المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف نفكر في الصلة بين العلم والدين؟ البروفيسور طـه عبد الرحمن



صهيب منير يوسف
03-10-2007, 00:05
كيف نفكر في الصلة بين العلم والدين؟


البروفيسور طـه عبد الرحمن
رئيس المكتب التنفيذي- منتدى الحكمة – المغرب

لقد فكَّر غيرُنا طويلا في الصلة بين العلم والدين، حتى أضحى هذا التفكير سيبلهم إلى صنع تاريخ لهم جديد، تاريخ أضفوا عليه من جميل الأوصاف ما أضفوا؛ فهل فكَّرنا نحن من جانبنا في هذه الصلة كما فكَّروا، وطوّلنا في هذا التفكير كما طوّلوا، وخرجنا منه بما خرجوا؟ كان يصح الجواب بنعم لو أننا أبدعنا في تفكيرنا كما أبدعوا، إذ لا تفكير بحق إلا مع وجود الإبداع؛ والواقع أن تفكيرنا في هذه الصلة الخفية خلا من أسباب الإبداع، إذ اكتفينا بترديد ما قاله غيرنا في وجوه هذه الصلة، وقد انقسم هؤلاء بشأنها إلى فرق ثلاث.
فقد ادعت فرقة أولى منهم أن بين العلم والدين تناقضا صريجا ، وبالغت في التمسك بهذا التناقض، ولم تَرَ مخرجا منه لا بترجيح ولا بتفريق، بل جعلت العلم حربا على الدين وجعلت الدين حربا على العلم، ورأت أنه لا مخرج من هذه الحرب إلا بانتصار العلم وانهزام الدين، فانتصر العلم لديها وانهزم الدين
ووُجدت منا نحن كذلك طائفة تدَّعي ما ادعاه هؤلاء، لا حجة لها إلا أن سوانا تقدموا ونحن تأخرنا، فلْنحتذ حذوهم حتى نتقدم؛ وما درت هذه الطائفة منا أن أسباب النزاع بين العلم والدين عند غيرنا لا وجود لها ألبتة عندنا مهما تكلفت من أسباب المشابهة بينا وبينهم، ومهما لفَّقت من تُهم لتاريخنا حتى يكون بسوء تاريخ غيرنا، طامعة في أن يُقبل موقفها كما قُبِل موقف غيرها، وهيهات أن يُقبل! فالفجوة بيننا وبين سوانا في هذا الأمر لا هي حفرة تُردم ولا هي هوة تُعبر.
وادعت فرقة ثانية من غيرنا أن بين العلم والدين تمايزا ، لا تناقضا؛ فليس أحدهما يَثبُت حيث ينتفي الثاني، فيكون بينهما تناقض كما عند الفرقة الأولى، وإنما يختص بما لا يختص به هذا الثاني ؛ فما يشتغل به العلم لا يشتغل به الدين، وما يشتغل به الدين لا يشتغل به العلم؛ فالعلم عند أفراد هذه الفرقة الثانية موضوعه المعرفة والحقيقة، بينما الدين موضوعه الشعور والحدس؛ وضوابط المعرفة والحقيقة لا تنطبق على مجال الشعور والحدس، وقواعد الشعور والحدس لا تنطبق على مجال المعرفة والحقيقة؛ وعلى هذا، فلا النقد العلمي بمقدوره أن ينال من الدين، ولا السلطة الدينية بمقدورها أن تنال من العلم.
ووُجدت منا نحن أيضا طائفة أخرى ادعت ما ادعاه هؤلاء، حجتها في ذلك أن العلمَ مبني على التدليل العقلي والدينَ مبني على التسليم القلبي، ولا مطمع في التقدم والتحضر مثلما تقدَّم وتحضَّر سوانا إلا باعتماد طريق العقل على شرطهم؛ ولكَمْ كان فخرها كبيرا أن تجد بين أسلافنا من أشبهَ قولُه قول غيرنا، فراحت تشدد على اتباعه، وما ذاك إلا ابن رشد الذي قرَّر وجوب الفصل بين العلم والدين بدعوى أن العلم طريقُه البرهان الذي يناسب العلماء وأن الدينَ طريقُه الإيمان الذي يناسب العوام! وما دَرَت هذه الطائفة الثانية منا أن البرهان لا يستقل بنفسه ولا يغني عن الإيمان كما أن الإيمان لا يستقل بنفسه ولا يغني عن البرهان!
وادَّعت فرقة ثالثة من غيرنا أن بين العلم والدين تباينا ، لا تناقضا ولا تمايزا؛ فليس أحدهما يَثبت حيث ينتفي الثاني، فيكون بينهما تناقض كما عند الفرقة الأولى، ولا أنه يختص بما لا يختص به، فيكون بينهما تمايز كما عند الفرقة الثانية، وإنما الواحد منهما يتناول ما يتناوله الآخر، لكن بغير الوجه الذي يتناوله به، فمُتعلَّقهما واحد ووجه تعلُّقهما مختلف ؛ فالاعتقاد في العلم غير الاعتقاد في الدين والمعرفة في هذا غير المعرفة في ذاك والفعل هنا غير الفعل هناك،، فيكون العلم والدين بمنزلة شكلين متباينين من أشكال الحياة، بل بمنزلة عالمين اثنين لا مجال للمقارنة بينهما ولا لمقايسة أحدهما بالآخر؛ ومادام العلم والدين بهذا التباين البالغ، فلا يُعقل أن نصرف الدين بحجة أنه معرفة لا تقوى على النهوض بموجبات العلم، كما لا يُعقل أن نسعى إلى تقويته بأن نخلع عليه حلية العلم.
ووُجدت منا نحن كذلك طائفة ثالثة ادعت ما ادعاه هؤلاء، مسترجعة بهذا الصدد ما قاله بعض أسلافنا من كون الدين يُعبّر عن الأشياء بلغة المجاز والإشارة، في حين أن العلم يُعبّر عن هذه الأشياء بلغة الحقيقة والعبارة؛ لذا، لا يجوز أن نحكم على الإشارة بما يجب في حق العبارة، وإلا صارت قولا كاذبا، ولا أن نحكم على العبارة بما يجب في حق الإشارة، وإلا صارت قولا لا يقبل التحقيق ولا التدليل؛ فيتباين الدين والعلم عند أفراد هذه الطائفة منا كما تتباين لغة الشعر ولغة المنطق؛ وما دَرى هؤلاء أن الإشارة ليست درجة واحدة، وإنما درجات كثيرة، وأن العبارةَ، هي الأخرى، ليست درجة واحدة، وإنما درجات مختلفة! وحينئذ، لا مفر من أن يتعذر عليهم الفصل في الأقوال التي تنزل الدرجات الوسطى هل وردت على وجه الإشارة أم على وجه العبارة.
فهذه مواقف ثلاثة من الصلة بين العلم والدين وقفها غيرنا، فقلدناهم فيها على غير بصيرة من أسبابها الحقيقية في مجالها الأصلي؛ أولها التناقض، وهو يفضي إلى صرف الدين؛ والثاني التمايز، وهو يفضي إلى تقديم العلم على الدين؛ والثالث التباين، وهو يفضي إلى جعل العلم في رتبة الدين.
فإذن هل من سبيل إلى الخروج من هذا التقليد الذي لا يوضح ما استشكل علينا من أمر العلاقة بين العلم والدين ولا يرفع ما استغلق علينا بصددها، بل ينقل إلينا ما يزيد هذا الأمر استشكالا واستغلاقا، حتى صرنا لا نتعرف على هذه العلاقة في صورتها الأولى عندنا كما كنا قبل التعاطي لهذا التقليد؟ ولكي ينفتح لنا باب التجديد في النظر إلى الصلة بين العلم والدين، فلا بد من صرف الاستغلاق الزائد الذي دخل عليها بسبب التقليد.
يأتي هذا الاستغلاق من تَصوُّرين منقولين عن غيرنا كلاهما مردود، أحدهما "اختزال العلم في علوم الطبيعة"؛ والثاني "اختزال الدين في أحوال الإيمان.
