المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد على بعض شبه المخالفين لأهل السنّة في إفادة النظر العقليّ لمعرفة الله تعالى



بلال النجار
10-06-2004, 12:15
بسم الله الرحمن الرّحيم

هذه شبه لبعض المخالفين لأهل السنّة في الطريق إلى معرفة الله تعالى خاصّة والمعرفة عامّة، وتتضمّن ردوداً مجملة على هذه الشبه:

أولاً: مَنْ سَلّم أداء النظر العقليّ إلى العلم من الحشويّة وأهل الظاهر، والسلفيّة اليوم على دين هؤلاء المبتدعة، فهذه شبهتهم التي يرددونها، قالوا:
[النظر العقلي حرام وبدعة. ولا مَدْرَك إلاّ الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وزعموا أن الصحابة لم ينقل عنهم الخوض في هذا العلم، ولا سُمع منهم الكلام في الجوهر والعرض، وما لم تخُض فيه الصحابةُ فهو بدعة، والبدعة يجب اجتنابها، وأكدوا ذلك بأنه عليه السلام حرّم على الصحابة الخوض في القَدَر؛ إذ أنه حين سمعهم يتكلمون في القدر غضب حتى احمرت وجنتاه الشريفتان صلى الله عليه وسلّم وقال: "إنما هلك منْ كان قبلكم بالخوض في هذا" ونهاهم عن الخوض فيه، واحتجوا أيضاً بقوله عليه السلام: "عليكم بدين العجايز"]

والرد عليهم كما يلي:
أ: مطالبتهم بإثبات أن الكتاب والسنة حجة. ولا يمكنهم أن يثبتوا النقل بالنقل، لأن هذا إثبات للشيء بنفسه، وهو باطل، فيضطرون إلى إثباته بالعقل.

ب: من زعم أن الصحابة لم يكونوا عارفين بالله ورسوله عن الأدلة النظريّة فقد أعظم الفِرْية عليهم، لأنّ ذلك قدح في منزلتهم العليّة، وإلحاق لهم بالبسطاء والسذّج من المقلدين، كيف وفيهم العلماء والمجتهدون. وكيف وهم يقرأون القرآن وهم من أعلم الناس به، والقرآن مليء بذمّ التقليد الأعمى، ومليء بالحثّ على النّظر والتفكّر والتدبّر!
فإن قيل: إن الرسول الكريم عليه السلم اكتفى من الناس بالنطق بالشهادتين. ولم يطالبهم بغير ذلك؟
فالجواب: أنّ ذلك إنما كان لإجراء أحكام الإسلام عليهم، ورفع القتال عنهم، وإجراء الأحكام العمليّة على الناس يبنى على الظنّ، ومن نطق بالشهادتين فالظنّ به أنّه مؤمن. وكلامنا الذي نحن فيه ليس فيما بيننا وبين الناس، وإنما هو فيما بين الله تعالى وبين عباده، وفيما ينجيهم من الخلود في نار جهنّم.

ج: كما أن الصحابة لم يُسمع منهم إطلاق الجوهر والعرض لم يسمع منهم أيضاً المنقطع والموقوف والتخريج والإلغاء وغير ذلك مما اصطلح عليه المتأخرون من المحدثين والفقهاء والأصوليّون. فلمَ تعيبون على العلماء الكلام في الجوهر والعرض، ولا تعيبون عليهم الكلام في ذلك. أنتم قوم ليس لكم قاعدة مطّردة، وتكيلون بمكيالين، بل بعدّة مكاييل، لتمهيد بدعتكم. وأنتم تدّعون أنكم أصحاب حديث، وعلم الحديث زاخر بالمصطلحات، فلم تحلّون لأنفسكم ما تحرّمونه على النّاس. ثمّ أين الحرمة في وضع مصطلح يدلّ على معنى من المعاني لضبطه واستخدامه في العلوم، لم يكن ذلك المعنى قد وضع له هذا المصطلح في عصر الصّحابة؟! إن العاقل ليعلم أنّ الاعتراض على ذلك في غاية الحمق. والعجيب أنّ أوّل ما يواجهك به السلفيّ هو هذا الكلام الذي يحفظونه ويرددونه كابر عن كابر، وكثيراً ما يبدأ به ابن تيميّة كلامه عادة في معرض الردّ على المتكلّمين. وهو شيخ من حرّم على الناس ما أحلّ لنفسه، فاشتغل بالمنطق والفلسفة والكلام والنظر العقليّ على غير هدي أهل السنّة، وحرّم ذلك على الناس. فسبحان الله في أمر هذا المبتدع!

