المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة إلى أحد المشككين في علم الكلام، والمائلين إلى التصوف غير المحقَّق وطريقة الكشف



سعيد فودة
22-06-2004, 01:43
هذه رسالة كتبتها إلى احد الأشخاص الذين دار بيني وبينهم حوار في أثناء درس شرح الإقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي، وقد اعترض في أثناء الدرس على علم الكلام ، وادعى أنه مجرد هرطقة على حد زعمه، وأنه لا يعتقد أنه مفيد، بل المفيد هي طريقة التخلية والاعتماد على الكشف، حيث إنه ملتزم مع أحد مشايخ الصوفية القائلين بهذا الطريق.
وقد رددت عليه أثناء الدرس، ثم أرسل لي رالة يوضح فيها رأيه، فكتبت هذا الرد والتعليق على رسالته، أحببت أن أشرككم في قراءتها لعلها تكون ذات فائدة وتكشف عن بعض الاتجاهات الموجودة بين المسلمين في هذا الزمان.

بسم الله الرحمن الرحيم


حضرة السيد .............. وفقك الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأدعو الله تعالى أن يتفضل عليك بما ترغب به من الفتح والكشف إذا كان ذلك هو الطريق الصحيح للترقي في مطالب المعارف كما تعتقد أنت. وإن لم يكن هذا هو الطريق في نفس الأمر فأدعو الكريم الفتاح أن يدلك عليه بتوفيقه جل شأنه.
أما بعد،
فسأقسم إليك الكلام هنا إلى فقرات تتناسب مع ما ذكرته لي في مذكرتك، ولا ألتزم فيها ترتيبك، ولكنني سأميز ما بين المعاني التي تداولتها في كلامك وأتحرى النقد فيه على ما أعتقد مما أداني إليه النظر.
أولا:
أما ادعاؤك في أول كلامك وقولك عن نفسك "فيما يتعلق بفائدتي الشخصية من هذا العلم-أي علم الكلام- فيمكنني القول إنني من الفئة الأولى التي ذكرها الغزالي، وهم عوام المؤمنين الذين يريدون أن يشتغلوا بالعبادة وبإصلاح نفوسهم، ودعوة غيرهم من عوام المؤمنين، فلا ينبغي تكليفي إلا بما هو فرض عين...الخ"
أقول: إن كلامك هذا منقوض بأفعالك وسيرتك العملية، فمن يعتبر نفسه من العوام لا يجوز له أن يتصدى لنقد أدلة كبار العلماء حتى من دون فهم ما يقولونه من المعاني، بل لا يجوز له أن يضع نفسه حاكما على كلامهم، فضلا عن أن يقول عن بعض أو معظم ما ينصون عليه إنه كلام لا طائل من تحته أو مجرد عبارات لا معنى تحتها، أو إن الدليل الفلاني عبارة عن هرطقة أو ما يشابه هذه الكلمات المنطوية على أحكام جائرة، وتنطوي أيضا على وضع النفس في محل لا تستحقه؟!
ثم إن العوام لا يجوز أن يَدْعُوا أنفسهم ولا غيرهم إلا إلى ما يحسنون، وما أظن أن نقد الأدلة التي أقامها أئمة العلماء على إثبات الحدوث أو القدرة مما يحسنه العامة، وإلا أصبح العلماء عامة أو العكس، ولوقع التناقض في كلامك، وهذا الأخير واقع. وسوف أعود إلى ذلك في محل آخر.
أنت في الحقيقة تدعي إراحة لنفسك وإزالة عما قد يوجهه إليك البعض عند المناقشة أنك من العامة، والحقيقة أن العامي العارف بنفسه أنها كذلك، لا يرمي بنفسه في أحضان واحد من أعوص الأدلة في علم الكلام والفلسفة -وهو دليل حدوث العالم المعتمد على نفي التسلسل وقطعه- ثم يقول بسهولة إنه هرطقة، بل يحكم على منهج كامل التزم به أكثر علماء الأمة بأنه لا يؤدي إلى علم بأمر من الأمور، بل لا يستفاد منه إلا كلاما فارغا من المعنى أي جدلا خاويا، وحججا سفسطية، هذا هو معنى ما سمعته منك أكثر من مرة بألفاظ مختلفة.
أنت في الحقيقة ترى المتكلمين قد خاضوا فيما لا يحسنون، وربما فيما لا يفهمون أو فيما يفهمه غيرهم بشكل أفضل منهم؟! ولذلك فأنت لا تبتعد عن هذا العلم بعد أن رأيت أنه لا ينفع، بل ابتعدت عنه وأنت لا تعلم عنه شيئا تقريبا. ولهذا اتخذت منه هذا الموقف الغريب، نعم أقول غريب أن يصدر هذا الموقف ممن يدعي أنه بعيد عن مذهب الحشوية، في حين أن موقفه هذا عينه لا يتفرع إلا عن طريقتهم في التفكير، ولا أستبعد منك أن تحتج ببعض الأقوال التي أكثر هؤلاء المجسمة من الاحتجاج بها مما روي عن بعض السلف في الذم لعلم الكلام، أنا لا أستغرب ذلك وإن لم أسمعك تقترفه لأنه يتجاوب مع روحك.
والغريب أنك في نفس الوقت الذي تدعي فيه هذه الدعوى المجردة عن دليل، تخوض في مناقشات لا نهاية لها في مباحث الكلام، سواء في دليل التسلسل أو في غيره، بينما الموقف الصحيح للعامي الراسخ هو الابتعاد عن الجدل الفارغ على حد تعبيرك.
واعلم أن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، الذي ترمي بنفسك من غير حق إليه، يقول عن الفرقة الأولى التي صنفت نفسك تحتها بأنها فرقة آمنت بالله وصدقت رسوله واعتقدته الحق وأضمرته واشتغلت إما بعبادة وإما بصناعة، فهؤلاء ينبغي أن يتركوا وما هم عليه ولا تحرك عقائدهم بالاستحثاث على تعلم هذا العلم... ثم قال... في آخر الفقرة: ولهذا لم ينقل عن الصحابة الخوض في هذا الفن لا بمباحثة ولا بتدريس ولا تصنيف بل كان شغلهم بالعبادة والدعوة إليها وحمل الخلق على مراشدهم ومصالحهم في أحوالهم وأعمالهم ومعاشهم فقط."اهـ
فهل تعتقد أنك فعلا تنتمي إلى هذه الطائفة؟! كيف يكون هذا صحيحا وقد كلمتَ أكثر من واحد من الإخوة في مباحثَ في علم الكلام، وناقشتَهم في واحدة من أعوص المسائل أقصد التسلسل، وأنت لا زلت حتى الآن تدعي أنك أنت على الحق وأن سائر من تكلم فيه من العلماء لم يفهمه على ما ينبغي، وكذلك عندما ادعيت في أكثر من موقف بمعاني مثل هذا، مثل قولك بأن الإمام الغزالي لم يحسن عرض الدليل على حدوث العالم، وأنه كان فقط يريد إفحام الفلاسفة، لا بيان الحق كما هو، وهل تذكر كم استمررت في المجادلة لإثبات قولك بأن دليل التسلسل إن صدق في التطبيق على الحوادث في الماضي، ولزمها الانقطاع، فإنه يلزم من ذلك صدقه على الحوادث في المستقبل وانقطاع نعيم الجنة وعذاب النار، حتى اضطررت أخيرا إلى الاعتراف بالفرق بين الماضي والمستقبل، وعدم لزوم هذا القياس، لأنه قياس مع الفارق، كما بينته لك في الدرس، واعتقدتَ اعتقادا غير مطابق بأن جميع ما ذكره الغزالي في كتاب الاقتصاد مجرد مجادلة للفلاسفة وغرضها مجرد إفحامهم ولو على أساس غير صحيح، وغير ذلك مما أعتبره تهافتا، فهل هذه هي صفة العامي الذي صنفه الإمام الغزالي تحت عنوان الفرقة الأولى؟!
