المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل وأثره في إبطال التشبيه والتمثيل



سليم اسحق الحشيم
27-10-2007, 16:52
السلام عليكم
التأويل... كثر الكلام فيه وفي تعريفه وإثباته أو إنكاره ...والـتأويل ليس عيبًا في اللغة ولا هو شينا يلحق بها,بل هو دلالة على رفعتها وسموها وعلو قدرها في التعبير وإنتقاء وإتساق الألفاظ الدالة على المعاني...والتأويل قد يظن بعضهم أنه حكرًا على اللغة العربية..لا فهو موجود في اللغات التي تسمح وتجيز المجاز وهذا حاصل في لغات البشر على وجه العموم...واللغة العربية لها وضع خاص من حيث التأويل وذلك للأسباب التالية:
1.لأنها لغة القرآن...والقرآن هو كلام الله النفسي,وهي طاقة الإسلام المادية ومدده المعنوي.
2.لانها لغة راقية سامية كثيرة الألفاظ وافرة التعابير
3.ولأنها لغة ذكية تعبر عما في القلوب وفي الأذهان تلميحًا وصراحة...حتى قيل العرب أكثروا المجاز فأجازوا.
4.ولأنها لغة القرآن ,والإسلام عقيدته النتزيه فوجب التأويل.
وقد زاد تعلقي بالتأويل ووجوبه بعد أن قرأت قبسات من كتاب لأبي يعلي بن الفراء الحنبلي" إبطال التأويلات لأخبار الصفات "...يذكر فيه صفات الخالق بما تنفطر به القلوب وما لا يتناسب مع صفات الله سبحانه وتعالى الخالق البارئ ,وإثباته الجوارج والأعضاء من قدم وساق ويد وأضراس ولهوات تعالى الله عما يصفون.
والتأويل : مأخوذ من الأول وهو الرجوع، قال فى القاموس: "آل إليه أولاً ومآلا: رجع، وعنه: ارتد... ثم قال: وأوَّل الكلام تأويلاً وتأوَّله: دبَّره وقدَّره وفسَّره، والتأويل: عبارة الرؤيا".
وقال فى لسان العرب: "الأول: الرجوع، آل الشئ يؤول أولاً ومآلاً رجع، وآول الشئ: رجعه، وأُلت عن الشئ: ارتددت، وفى الحديث: "مَن صام الدهر فلا صام ولا آل" أى: ولا رجع إلى خير... ثم قال: وأوَّل الكلام وتأوَّله: دبَّره وقدَّره. وأوَّله وتأوَّله: فسَّره... الخ".
وعلى هذا فيكون التأويل مأخوذاً من الأول بمعنى الرجوع، إنما هو باعتبار أحد معانيه اللغوية، فكأن المؤوِّل أرجع الكلام إلى ما يحتمله من المعانى.
وقيل: التأويل مأخوذ من الإيالة وهى السياسة، فكأن المؤوِّل يسوس الكلام ويضمه فى موضعه - قال الزمخشرى فى أساس البلاغة: "آل الرعية يؤولها إيالة حسنة، وهو حسن الإيالة، وائتالها، وهو مؤتال لقومه مقتال عليهم، أى سائس محتكم".
والناظر فى القرآن الكريم يجد أن لفظ التأويل قد ورد فى كثير من آياته على معان مختلفة، فمن ذلك قوله تعالى فى سورة آل عمران آية [7]: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}.. فهو فى هذه الآية بمعن التفسير والتعيين. وقوله فى سورة النساء آية [59]: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.. فهو فى هذه الآية بمعنى العاقبة والمصير. وقوله فى سورة الأعراف آية [53]: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ}.. وقوله فى سورة يونس آية [39]: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ}.. فهو فى الآيتين بمعنى وقوع المخبر به. وقوله فى سورة يوسف آية [6]: {وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}.. وقوله فيها أيضاً آية [37]: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ}.. وقوله فى آية [44] منها: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ}.. وقوله فى آية [45] منها: {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ}.. وقوله فى آية [100] منها: {هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ}.. فالمراد به فى كل هذه الآيات نفس مدلول الرؤيا. وقوله فى سورة الكهف آية: [78]: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}.. وقوله أيضاً فى آية [82]: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً}.. فمراده بالتأويل هنا تأويل الأعمال التى أتى بها الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، وبيان السبب الحامل عليها، وليس المراد منه تأويل الأقوال
والتأويل إصطلاحًا:"احمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حُمِل عليه لدليل فصحيح، أو لما يُظَن دليلاً فى الواقع ففاسد، أو لا شيء فلعب لا تأويل...وعلى ذلك يجب أن يراعى الآتي عند التأويل(كما قال الذهبي):
1.أن يبيِّن احتمال اللفظ للمعنى الذى حمله عليه وادَّعى أنه المراد.
