المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : { وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ }



جمال حسني الشرباتي
25-10-2007, 05:03
قال تعالى

({ كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ } * { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } * { وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ } * * { إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ })

والكلام عن صعود الرّوح عند موت الإنسان--


فإذا بلغت الروح التراقي وهي عظام ما حول الكتف---يتسائل الإنسان الميّت عن طبيب شافّ يشفيه ممّا هو فيه من أعراض الموت--نقل الطبري عن ابن زيد (قال ابن زيد: { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } يقول تعالى ذكره: وقال أهله: من ذا يرقيه ليشفيه مما قد نزل به، وطلبوا له الأطباء والمداوين، فلم يغنوا عنه من أمر الله الذي قد نزل به شيئاً.)

وظنّ الإنسان المعاني لسكرات الموت أنّ الأمر قد انتهى وأنّه مفارق لهذه الدنيا --والظنّ هنا بمعنى القطع واليقين--أي أيقن بأنّه مفارق لها--

إلّا أنّ بعض المفسرين فهم الظنّ بمعناه الأصلي من حيث كون الإنسان حينها يكون مترددا من حيث القناعة بين موت في المرض الذي هو فيه أو موت بغيره--
نقل الطبري عن إبن زيد ( قال ابن زيد، في قوله: { وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ } قال: ليس أحد من خلق الله يدفع الموت، ولا ينكره، ولكن لا يدري يموت من ذلك المرض أو من غيره؟ فالظنّ كما ههنا هذا)

والتفاف السّاق بالسّاق حركة واضحة ترى عند الذين يعانون من سكرات الموت--وهي علامة للموت يعرفها الخبراء حتّى أنّهم ليقولون ها هي الروح قد بدأت بمغادرة السّاقين--

ومع كون الطبري قد نقل عن بعض الصحابة والسلف تأويلا لهذه الآية مفاده "والتقت شدّة الدنيا بشدة الآخرة " قال ابن عبّاس رضي الله عنهما "قوله: { وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بالسَّاقِ } يقول: آخر يوم من الدنيا، وأوّل يوم من الآخرة، فتلتقي الشدّة بالشدّة، إلا من رحم الله.ألّا أنني ارتأيت المعنى الظاهري لعبارة الآية من حيث كونها تشير إلى توترات وتشنجات السّاقين حين الموت

والرّوح الصاعدة من جسم الإنسان تساق إلى حيث أمر الله أن تساق--ولا يفهم من قوله "إلى ربّك " إلى حيث يوجد ربّك فلا مكان يحتويه عزّ وجلّ--إنما المفهوم أنّها تساق إلى المكان الذي أمر الله أن تساق إليه--



---------------------------------------------------

أحمد درويش
25-10-2007, 22:52
قال العارف بالله بن عجيبة رحمه الله تعالى: فى البحر المديد

*{ كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ } * { وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ } * { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } * { إِلَىا رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } * { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } * { تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } * { كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ } * { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } * { وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ } * { وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ } * { إِلَىا رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ } * { فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىا } * { وَلَـاكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىا } * { ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىا أَهْلِهِ يَتَمَطَّىا } * { أَوْلَىا لَكَ فَأَوْلَىا } * { ثُمَّ أَوْلَىا لَكَ فَأَوْلَىا } * { أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى } * { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىا } * { ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىا } * { فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَىا } * { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىا أَن يُحْيِـيَ الْمَوْتَىا }

يقول الحق جلّ جلاله: { كلاَّ } أي: انزجروا عما أنتم عليه من إنكار البعث والفجور، { بل تُّحبون العاجلةَ وتَذَرون الآخرة } أي: بل أنتم يا بني آدم لما خلقتم من عجل، وجُبلتم عليه، تَعْجلون في كل شيء، ولذلك تُحبون العاجلة مع فنائها وسرعة ذهابها، { وتذرون الآخرة } مع بقائها ودوام نعيمها. قال بعضهم: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لكان العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، لا سيما والعكس، الآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من طين يفنى. ومَن قرأ بالغيب فالكلام مع الكفرة.