أنت فعلا تقول بلسان مقالك أنك عامي، ولكن موقفك العملي بمناقضة أقوال العلماء يدل على أنك تعتقد أنك مع ادعائك العامية، أكثر فهما لحقائق هذه الأمور من هؤلاء العلماء. وهذا هو بالضبط موقف الحشوية من المجسمة وغيرهم، ولعلك تذكر السؤال الذي وجَّهَه اليَّ الشيخ (نوح كلر) الذي كان حاضرا، أثناءَ الدرس وهو: من هم الحشوية؟ فأجبته: بأنه ليس كل حشوي فهو مجسم، بل يوجد بعض المنتمين إلى أهل السنة وهم غير فاهمين لحقيقة مذهبهم هم في الحقيقة حشوية، والحشو في النهاية عبارة عن وصف لمن يحشو المعنى في غير محله، أو يستخرجه من غير محله، ويعتقد أن ما يفعله هو الحق في نفس الأمر، وتقصر نفسه عن إدراك مطلوب المخالفين ومن غير وجه حق، والحشو عبارة عن وصف لطريقة في التفكير اشتهر بها المجسمة أكثر من غيرهم، ولكن إذا تلبَّس بها البعض فقد صار هذا الوصف اسما عليه.
فقل لي بالله عليك، كيف تدعي العامية وأنت تتخذ كل هذه المواقف التي ربما لا يقدر عليها كثير من العلماء؟! ألا يجوز لي أن أفهم بعد ذلك أنك لا تنتسب إلى العوام إلا حماية لنفسك من السهام التي يرميها عليك المخالف لك؟!
فإذا تبين لك الآن بعد هذه الكلمات أنك لست من العامة من حيث الحقيقة لا الادعاء، فعليك أن تعرف إلى أي طائفة من الطوائف التي ذكرها الحجة تنتسب لتعرف بعد ذلك ما الذي يجب عليك؟! هذا إذا كنت فعلا تحب اتباع الإمام الحجة.
ثانيا: رأيك في علم الكلام وبيان رأي الحجة الغزالي
أنت تعتقد أن فائدة علم الكلام تنحصر فقط في ردِّ الشبه وحراسة عقيدة العوام، ونسبت ذلك إلى الإمام الغزالي في أكثر من موضع في كتبه. فأنت تدعي أن علم الكلام لا يفيد إلا في ردِّ الشبه وحراسة عقيدة العوام، وأما بيان أمر في ذاته وتمييز المعاني الصحيحة من غير الصحيحة فهو ليس من وظيفة ذلك العلم كما تزعم. وتنسب ذلك كله إلى الإمام الغزالي.
ولكن الحقيقة غير ذلك، وأنت تعرف أنني تكلمت على هذه المسألة تحديدا في أكثر من درسٍ، وقلت إن علم الكلام لا يفيد فقط في ردِّ الشبه، بل يفيد أيضا في تمييز المعاني الصحيحة عن الباطلة، فهو يفيد في اكتساب اليقين للعقائد في نفس الإنسان، وفي التحقيق في معانيها. وأنت تنكر تلك الفائدة له. بل قلت لي في أكثر من مناسبة في الدرس إن معظم الكلام الصادر في الدرس كلام فارغ لا حاصل تحته وهو عبارة عن ترديد ألفاظ لا معنى تحتها، أو كنت تقول إن علم الكلام لا يفيد إلا في إسكات الخصم أما في بيان الحق من الباطل، فلا، إلى غير ذلك من المعاني التي تعتقد بها، ومع أنه من المشهور عنِّي في أثناء الدروس خاصة أنني لا أتحمل أن أسمع نحو هذا الكلام، وأنني أشدد على من يفكر فيه فضلا عمن يتكلم به. إلا إنني لم أعنفكَ ولم أتعمد المسارعة في بيان أغلاطك المتكررة، مع قدرتي على ذلك بأقل جهد وذلك حرصا مني على استمرار حضورك في الدرس لعل الله تعالى يكتب لك فيه الإفادة. وحرصت على أن لا أُردد الأسلوب الذي تتبعه أنت في الكلام، هذا مع أنه من الغريب على واحد يوجه في الدرس كلاما يصرح فيه أن ما يقال عبارة عن كلام فارغ، ويسكت عليه، ومع ذلك فإنني قد انتظرت، وقلتُ -والله- في نفسي لعل عند هذا القائل أسبابا قوية تبعثه على مثل ذلك الاعتقاد، وأنه لذلك الاحتمال يجب عليَّ أن أنتظر عليه فترة أمهله فيها للنظر فيما يقول، وحتى أتيح له أن يعبر بأقصى ما يستطيع من الوضوح عما في قلبه يجول، محتملا في ذلك أن أكون قد فهمت منك غير ما تقصد، أو أن أكون حملت كلامك غير ما يحتمل.
ولكن ها أنت الآن تكتبه كتابة، في هذه المذكرة، فأنت تقول واصفا هذا العلم أي علم الكلام:"أن مادة هذا العلم هي مدلولات الألفاظ التي يكثر فيها الإيهام، وتختلط فيه التعبيرات الاصطلاحية بالعبارات الإنشائية بشكل مزعج، يؤدي كثيرا إلى اللبس، وإلى الخلافات اللفظية."اهـ
هذه هي حقيقة هذا العلم عندك، وبنص لفظك. ولعلها هي نفسها تكون دليلا على أنت لا تعلم من هذا العلم إلا كما يعلم العامي من القرن الأول قبل الميلاد من نظرية أينشتين، أو معادلات ماكسويل، أو تحويلات لابلاس أو فوريير. ومع هذا الأمر فإنني انتظرت منك أن تراجع نفسك وتعيد نظرك، ولكنك استمررت في غلوك وتعاليك على هذه المسائل وعلى القائلين بها.
وبما أنك ادعيت ان الإمام الغزالي يقول بما أنت قائل به، فالآن دعنا ننظر في كتب الحجة حتى نعرف الحق من الباطل.
قال الإمام الغزالي في بداية كتاب المستصفى:" اعلم أن العلوم تنقسم إلى عقلية، كالطب والحساب والهندسة، وليس ذلك من غرضنا. وإلى دينية، كالكلام، والفقه وأصوله، وعلم الحديث، وعلم التفسير، وعلم الباطن، أعني علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة، وكل واحد من العقلية والدينية ينقسم إلى كلية وجزئية، فالعلم الكلي من العلوم الدينية هو الكلام، وسائر العلوم من الفقه وأصوله والحديث والتفسير علوم جزئية، لأن المفسر لا ينظر إلا في معنى الكتاب خاصة، والمحدث لا ينظر إلاّ في طريق ثبوت الحديث خاصة، والفقيه لا ينظر إلاّ في أحكام أفعال المكلفين خاصة، والأصولي لا ينظر إلا في أدلة الأحكام الشرعية خاصة. والمتكلم هو الذي ينظر في أعم الأشياء وهو الموجود.
فيقسم الموجود أوّلاً إلى: 1 - قديم، 2 - وحادث، ثم يقسم المحدث إلى: 1 - جوهر، 2 - عَرض.
ثم يقسم العرض: 1 - إلى ما تشترط فيه الحياة من العلم، والإرادة، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، 2 - وإلى ما يستغنى عنها، كاللون والريح والطعم.