فلا يمكن أن نختزل العلم في علوم الطبيعة لوجود مبدأين يمنعان هذا الاختزال: أولهما "مبدأ مراتب العقل"؛ وبيانه أن السؤال الذي يجيب عنه العلم هو بالذات: "ماذا أعقل؟"، فيكون الأصل في العلم هو العقل الصحيح ؛ غير أن العقل الصحيح ليس، كما شاع وذاع، رتبة واحدة، وإنما هو، على الحقيقة، رتب متعددة؛ وحيثما وُجدت رتبة من هذه الرتب العقلية، فثمة علم على قدرها؛ وعلى هذا، يكون العلم فوق العلم الطبيعي متى كانت رتبة العقل الذي يتعلق به تعلو على رتبة العقل الذي يتعلق بالعلم الطبيعي كما يكون العلم دون العلم الطبيعي متى كان العقل المتعلق به ينزل عن رتبة العقل المتعلق بالعلم الطبيعي؛ وهكذا، فالعلم أوسع من أن يستوعبه العلم الطبيعي وحده.
والمبدأ الثاني هو "مبدأ استكمال العلم"؛ وتوضيحه أن الأصل في كل علم من العلوم أن يطلب كمالَه، ولا يُحَصِّل هذا الكمال إلا بالالتجاء إلى العلم الذي يعلوه؛ ذلك أن كل علم تكون به آفات وله حدود، ولا يمكن أن يُزيل هذه الآفات ويَرفع هذه الحدود إلا علم أرقى منه، فلا بد إذن لكل علم من أن يظل موصولا بالعلم الذي فوقه، حتى تزول عنه آفاته وترتفع عنه حدوده؛ وهكذا، فالعلم الطبيعي لا تذهب عنه مناقصه ويكتمل حقا إلا بعلم غير طبيعي يسمو عليه.
كما أنه لا يمكن أن نختزل الدين في أحوال الإيمان لوجود مبدأين يمنعان هذا الاختزال، أولهما "مبدأ تعدد شعب الحياة"؛ وبيانه أن السؤال الذي يجيب عنه الدين هو بالذات: "كيف أحيا؟"؛ فيكون الأصل في الدين هو الحياة الطيبة ، غير أن الحياة الطيبة ليست شعبة واحدة، وإنما شعب متعددة؛ وقد نُجمل هذه الشعب في ثلاث كبرى، وهي "شعبة الإيمان"، وتدخل فيها كل الاعتقادات؛ ثم "شعبة العلم"، وتدخل فيها كل المعارف؛ فــ"شعبة العمل"، وتدخل فيها كل الأفعال؛ ولا حياة طيبة إلا بتكامل هذه الشعب الثلاث فيما بينها، فالفرد لا يحيا بشعبة واحدة منها، إن إيمانا وحده أو علما وحده أو عملا وحدها، ولا بشعبتين منها، إن إيمانا وعلما معا أو إيمانا وعملا معا أو علما وعملا معا، وإنما يحيا بها جميعا على قدر نصيبه من كل شعبة منها؛ وهكذا، فالدين أوسع من أن تستوعبه حال الإيمان وحدها.
والمبدأ الثاني هو "مبدأ استكمال الشعبة"؛ وتوضيحه أن الأصل في كل شعبة من شعب الحياة الطيبة أن تطلب كمالَها، ولا تُحَصِّل هذا الكمال إلا بالتداخل مع الشعبتين الأخريين، ذلك أن كل شعبة تكون بها حاجات ولها تعلُّقات، ولا يمكن أن تُلبي هذه الحاجات وتُرضي هذه التعلقات إلا هذه أو تلك من الشعبتين الأخريين أو هما معا؛ فلا بد إذن لكل شعبة من أن تظل موصولة بغيرها من شعب الحياة؛ وهكذا، فالشعبة الواحدة لا تبلغ غاياتها وتكتمل حقا إلا بباقي الشعب.
بناء على هذا الذي ذكرناه في سياق إبطالنا للاختزالين المنقولين، تتضح معالم الصلة بين العلم والدين التي قد نكون بها مجددين غير مقلدين ومنتجين غير مستهلكين؛ وهذه المعالم المبدعة هي:
أ‌. أن مفهوم "العلم" يصبح ــ بمقتضى "مبدإ مراتب العقل" ــ أوسع من المفهوم المتداول "للعلم"، كما أن كل علم يصبح ــ بمقتضى "مبدإ استكمال العلم" ــ محتاجا إلى ما فوقه من العلوم؛ وفي هذا تجديد يخالف ما تقرر عند غيرنا.
ب‌. ب ـ أن مفهوم "الدين" يغدو ــ بمقتضى "مبدإ تعدد شعب الحياة" ــ أوسع من المفهوم المتداول "للدين"، كما أن كل شعبة تغدو ــ بمقتضى "مبدإ استكمال الشعبة" ــ محتاجة إلى ما يناظرها من الشعب؛ وفي هذا تجديد يخالف ما تقرر عند غيرنا.
تترتب على هذا الاتساع في مفهوم "العلم" ومفهوم "الدين" نتائج أساسية:
أولاها، أن العلم لا يقابِل الدين مقابلة تناقض، ولا مقابلة تمايز، ولا مقابلة تباين، وإنما مقابلة تداخل ، إذ يكون العلم جزءا واحدا من أجزاء الدين كما يكون الإيمان جزءا ثانيا والعمل جزءا ثالثا من هذه الأجزاء.
والثانية، أن العلم، خلافا للقائلين بالتناقض، لا يمتنع أن يَرِد في ترتيب واحد مع الدين، وأنه، خلافا للقائلين بالتمايز، لا ينزل رتبة أعلى من الدين، وأخيرا أنه، خلافا للقائلين بالتباين، لا ينزل نفس الرتبة التي ينزلها الدين، وإنما ينزل رتبة أدنى منه كما يكون الجزء أدنى من الكل، إذ أن العلم يدخل في الدين دخول الإيمان والعمل فيه.
والثالثة، أن العلوم التي تكون جزءا من الدين لا تقتصر على ما اختص باسم "علوم الدين"، وإنما تشمل أيضا ما اختص باسم "علوم الدنيا"، سواء كانت علوم رياضة أو علوم طبيعة أو علوم حياة أو علوم إنسان؛ فكل علم منضبط بالمبدأين المذكورين: "مبدأ مراتب العقل" و"مبدأ استكمال العلم" يصح أن يُتعبد ويُتقرَّب به، أي يُتديَّن به؛ وقد ذكرنا أن المبدأ الأول يقضي بأن تتنوع العلوم بتنوع رتب العقل، أعلاها ما تعلق بما فوق الطبيعة؛ وأن المبدأ الثاني يقضي بأن يكون كل علم موصولا بما فوقه، حتى يتمكن من صرف النقص الذي يلحقه.
والرابعة، أن تطوُّر العلوم، على خلاف ما يَظُن غيرنا، لا يُضيّق من رقعة الدين، بل يزيدها توسعا، ولا يتقص من تأثيره، بل يزيده قوة، ذلك أن العلوم، لما كانت جزءا داخلا في بنية الدين نفسها، كانت الأطوار التي تتقلب فيها والتي يَفضُل لاحقُها سابقَها، تفتح في الدين آفاقا معرفية غير مسبوقة وترقى بفهمنا له درجات على قدر هذه الأطوار، بل إنها تتعدى ذلك إلى كونها تُجدِّد قدرتنا على التدين وتُنوِّع سُبلَ تحقُّقه لدينا.
والقول الجامع أن صلة العلم بالدين، من منظور الإسلام، هي صلة تداخل يكون فيها العلم جزءا من الدين، فيلزم بحسب هذا المنظور أن نُقدِّم الدين على العلم، لا تقديم الفاضل على المفضول، وإنما تقديم الكل على الجزء كما يلزم بحسبه أن نُدخل في الدين كل العلوم، لا دخول التابع في المتبوع، وإنما دخول العنصر في المجموع، ألا ترى كيف أن مكتشفات العلوم وحقائقها ــ وهي تشهد بصدقِ أخبار الدين وصحة أحكامه ــ نزداد بها افتكارا واعتبارا، حتى إنها تُقوِّي صلتنا بخالقنا كما يقويها دائم صلواتنا!