2.أن يبيِّن الدليل الذى أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجح، وإلا كان تأويلاً فاسداً، أو تلاعباً بالنصوص.
والتأويل كان له معن عند الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة فقد دعا الرسول عليه الصلاة والسلام لإبن عباس بقوله:"اللَّهم فقِّهه فى الدين، وعلِّمه التأويل",وكان إبن عباس من أشهر المفسرين زمن الرسول عليه الصلاة والسلام بعد الخلفاء الأربعة,وله مواقف كثيرة في التأويل وفهم القرآن الكريم.
هذا ما كان من امر التأويل وتعريفه ...والآن لنرى كيف أن التأويل واجب في حق عقيدة التنزيه...ونرى كناب إبي يعلي الحنبلي...
تعريف بالكتاب:
صنف أبو يعلى كتابه هذا في أوائل القرن الخامس الهجري في بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية ، لكن الكتاب ما شاع وذاع خبره إلا سنة ( 429هـ ) لما ضج علماء بغداد لظهور هذا الكتاب ولافتتان بعض الجهال بما فيه .
أقوال العلماء في الكتاب:
1.الإمام المؤرخ ابن الأثير :"وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنه يعتقد التجسيم ، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور ، وتكلم في ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا " اهـ .
2.الذهبي:" وجمع كتاب ( إبطال تأويل الصفات ) فقاموا عليه لما فيه من الواهي والموضوع ، فخرج إلى العلماء من القادر بالله المعتقد الذي جمعه ، وحُمِل إلى القادر كتاب ( إبطال التأويل ) فأعجبه ، وجرت أمور وفتن نسأل الله العافية ، ثم أصلح بين الفريقين الوزير علي بن المسلمة .. "اهـ
3.أبو محمد رزق الله الحنبلي :" لقد شان المذهب شينا قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة )) اهـ
4.إبن الجوزي : " لقد بال أبو يعلى على الحنابلة بولة لا يغسلها ماء البحر "اهـ
5.الإمام الحافظ أبوبكر بن العربي المالكي الأندلسي:".. وأخبرني من أثق به من مشيختي أن أبا يعلى محمد بن الحسين الفراء رئيس الحنابلة ببغداد كان يقول إذا ذكر الله تعالى وما ورد من هذه الظواهر في صفاته يقول : ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة !! ".اهـ
6.إبن تيمية:"وهو وإن أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها ، ففيها عدة أحاديث موضوعة كحديث الرؤية عيانا ليلة المعراج ونحوه ، وفيها أشياء عن بعض السلف رواها بعض الناس مرفوعة ، كحديث قعود الرسول على العرش ، رواه بعض الناس من طرق كثيرة مرفوعة ، وهي كلها موضوعة .. ولهذا وغيره تكلم رزق الله التميمي وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي أبي يعلى لهذا الكتاب بكلام غليظ ، وشنع عليه أعداؤه بأشياء هو منها بريء ، كما ذكر هو ذلك في آخر الكتاب .. مع أن هؤلاء وإن كانوا نقلوا عنه ما هو كذب عليه ، ففي كلامه ما هو مردود نقلا وتوجيها .. " اهـ

هاني علي الرضا
29-10-2007, 03:09
جزاكم الله خيرا سيدي سليم

موضوع لطيف ، وإن كنتُ أُحسّ أن له بقية ، ربما لو أوردتَ ما أورد أبو يعلى الفراء غفر الله له من آيات القرآن مستدلا بها على ما توهمه صفات لله تعالى وتبطل قوله ببيان خطأ حمله تلك الآيات والألفاظ على حقائقها من جهة تفسيرية وبلاغية حتى تتم فائدة موضوعكم ويصبح مقصدا في بابه مكتملا .