ويقسم الجوهر: إلى الحيوان والنبات والجماد، ويبين أن اختلافها بالأنواع أو بالأعراض، ثم ينظر في القديم فيبين أنه لا يتكثر ولا ينقسم انقسام الحوادث، بل لا بد أن يكون واحداً وأن يكون متميزاً عن الحوادث بأوصاف تجب له، وبأمور تستحيل عليه، وأحكام تجوز في حقه، ولا تجب ولا تستحيل، ويفرق بين الجائز والواجب والمحال في حقه، ثم يبين أن أصل الفعل جائز عليه، وأن العالم فعله الجائز، وأنه لجوازه افتقر إلى محدث، وأن بعثة الرسل من أفعاله الجائزة، وأنه قادر عليه، وعلى تعريف صدقهم بالمعجزات، وأن هذا الجائز واقع عند هذا ينقطع كلام المتكلّم وينتهي تصرف العقل، بل العقل يدل على صدق النبي، ثم يعزل نفسه ويعترف بأنه يتلقى من النبي بالقبول ما يقول في الله واليوم الآخر، مما لا يستقل العقل بدركه، ولا يقضي أيضاً باستحالته، فقد يرد الشرع بما يقصر العقل عن الاستقلال بإدراكه، إذ لا يستقل العقل بإدراك كون الطاعة سبباً، للسعادة في الآخرة، وكون المعاصي سبباً للشقاوة، لكنه لا يقضي باستحالته أيضاً، ويقضي بوجوب صدق من دلت المعجزة على صدقه، فإذا أخبر عنه صدق العقل به بهذه الطريق، فهذا ما يحويه علم الكلام، فقد عرفت من هذا أنه يبتدى نظره في أعم الأشياء أوّلاً وهو الموجود، ثم ينزل بالتدريج إلى التفصيل الذي ذكرناه، فيثبت فيه مبادىء سائر العلوم الدينية، من الكتاب والسنة وصدق الرسول، فيأخذ المفسر من جملة ما نظر فيه المتكلم واحداً خاصاً، وهو الكتاب فينظر في تفسيره ويأخذ المحدث واحداً خاصاً وهو السنة فينظر في طرق ثبوتها والفقيه يأخذ واحداً خاصاً وهو فعل المكلف، فينظر في نسبته إلى خطاب الشرع من حيث الوجوب والحظر والإباحة، ويأخذ الأصولي واحداً خاصاً، وهو قول الرسول الذي دل المتكلم على صدقه، فينظر في وجه دلالته على الأحكام إما بملفوظة أو بمفهومه أو بمعقول معناه ومستنبطه، ولا يجاوز نظر الأصولي قول الرسول عليه السلام وفعله، فإن الكتاب إنما يسمعه من قوله، والإجماع يثبت بقوله، والأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يثبت صدقه وكونه حجة في علم الكلام، فإذا الكلام هو المتكفل بإثبات مبادىء العلوم الدينية كلها، فهي جزئية بالإضافة إلى الكلام، فالكلام هو العلم الأعلى في الرتبة، إذ منه النزول إلى هذه الجزئيات."اهـ
وإنما نقلت لك من هذا الكتاب وهو المستصفى لأنه من آخر الكتب التي ألفها الإمام الحجة، كما ذكر ذلك بنفسه في مقدمة الكتاب، فقال إنه ألفه بعدما ألف كتاب الإحياء وغيره من الكتب. وذلك لئلا تقول إن الإمام قد غير قوله في آخر حياته كما اعتادت الحشوية أن تستند في حججها !
فعلم الكلام عند الحجة هو العلم الذي يثبت الأصول والأسس التي تقوم عليها العلوم الشرعية كلها، وهو أعم العلوم على الإطلاق، وبالتالي فهو أشرف العلوم الشرعية، وهدف علم الكلام إثبات وتحقيق للأصول وردٌّ على الخصوم، لا مجرد ردٍّ وثرثرة كما تدعي أنت دعوى مجردة عن دليل.
أنا أعلم أنك ربما تتمسك ببعض مواضع وردت في كلام الإمام الغزالي في بعض كتبه، يذم الخوض في علم الكلام، ويقول بأن الحاجة إليه نادرة، وغير ذلك من عبارات، ولكن ألا ترى أنه إذا فهمنا هذا الذم الوارد في كلام الإمام على الإطلاق فإنه يتعارض مع كلامه هذا بل مع كلامه في كثير من المواضع، ويتعارض أيضا مع كلام أكثر أئمة الإسلام كما سأريك لاحقا؟! والأصل أنه لا يتعارض كلام الواحد مع نفسه، ولا كلامه مع غيره من الأعلام، إذن يجب أن نفهم هذا الذم على أنه ذمٌّ للكلام في حق أناس معينين، لا على أنه ذمٌّ على الإطلاق، بل هو هذا المعنى المفهوم من عبارات الحجة في مختلف كتبه، فإنه في المنقذ من الضلال مثلا لم يذم الكلام على الإطلاق، بل قال:
"ثم إني ابتدأت بعلم الكلام، فحصلته وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفته علما وافيا بمقصوده، غير واف بمقصودي، وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة، فقد ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفة القرآن والأخبار، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها، فأنشأ الله تعالى طائفة المتكلمين، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب، فمنه نشأ علم الكلام وأهله. فلقد قام منهم بما ندبهم الله تعالى إليه، فأحسنوا الذبَّ عن السنة والنضالَ عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة.
ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم واضطرهم إلى تسليمها إما التقليد أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار. وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم، وهذا قليل النفع في جنب من لا يسلم سوى الضروريات شيئا أصلا، فلم يكن الكلام في حقي كافيا، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا.
نعم لما نشأت صنعة الكلام وكثر الخوض فيه وطالت المدة، تشوف المتكلمون إلى مجاوزة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها، ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق، ولا أبعد أن يكون ذلك قد حصل لغيري، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات." اهـ
فتأمل رحمك الله تعالى في كلام هذا الحجة لتعلم أنه لا يتكلم عن أمر منزل ولا ينتقد شيئا ثابتا لا حركة فيه، بل إن الإمام لاحظ في نقده لعلم الكلام، بالإضافة إلى هدفه والأساليب التي غلبت على أهله -أقول غلبت عليهم ولا أقول إنهم لم يستخدموا غيرها أو إنهم حرموا استعمال غيرها في هذا العلم-، وأقول غلبت على أهله حتى زمان الإمام الغزالي، ومع هذا الذي صدر من الحجة إلا إنه لم يسلب المتكلمين خصائصهم ولم ينف عن علمهم الفائدة بالمرة، بل أشار إلى أن بعضهم حاول أن يضيف أساليب إلى هذا العلم ليرفع من مستواه، وهو ككل علم أمر مكتسب بالجهد الإنساني ولم يقل أحد إنه أمر ملهم، أو أمر يخلقه الله تعالى في الإنسان منذ ولادته ولا غير ذلك من الدعاوي، فهذا العلم لم يزل يترقى من زمان الإمام بل وقبله إلى هذا الزمان، ولعله لا يخفى على متفكر نبيه أن الإمام لم يكن بينه وبين الأشعري أكثر من مائتي سنة، ولا بينه وبين أوائل المتكلمين أكثر من ذلك بمائة أخرى، ولا يخفى عليه أيضا أنه يفصلنا عن الإمام الغزالي الآن أكثر من ألف سنة، وقد استمر العلماء خلال هذه الألف يحسنون هذا العلم، ويزيدون فيه ويترقبون أقوال الخصوم، ويعارضون احتجاجاتهم بمختلف الأساليب والأدلة، ولقد مرَّ هذا العلم من بين أيدي علماء لا يقلون شأنا عن الإمام ولا عمن سبقه، بل بعضهم ربما يزيد، وإذا كان الإمام قد غلب على الكلام في زمانه الأساليب الجدلية، فقد غلب علي هفي زمان الإمام الرازي والكاتبي والأرموي والآمدي والسعد والشريف والعضد والدواني والكلنبوي وغيرهم حتى الشيخ العلامة مصطفى صبري في هذا الزمان الأساليب التحقيقية ومحاولة الكشف عن حقيقة الأمر كما هو، لا مجرد إلزام الخصوم مع أنهم لم يهملوا ذلك لما له من أهمية كبرى لا تخفى إلا على المعاندين.