21 Aug 2007

صهيب منير يوسف
10-10-2007, 14:21
هذا المقال من أروع المقالات التي قرأتها للبروفيسور المغربي طه عبدالرحمن

يقرر الكاتب أن هناك أربعة مذاهب حول طبيعة العلاقة بين الدين و العلم

1 - علاقة التناقض

2 - علاقة التمايز

3 - علاقة التباين

4 - علاقة التداخل


المذهب الأول : حجة القائلين به حجة مستندة إلى الواقع لا إلى التحليل العلمي و العقلي حول طبيعة العلاقة بينهم فهي قد رأت أن الغرب تقدم و نحن تأخرنا و ردت سبب التقدم و التأخر إلى طبيعة العلاقة بين العلم و الدين و جوابهم بأن الأسباب التي جعلت هناك علاقة تضاد بين الدين السائد في الغرب و العلم غير موجودة عندنا فالدين مشترك لفظي و حقيقته عندنا غير حقيقته عندهم و النتيجة المترتبة على هذا المذهب صرف الدين

المذهب الثاني : ادعى أن كلا من العلم و الدين مختص بمجال لا يختص به الآخر فالعلم عند أفراد هذه الفرقة الثانية موضوعه المعرفة والحقيقة، بينما الدين موضوعه الشعور والحدس و على هذا فنقد كل منهما للآخر باطل لا يجوز لأن العلم منبن على التدليل العقلي و الدين على التسليم القلبي و إذا أردنا التحضر فيجب تقليد غيرنا باعتماد العقل على شروطهم لا غير و لهم من تراثنا سند متمثل في ابن رشد و النتيجة المترتبة على هذا المذهب

المذهب الثالث : نفى أهله التناقض و التمايز و ادعوا الاختلاف في جهة البحث مع الاشتراك في موضوع البحث فالاختلاف في التعلق لا في المتعلق و النتيجة المترتبة على هذا المذهب جعل العلم في رتبة الدين.