{ وجوه يومئذٍ ناضرةٌ } أي: وجوه كثيرة، وهي وجوه المؤمنين المخلصين، يوم إذ تقوم القيامة، بهية متهللة، يشاهَدُ عليها نَضْرة النعيم، { إِلى ربها ناظرةٌ } أي: مستغرِقة في مشاهدة جماله، فتغيب عما سواه. ورؤيته تعالى يوم القيامة متفاوتة، يتجلّى لكل واحد على قدر ما يطيق من نور ذاته على حسب استعداده في دار الدنيا، فيتنعّم كل واحد في النظرة على قدر حضوره هنا، ومعرفته.

ورؤيته تعالى جائزة في الدنيا والآخرة، واقعة في الدارين عند العارفين، وهذه الآية شاهدة لذلك، وهي مخصَّصة لقوله:
{ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ }
[الأنعام:103] أي: لا تراه، على قولٍ. قال بعضُهم: هي واقعة للمؤمنين قبل دخول الجنة وبعده، حسبما ورد في الصحيح. وقوله في الحديث: " فيأتيهم الله في الصورة التي لا يعرفونها " ، المراد بالصورة: الصفة، والمعنى: أنهم يرونه ثانياً على ما يعرفونه من صفاته العلية، وأهل المعرفة لا ينكرونه في حال من الأحوال.

والمقصود من الآية: تقبيح رأي حب العاجلة بذكر حسن عاقبة حب الآجلة، أي: كيف يذر العاقل مثل تلك المسرّة، التي ليس فوقها شيء، بدلاً من هذه اللذة الخسيسة الدنية، أم كيف يغتر بعروض هذا السرور وعاقبته الهلاك والثبور؟ انظر الطيبي. وحَمْل النظرعلى الانتظار لأمر ربها، أو لثوابها، لا يصح خلافاً للمعتزلة؛ لأنَّ الانتظار لا يُسْند إلى الوجه، وأيضاً: المستعمل بمعنى الانتظار لا يتعدّى بـ " إلى " ، مع أنه لا يليق الانتظار في دار القرار.

{ ووجوه يومئذٍ باسرٍةٌ } أيك كالحة، شديدة العبوسة, وهي وجوه الكفار. { تظن } أي: يتوقع أربابُها { أن يُفعل بها فاقِرة } أي: داهية عظيمة، تقصم فقار الظهر. { كلاَّ } ، ردع عن إيثار العاجلة على الآخرة، أي: ارتدعوا عن ذلك وتنبّهوا لِما بين أيديكم من الموت، الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم، وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلّدين، وذلك { إِذا بلغتِ } الروح { التراقيَ } ، ولم يتقدّم للروح ذكر؛ إلاَّ أنَّ السياق يدل عليها، والتراقي: العظام المكتنفة لحفرة النحر عن يمين وشمال، جمع: ترقوة، أي: إذا بلغت أعالي الصدور، { وقيلَ مَن راقٍ } أي: قال مَن حضر المحتضر: مَن يرقيه وينجيه مما هو فيه من الموت؟ وهو من الرُقية، وقيل: هو من كلام ملائكة الموت، أي: أيكم يَرْقَى بروحه، ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب؟ من الترقِّي.
وظنَّ أنه الفِراقُ } أي: تيقّن المحتضرُ أنَّ ما نزل به هو الفِراق من دار الدنيا ونعيمها التي كان يحبها { والتفَّتِ الساقُ بالساقِ } أي: التوت ساقاه بعضها على بعض عند موته. وعن سعيد بن المسيِّب: هما ساقاه حين تُلفّان في أكفانه، وقيل: شدّة فراق الدنيا بشدّة إقبال الآخرة, على أنَّ الساق مَثَلٌ في الشدة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: هَمَّان: هَمٌّ الولد، وهَمُّ القدوم على الواحد الصمد. { إِلى ربك يومئذٍ المساقُ } أي: إلى الله وإلى حكمه يُساق، لا إلى غيره، إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار، وهو مصدر: ساقه مساقاً.