والحقيقة أن أكثر العلماء الذين اتبعوا هذا الطريق من تطوير وتحسين علم الكلام إنما كانوا متبعين لطريقة الغزاليومن قبله الإمام الجويني، بل لا نُبْعِدُ إذا قلنا إن هذا التطوير إنما هو ركن من علم الكلام، لأنه أصلا إنما وضع كعلم قائم على نصرة العقائد التوحيدية، فهذا هو هدف هذا العلم، والعلم إنما تتعين أساليبه إما بتعيين موضوعه أو بتعيين أهدافه، أو بهما معا، فهذا هو الهدف والغاية من هذا العل، ومعلوم لدى أقل الناس نباهة أن هذا الهدف قد يتحقق بأحد أمرين أو بهما معا، الأول هو الرد على الخصوم وهذا إنما يكون عند وجود خصم يخالف العقائد الحقيقية، وإنما يكون بعد أن يعرف الناس العقائد الحقيقية، فلا يتأتى الدفاع عن الشيء إلا بعد تمييزه، وهذا الأمر كان الغالب على المتقدمين لقربهم من زمان الصحابة ونور السلف. فالاشتغال بتوضيح الواضح يكون قريبا من السفه. وكان الأمر يزداد فيه خفاء عقائد التوحيد كلما ابتعدوا فيه عن المصادر الأصيلة، وكلما غلبت الشبه على نفوس الناس. حتى وصل الزمان إلى حد أصبح الناس فيه يتساءلون عن الأمر الذي هو حق ما هو، وما شرحه وكيف نفهمه. فلما وصل الناس إلى ذلك، لزم المتكلمين نتيجة لهدف علمهم الذي فيه يخوضون إلى استعمال أساليب أخرى زيادة على ما كان عندهم بهذه الأساليب شرعوا في توضيح حقيقة العقائد التي أصبحت خافية على الكثير.
إذن فإن توضيح العقائد لا يتأتى إلا بهذين الركنين الأول الرد على الشبه، والثاني تنقيح الحق في نفس الأمر.
ولذلك أنت ترى أن موضوع علم الكلام كان عند كثير من المتقدمين هو البحث عن ذات الله تعالى من حيث الأحكام الواجبة لها، والبحث عن الأحكام المتعلقة في حق الأنبياء والبعث، وأرجعوا جميع المباحث إلى البحث في ذات الله تعالى، ولكن المتأخرين صاروا ينصون على أن موضوع علم الكلام هو المعلوم من حيث ما يوصل به إلى العقائد الصحيحة، فصار علمهم أوسع ومجال البحث فيه أرحب. ولا يقال إن ذلك تغييرا لحقيقة العلم، لأنه لا يقول ذلك إلا من لم يعرف تلك الحقيقة، ولم يفهم ما قلناه سابقا. بل إن هذا الأمر هو تطوير معقول وطبيعي ومتناسق مع حقيقة هذا العلم.
ولذلك فإذا كان الإمام يلاحظ على متكلمي زمانه غلبة استعمال الطريقة الأولى، وهي الجدل، مع عدم خلوهم من استعمال الطريقة التحقيقية، فإننا نلاحظ على المتكلمين المتأخرين ممن عددناهم وعلى غيرهم وهم كثيرون، غلبة استعمال الأساليب البرهانية والتحقيقية والبحث عن الأمر في نفسه. ومن هذين الشقين يتألف مجموع المنتجات الكلامية.
فأنْ يأتي إنسان في هذا الزمان ويدعي أن علم الكلام ليس من شأنه إلا الجدل والكلام الفارغ من المعاني، فهذا يدل على أنه لا يعرف حقيقة هذا العلم، كائنا من كان هذا الحاكم، وكائنا ما كانت منزلته في المجتمع.
وأما قول الإمام الغزالي بأن كلام المتقدمين لم يبلغ الغاية القصوى من البحث عن حقائق الأمور، فهذا الأمر لا يعيبهم، بل هو مدح لهم، والواجب على من سمع ذلك وكان أهلا للتصدي في مثل ذلك المبحث، أن يحاول إتمام ما بدأوه، لا الحط عليهم لما صدر منهم من محاولات لذلك. وقد شره الإمام الحجة في محاولة إتمام ما بدأه هؤلاء المتكلمون، وقد أفاد في كثير من المباحث، ولكن لم يسلم له في بعضها، وانتقده المتأخرون من المتكلمين وزادوا في تحقيق الأمور، ولا يزال هذا الجهد الكلامي سائرا حتى الآن، فهذا العلم علم مكتسب ولم يدَّعِ أحد من الناس أنه يحصل بالإلهام أو الكشف أو الخلق المباشر، نعم نحن لا ننكر التوفيقات الإلهية والتوجيهات النبوية والنعماء الحاصلة بعد الدعاء ولكن ذلك لا يكون إلا لمن يستحقه ممن أضنى عقله وأتعب نفسه وتوجه بنية خالصة إلى ربه، فعلى مثل هذا تتنزل المواهب، لا على من انتقد القوم وهو لا يترقى إلى أخمص نعالهم وقعد عن الخوض في مخاضاتهم وادعى أن نتيجة ذلك إنما يحصل له بأدنى توجه أو تبرك بغيره. فالواجب على هذا أن يعرف أن هذه غايات وكل غاية لها سبب، ولا يبعد أن تكون للغاية الواحدة سبيلين، ولكن لا بد له من الاكتساب والجهد والاستحقاق لتلقي نعمة الله تعالى عليه. فهل ترى أن الإمام الغزالي كان سيحصل له من التوفيق ما حصل لو أنه قعد عن الكسب النظري والعملي، وهل ترى أنه حاز رضى العلماء بما قدمه من انعزال عن الخلق أو بما قدمه من العلوم سواء قبل العزلة أو بعدها. وألا ترى أن كثيرين من العلماء لاموه لما اعتزل الناس وقعد عن التعليم، حتى عاد بعد ذلك إلى التعليم، وهو عاد يعلم الناس ما كان يعلمهم إياه أولا، ولكن بعد أن خلص نيته عن التلبس بالتعلقات الدنيوية والعادات البشرية كما نص عليه هو رحمه الله تعالى، فانظر مثلا في كتاب قواعد العقائد الذي ابتدأ به كتابه إحياء علوم الدين تجده ملخصا لكتاب الاقتصاد في الاعتقاد، وتجد أنه يشير في كثير من المواضع من كتبه المتأخرة إلى ما ألفه من الكتب المتقدمة، وهذه تؤيد ما ذكرناه نحن من المعاني، وتدفع قول من يعتقد أن الإمام في آخر عمره قد تراجع عما كتبه وما اكتسبه من معارف وعلوم في بداياته وأواسط عمره، وما هذا إلا زعما كزعم حشوية في أئمة الدين كابن تيمية لما نسب إلى الأشعري التراجع، وكذلك اتهم الغزالي والإمام الرازي، والجويني، وغيره نسب ذلك إلى الإمام السنوسي. وكلها تهم عارية عن الصحة يخالفها الواقع. وما أقرب هذا إلى ما رأيته في أحد كتب الشيعة المتأخرين من أن الإمام الغزالي اعتقد عقائد الشيعة الإمامية وانتسب إلى مذهبهم قبيل موته، فكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا.
يتبع

سعيد فودة
22-06-2004, 01:45
وأنت تخطئ قطعا في تصورك لطريقة الإمام الغزالي في سيره نحو المعرفة، وقد أبرزت عن حقيقة فهمك له في أكثر من موقع من رسالتك هذه، ومنها ما ذكرتَه أثناء بيانك لسبب اتباعك لطريق التصوف، فقد قلت أنك منذ سنوات تعرضت لحادثة مع احد السلفيين المجسمة مما دفعك إلى البحث والنظر في كتب العلماء، فصادفت كتب الغزالي فأحببتها وتعلقت بطريقته وتحققتَ " أن هؤلاء الوهابية يهذون "، ثم بينتَ طريقة الغزالي في قولك: "وأحببتُ قراءة كلام الغزالي وتأثرتُ به جدا، ولا أريد أن أفرض عليكَ آراء الغزالي ولكني أحذو حذوه في سلوك سبيل التصوف بحثا عن المعرفة اليقينية، التي لا تفتقر إلى تأمل البراهين"، فهذه العبارة الأخيرة من كلامك تبين كيف تفهمُ أنت طريقة الإمام الغزالي، فأنت ترى أن طريقته لا تفتقر إلى النظر وتعلم البراهين العقلية، وهذا يناقض تماما ما ينص عليه هو، وما اشتهر عن طريقته من أنها جامعة لطرفي العلم والعمل.
