقلد لا يخلو إما أن يقلد كل واحد من الناس أو بعضهم ، وكلاهما لا يصح لأنه إن قلد واحدا مثلا دون غيره لزم عليه الترجيح من غير مرجح لاستواء المقلَدين – بالفتح - وعدم كون بعضهم أولى من بعض بإتباعه قوله ، والترجيح من غير مرجح باطل ، فليكن ما أدى إليه من تقليد البعض دون البعض الذي هو طريق لحصول هذا العلم باطلا . وإن قلد الكل لزم عليه الجمع بين المتنافيات في الاعتقاد ، لأن أقوال المقلَدين – بالفتح – متنافية ، أي والجمع بين المتنافيات في الاعتقاد باطل . فليكن ما أدى إليه من تقليد الكل الذي هو طريق لحصول هذا العلم باطلا ، فالحاصل أن حصول العلم عن التقليد يؤدي إما إلى الترجيح بلا مرجح وإما إلى الجمع بين المتنافيات في الاعتقاد ، وكلاهما محال ، فما أدى لذلك وهو حصول العلم عن التقليد محال ، وحينئذ لا يحصل العلم بالتقليد ) لما كان قول واحد من المقلدين أولى بالإتباع والانقياد إليه من الأخر , كيف وأقوالهم ومختلفة .
ولا يجوز أيضا أن يقال انه يعلم بالخبر ، لأن من لم يعلم الله تعالى كيف يعلم أن الخبر خبره .
فثبت ( فإذا بطل كون الضرورة والإلهام والتقليد والخبر طريقا للعلم به تعالى ، ثبت أن طريقه النظر أي الصحيح المركب من مقدمات يقينية لأن النظر قد يطلب به الظن كما مر ، والمطلوب هنا إنما هو العلم اليقيني ) أن طريقه النظر وهو أول واجب على المكلف إذ المعرفة أول الواجبات ولا تحصل إلا به .
فبضرورة تقديمه عليها تثبت له صفة الوجوب قبلها ، وإيجاب المعرفة بالله معلوم من دين الأمة ضرورة .
فصل :
ومع أنا نقول إن المعرفة واجبة ، وإن النظر الموصل إليها واجب ، فإن بعض أصحابنا يقول إن من اعتقد في ربه الق وتعلق به اعتقاده على الوجه الصحيح في صفاته فإنه مؤمن موحد، ولكن هذا لا يصح في الأغلب إلا لناظر ، ولو حصل غير ناظر لم نأمن أن يتخلل اعتقاده ، فلابد عندنا أن يعلم كل مسألة ( أي وجبت علينا معرفتها ) من مسائل الاعتقاد بدليل ( أي قطعي وهو البرهان المركب من مقدمات يقينية والمراد بالدليل ما يسمى الجملي ) واحد ( بيان لأقل ما يكفي )، ولا ينفعه اعتقاده ( وحينئذ فالمقلد كافر عند ابن العربي ) إلا أن يصدر عن دليل علمه بذلك ، فلو اخترم وقد تعلق اعتقاده بالباري تعالى كما ينبغي وعجز عن النظر ، فقال جماعة منهم يكون مؤمنا .
وإن تمكن من النظر ولم ينظر ، قال الأستاذ أبو إسحاق يكون مؤمنا عاصيا بترك النظر ، وبناه على أصل الشيخ أبي الحسن ، فأما كونه مؤمنا مع العجز والاخترام فظاهر إن شاء الله تعالى، وأما كونه مؤمنا مع القدرة على النظر وتركه ، فقوله فيه نظر عندي ولا أعلم صحته الآن .
فإن قيل أوجبتم النظر قبل الإيمان على ما أستقر في كلامكم فإذا دعي المكلف إلى المعرفة فقال حتى أنظر فأنا الآن في مهلة النظر وتحت ترداده ماذا تقولون ؟
أتلزمونه الإقرار بالإيمان فتنقضون أصلكم في أن النظر يجب قبلها ، أم تمهلونه إلى حد يتطاول به المدى فيه .
أم تقدرونه بمقدار فتحكمون عليه بغير نص ؟
فالجواب أنا نقول :
أما القول بوجوب الإيمان قبل المعرفة فضعيف لأن إلزام التصديق بما لا تعلم صحته يؤدي إلى التسوية بين النبي والمتنبي ، وأنه يؤمن أولا فينظر فيتبين له الحق فيتمادى أو يتبين له الباطل فيرجع وقد اعتقد الكفر .
وأما إذا دعا المطلوب بالإيمان إلى النظر فيقال له إن كنت تعلم النظر فاسرده وإن كنت لا تعلمه فاسمعه , ويسرد في ساعة عليه فإن أمن تحقق استرشاده ، وإن أبى تبين عناده فوجب استخراجه منه بالسيف أو يموت .
وإن كان ممن ثافن أهل الإسلام وعلم طريق الإيمان لم يمهل ساعته .
ألا ترى أن المرتد استحب فيه العلماء الإمهال لعله إنما ارتد لريب فيتربص به مدة لعله أن يراجع الشك باليقين والجهل بالعلم ؟
ولا يجب ذلك لحصول العلم بالنظر الصحيح أولا ، وكيف يصح لناظر أن يقول إن الإيمان يجب قبل النظر ولا يصح في المعقول إيمان بغير معلوم ؟
وذلك الذي يجده المرقي نفسه حسن ظن بمخبره وإلا فإن تطرق إليه التجويز أو التكذيب تطرق .
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق إلى النظر أولا ، فلما قامت الحجة به وبلغ غاية الاعذار فيه حملهم على الإيمان بالسيف .
ألا ترى أن كل من دعاه إلى الإيمان قال له : اعرض علي آياتك فيعرضها عليه فيظهر له الحق فيؤمن فيأمن أو يعاند فيهلك ؟ انتهى .
قلت هذا كلام ابن العربي وهو حسن واستشكل القول بان المقلد ليس بمؤمن لأنه يلزمه تكفير أكثر عوام المسلمين وهم معظم هذه الأمة، وذلك مما يقدح فيما علم أن سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعا، وورد ان أمته المشرفة ثلثا أهل الجنة .
وأجيب بأن المراد بالدليل هو الدليل الجملي وهو الذي يحصّل في الجملة للمكلف العلم والطمأنينة بعقائد الإيمان بحيث لا يقول قلبه فيها لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ، ولا يشترط النظر على طريق المتكلمين من تحرير الأدلة وترتيبها ودفع الشبهة الواردة عليها ، ولا القدرة على التعبير عما حصل في القلب من الدليل الجملي الذي حصلت به الطمأنينة .
ولاشك أن النظر على هذا الوجه غير بعيد حصوله لمعظم هذه الأمة أو لجميعها فيما قبل أخر الزمان الذي يرفع فيه العلم النافع ويكثر فيه الجهل المضر ولا يبقى فيه التقليد المطابق فضلا عن المعرفة عند كثير ممن يظن به العلم فضلا عن كثير من العامة ، ولعلنا أدركنا هذا الزمان بلا ريب ، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