يتبع

صهيب منير يوسف
11-10-2007, 22:37
وجدت مشاركة قديمة لي في أحد المنتديات و قد نقلت فيه المقالة من منتدى الحكمة المغلق و فيه إضافات جيدة فأحببت أن أعيد نقله

سم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على الصادق الأمين وعلى آله وصحبه الأكرمين.

سادتي أهلَ الفكر وأهل العلم الأجلاء!

أيها السادة الأفاضل، أيها السيدات الفاضلات!
أيها الحضور الكريم!

سيدي رئيس الجلسة المحترم!



السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد،

ليس أكملَ سعادة من أن يكون شهر رمضان الأبرك هو الشهر الذي يحصل فيه أول اتصال بين "منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين" وبين جمهور الرباط الكريم، ولا أجلَّ فائدة من أن يكون هذا الاتصال لقاءا علميا يدور على موضوع يجمع بين الإنسان وخالقه سبحانه؛ كما أنه ليس أصوب اختيارا من أن يبتغي هذا اللقاء بيان مختلف الأنظار والآراء بصدد هذا الموضوع المثير، ولا أبلغ أثرا من أن يأتي هذا البيان على الوجه الذي يجعل من كل نظرة فكرة، ويجعل من كل فكرة عبرة، إذ الأصل في الفِكَر أن تكون على نوعين اثنين: "فِكَر اغترارية"، وهي الفِكر التي تجعل الإنسان يَقصر المنفعة على نفسه وعلى عاجله؛ و"فِكَر اعتبارية"، وهي الفِكر التي تجعل الإنسان يُعدّى المنفعة إلى غيره وإلى آجله؛ والمنتدى اختار الفكر الاعتباري طريقا له، لإيمان أصحابه بأن الإنسان الصالح لا تحدُّه ذاته ولا يحدُّه حيِّزه، فهو إنسان طليق في الأرض وطليق في السماء.



ولا يفوتني في هذا التقديم أن أشكر لوزارة الثقافة أجزل الشكر كريم احتضانها لهذا اللقاء العلمي الفكري بين المنتدى والجمهور، وللسيد كاتبها العام الأستاذ الجليل عبد العزيز التوري جميل مبادرته إلى تهيئ أسباب هذا اللقاء، كما لا يفوتني أن أعبر عن بالغ امتناني للجمهور الكريم الذي أقبل بعضُه علينا من خارج مدينة الرباط، وضمَّ بينه صفوة من كبار العلماء، [وأخص بالذكر منهم ثُلَّة من ضيوف المغرب الكرام في هذا الشهر الفضيل، ثُلَّة تعود لها رئاسة العلم في أوطانها، وقد أبى هؤلاء العلماء الأجلاء إلا أن يشاركوا المنتدى في هذا الحدث الثقافي البارز] فجازاهم الله خير الجزاء، ومن يتولى الله جزاءه، فقد فاز فوزا عظيما؛ وأغتنم هذه الكلمة كذلك لأشكر لعالم الفيزياء المغربي الكبير الدكتور عبد الإله بنيوسف قبوله رئاسة هذه الجلسة وإدارة عروضها والمناقشةَ التي سوف تتلوها بإذن الله.



ولتسمحوا لي بعد هذا التقديم أن أحدثكم قليلا في واحد من نماذج الفكر الاعتباري الذي يعمل منتدى الحكمة على وضع أصوله والذي تتحقق معالمه البارزة في موضوع هذه الندوة، وهذا النموذج هو بالذات "علاقة العلم بالدين".


نص العرض الذي ألقاه د. طه عبد الرحمن رئيس منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين، مفتتحا به الندوة التي نظمها المنتدى في موضوع: "خَلْق الإنسان والتفسيرات العلمية" يوم الثلاثاء 21 رمضان 1423 الموافق 26 نونبر 2002 بقاعة الحاج امحمد باحنيني بوزارة الثقافة، والتي حضرها جمهور عريض من المثقفين والمهتمين غصت بهم القاعة.