فأنت ترى أنني إذ لا أتبع هذه الطريقة التي لا تفتقر إلى البراهين والنظر، أخالف طريقة الإمام الغزالي قطعا، وتظن أنك أنت من يوافقه ويتبع خطواته، ولكن التحقيق هو غير ذلك قطعا، كما مرَّ بيان ذلك. ولا أظنُّ أنني أنا من يحتاج إلى التدليل على صحة أقواله في هذا الفن، لا سيما أنك تعترف أنك:"لا تعلم ما قاله الفلاسفة والمناطقة، وربما إذا جادلك أحدهم فلن تفهم حتى مصطلحاته التي يستخدمها"، هذا ما ذكرته عن نفسك، وأنا أستغرب ممن يعتقد هذا في نفسه كيف يجيز لنفسه أن يتصدى لمثل هذه المباحث ويضع قول نفسه مقابل قول العارفين بهذا الفن، بل يدعي أن كلامهم مجرد كلام فارغ وتكرار للفظ من دون معنى يحتوي عليه، إلى آخر ادعاءاتك؟! أليس هذا تناقضا في الموقف المعتبر بالنسبة إلى نفس الذات الناطقة، ومن يتناقض في موقفه من ذاته، كيف يدعي أنه يسلك موقف هؤلاء الصوفية الأنقياء، فإنه إذا لم يعرف الواحد نفسه، فكيف يعرف ربَّه.
ثم إنني والله أتعجب منك عجبا كبيرا حين تقول إنك منذ سنوات (وهذا اللفظ في اللغة يفيد التقليل للعدد!) لم تكن تعرف حقيقة مذهب الوهابيين، وبالتالي فإنك لم تكن تعرف مذهب الأشاعرة أيضا، وهذا ظاهر عليك حتى الآن، كيف يصح لمن تكون هذه حاله أن يتخذ مثل موقفك من فهم كلام الإمام الغزالي، بل كيف يصح له أن يتخذ مثل موقفك من علم الكلام مطلقا. وأنت تعرف أنك حتى الآن لا تعلم إلا أقل القليل من كلام المتكلمين من مختلف الفرق والمذاهب، ولكنك في مواقفك تقطع بما يتخيله فؤادك كأنك أعلم العلماء، وكم تغيرت نفسك وكم غضبت لنفسك لا لغير ذلك عندما أبنتُ لك عن حقيقة حالك، وتسترت عندذاك بأقوال واتهامات لي بأنني أتعمد تجريحك ووالله ما تعمدت إلا تجريح هذ الأفكار السخيفة التي تحملها بهذه القوة، وما أردت إلا هزَّها ودفعك إلى إعادة النظر فيها، أما أن أكون قد تعمدتُ إهانتك أو تجرحك شخصيا فهذا لم يكن. وما أظن أن تشكيكك في مثل هذه الأفكار لا يجوز لي أو أنه يعتبر خارجا عن حدود الأدب، وإنك إن اعتقدتَ ذلك فإنك تنفي مطلقا صحة المحاورة والجدال بالتي هي أحسن، بل إنك تنكر مطلق النظر، وهذه سفسطة محضة.

ثالثا: بيان كيف يفهم المتكلمون علم الكلام

في هذا المحل سوف أبين لك ولكل ناظر ما هي فائدة علم الكلام عند أصحابه، ولماذا وضع العلماء هذا الفن، هل هو مجرد كلمات جوفاء وعبارات بلهاء لا محصل تحتها، كما يحلو لكثير من الناس أن يصوروه، وهذا ما تميل أنت إلى قسم كبير منه، أم إن لهذا العلم فائدة كبيرة ومصلحة للناس في دنياهم وآخرتهم. وأثناء ذلك قد أتكلم عن حقيقة التصوف وهل يصل أن يوضع التصوف مقابلا لعلم الكلام كما تتوهمه أنت، بحيث يمكن التوصل إلى نفس المعارف العلمية في العقائد عن طريق التصوف وعن طريق علم الكلام، وإن صح ذلك فهل يصل لأي واحد بلا شرط، أو أنه توجد شروط لمن يريد اتباع هذا الطريق؟ وبرما أتكلم عن أمور أخرى لها علاقة بهذا الباب.
أما فائدة علم الكلام فلا توجد طريقة لبيان ذلك أفضل من نقل عبارات أئمة هذا العلم، من المتقدمين والمتأخرين من العلماء المشهود لهم، وإن نقلتُ بعض ما يتعلق بذلك من كلام الإمام الغزالي سابقا، فالآن سأخصص البحث عن أقوال غيره من العلماء.
إن علم الكلام علم عظيم القدر بالغ الأثر، وهو يتربع على رأس العلوم الإسلامية، وهو العلم الذي به يُحفظ الدين، لأنه الذي يقدم القواعد الكلية التي تضبط الأصول الكبرى، وبه يتم تقرير العقائد الدينية للموافق فيتمكن أثرها في نفسه، ويتم به دفع الشبه والتشكيكات الواردة على ألسنة المخالفين، فيضعفون ويتراجعون أمام قوة قواعد الدين، ولذلك فقد اتفق علماء الدين الأفذاذ على مدح هذا العلم وتقرير أركانه، بل قالوا إنه فرض على المسلمين، يعصون بتركه.
ولعمري لم أجد مَن ينفي أهمية هذا العلم إلا أن يكون أحد هذه الأصناف:
_ صنف حَسُنَتْ سريرته وصحت عقيدته، ولكنه جهل هذا العلم، والإنسان عدو ما يجهل، فهؤلاء يُفَهَّمون ويعلمون، فإن استقامت آراؤهم فقد كفونا، وإلا تركناهم وشأنهم، فإن ضوء الشمس يفرق ظلمة الجهل.
_ صنف غَلَبَ عليهم مذهب التجسيم، فضاقت عقولهم عن أنوار علم الكلام وتدقيق القواعد العقلية والضوابط الشرعية، وهؤلاء هكذا شأنهم منذ نشأتهم، يحاولون التشكيك في كل علم حقيقي من شأنه أن يخلخل قواعد مذهبهم الضعيف، فشككوا في علوم اللغة والبيان وكثير من قواعد النحو والمنطق، حتى أنكر بعضهم بعض المعارف الكونية، وهذا كله ناشئ عن جهلهم وتعصبهم، وهؤلاء لا بدّ من إقامة الحجج لنفي أقوالهم، وتثبيت المذهب الحق في نفوس الناس، ويلزم تشتيت أقوال هذه الطائفة.
_ صنف مالوا إلى قواعد الفلاسفة الذين لا يعتمدون قواعد الدين، ولا يراعون مبادئه، وهؤلاء ألوان وأشكال يظهرون في لباس فلسفات قديمة ومعاصرة، شرقية أو غربية، ويشترك هؤلاء جميعاً في لجوئهم إلى قواعد اخترعوها ونسبوها إلى العقل أو إلى الحداثة أو إلى التقدم، وجوهرها مفاهيم تخالف أصول الدين، ولذلك اجتهدوا في محاولة إثر محاولة لهدم قواعد علم الكلام؛ لأن العلم الوحيد الذي يمكنه الوقوف في وجه كل هذه التيارات هو علم الكلام بقواعد راسخة.
_ صنف مالوا إلى الطريقة الإشراقية، وما يدعون أنه إلهامات أو كشوفات تخالف في كثير من مبادئها قواعد الدين الحق، ولكنهم ينسبونها إلى الرياضات الروحية، ويستندون في أقوالهم هذه إلى رجال انتسبوا إلى التصوف واشتهروا بهذه الصفة وصاروا يشار إليهم على أنهم هم العارفون الكاملون المطلعون على اللوح المحفوظ، وبعض هؤلاء يدعي أنه لا يكتب شيئاً إلا بأمر إلهي وكشف رباني. وأكثر هؤلاء يظهرون أنفسهم على أنهم يفضلون العبادة على النظر، ويسمون النظر بالجدال ويصفون الكلام بأنه إضاعة للوقت، ويذمّونه بشتى الوسائل والأساليب، كل ذلك لأن هؤلاء عرفوا أن العلم الوحيد القادر على تفنيد أباطيلهم وكشف مغالطاتهم وهدم ادعاءاتهم هو علم الكلام.