د: وأما نهيه عليه السلام عن الخوص في مسألة القدر فلأنها من مواقف العقول؛ مثلما أنّ التفكّر في ذات الله تعالى لا يوصل صاحبه إلى نتيجة، فلذلك نهى عنه النبيّ صلى الله عليه وسلّم. وهذا النهي عمّا ليس للعقل فيه مجال، ولا يأتي بنتيجة فضلاً عمّا فيه من تضييع الوقت وصرف الجهد فيما لا طائل تحته، لا يمنع من البحث فيما للعقل فيه مجال واعتبار، كالاستدلال على وجود الله تعالى وصفاته بالأدلة العقليّة.

هـ: وأمّا قوله صلّى الله عليه وسلّم: [عليكم بدين العجايز]، فإن صحّ الحديث فهو أمرٌ بملازمة الإخبات والتسيلم، والإقرار بالعجز والضعف، وهو من أعظم المطالب، وأعلى الدرجات. وفي ذلك يقول الإمام الطحاويّ رضي الله عنه: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام؛ فمن رام عِلْمَ ما حُظر عنه علمُه، ولم يَقنَع بالتسليم فهمُه، حجبَه مرامُه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موَسْوساً تائهاً، شاكّاً لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً) اهـ
ولا يمكن أن يأمر النّبي العلماء بترك الاشتغال بالعلوم والاكتفاء بما عليه العجائز من الإيمان، فهذا المعنى باطل لا يصحّ أن يتوهم أحد أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم يقصده، لأنّه يناقض روح الإسلام وما جاء في القرآن من الحضّ على النظر والتفكر ورفع درجة العلماء فوق غيرهم من الناس وتقديرهم ودعوة الناس إلى الرّجوع إليهم وسؤالهم، ويناقض حضّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم على طلب العلم. إذاً فالمطلوب من الناس في هذا الحديث أن يتّصفوا بالتسليم واليقين بصحّة الدّين كما هي حال العجائز لا يزحزح عقائدهم شيء.

ثانياً: قالت الإماميّة وغيرهم: العلم بمعرفة الله تعالى متوقف على المعلّم الذي يعرّف الناس بربّهم وهو الإمام المعصوم.

والجواب عنه:
أ: من ادعى ذلك فهو مطالب أولاً بإثبات الدليل على أنّ معرفة الله تعالى تتوقف على وجود إمام معصوم. ومن أين لهؤلاء المساكين أن يأتوا على هذا الكلام بدليل من الشرع أو العقل، وقد عرف الناس ربّهم وعبدوه وأطاعوه دون إمام معصوم من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى اليوم.

ب: أن من ادعى ذلك فقد اعتمد في إثباته على أن ذلك لُطفٌ، واللطف واجب على الله. وقد بيّنا في غير هذا الموضع أنّه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وهي قاعدة باطلة.

ج: ثم لو سُلِّم وجود المعصوم، فإنما يفيدنا وجوده في معرفة الله تعالى لو عُرف أين هو هذا المعصوم، حتى تُمكن مراجعته وسؤاله والاستفهام منه. ثم لو عُرف من هو وأين هو اليوم، فكيف تُمكن مراجعته وكفايته مع اتساع الأرض وبعد المسافات بين البلاد وكثرة الناس إلاّ بواسطة نوابهِ ودعاتهِ، ووهؤلاء الدعاة ليسوا بمعصومين عند الإماميّة، فمن أين نأمن أنّ نوابه ودعاته لن يخونوه!!!
ولو سُلِّم إمكان مراجعته من كلّ إنسان بسؤاله مباشرة، فكيف يوثق بقوله مع أنه يجوز له إظهار الكذب وحتى الكفر تقيّة عند هؤلاء الإماميّة المبتدعة؛ فما يؤمننا أن ما سمعناه إنما قاله تقيّة!! فهذا الكلام منهم باطل متناقض، لا يستقيم على قواعدهم وأصولهم هم أنفسهم.

ثالثاً: زعم طوائف من الصّوفيّة أن طريق المعرفة هي الرياضة والمجاهدة وتصفية الباطن، وأن هذه هي الطريقة اليقينيّة الوحيدة، وهي أعلى الطرق، وما دونها قد يداخله الشكّ ويختلف الناس فيه. وأما المشاهدة القلبيّة فهي عين اليقين ومن بلغ درجتها فقد فتح عليه باب المعارف من أوسع أبوابه. وما يقوله علم خالص لا شبهة في صحته، وإن لم يكن لصاحبه عليه أيّ دليل، فينبغي أن يؤخذ كلامه على التسليم دون شكّ ولا تردّد.

والجواب على شبهة هؤلاء:

أ: أنّ الرياضة عبارة عن ملازمة العُزلة والخلْوة والتقوى وتناول الحلال والجوع والتقليل ومداومة التعبد والذكر، وكيف يمكن التعبد لمن لا يعرف معبوده، والذِكر لمن لا يعرف مذكوره، أو التقوى لمن لا يعرف آمره وناهيه، أو طلب مباح لمن لا يعرف المبيح. إذاً فلا بدّ من تحقّق علم سابق بهذه الأمور، قبل سلوك طريق التصفية والرياضة. وكيف يعرف الله تعالى ابتداءً إلا بالعقل؟!