كيف نفكر في الصلة بين العلم والدين؟

لقد فكَّر غيرُنا طويلا في الصلة بين العلم والدين، حتى أضحى هذا التفكير سيبلهم إلى صنع تاريخ لهم جديد، تاريخ أضفوا عليه من جميل الأوصاف ما أضفوا؛ فهل فكَّرنا نحن من جانبنا في هذه الصلة كما فكَّروا، وطوّلنا في هذا التفكير كما طوّلوا، وخرجنا منه بما خرجوا؟ كان يصح الجواب بنعم لو أننا أبدعنا في تفكيرنا كما أبدعوا، إذ لا تفكير بحق إلا مع وجود الإبداع؛ والواقع أن تفكيرنا في هذه الصلة الخفية خلا من أسباب الإبداع، إذ اكتفينا بترديد ما قاله غيرنا في وجوه هذه الصلة، وقد انقسم هؤلاء بشأنها إلى فرق ثلاث.
فقد ادعت فرقة أولى منهم أن بين العلم والدين تناقضا صريجا[1]، وبالغت في التمسك بهذا التناقض، ولم تَرَ مخرجا منه لا بترجيح ولا بتفريق، بل جعلت العلم حربا على الدين وجعلت الدين حربا على العلم، ورأت أنه لا مخرج من هذه الحرب إلا بانتصار العلم وانهزام الدين، فانتصر العلم لديها وانهزم الدين[2].
ووُجدت منا نحن كذلك طائفة تدَّعي ما ادعاه هؤلاء، لا حجة لها إلا أن سوانا تقدموا ونحن تأخرنا، فلْنحتذ حذوهم حتى نتقدم؛ وما درت هذه الطائفة منا أن أسباب النزاع بين العلم والدين عند غيرنا لا وجود لها ألبتة عندنا مهما تكلفت من أسباب المشابهة بينا وبينهم، ومهما لفَّقت من تُهم لتاريخنا حتى يكون بسوء تاريخ غيرنا، طامعة في أن يُقبل موقفها كما قُبِل موقف غيرها، وهيهات أن يُقبل! فالفجوة بيننا وبين سوانا في هذا الأمر لا هي حفرة تُردم ولا هي هوة تُعبر.
وادعت فرقة ثانية من غيرنا أن بين العلم والدين تمايزا[3]، لا تناقضا؛ فليس أحدهما يَثبُت حيث ينتفي الثاني، فيكون بينهما تناقض كما عند الفرقة الأولى، وإنما يختص بما لا يختص به هذا الثاني[4]؛ فما يشتغل به العلم لا يشتغل به الدين، وما يشتغل به الدين لا يشتغل به العلم؛ فالعلم عند أفراد هذه الفرقة الثانية موضوعه المعرفة والحقيقة، بينما الدين موضوعه الشعور والحدس؛ وضوابط المعرفة والحقيقة لا تنطبق على مجال الشعور والحدس، وقواعد الشعور والحدس لا تنطبق على مجال المعرفة والحقيقة؛ وعلى هذا، فلا النقد العلمي بمقدوره أن ينال من الدين، ولا السلطة الدينية بمقدورها أن تنال من العلم.
ووُجدت منا نحن أيضا طائفة أخرى ادعت ما ادعاه هؤلاء، حجتها في ذلك أن العلمَ مبني على التدليل العقلي والدينَ مبني على التسليم القلبي، ولا مطمع في التقدم والتحضر مثلما تقدَّم وتحضَّر سوانا إلا باعتماد طريق العقل على شرطهم؛ ولكَمْ كان فخرها كبيرا أن تجد بين أسلافنا من أشبهَ قولُه قول غيرنا، فراحت تشدد على اتباعه، وما ذاك إلا ابن رشد الذي قرَّر وجوب الفصل بين العلم والدين بدعوى أن العلم طريقُه البرهان الذي يناسب العلماء وأن الدينَ طريقُه الإيمان الذي يناسب العوام! وما دَرَت هذه الطائفة الثانية منا أن البرهان لا يستقل بنفسه ولا يغني عن الإيمان كما أن الإيمان لا يستقل بنفسه ولا يغني عن البرهان!
وادَّعت فرقة ثالثة من غيرنا أن بين العلم والدين تباينا[5]، لا تناقضا ولا تمايزا؛ فليس أحدهما يَثبت حيث ينتفي الثاني، فيكون بينهما تناقض كما عند الفرقة الأولى، ولا أنه يختص بما لا يختص به، فيكون بينهما تمايز كما عند الفرقة الثانية، وإنما الواحد منهما يتناول ما يتناوله الآخر، لكن بغير الوجه الذي يتناوله به، فمُتعلَّقهما واحد ووجه تعلُّقهما مختلف[6]؛ فالاعتقاد في العلم غير الاعتقاد في الدين والمعرفة في هذا غير المعرفة في ذاك والفعل هنا غير الفعل هناك،، فيكون العلم والدين بمنزلة شكلين متباينين من أشكال الحياة، بل بمنزلة عالمين اثنين لا مجال للمقارنة بينهما ولا لمقايسة أحدهما بالآخر؛ ومادام العلم والدين بهذا التباين البالغ، فلا يُعقل أن نصرف الدين بحجة أنه معرفة لا تقوى على النهوض بموجبات العلم، كما لا يُعقل أن نسعى إلى تقويته بأن نخلع عليه حلية العلم.
ووُجدت منا نحن كذلك طائفة ثالثة ادعت ما ادعاه هؤلاء، مسترجعة بهذا الصدد ما قاله بعض أسلافنا من كون الدين يُعبّر عن الأشياء بلغة المجاز والإشارة، في حين أن العلم يُعبّر عن هذه الأشياء بلغة الحقيقة والعبارة؛ لذا، لا يجوز أن نحكم على الإشارة بما يجب في حق العبارة، وإلا صارت قولا كاذبا، ولا أن نحكم على العبارة بما يجب في حق الإشارة، وإلا صارت قولا لا يقبل التحقيق ولا التدليل؛ فيتباين الدين والعلم عند أفراد هذه الطائفة منا كما تتباين لغة الشعر ولغة المنطق؛ وما دَرى هؤلاء أن الإشارة ليست درجة واحدة، وإنما درجات كثيرة، وأن العبارةَ، هي الأخرى، ليست درجة واحدة، وإنما درجات مختلفة! وحينئذ، لا مفر من أن يتعذر عليهم الفصل في الأقوال التي تنزل الدرجات الوسطى هل وردت على وجه الإشارة أم على وجه العبارة.