إذن هذه هي الأصناف التي اشتهر منها ذم علم الكلام والتنفير منه، وكل فرقة لها دوافع وتسعى وراء أهداف، وإن أظهروا أنفسهم مدافعين عن الكتاب والسنة أو العقل والتطور، أو العمل الصالح والعرفان والأولياء، وسوف تستمر هذه الطوائف على مرّ العصور والسنين في ادعاءاتهم هذه، ولكن مهما تطاولت أقاويلهم فلن يزيد هذا علمَ الكلام إلا قوة وشدة.
قال الشيخ محمود أبو دقيقة في كتاب (القول السديد في علم التوحيد) ص (10) في تعريف علم التوحيد الذي هو علم الكلام: "علم يبحث فيه عن المعلوم من حيث إثبات العقائد الدينية أو وسائلها، ومعنى ذلك التعريف إجمالاً أن علم التوحيد المدوّن مسائل موضوعها المعلوم الذي يشمل الموجود قديماً أو حادثاً، والمعدوم مستحيلاً أو ممكناً، والحال (على القول به) ومحمولها إما عقيدة دينية أو وسيلة إلى عقيدة دينية، مثل قولنا: الله قادر والشريك مستحيل والعالم متغير وهكذا.
وهذا تعريف له باعتبار الجهة الذاتية.
أما تعريفه باعتبار الجهة العرضية فهو علم بأمور يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها ودفع الشبه عنها، ومعنى ذلك التعريف إجمالاً أن علم التوحيد تصديق بأشياء، يحصل مع ذلك التصديق قدرة تامة على إثبات العقائد المنسوبة إلى دين نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مستعيناً على ذلك بإيراد الحجج المثبتة للمطلوب ودفع الشبه التي تطرأ".
وقال رحمه الله تعالى في فائدة علم التوحيد ص(11): "فائدة هذا الفن أو ثمرته أمور متعددة باعتبارات مختلفة، فبالنظر إلى قوة الشخص الفكرية الانتقال من التقليد المحض إلى أعلى درجات اليقين. وبالنظر إلى تكميل الغير أو إقناعه إرشاد المسترشد، وإيضاح الدليل له وإلزام المعاند بإقامة الحجة عليه. وبالنظر إلى أصول الإسلام حفظ قواعد الدين عن أن تزلزلها شبه المبطلين. وبالنظر إلى فروع الدين بناء العلوم الشرعية عليه؛ فإنه إذا لم يثبت وجود صانع قادر مرسل للرسل، مكلف منزل للكتب، لم يتصور علم تفسير أو حديث أو فقه أو أصول.
وبالنظر إلى الشخص في قوته العلمية الإخلاص في العمل، فإنه يكون بقدر معرفة الله تعالى والرهبة منه، ولا يخفى أن ذلك من ثمرات الاعتقاد الصحيح. والفائدة العامة التي تجمع هذه الجهات كلها الفوز بسعادة الدارين". أ.هـ.
وهذا الكلام عظيم المعنى يكفي العاقل لمعرفة قدر علم الكلام.
وبعد هذه الكلمات الرائقة، لنستمع إلى ما قاله العلامة الإمام المحقق عضد الدين الإيجي في كتاب المواقف، فإنه وصف علم الكلام بما هو عليه في الحقيقة، ومًن غيره يمكن أن يصف هذا العلم وله القدح المعلّى فيه، قال:
"وإن أرفع العلوم وأعلاها وأنفعها وأجداها وأحراها بعقد الهمة بها وإلقاء الشراشر عليها وإداب النفس فيها، وصرف الزمان إليها، علم الكلام المتكفل بإثبات الصانع وتوحيده وتنزيهه عن مشابهة الأجسام واتصافه بصفات الجلال والإكرام، وإثبات النبوة التي هي أساس الإسلام، وعليه مبنى الشرائع والأحكام، وبه يترقى في الإيمان باليوم الآخر من درجة التقليد إلى درجة الإيقان، وذلك هو السبب للهدى والنجاح والفوز والفلاح. وإنه في زماننا هذا قد اتخذ ظهرياً وصار طلبه عند الأكثرين شيئاً فرياً، لم يبق منه بين الناس إلا قليل ومطمع نظر من يشتغل به على الندرة قال وقيل، فوجب علينا أن نرغب طلبة زماننا في طلب التدقيق ونسلك بهم في ذلك العلم مسالك التحقيق".أ.هـ.
ثم قال في تعريفه: "والكلام علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه". أ.هـ.
وهذا هو التعريف المشهور، والذي يعطي صورة كبيرة عن علم الكلام. فعلم الكلام يفيد في تصوير العقائد الدينية وتحقيقها، ويفيد في الرد على المخالفين ودفه الشبه والتشكيكات وتدعيم المسائل العقائدية بالأدلة القوية. ومَن الذي يقول إن هذا المطلب غير عظيم، بل من يستطيع أن ينكر وجوب هذا المطلب الشريف.
ولو أردت أن أورد كلمات العلماء المحققين جميعها في بيان قدر هذا العلم لطال المدى واحتجنا إلى مجلدات، ولكن بعض الشيء يغني عن بعض، والحكيم تكفيه الإشارة.
والآن بعد هذا الكلام الذي أرجو أن يكون مبيّناً مكانة علم الكلام فلنستأنف إكمال نقد الأمور التي تكلم عليها صاحب الرسالة.
لقد اقترح الدكتور ياسين بعض الشبه والبدع التي أرى أنها تستوجب الردّ:
_ منها التجسيم: وقد تكلفنا بفضح عقائدهم بحمد الله تعالى.
_ ومنها بعض أقوال المعتزلة من مدرسة محمد عبده في الأزهر، أقول: وهذه الشبه كتبت في الرد عليها وما تزال.
_ وأما ما يتعلق بالشبه والفهم المغلوط من الأحكام العادة ومن خلق العالم صدفة، فالقاصي والداني يعرف أنني مهتم أيّما اهتمام بدحض تلك الشبه.
ولكن الغريب أنه ذكر من الشبه والبدع القول بخلق العالم صدفة، ولم يذكر ادعاء صحة التسلسل والسبب في ذلك لأنه لا يقول ببطلان التسلسل كما سنرى مع أن جماهير علماء الأمة يقولون ببطلانه، ومع أنه من الأمور التي أثارتها مدرسة محمد عبده، ومن المسائل التي نصرتها مختلف التيارات الحداثية المعاصرة والفلسفات المخالفة للأديان. ولكن بما أن الدكتور لا يرى إلا رأيه في الحقيقة ولأنه لا يأخذ بأقوال العلماء من أهل السنة إلا إذا وافقت هوى في نفسه، فلم يهمه كثيرا أن يخالف هؤلاء العلماء في هذه المسألة ما دام وهمه قال له إنها لا تضر كما سنرى ومع أنه يدعي كما رأينا أنه من العوام، فهذا العامي يقدم رأي نفسه العامية على آراء علماء أهل السنة، فهل هكذا يفعل العوام، أم هذا هو طريق المنحرفين عن الطريق الصحيح.
سبب انتسابه إلى الصوفية:
ذكر الدكتور أنه كان في أول أمره اهتم بكتب السلفيين وهم أتباع ابن تيمية المجسمة على الحقيقةـ فلم يقتنع بمذهبهم بعد قراءته ومباحثته مع بعض الزملاء، ثم اهتدى بعد ذلك إلى بعض كتب الأشاعرة ومنهم الإمام الغزالي، فأعجب به.
ثم هو يقول بعد ذلك إنه لا يريد أن يفرض عليّ آراء الإمام الغزالي وطريقته، يوهم بذلك أنني أخالف الغزالي، وقد بينت سابقا حقيقة مذهب الإمام الغزالي واتضح أن هذا المدعي لا يفهم مراد الغزالي، ولكنه كشيخه يتمسك ببعض عبارات الإمام يلقي عليها ما يريد من معان وإن لم تكن محتملة.