{ فلا صدَّق } ما يجب به التصديق، من الرسول والقرآن الذي نزل عليه، أو: فلا صدّق ماله زكاه، { ولا صَلَّى } مافُرض عليه، والضمير فيها للإنسان المذكور في قوله:
{ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ }
[القيامة:3]، أو: إلى المحتضر المفهوم من قوله: { إذا بلغت التراقي } ، وهو أقرب. { ولكن كذَّب } بما ذكر من الرسول والقرآن { وَتَولَّى } عن الإيمان والطاعة، { ثم ذهب إلى أهله يَتَمطَّى }؛ يبختر بذلك، وأصله: يتمطط، أي: يتمدّد؛ لأنّ المتبختر يَمُدُّ خطاه، فأبدلت الطاءُ ياءً؛ لاجتماع ثلاثة أحرف متماثلة، قال في النهاية: مِشْيةٌ مُطيْطاء، بالقصر والمد، أي: فيها تَبخْتُرن ويقال: مَطَوْتُ ومَطَطْتُ بمعنى مدَدْتُ، وهي من المُصَغَّراتٍ التي لم يُستعمل لها مُكَبَّرٌ. هـ. أو: من المطا، وهو الظَّهْر فإنه يلويه.

{ أَوْلَى لك فأَوْلَى } أي: ويل لك، وأصله: أولاك الله ما تكره، واللام مزيدة، كما في قوله:
{ رَدِفَ لَكُم }
[النمل:72] أو: أولى الهلاك لك فأولى، وقيل: هو مقلوب من الويل، وقيل: أولى بالعذاب وأحق به، وقيل: من الوَلى، وهو القرب, أي: قاربه ما يهلكه. { ثم أَوْلَى لك فأَوْلَى } ، كرر للتأكيد، كأنه قيل: ويل لك فويل لك ثم ويل لك فويل لك، وقيل: التكرير فيه، لأنه أراد بالأول: الهلاك الدنيوي وفي القبر والبرزخ, ثم في القيامة، ثم في النار. { أيَحْسَبُ الإِنسانُ أن يُترك سُدىً }؛ أيظن الكافرُ أن يُترك مُهْمَلاً، لا يُؤمر ولا يُنهى ولا يُبعث ولا يُجازَى، { ألم يكُ نطفة مِن مَنِيٍّ تُمنى }؟ أي: تُراق في الأرحام، { ثم كان علقةً } أي: صار المَنِي قطعة دم جامد، بعد أربعين يوماً { فخَلَقَ فسَوّى } أي: فخلق الله منها بشراً سويًّا؟ { فجعل منه }؛ من الإنسان، أو: من المَنِي { الزوجين }؛ الصنفين { الذكرَ والأُنثى } لحكمه بقاء النسل، { أليس ذلك بقادرٍ على أن يُحيي الموتى } وهو أهون من البدء في قياس العقول؟ كان عليه السلام إذا قرأها يقول: " سبحانك! بلى ".

الإشارة: قال في الإحياء: اعلم أنَّ رأس الخطايا والمهِلكة هو حب الدنيا، ورأس أسباب النجاة هو: التجافي بالقلب عن دار الغرور.

ثم قال: واعلم أنه لا وصول إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلاَّ بتحصيل محبته والأنس به في الدنيا، ولا تحصل المحبة إلاَّ بالمعرفة، ولا تحصل المعرفة إلاَّ بدوام الفكر، ولا يحصل الأنس إلاَّ بالمحبة ودوام الذكر، ولا تتيسَّر المواظبة على الذكر إلاَّ بإقلاع حب الدنيا من القلب، ولا يقع ذلك إلاّ بترك لذات الدنيا وشهواتها، ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات، ولا تنقمع الشهوات بشيءٍ كما تنقمع بنار الخوف المحرقة للشهوات. هـ. على نقل صاحب الجواهر.