فهذه مواقف ثلاثة من الصلة بين العلم والدين وقفها غيرنا، فقلدناهم فيها على غير بصيرة من أسبابها الحقيقية في مجالها الأصلي؛ أولها التناقض، وهو يفضي إلى صرف الدين؛ والثاني التمايز، وهو يفضي إلى تقديم العلم على الدين؛ والثالث التباين، وهو يفضي إلى جعل العلم في رتبة الدين.
فإذن هل من سبيل إلى الخروج من هذا التقليد الذي لا يوضح ما استشكل علينا من أمر العلاقة بين العلم والدين ولا يرفع ما استغلق علينا بصددها، بل ينقل إلينا ما يزيد هذا الأمر استشكالا واستغلاقا، حتى صرنا لا نتعرف على هذه العلاقة في صورتها الأولى عندنا كما كنا قبل التعاطي لهذا التقليد؟ ولكي ينفتح لنا باب التجديد في النظر إلى الصلة بين العلم والدين، فلا بد من صرف الاستغلاق الزائد الذي دخل عليها بسبب التقليد.
يأتي هذا الاستغلاق من تَصوُّرين منقولين عن غيرنا كلاهما مردود، أحدهما "اختزال العلم في علوم الطبيعة"؛ والثاني "اختزال الدين في أحوال الإيمان".
فلا يمكن أن نختزل العلم في علوم الطبيعة لوجود مبدأين يمنعان هذا الاختزال: أولهما "مبدأ مراتب العقل"؛ وبيانه أن السؤال الذي يجيب عنه العلم هو بالذات: "ماذا أعقل؟"، فيكون الأصل في العلم هو العقل الصحيح[7]؛ غير أن العقل الصحيح ليس، كما شاع وذاع، رتبة واحدة، وإنما هو، على الحقيقة، رتب متعددة؛ وحيثما وُجدت رتبة من هذه الرتب العقلية، فثمة علم على قدرها؛ وعلى هذا، يكون العلم فوق العلم الطبيعي متى كانت رتبة العقل الذي يتعلق به تعلو على رتبة العقل الذي يتعلق بالعلم الطبيعي كما يكون العلم دون العلم الطبيعي متى كان العقل المتعلق به ينزل عن رتبة العقل المتعلق بالعلم الطبيعي؛ وهكذا، فالعلم أوسع من أن يستوعبه العلم الطبيعي وحده.
والمبدأ الثاني هو "مبدأ استكمال العلم"؛ وتوضيحه أن الأصل في كل علم من العلوم أن يطلب كمالَه، ولا يُحَصِّل هذا الكمال إلا بالالتجاء إلى العلم الذي يعلوه؛ ذلك أن كل علم تكون به آفات وله حدود، ولا يمكن أن يُزيل هذه الآفات ويَرفع هذه الحدود إلا علم أرقى منه، فلا بد إذن لكل علم من أن يظل موصولا بالعلم الذي فوقه، حتى تزول عنه آفاته وترتفع عنه حدوده؛ وهكذا، فالعلم الطبيعي لا تذهب عنه مناقصه ويكتمل حقا إلا بعلم غير طبيعي يسمو عليه.
كما أنه لا يمكن أن نختزل الدين في أحوال الإيمان لوجود مبدأين يمنعان هذا الاختزال، أولهما "مبدأ تعدد شعب الحياة"؛ وبيانه أن السؤال الذي يجيب عنه الدين هو بالذات: "كيف أحيا؟"؛ فيكون الأصل في الدين هو الحياة الطيبة[8]، غير أن الحياة الطيبة ليست شعبة واحدة، وإنما شعب متعددة؛ وقد نُجمل هذه الشعب في ثلاث كبرى، وهي "شعبة الإيمان"، وتدخل فيها كل الاعتقادات؛ ثم "شعبة العلم"، وتدخل فيها كل المعارف؛ فــ"شعبة العمل"، وتدخل فيها كل الأفعال؛ ولا حياة طيبة إلا بتكامل هذه الشعب الثلاث فيما بينها، فالفرد لا يحيا بشعبة واحدة منها، إن إيمانا وحده أو علما وحده أو عملا وحدها، ولا بشعبتين منها، إن إيمانا وعلما معا أو إيمانا وعملا معا أو علما وعملا معا، وإنما يحيا بها جميعا على قدر نصيبه من كل شعبة منها؛ وهكذا، فالدين أوسع من أن تستوعبه حال الإيمان وحدها.
والمبدأ الثاني هو "مبدأ استكمال الشعبة"؛ وتوضيحه أن الأصل في كل شعبة من شعب الحياة الطيبة أن تطلب كمالَها، ولا تُحَصِّل هذا الكمال إلا بالتداخل مع الشعبتين الأخريين، ذلك أن كل شعبة تكون بها حاجات ولها تعلُّقات، ولا يمكن أن تُلبي هذه الحاجات وتُرضي هذه التعلقات إلا هذه أو تلك من الشعبتين الأخريين أو هما معا؛ فلا بد إذن لكل شعبة من أن تظل موصولة بغيرها من شعب الحياة؛ وهكذا، فالشعبة الواحدة لا تبلغ غاياتها وتكتمل حقا إلا بباقي الشعب.
بناء على هذا الذي ذكرناه في سياق إبطالنا للاختزالين المنقولين، تتضح معالم الصلة بين العلم والدين التي قد نكون بها مجددين غير مقلدين ومنتجين غير مستهلكين؛ وهذه المعالم المبدعة هي:
أ. أن مفهوم "العلم" يصبح ــ بمقتضى "مبدإ مراتب العقل" ــ أوسع من المفهوم المتداول "للعلم"، كما أن كل علم يصبح ــ بمقتضى "مبدإ استكمال العلم" ــ محتاجا إلى ما فوقه من العلوم؛ وفي هذا تجديد يخالف ما تقرر عند غيرنا.
ب ـ أن مفهوم "الدين" يغدو ــ بمقتضى "مبدإ تعدد شعب الحياة" ــ أوسع من المفهوم المتداول "للدين"، كما أن كل شعبة تغدو ــ بمقتضى "مبدإ استكمال الشعبة" ــ محتاجة إلى ما يناظرها من الشعب؛ وفي هذا تجديد يخالف ما تقرر عند غيرنا.
تترتب على هذا الاتساع في مفهوم "العلم" ومفهوم "الدين" نتائج أساسية:
أولاها، أن العلم لا يقابِل الدين مقابلة تناقض، ولا مقابلة تمايز، ولا مقابلة تباين، وإنما مقابلة تداخل[9]، إذ يكون العلم جزءا واحدا من أجزاء الدين كما يكون الإيمان جزءا ثانيا والعمل جزءا ثالثا من هذه الأجزاء.