وهذا المدعي لا يعرف طريق الصوفية كما لا يعرف طريقة المتكلمين، ولذلك ظن أن الصوفية يأتون بأمور تخرج عن إطار العقل كما قال:"وهؤلاء القوم أي الصوفية يدعون أشياء تخرج عن إطار العقل" كذا قال، فمن هؤلاء الصوفية الذين يأتون بما يخرج عن إطار العقل؟ أليس هؤلاء هم المنحرفين عن طريق أهل السنة، أليس هؤلاء هم الذين يقولون بوحدة الوجود وأننا مجرد اعتبارات وصور ومظاهر للذات الإلهية، وأين هذا الاعتقاد من حقيقة مذهب أهل السنة، أليس هؤلاء الصوفية هم الذين يقولون بمختلف البدع المستنكرة.
وأما الطائفة الأعظم من متصوفة أهل السنة، فهم لا يقولون بقول هذا المدعي من أنهم يأتون بما يخرج عن إطار العقل، وهؤلاء منهم الجنيد الذي استشهد هذا المعدي بقوله، يحسب أنه يوافقه في دعواه !!فإن الجنيد قد شهدت له علماء الأمة بالعدالة والورع، ولم تنقل عنه كلمات باطلة ولله الحمد كما نقلت عن ابن عربي وغيرهم، ولو نقل عنه ذلك لسقطت هيبته ولما وقف منه علماء الأمة مثل هذا الموقف.
ولكن هل موقف هذا المدعي موافق للجنيد أم موافق لأمثال ابن عربي وغيره ممن مشوا على قانون الإشراق والعرفان؟! إنه لو كان متقيدا بمنهج الجنيد لما تفوه بعبارته التي يقول فيها إن الصوفية يدعون أشياء تخرج عن إطار العقل.
وقد خصص هذا الدكتور المدعي كلاما خاصا على مسألة التسلسل وهي التي أشرنا سابقا إنه لا يرى ضررا من القول بها، وسوف ننقد ما قاله مما يستحق الكلام عليه فيما يلي:
قال هذا المدعي:"فيما يتعلق بقضية إبطال التسلسل، لخصته لكم من قبل في أن القول بالتسلسل ليس دعوى تستوجب الرد."اهـ
إذن التسلسل في الماضي الذي صرح أئمة أهل السنة أنه من أهم قواعد العقائد، يعتقد هذا الدكتور المدعي أنه لا إشكال ولا حرج في الاعتقاد به، ألا يدري هذا الحاذق أن الشيخ محمد عبده الذي ذمه هو بنفسه سابقا في نفس الرسالة، هو صاحب القول بجواز التسلسل في القدم، وقد وافق في ذلك الفلاسفة وبعض المجسمة، وها هو الدكتور المدعي هنا يوافق أحد أعدائه، ويناقض ويخالف علماء السنة الذين يدعي هو الانتساب إليهم!!! وكل هذا يستدعي العجب الكبير من العقلاء ومنه لو كان منهم.
ثم إن هذا الدكتور قد صرح في أول رسالته هذه بأنه من العوام، ولكنه الآن نجده يتخذ موقفا خطيرا جدا وبسهولة كبيرة مخالفا جماهير علماء السنة غير ملتفت إليهم، ولا معتد بهم ولا بأقوالهم في نقض هذه المسألة، وممن قال بنفي التسلسل في القدم الإمام الغزالي الذي يدعي هذا الحاذق الانتساب إليه واتباع طريقته، فتأملوا هذا التهافت الكبير.
وقبل أن نخوض مع الدكتور حول الدلائل على امتناع التسلسل فإنه يحسن بنا أن نوضح كيف يفهم هذا المدعي التسلسل، ومعنى اللانهاية. فقد قال إن للانهاية معنيين أحدهما عملي والآخر نظري، أما النظري فقد بينه كما يلي:"هو ما ينتج من قسمة متناه إلى أجزاء منعدمة، ومعنى كونها أجزاء أنها موجودة، فلا نصدق بوجود هذه اللانهاية إلا بالقدر الذي نصدق باجتماع حكمي الوجود والعدم على هذه الأجزاء."اهـ
هذا هو مفهوم اللانهاية عند الدكتور ومع أنه يرفضه، ولكني لعمري فإنني بعد كل ما قرأت من كلام عن اللانهاية فإن هذا التعريف للانهاية أصادفه لأول مرة، فهو معنى مبتكر من عند الدكتور، وه وغريب أيضا، فهو يعني إن اللانهاية هو أن يصح تقسيم كمية متناهية إلى أجزاء منعدمة، وهذا معنى لا يقول به المجانين، فهو يستلزم أن يكون هذا الكم المتناهي مؤلفا من أجزاء معدومة أي إنه يقتضي أن الكمية المحدودة الموجودة، مؤلفة من أمور معدومة، أي إن الوجود يتألف من عدم، وهذا معنى لا يقول به إلا تافه ضحل التفكير أو من لا يدري ما يقول.
نحن لم نعرف أحدا عرف اللانهاية بهذا المعنى، وإن وجد واحد غير الدكتور يعرفها به فهو معنى متهافت.
ولكن على كل الأحوال، فليس هذا المعنى هو الذي دار حوله المتكلمون ردا ولا إثباتا، أي إن مفهوم اللانهاية الذي اختلف المتكلمون والفلاسفة في جواز تحققه في الوجود ليس هو هذا المعنى، بل هذا معنى غريب لا يمت بصلة إلى ما نتكلم عنه في علم الكلام.
هذا هو المعنى النظري للانهاية، فلنحاول التعرف إلى المعنى العملي للانهاية عند الدكتور، قال:"أما العملي فهو العدد الذي ينتج من قسمة متناه إلى أجزاء متناهية في الصغر تقترب من الصفر، ولا تساويه."اهـ
ولكن هذا المعنى لا يطلق عليه إنه لا نهائي إلا مجازا، ولكنه في الحقيقة نهائي، وهذا هو الذي اعتمد الرياضيون في التعامل مع الكميات الصغيرة أو المتناهية في الصغر، ولكن هذا المعنى أيضا ليس هو المعنى الذي يتكلم عليه المتكلمون والفلاسفة، ويبقى هذا المعنى محدودا ولا يقال مطلقا إنه مصداق اللانهاية.
لو كان الدكتور يفهم ما يقول، لعلم أن مجرد قوله إن اللانهاية العملية هي عدد، يستلزم كونها ليست لا نهاية، بل نهاية، لأن كل عدد فهو متناه، وكل ما غير متناه فليس بعدد، فكيف يعرف الدكتور هنا اللانهاية بالعدد، أليس هذا دليلا على عدم علمه بهذه المسائل، فقد كان اللائق به أن يبقى على ما هو عليه ولا يضرب برأسه في هذه المضايق لأنه ليس أهلا لها.
وما أتى به من صيغ رياضية بعد ذلك ليس له قيمة في هذا الموضع، بل لا يدل إلا على تعنته وتجاهله ووضعه نفسَه موضع العلماء وهو من الجاهلين بهذه المسائل.
ثم أعلن عن جهله، فقال إن معنى قولهم بسلسلة لا تتناهى من الحوادث إذا كان بالمعنى النظري فهو باطل، وإن كان بالمعنى العملي فدعوى لا تستوجب الرد، وإن كان المقصود هو قولهم إن كل حادث يسبقه حادث بدون قيد على عدد الحوادث فقولهم إنها حوادث كاف لإثبات أنها مسبوقة بعدم.
فهذه الترديدات لا موجب لها ههنا، لوضوح المعنى محل النزاع، ولكنها تطويل لا فائدة منه، إلا إظهار وجه سائغ لعناده.
ولعمري إنه يدور في حلقة مفرغة ويطيل الكلام ويلف ويدور ثم يرجع إلى أول الكلام الذي ينبغي الابتداء به، وما أقرب هذا الموقف والأسلوب إلى أسلوب ابن تيمية، وهو أسلوب باطل، والمعنى الثالث الذي أشار إليه، وإن لم يتقن إيضاحه هو الذي يدور عليه كلام المتكلمين.