ولكم الود والتقدير سيدي .

سليم اسحق الحشيم
29-10-2007, 22:30
السلام عليكم
وجزاكم الله خيرًا سيدي الكريم ...وبارك الله بكم وحين تتبعكم للمسألة...ومعك كل الحق فهنام تتمة ...ولكني لم أنهي دراستي لها بعد...فالمسألة تحوي آيات من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.

سليم اسحق الحشيم
02-11-2007, 18:21
السلام عليكم
لقد جاءت في القرآن معاني عقيدية مرتبطة بالذات الإلهية, وكذلك بعالم الغيب,ولا بد من تفهيهما للإنسان, والقرآن كونه عربي اللسان فقدإستعمل الفاظًا لغوية كصفة الحب والعلم والحياة والسمع والبصر واليد والكرسي والاستواء والغضب‏والارادة والمكر والخديعة والكراهية والاسف والسخط والرضا... الخ وصف اللّه سبحانه نفسه بها.
وهذه الألفاظ هي ادوات لتفهيم الفكرة للانسان، والتي تعين على ادراك صفات الذات والافعال‏الالهية ادراكا تحدده ضوابط التنزيه ونفي المشابهة، وان من ضوابط التنزيه هو التاويل‏اي حمل الالفاظ على المعاني غير المنطبقة على المعاني الحسية المالوفة في عالم‏الانسان، وبيان المقصود القرآني منها، وفق ضوابط لغوية. واسس قرآنية دالة على‏ذلك,فلا تخرج عن نطاق اللغة ولا تتعدى ضوابط القرآن.
والتعامل مع هذه النصوص ظاهريًا_أي وفق المعنى الظاهري_ يؤدي الى الشرك لأن فهمها الظاهري لا يكون إلآ في نطاق المحسوس للإنسان من صفات وجوارح...فلا يفرق الإنسان بينها وبين الصفات الإلهية ، فبعضها، حسب دلالتها الحسية، تعبر عن صفات انفعالية كما في عالم‏الانسان النفسي والانفعالي كصفة المكر والخديعة والغضب.
اما حين يوصف بها الخالق العظيم فيجب تنزيهه عن مشابهة الخلق، وعن كل قبيح،فهو سبحانه وصف نفسه بقوله: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ"... وعلى هذا فلا بد من تحميل هذه المعاني وجهها المجازي ,فاليد في عالم الانسان مثلا اسم لتلك‏الجارحة الحسية، وبما انها اداة القوة والاحسان وغيرها من الافعال كني بها عن‏الاحسان والقوة، فقيل :" يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ..اي هو المهيمن والمتفوق عليهم,او هو الحافظ للبيعة كما قال الرازي.
وقد وقع في هذه الورطة صاحب كتاب إبطال التأويلات فقد جاء في كنابه في تفسير بعض الصفات التي ظاهرها جارحة أو عضو بشري...وأثبتها لله عز وجل.
فمثلًا قال في تفسير آين النجم:"ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى"..." فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تعالى " اهـ,(1و125).
وقال في تفسير آية الزمر:"أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ"...فحكى شيخنا أبو عبدالله رحمه الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله سبحانه ". اهـ
وقال في تفسير :"ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ"...بالإستلقاء حيث قال:"إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال : إنها لا تصلح لبشر "اهـ (1/73 ، وفي 1/187 )...وفي نفس المناسبة وصف الله عز وجل متكئًا وواضعًا رجل على رجل..." عن كعب الأحبار أنه قال لمن سأله أين ربنا : "هو على العرش العظيم متكئ واضع إحدى رجليه على الأخرى " اهـ (1/188).
هذا بالإضافة الى حشد كبير من الأحاديث الضعيفة وحتى الموضوعة منها ,وكما قرر ذلك إبن تيمية في تعليقه على ما كتب أبو يعلي.
فمن الأحاديث..." إن الله خلق آدم على صورته "...فقال:" والكلام فيه في فصلين : أحدهما جواز إطلاق تسمية الصورة عليه سبحانه .. " ثم قال:"الصورة ليست في حقيقة اللغة عبارة عن التخاطيط ، وإنما هي عبارة عن حقيقة الشيء ، ولهذا يقول : عرفني صورة هذا الأمر " اهـ (1/80,81).