ب: لا ننكر أن الاشتغال بذلك بَعْدَ معرفة الله تعالى وإحكام ما يتقرب به إليه سببٌ لرسوخ المعرفة، وربّما الزيادة في المعارف بتوفيق من الله سبحانه وتعالى. ولا ننكر الكرامات وإمكان التعرّض لكثير من المواهب عبر الترقي في مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، ولكن ينبغي أن يلتزم الصوفيّة مثل جميع المكلّفين بالأحكام العاديّة والقواعد العلميّة المقررة في العلوم التي أمرنا الله تعالى باتباعها والتزامها، وإلاّ فالبراهمة والنصارى وغيرهم من الصوفيّة في العالم قد ارتاضوا على قواعد فاسدة؛ فلم يزدهم ذلك إلاّ ضلالاً فوق ضلالهم.

ج: لو سلّمنا أنّ كلّ ما تقولونه صحيح لا غبار عليه، ولكن ما تأتوننا به لا يمكن اعتباره علماً إذا لم تأتوا عليه بدليل من الحسّ أو العقل أو الخبر الصادق، لأنّه لا ينضبط علم إلا بدليل عليه من هذه الطرق، لأنّ العلم ملزم، لكونه حجّة على الجميع، ولو فتحنا الباب للناس أن يأتي كلّ منهم ويدّعي ما يريد زاعماً أنّ ادعاءه حقّ توصّل إليه عبر التصفية والرياضة والكشف، لفسدت مصالح العباد، واختلّ ميزان الشرع والدّين القائم في أحكامه على الظاهر. فلما عرفنا أنّ طبيعة الدّين الإسلاميّ وقواعده تتنافى مع اعتبار غير الطرق العاديّة في العلوم، وأنه لا حجّة ظاهرة من طريق عاديّ عند مدّعي المعرفة بالتصفية، لم يكن ثمّة لما يقوله هؤلاء قيمة علميّة معرفيّة يمكن الوثوق بها واعتمادها وإلزام الناس بها. وعليه فلا يمكن اعتبارها من العلم إن لم يقم عليها دليل ظاهر.

رابعاً: ومن نفس الباب هنالك من قال من الهنود والصوفيّة إن طريق المعرفة الإلهام، وعنوانه أن النفس إذا تحررت من القيود، وأزالت الشواغل البدنية أدركت الشيء الذي تعيّنه؛ فإن النفس في أصل خِلْقتها مستعدة لقبول المعارف، ولكنّ ما يمنعها من حصول المعارف لها هو الشواغل، فإذا تخلّت عنها، حصلت لها المعارف بمجرّد ذلك.

فالرد عليهم، بأن يقال:
إن مجرد إزالة الشواغل لا يحصّل المطلوب الخاص إلاّ مع حضور علوم إما بديهيّة أو نظريّة مستفادة من أخرى بديهيّة؛ بحيث يترتب عليها المطلوب وهو النظر الذي ندّعي أنّه الطريق إلى معرفة الله تعالى خاصّة، وتحصيل المعارف عامّة، وهذا التجريد عن الشواغل ليس سوى شرط عاديّ لحصول المطلوب بالنّظر، وليس مجرّد التجرّد علّة في حصول المعرفة. والشرط لا يلزم من حصوله حصول المشروط، ولكن يلزم من عدمه عدم المشروط. وأنتم في كلامكم هذا تخلطون بين ما هو شرط وما هو علّة.
هذا ما تيسّر لي، بنيته على أصل كلام مختصر للإمام الرّازي رحمه الله تعالى رحمة واسعة
وأسأل الله تعالى أن ينفع به من يطّلع عليه. والله تعالى الموفق.

نزار بن علي
05-03-2006, 20:29
بارك الله فيكم
هل لديكم نسخة كاملة من تعليق شرف الدين بن التلمساني الفهري على معالم أصول الدين للفخر؟

مهند بن عبد الله الحسني
25-04-2007, 16:23
كلام جميل وطيّب . الله يكرمكم .

صادق الرافعي
22-12-2007, 12:35
بارك الله فيكم
هل لديكم نسخة كاملة من تعليق شرف الدين بن التلمساني الفهري على معالم أصول الدين للفخر؟
بارك الله فيك أخي الكريم: نزار بن علي، وأنا أيضا أبحث عنها منذ فترة، وكم نحن في حاجة إلى ترجمة لهذا العالم الذي قيل فيه" إنه لم تحفظ له هفوة في أصول الدين."