والثانية، أن العلم، خلافا للقائلين بالتناقض، لا يمتنع أن يَرِد في ترتيب واحد مع الدين، وأنه، خلافا للقائلين بالتمايز، لا ينزل رتبة أعلى من الدين، وأخيرا أنه، خلافا للقائلين بالتباين، لا ينزل نفس الرتبة التي ينزلها الدين، وإنما ينزل رتبة أدنى منه كما يكون الجزء أدنى من الكل، إذ أن العلم يدخل في الدين دخول الإيمان والعمل فيه.

والثالثة، أن العلوم التي تكون جزءا من الدين لا تقتصر على ما اختص باسم "علوم الدين"، وإنما تشمل أيضا ما اختص باسم "علوم الدنيا"، سواء كانت علوم رياضة أو علوم طبيعة أو علوم حياة أو علوم إنسان؛ فكل علم منضبط بالمبدأين المذكورين: "مبدأ مراتب العقل" و"مبدأ استكمال العلم" يصح أن يُتعبد ويُتقرَّب به، أي يُتديَّن به؛ وقد ذكرنا أن المبدأ الأول يقضي بأن تتنوع العلوم بتنوع رتب العقل، أعلاها ما تعلق بما فوق الطبيعة؛ وأن المبدأ الثاني يقضي بأن يكون كل علم موصولا بما فوقه، حتى يتمكن من صرف النقص الذي يلحقه.

والرابعة، أن تطوُّر العلوم، على خلاف ما يَظُن غيرنا، لا يُضيّق من رقعة الدين، بل يزيدها توسعا، ولا يتقص من تأثيره، بل يزيده قوة، ذلك أن العلوم، لما كانت جزءا داخلا في بنية الدين نفسها، كانت الأطوار التي تتقلب فيها والتي يَفضُل لاحقُها سابقَها، تفتح في الدين آفاقا معرفية غير مسبوقة وترقى بفهمنا له درجات على قدر هذه الأطوار، بل إنها تتعدى ذلك إلى كونها تُجدِّد قدرتنا على التدين وتُنوِّع سُبلَ تحقُّقه لدينا.



والقول الجامع أن صلة العلم بالدين، من منظور الإسلام، هي صلة تداخل يكون فيها العلم جزءا من الدين، فيلزم بحسب هذا المنظور أن نُقدِّم الدين على العلم، لا تقديم الفاضل على المفضول، وإنما تقديم الكل على الجزء كما يلزم بحسبه أن نُدخل في الدين كل العلوم، لا دخول التابع في المتبوع، وإنما دخول العنصر في المجموع، ألا ترى كيف أن مكتشفات العلوم وحقائقها ــ وهي تشهد بصدقِ أخبار الدين وصحة أحكامه ــ نزداد بها افتكارا واعتبارا، حتى إنها تُقوِّي صلتنا بخالقنا كما يقويها دائم صلواتنا!








--------------------------------------------------------------------------------

[1] ومقابله الفرنسي: "contradiction".

[2] لا يخفى أن هذه الفرقة تتكون من الأنواريين ومن تبعهم من الوضعانيين والعلمويين.

[3] بمعنى "الفصل"، ومقابله الفرنسي: "Séparation".

[4] يأتي على رأس هذه الفرقة مؤسس التأويليات الحديثة الفيلسوف الألماني "فريريديرك شلايرماخر" والذي تنبني نظرته على فكرة "الدين الخالص"، انظر كتابه المترجم إلى الإنجليزية:

F. SCHLEIERMACHER : On Religion, Speeches to its Cultured Despisers, trans. R. CROUTER, Cambrige University Press, 1998.

[5] مقابله الفرنسي: "Incompatibilité".

[6] يأتي على رأس هذه الفرقة الثالثة الفيلسوف النمساوي الشهير "فيتجنشاين"، انظر مقالته: "دروس في الاعتقاد الديني" ضمن المجموع:

"WITTGENSTEIN : Leçons et conversations sur l’esthétique, la psychologie et la croyance religieuse, trad. Jacques FAUVE, Gallimard, Paris, pp. 107-135

[7] تدبر الآية الكريمة: "وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون"؛ سورة العنكبوت/43.

[8] تدبر الآية الكريمة: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن، فلنحيينه حياة طيبة"، سورة النحل/97.

[9] نستعمل كلمة "تداخل" هنا بالمعنى المنطقي القديم، أي "دخول شيء في آخر من غير أن يصح العكس"، ومرادفه في لغة نظرية المجموعات هو "تضمن ضيق"، ومقابله المنطقي بالفرنسية هو: "Implication " ومقابله المجموعي هو:

"Inclusion stricte".




http://www.almoufakkir.org/arabeprinciplae2.htm

صهيب منير يوسف
11-10-2007, 22:38
هاهنا أسئلة

1 - هل كلام الدكتور طه عن عدم التفكير في الصلة بين العلم و الدين مطلق أم مختص بأهل هذا العصر ، و ما مدى صحة الإطلاق ؟

2 - أورد كلام ابن رشد ضمن أصحاب المذهب الثاني و لكن الحق أن ابن رشد فيما فهمته يقول بهذه العلاقة بين الشريعة و الفلسفة لا بين العلوم الطبيعية و الدين

3 - هل يمكن شرح قوله :