فكل ما تفوه به من تفاهات إذن لا قيمة له، وهو يبطل التسلسل، فما هي المشكلة إذن؟؟ لقد قال المدعي "إن ما استشكله في هذا الأمر يتعلق بصياغة برهان التسلسل. والحقيقة أن جميع ما ذكره هذا المدعي بعد ذلك، على اللانهاية والتسلسل كلام لا يستحق تسويد الصفحات، وقد والله حاولت أن أجد له معنى يليق بي أن أجعله محور كلامي ولكني كلما نظرت فيه يتبين لي بما لا يقتضي الشك ولا يحتمله أنه كلام واحد لا يتصف بشيء غير الجهل والحيرة، وهذا ليس من شأنه أن يُناقش بل طريقه التعليم، ولكن مشكلة هذا المدعي هو رفضه للتعلم أيضا. وذلك لما انقدح في نفسه من توهمات ظنها فتوحات إلهية، وهو لا يبتعد في هذا التصرف عن شيخه الذي يصور ذاته على صورة الأولياء الصالحين، والله المصلح للجميع.
ولم أجد إلا أنه يحاول فهم كلماتي التي قلتها في الدرس، وحاول أن يكتبها ولكنه كان يخالف في الدرس ما كنت أقرره، وههنا أجده يوافقه وإن كان يحاول أن يتفلت منه، ولن يستطيع.
وما يهمني بعد ذلك كله وبغض النظر عن جميع المعاندات والكلمات الهابطة التي صدرت من هذا المسكين أن يفهم الاستدلالات التفصيلية على هذا المطلب، وعلى إثبات حدوث العالم، فلا عليه والله لا يكلفه ما لم يستطعه. فليبق على هذا القدر من الاعتقاد بأن العالم حادث، وليترك ما سوى ذلك، ولا ينبغي له التعنت وأن يلج في الخصومة، ولا يصح منه أن يقول إن علم الكلام "هرطقة" وإنه لا قيمة له، بل عليه أن يعترف بأنه لا يفهمه، ومن لم يفهم شيئا فليتركه، هذا هو اللائق بالحكمة إن كان من الحكماء، وليصرف طاقته لزيادة الإيمان الروي في صدره ونفسه فذلك أجدى له إن استطاع. والله الموفق.
كتبه
سعيد فودة
1999

جمال حسني الشرباتي
22-06-2004, 03:23
مقدمة كتاب المستصفى[HR]
بداية كتاب المستصفى:" اعلم أن العلوم تنقسم إلى عقلية، كالطب والحساب والهندسة، وليس ذلك من غرضنا. وإلى دينية، كالكلام، والفقه وأصوله، وعلم الحديث، وعلم التفسير، وعلم الباطن، أعني علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة، وكل واحد من العقلية والدينية ينقسم إلى كلية وجزئية، فالعلم الكلي من العلوم الدينية هو الكلام، وسائر العلوم من الفقه وأصوله والحديث والتفسير علوم جزئية، لأن المفسر لا ينظر إلا في معنى الكتاب خاصة، والمحدث لا ينظر إلاّ في طريق ثبوت الحديث خاصة، والفقيه لا ينظر إلاّ في أحكام أفعال المكلفين خاصة، والأصولي لا ينظر إلا في أدلة الأحكام الشرعية خاصة. والمتكلم هو الذي ينظر في أعم الأشياء وهو الموجود.
فيقسم الموجود أوّلاً إلى: 1 - قديم، 2 - وحادث، ثم يقسم المحدث إلى: 1 - جوهر، 2 - عَرض.
ثم يقسم العرض: 1 - إلى ما تشترط فيه الحياة من العلم، والإرادة، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، 2 - وإلى ما يستغنى عنها، كاللون والريح والطعم.
ويقسم الجوهر: إلى الحيوان والنبات والجماد، ويبين أن اختلافها بالأنواع أو بالأعراض، ثم ينظر في القديم فيبين أنه لا يتكثر ولا ينقسم انقسام الحوادث، بل لا بد أن يكون واحداً وأن يكون متميزاً عن الحوادث بأوصاف تجب له، وبأمور تستحيل عليه، وأحكام تجوز في حقه، ولا تجب ولا تستحيل، ويفرق بين الجائز والواجب والمحال في حقه، ثم يبين أن أصل الفعل جائز عليه، وأن العالم فعله الجائز، وأنه لجوازه افتقر إلى محدث، وأن بعثة الرسل من أفعاله الجائزة، وأنه قادر عليه، وعلى تعريف صدقهم بالمعجزات، وأن هذا الجائز واقع عند هذا ينقطع كلام المتكلّم وينتهي تصرف العقل، بل العقل يدل على صدق النبي، ثم يعزل نفسه ويعترف بأنه يتلقى من النبي بالقبول ما يقول في الله واليوم الآخر، مما لا يستقل العقل بدركه، ولا يقضي أيضاً باستحالته، فقد يرد الشرع بما يقصر العقل عن الاستقلال بإدراكه، إذ لا يستقل العقل بإدراك كون الطاعة سبباً، للسعادة في الآخرة، وكون المعاصي سبباً للشقاوة، لكنه لا يقضي باستحالته أيضاً، ويقضي بوجوب صدق من دلت المعجزة على صدقه، فإذا أخبر عنه صدق العقل به بهذه الطريق، فهذا ما يحويه علم الكلام، فقد عرفت من هذا أنه يبتدى نظره في أعم الأشياء أوّلاً وهو الموجود، ثم ينزل بالتدريج إلى التفصيل الذي ذكرناه، فيثبت فيه مبادىء سائر العلوم الدينية، من الكتاب والسنة وصدق الرسول، فيأخذ المفسر من جملة ما نظر فيه المتكلم واحداً خاصاً، وهو الكتاب فينظر في تفسيره ويأخذ المحدث واحداً خاصاً وهو السنة فينظر في طرق ثبوتها والفقيه يأخذ واحداً خاصاً وهو فعل المكلف، فينظر في نسبته إلى خطاب الشرع من حيث الوجوب والحظر والإباحة، ويأخذ الأصولي واحداً خاصاً، وهو قول الرسول الذي دل المتكلم على صدقه، فينظر في وجه دلالته على الأحكام إما بملفوظة أو بمفهومه أو بمعقول معناه ومستنبطه، ولا يجاوز نظر الأصولي قول الرسول عليه السلام وفعله، فإن الكتاب إنما يسمعه من قوله، والإجماع يثبت بقوله، والأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يثبت صدقه وكونه حجة في علم الكلام، فإذا الكلام هو المتكفل بإثبات مبادىء العلوم الدينية كلها، فهي جزئية بالإضافة إلى الكلام، فالكلام هو العلم الأعلى في الرتبة، إذ منه النزول إلى هذه الجزئيات."اهـ[HR]
لقد قمت بنقلها منك لفصلها على حدة من مشاركتك ولتوجيه اسئلة اليك حولها
--------------------------
سؤالي هو---اذا كان المستصفى اخر ماكتب فهل يعني هذا انه تخلى عن بعض افكار كتابه الاحياء كالكشف مثلا؟

جمال حسني الشرباتي
22-06-2004, 05:21
السيد الاخ الشيخ سعيد
ان ما ذكره مناقشك عن مفهوم اللانهاية
بقوله(:"أما العملي فهو العدد الذي ينتج من قسمة متناه إلى أجزاء متناهية في الصغر تقترب من الصفر، ولا تساويه."اهـ )غير صحيح بالمرة بالتالي فانتم رددتم على امر معتبرين اياه لانهاية مجازا وهو ليس كذلك حقيقة ولا مجازا
ولاقرب لكم المقصود---فتعريفه الذي ذكره هو تعريف النهاية رياضيا--
مثال---نهاية التغير في المسافة مقسومة على التغير في الزمن عندما يؤول التغير في الزمن الى الصفر----هي قيمة محددة نسميها السرعة اللحظية
اما اللانهاية في الرياضيات فالمقصود فيه اول عدد في سلسلة الاعداد من اسفل وكذلك اخر عدد من اعلى فلقد بطل استخدامه وصرنا نستخدم اصطلاح غير معرف