ومَن أسعده الله بلقاء شيخ التربية هان عليه معالجة النفس من غير تعب، في أقرب وقت، بحيث يُغيّبه عنها، ويزُجه في الحضرة، في أقرب زمان، فيدخل في قوله تعالى: { وجوده يومئذ ناضرةٌ إِلى ربها ناظرةٌ } فتحصل له النضرة والنظرة في الدنيا والآخرة, فيفنى عن نظره حسُّ الكائنات, وتظهر أسرار الذات الأزلية للعيان بادية، فيستدل بالله على غيره، فلا يرى سواه، وينشد ما قال الشاعر:

فَلم يَبْق إلاّ الله لم يبقَ كائن فما ثَمَّ موصولٌ ولا ثَمَّ بائِنُ
بِذَا جاء بُرهانُ العَيانِ فما أرى بِعَيني إلاَّ عينَه إذْ أُعايِنُ
قال القشيري: قوله تعالى: { وجوه يومئذٍ ناضرةٌ... } الخ، يُقال: هذه الآية دليل على أنهم بصفة الصحو، ولا يداخلهم حيرة ولا دهش، لأنَّ النضرة من أمارات البسط، والبقاء في حال اللقاء أتم من اللقاء، والرؤية عند أهل التحقيق تقتضي بقاء الرائي.. الخ كلامه. { ووجوه يومئذ باسِرة } وهي وجوه أهل الغفلة، المحجوبين في الدنيا عن شهود الحق، تظن أن يُفعل بها داهية فاقرة، لِما فرّطت في جنبه ـ تعالى ـ من عدم التوجه إليه، كلاَّ، فلترتدع اليوم، ولتنهض قبل فوات الإبان، وهو إذا بلغت الروحُ التراقي، وقيل: مَن راقٍ؟ والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ المساق، فيحصل الندم، وقد زلّت القدم، فلا صدّق بوجود الخصوصية عند أربابها، فيصحبهم ليزول عنه الغين والمرض، أي: غين الحجاب ومرض الخواطر والشكوك، ولا صلَّى صلاةَ القلوب، ولكن كذَّب بوجود الطبيب، وتولِّى عنه مع ظهوره، ثم ذهب إلى هواه ودنياه يتمطى، أَوْلَى لك فأَوْلى، أي: أبعدك الله وطردك، ثم أَوْلَى لك فأوْلى، أيحسب الإنسانُ أن يتركه الحقُ سدىً، من غير أن يُرسل له داعياً يدعوه إلى الحق؟ ألم يك نطفة مهينة، ثم صوَّره ونفخ فيه من روحه، أليس ذلك بقادرٍ على أن يُحيي الموتى؟ أي: القلوب والأرواح الميتة، بالعلم والمعرفة، بلى وعزة ربنا إنه لَقادر، " مَن استغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً " وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد، وآله.

سليم اسحق الحشيم
26-10-2007, 17:47
السلام عليكم
بارك الله بك أخي الفاضل جمال على هذا الكلام الراقي...وأما بالنسبة الى معنى إلتفاف الساق بالساق,فقد ذهب بعض المفسرين الى القول بالمعنى المجازي...كما وقال أكثرهم بالمعنى الظاهري...فمنهم من قال الرأي الذي ارتأيته ومنهم من قال هما ساقا الإنسان إذا التفّتا في الكفن,ومنهم من قال: ٱلتفت ساق الكفن بساق الميت...
إلا أن المعنى الظاهر وسياق الآيات يدل على الوقت الذي تبدأ الروح بمغادرة الجسد وهذا يقودنا الى المعنى الذي قاله الأخ الأستاذ جمال الشرباتي.