هذا وتوجد عدة تعليقات للعلامة الدسوقي قصرت همتي عن نقلها الان واكتفي بالاشارة اليها وقد أنقلها لاحقا إذا تطلب الامر .
وأظن أن ما سبق يحقق المقصد .

عمار عبد الله
24-12-2007, 13:59
ملخص ما سبق :
1. الإيمان المطلوب هو ما كان يقينيا ولا يقبل التردد في الإيمان .
2. يطلق لفظ المقلد ويراد به أحد شخصين :
الأول هو الذي يجزم بالعقائد لا لموجب والثاني هو الذي يقبل قول الغير بلا حجة .
3. الثاني كافر إجماعا لأنه لم يصل اليقين والخلاف في المقلد الأول .
4. انقسم أهل السنة في المقلد الأول على مذاهب وهي :
أ. القول بكفره وحكاية الإجماع على ذلك .
ب. القول بكفره مع تجويز غيره .
ج. القول بإيمانه مع إثبات تقصيره في واجب النظر .
د. القول بإيمانه مع عدم تقصيره على القول بعدم وجوب النظر .
5. منشأ كل مذهب :
أ. ذهب من قال بكفر المقلد إجماعا أن الإيمان اليقيني لا يكون إلا بعد النظر فالنظر شرط للإيمان وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إجماعا ، والإيمان بالله واجب إجماعا فما لا يتم إلا به واجب إجماعا لنفس سبب وجوب الإيمان .
ب. ذهب من قال بكفر المقلد وتجويز غيره إلى أن المسألة اجتهادية وعليه لا يكفر من يقول بخلافها .
ج. أصحاب هذا المذهب يرون أن النظر هو شطر للإيمان - على القول بأن لإيمان يزيد وينقص - او هو شرط كمال لا شرط تحقق ولذلك فمن أخل به يكون مقصرا ولا ينتفي عنه أصل الإيمان .
د. أصحاب هذا المذهب يرون أن النظر ليس بواجب أصلا ويكتفي بالتقليد وهذا اضعف الأقوال .
6. بعض أهل السنة أنكر المذهب ( أ ) وبعضهم أنكر المذهب ( د ) .
7. اتفق الجميع على إيمان من لا يملك الأهلية للنظر أو من لم يجد الوقت الكافي للنظر والخلاف المذكور هو فيمن يجد الأهلية والوقت .
8. الدليل الكافي للخروج من التقليد هو الدليل القطعي ولا يشترط تقريره للغير بل يكفي أن تدرك قطعيته في نفس صاحبه .
9. ما خرج به أبو هاشم عن كافة الأقوال هو قوله وجوب الشك قبل النظر لا قوله بكفر المقلد .
10. الخلاف المذكور عند أهل السنة في نجاة المقلد في الآخرة وإلا فهو مؤمن في الدنيا إجماعا ، أما عند المعتزلة فهو في الآخرة كافر إجماعا وخلافهم فيه هو في إقامة أحكام المسلمين عليه في الدنيا .


هذا ما بدا لي إلى الآن وأرجو أن أسمع تعليقاتكم إن وجدت .
وقد كنت أرغب بنقل المزيد من الأقوال ولكن همتي قصرت عن ذلك فاكتفيت بما سبق لتحصيله المطلوب .
والله اعلم .

عمر شمس الدين الجعبري
19-10-2018, 19:32
بحث دقيق ومهم .. بارك الله فيكم