ووُجدت منا نحن كذلك طائفة ثالثة ادعت ما ادعاه هؤلاء، مسترجعة بهذا الصدد ما قاله بعض أسلافنا من كون الدين يُعبّر عن الأشياء بلغة المجاز والإشارة، في حين أن العلم يُعبّر عن هذه الأشياء بلغة الحقيقة والعبارة؛ لذا، لا يجوز أن نحكم على الإشارة بما يجب في حق العبارة، وإلا صارت قولا كاذبا، ولا أن نحكم على العبارة بما يجب في حق الإشارة، وإلا صارت قولا لا يقبل التحقيق ولا التدليل؛ فيتباين الدين والعلم عند أفراد هذه الطائفة منا كما تتباين لغة الشعر ولغة المنطق؛ وما دَرى هؤلاء أن الإشارة ليست درجة واحدة، وإنما درجات كثيرة، وأن العبارةَ، هي الأخرى، ليست درجة واحدة، وإنما درجات مختلفة! وحينئذ، لا مفر من أن يتعذر عليهم الفصل في الأقوال التي تنزل الدرجات الوسطى هل وردت على وجه الإشارة أم على وجه العبارة

صهيب منير يوسف
27-11-2007, 11:58
للرفع و التذكير

naser Ameen naser
28-11-2007, 08:10
ساحاول فهم الفقرة في النقطة الثالثة حسب الفراغ

لكن بداية
ان مفهوم العبارة والاشارة بحسب المتصوفة
الإشارة مجرَّد إيحاء المعنى، من دون تعيين وتحديد؛ والعبارة تحديدٌ للمعنى يجعله مغلقًا نهائيًّا.


والدكتور طه عبدالرحمن يجعل العبارة على مستوى العقل المسدد
كما ان الاشارة للعقل المؤيد الارقى

ولا يجوز فهم الاشارة بحسب العبارة فالاشارة مغدفة بالرمزية


وطه عبدالرحمن يعتبر القول الفلسفي الواحد فيه من العبارة بقدر ما فيه من الإشارة عبارته تتوسل بإشارته
وهو بذلك ينبه على المتفلسفة المحدثين من العرب الذين يعتقدون ان القول الفلسفي انما هو مجرد عبارة لكنهم في ممارساتهم
وقعوا في الأخذ بإشارته مما قطع عنهم طريق الإبداع الفلسفي

ووضع الدكتور طه مراتب زمانية للقول الفلسفي، مؤكداً أن كل نوع من أنواع الإشارة المذكورة يطابق لوناً من ألوان الزمان المعلومة، فالإضمار للماضي والاشتباه للحاضر، والمجاز للزمن المستقبل
هذا التقسيم أبطل الدكتور طه من خلاله :
***مقولة أن الفلسفة تخترق الزمان والمكان كما لو كانت تنافس التنزيل


*** كما أبطل اعتقاداً فاسداً تم ترسيخه ومؤداه أن معاني الفلسفة لاتبلى ولا تفنى

اي ان القول الفلسفي عند الدكتور طه نطلب فيه كل لا ما يطويه من عموم الحكم، وإنما ما يطويه من خصوص السبب

يتبع بحسب الفراغ


مرجع مفيد
القول الفلسفي: كتاب المفهوم والتأثيل للدكتور طه

صهيب منير يوسف
28-11-2007, 12:17
حسنا كيف أفاد أصحاب القول الثالث القائلين بان العلاقة بين الدين و العلم علاقة التباين من هذا القول ؟

naser Ameen naser
28-11-2007, 13:40
قد يكون الجواب في مقالتك

مسترجعة بهذا الصدد ما قاله بعض أسلافنا من كون الدين يُعبّر عن الأشياء بلغة المجاز والإشارة، في حين أن العلم يُعبّر عن هذه الأشياء بلغة الحقيقة والعبارة؛ لذا، لا يجوز أن نحكم على الإشارة بما يجب في حق العبارة، وإلا صارت قولا كاذبا، ولا أن نحكم على العبارة بما يجب في حق الإشارة، وإلا صارت قولا لا يقبل التحقيق ولا التدليل؛
فان رتبة الاشارة غير رتبة العبارة
ورتبة الاشارة مختصة بالدين
ورتبة العبارة مختصة بالعلم

وهذا هو سبب التباين من وجهة نظر البحث عند هؤلاء


والدكتور طه عبدالرحمن يرد عليهم ب:
وما دَرى هؤلاء أن الإشارة ليست درجة واحدة، وإنما درجات كثيرة، وأن العبارةَ، هي الأخرى، ليست درجة واحدة، وإنما درجات مختلفة! وحينئذ، لا مفر من أن يتعذر عليهم الفصل في الأقوال التي تنزل الدرجات الوسطى هل وردت على وجه الإشارة أم على وجه العبارة

ان العبارة ومثلها الاشارة درجات كثيرة وهذه المتكثرات متداخلة بحث لا يكون هناك ضابط محدد في الفصل بين رتب الاشارة ورتب العبارة وخصوصا الرتب المتوسطة من الدرجات (العبارة او الاشارة )
وبنى الدكتور طه على ذلك ان الفصل متعذر بين هذه الرتب لانها متداخلة
فتكون نتيجة الخصم القائلين بالتباين لا وجاهة لها


ملخص ما قد يكون اجابة :
ان القول الفلسفي يحمل في طياته اشارة وعبارة وهذا التداخل بين العبارة والاشارة في القول الفلسفي هو عينه المسوغ للتداخل بين منهجية العلم والدين وهو عينه المانع من التباين فيها

اعذرني فل اقرا المقالة كاملة فان اخطات فنبهني

يونس حديبي العامري
29-11-2007, 13:49
مبارك الله الله أفيدونا بارك الله فيكم.

naser Ameen naser
05-12-2007, 11:15
للرفع والتذكير