المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفة مع كتاب الهداية: التجوز في النقل – نكاح المتعة عند المالكية



محمود شمس الدين الخزاعي
19-10-2007, 15:32
من المعلوم أن الفقهاء -رَحِمَهُمُ اللهُ- قد ينقلون الرأي الفقهي عن أي من الأعلام السابقين من غير أن يدققوا في النقل ، بل قد يتجوزون في النقل فينسبون رأيا لإمام أو فقيه من الفقهاء من غير أن يكون ذلك الرأي معروفا عنه، والعبرة في أخذ الرأي من كتب أصحاب المذهب المعنيِّ، وليس دقيقا أن يُنقلَ رأي للإمام الشافعي مثلا من كتب المالكية، ولا رأيا للإمام مالك من كتب الحنابلة وهلم جرا.
وقد يعتمد الفقهاء المتأخرون على ما نقله المتقدمون فينسب الرأي لفقيه ما ، والحق أنه ربما لم يقل به أصلا، لكنه النقل الخاطئ ليس غير، وفيما يأتي مسألة أحببت أن أذكرها على سبيل التمثيل لهذه الحالة، وهي من التجوز في النقل الذي وقع عند سادتنا الأحناف -رَحِمَهُمُ اللهُ- ، فقد نقل الإمام المرغيناني -رَحِمَهُ اللهُ- في الهداية عن الإمام مالك -رَحِمَهُ اللهُ- أنه قال بنكاح المتعة !!
قال في الهداية:
((قال ونكاح المتعة باطل وهو أن يقول لامرأة أتمتع بك كذا مدة بكذا من المال وقال مالك هو جائز لأنه كان مباحا فيبقى إلى أن يظهر ناسخه قلنا ثبت النسخ باجماع الصحابة رضي الله عنهم .... )) إلخ .
الهداية شرح البداية: 1/ 195
ولا أخالُ الإمامَ ابنَ كمالِ باشا -رَحِمَهُ اللهُ- إلا قد أخذ عن صاحب الهداية –عليهما الرحمة والرضوان- ذلك فقال -رحمه الله تعالى= في إيضاح الإصلاح في معرض ذكر الأنكحة التي لا تجوز: ((ونكاح المتعة خلافاً لمالكٍ، وصورته: أن يقول أتمتع بك كذا مدة بكذا من المال فتقبله، ولا حاجة إلى أن يقال خذي هذا المال، والموقت[1]، خلافاً لزفر[2]، وصورته: أن يقول: تزوجتك بكذا إلى شهر، وهو متعة معنىً، والله أ علم)) [الورقة 65 من إيضاح الإصلاح].
فقد جرى ابن كمال باشا -رَحِمَهُ اللهُ- في نقل جواز نكاح المتعة عند مالكٍ -رحمه الله تعالى- على ما ذكره صاحب الهداية، وشرَّاحُ الهداية يقولون: إن مصنفها سها، كما نقل العيني -رحمه الله تعالى- عن الكاكي قوله: ((وهذا سهوٌ، فإن المذكور في كتب مالكٍ حرمة نكاح المتعة))، البناية في شرح الهداية: 4/99.
وحاول البابرتي -رحمه الله تعالى- أن يجد لصاحب الهداية عذراً فقال: ((يجوز أن يكون شمس الأئمة الذي أخذ منه المصنف اطلع على قولٍ له على خلاف ما في المدونة))، العناية للبابرتي، ط.بولاق: 3/248.
وقد تصدَّرَ الإمام العيني لما ذكره البابرتي –رحمهما الله تعالى- فقال: ((قلت: لم يذكر في كتابٍ عن المالكية رواية تجوز المتعة، وبالاحتمال نقل قول عن إمام من الأئمة غير موجَّهٍ ، ومع أن مالكاً روى في موطئه حديث الزهري من حديث علي بن أبي طالب –رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله –صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- نهى عن متعة النساء يوم خيبر))، ثم قال بعد ذلك: ((عادة مالكٍ أن لا يروي حديثاً في موطئه إلا وهو يذهب إليه ويعمل به، ولو ذكر عنه ما ذكره الأكملُ لذكره أصحابه، ولم ينقل عنه شيءٌ من ذلك))، البناية في شرح الهداية: 4/99.
وقد بحث الإمام الشلبي -رحمه الله تعالى- ذلك في حاشيته على تبيين الحقائق: وقال: ((وما حكاه بعض الحنفية عن مالكٍ من جوازها فخطأ))، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: 2/489.
وأياً كان الأمر ، فإن ما في المدونة يحسمه ، حيث جاء فيها ما نصه: ((في النكاح إلى أجل: قلت: أرأيت إذا تزوج امرأة بأمر الولي بصداق قد سماه تزوجها شهرا أو سنة أو سنتين أيصلح هذا النكاح ؟ قال: قال مالك: هذا النكاح باطل، إذا تزوجها إلى أجل من الاجال فهذا النكاح باطل، قال: وقال مالك: وان تزوجها بصداق قد سماه وشرطوا على الزوج ان أتي بصداقها إلى أجل كذا وكذا من الآجال وإلا فلا نكاح بينهما ؟ قال مالك: هذا النكاح باطل، قلت: دخل بها أو لم يدخل بها ؟ قال: قال مالك: هو مفسوخ على كل حال دخل بها أو لم يدخل بها، قال مالك: وإنما رأيت فسخه لأني رأيته نكاحا لا يتوارث عليه أهله))، المدونة الكبرى (برواية سحنون) : 4/196.
==========
[1] الفرق بين نكاح المتعة والنكاح المؤقت : أن المؤقت يكون بلفظ النكاح أو التزويج ، وفي المتعة بلفظ أتمتع أو أستمتع، يعني ما اشتمل على لفظ التمتع، ولا يشترط في المتعة الشهود أو تعيين المدة، وفي المؤقت لا بدَّ من الشهود وتعيين المدة، وغير ذلك من الفروق، ينظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: 2/491.
[2] ذهب زفرُ -رحمه الله تعالى- إلى أنه نكاحٌ صحيح ؛ لأنه عقد بحضور الشاهدين وشرط فيه شرط فاسد فيصح العقد ويبطل الشرط؛ لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، ينظر: الاختيار لتعليل المختار: 3/102، تبيين الحقائق: 2/489 وما بعدها: ، شرح الوقاية لصدر الشريعة: ص 289، البناية في شرح الهداية: 4/98-103، مجمع الأنهر: 1/331، حاشية ابن عابدين، ط.الحلبي: 3/51.