بل ويتشهد بحديث موضوع "فقد نص على أنه نحله صورته "..أي أعطاه صورته تنزه الله عن ذلك وتر فع.
إثباته الذراعين والصدر والساعد لله عزوجل...قال بإثر موضوع:"خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر "2 ) ثم قال : " الكلام في هذا الخبر في فصلين : أحدهما في إثبات الذراعين والصدر ، والثاني في خلق الملائكة من نوره "اهـ.
الإبهام والخنصر والسبابة والتي تليها .. قال مستند منكر الحديث :" أوحى الله إلى داود : ارفع رأسك فقد غفرت لك .. ومحوت خطيئتك بإبهام يميني "... ثم قال أبو يعلى :"وهذه الزيادة تقتضي إثبات الإبهام ".اهـ
اللوات والأضراس...
قال بخبر باطل:"يضحك الله .. حتى بدت لهواته وأضراسه "، ثم يقول أبو يعلى 1/218 :"لا نثبت أضراسا ولهوات هي جارحة ولا أبعاضا ، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الوجه واليدين والسمع والبصر ، وإن لم نعقل معناها "اهـ .
هو يثبت من طرف الأضراس واللهوات..ثم يقول لا تعقل معناها...!!!
الفم...
استدل أبو يعلى بأثر باطل آخر : "كأن الناس إذا سمعوا القرآن من في الرحمن عز وجل يوم القيامة فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك ".. وهذا مع كونه أثرا لا يثبت ، فقد أثبت به أبو يعلى صفة ( الفم ) فقال مقولته المُمِلَّةَ على عادته : "اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه , وأنها صفة قد ورد الخبر بها " اهـ !! .
هذا من كان من أبي يعلي الحنبلي...ومن خلال بحثي عن التأويل وقع تحت يدي كتيب آخر بعنوان:"التأويل
خطورته وآثاره"..لكاتبه:الدكتور عمر بن سليمان الأشقر...الجامعة الأردنية – كلية الشريع, عمان – الأردن.
وإن شاء الله أنقل لكم بعض ما حواه وبيان فساده.

سليم اسحق الحشيم
24-11-2007, 00:34
السلام عليكم
القرآن الكريم نزل على النبي العربي الأمي بلغة قومه أي لغة العرب...وليس لهم إلا ألسنتهم وقلوبهم، وكانت لهم فنون من القول يذهبون فيها مذاهبهم ويتواردون عليها، وكانت هذه الفنون لا تكاد تتجاوز ضروباً من الوصف، وأنواعاً من الحكَم، وطائفة من الأخبار والأنساب، وقليلاً مما يجرى هذا المجرى، وكان كلامهم مشتملاً على الحقيقة والمجاز، والتصريح والكناية. والإيجاز والإطناب.
وجرباً على سُّنَّة الله تعالى فى إرسال الرسل، نزل القرآن بلغة العرب وعلى أساليبهم فى كلامه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} .. فألفاظ القرآن عربية، إلا ألفَاظاً قليلةً، اختلفت فيها أنظار العلماء، فمن قائل: إنها عُرِّبت وأُخِذت من لغات أخرى، ولكن العرب هضمتها وأجرت عليها قوانينها فصارت عربية بالاستعمال. ومن قائل: إنها عربية بحتة، غاية الأمر أنها مما تواردت عليه اللغات، وعلى كِلا القولين فهذه الألفاظ لا تُخرِج القرآن عن كونه عربياً.
استعمل القرآن فى أسلوبه الحقيقة والمجاز، والتصريح والكناية، والإيجاز والأطناب، وعلى نمط العرب فى كلامهم. غير أن القرآن يعلو على غيره من الكلام العربى، بمعانيه الرائعة التى افتنَّ بها فى غير مذاهبهم، ونزع منها إلى غير فنونهم، تحقيقاً لإعجازه، ولكونه من لدن حكيم عليم.
ونبينا محمد عليه الصلاة ولسلام كان أفصح العرب...والصحابة معظمهم كانوا على علم باللغة وذوق وسليقة لا يشوبها اي لحن أو شائبة...وكان طبيعياً أن يفهم النبى صلى الله عليه وسلم جملة وتفصيلاً، إذ تكفل الله تعالى له بالحفظ والبيان: "إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ"، كما كان طبيعياً أن يفهم أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم القرآن فى جملته، أى بالنسبة لظاهره وأحكامه، أما فهمه تفصيلاً، ومعرفة دقائق باطنه، بحيث لا يغيب عنهم شاردة ولا واردة.
أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كانوا يتفاوتون فى القدرة على فهم القرن وبيان معانيه المرادة منه، وذلك راجع إلى اختلافهم فى أدوات الفهم، فقد كانوا يتفاوتون فى العلم بلغتهم، فمنهم من كان واسع الاطلاع فيها ملِّماً بغريبها، ومنهم دون ذلك، ومنهم مَن كان يلازم النبى صلى الله عليه وسلم فيعرف من أسباب النزول ما لا يعرفه غيره، أضف إلى هذا وذاك أن الصحابة لم يكونوا فى درتهم العلمية ومواهبهم العقلية سواء، بل كانوا مختلفين فى ذلك اختلافاً عظيماً.
وكان النبى صلى الله عليه وسلم يُبيِّن المجمل، ويُميِّز الناسخ من المنسوخ، ويُعرِّفه أصحابه فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه.
كان الصحابة فى هذا العصر يعتمدون فى تفسيرهم للقرآن الكريم على أربعة مصادر:
الأول: القرآن الكريم.
الثانى: النبى صلى الله عليه وسلم.
الثالث: الاجتهاد وقوة الاستنباط
وهذه بعض أمثة تفسير النبي عليه الصلاة والسلام :
ما أخرجه أحمد والترمذى وغيرهما عن عدى بن حبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضَّالين هم النصارى".
وما رواه الترمذى وابن حبان فى صحيحه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة الوسطى صلاة العصر".
وما رواه أحمد والشيخان وغيرهما عن ابن مسعود قال: "لما نزلت هذه الآية: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}. شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله؛ وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذى تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم؟ إنما هو الشرك".
وما أخرجه مسلم وغيره عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ}.. ألا وإن القوة الرمى".
وما أخرجه الترمذى عن علىّ قال: "سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال: "يوم النحر".
وما أخرجه الترمذى وابن جرير عن أُبَىّ بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ}.. قال: "لا إله إلأ الله".
وأما الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، إذا لم يجدوا التفسير فى كتاب الله، ولم يتيسر لهم أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا فى ذلك إلى اجتهادهم وإمال رأيهم، وهذا بالنسبة لما يحتاج إلى نظر واجتهاد، أما ما يمكن فهمه بمجرد معرفة اللغة العربية فكانوا لا يحتاجون فى فهمه إلى إعمال النظر، ضرورة أنهم من خُلَّصِ العرب، يعرفون كلام العرب ومناحيهم فى القول، ويعرفون الألفاظ العربية ومعانيها بالوقوف على ما ورد من ذلك فى الشعر الجاهلة الذى هو ديوان العرب، كما يقول عمر رضى الله عنه.
وأما كون الصحابي حجة ودليل...كيف لا وهم من نقلوا الينا جل العلوم الشرعية...أسمع ما قال الزركشي :"اعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد. والأول: إما أن يرد عن النبى صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة أو رؤوس التابعين، فالأول يُبحث فيه عن صحة السند، والثانى يُنظر فى تفسير الصحابى، فإن فسَّره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك فى اعتماده، أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه".
وهذا قول عالم آخر له مكانته وثقله الحافظ ابن كثير حيث قال في مقدمة تفسيره:"وحينئذ إذا لم نجد التفسير فى القرآن ولا فى السُّنَّة، رجعنا فى ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لِمَا شاهدوه من القرائن والأحوال التى اختُصوا بها، ولِمَا لهم من الفهم التامَ، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهم".
وقال ابن تيمية: "وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبى رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاووس، وأبى الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزَّوا به عن غيرهم، وعلماء أهل المدينة فى التفسير، مثل زيد بن أسلم، الذى أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضاً ابنه عبد الرحمن، وعبد الله بن وهب".
ولكل واحد مكانته في التفسير لا تتسع مقالتي هذه لسردها هنا...والله من وراء القصد