المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار مع ملحد ...من مذكرات مصطفى محمود ..



محمد عوض عبد الله
28-09-2007, 14:01
حوار مع صديقي الملحد
ناقش د. مصطفي محمود قضايا دينية وفلسفية علي جانب كبير من الخطورة وكان منطلقه هو استقرار قلبه وعقله علي الإيمان
08.09.2007 11:11
في كتابه «حوار مع صديقي الملحد» ناقش د. مصطفي محمود قضايا دينية وفلسفية علي جانب كبير من الخطورة وكان منطلقه هو استقرار قلبه وعقله علي الإيمان رأي في الموت بداية الفلسفة والدين والصحوة لأنه الذي يضع حدا للدنيا بأطماعها وتذكره يوقظ الضمير الحياة عنده هي الامتحان والابتلاء والفرصة التي يتصور الإنسان أنها محنة دائمة ليس لها نهاية الفلسفة لا تزيد علي كونها رياضة ذهنية وشطرنج لتربية القدرات العقلية للقادر عليها فقط المحبوب الواحد والوحيد عنده هو الله جل جلاله فلا دوام لحب إلا له وفيه وما الدنيا بكل ما فيها إلا مناسبات تردنا إليه وإلي رحابه وتشوقنا إلي أوصافه وصفاته الدكتور مصطفي محمود علامة بارزة في أدبنا وفكرنا المعاصر بلا شك، بما قدم في مجال المسرح والقصة والمقال.. وإذا كانت إبداعاته وأفكاره مثيرة للجدل، فلا شك أنه كاتب يمثل أحد قسمات الوجه للفكر المعاصر، ولما له من جسارة في تناول الموضوعات التي يتحدث فيها.


وقد عرفت الدكتور مصطفي محمود عن قرب، بل إنني بدأت أقرأ له في مطلع الشباب، وكانت تدهشني جرأته، فلا شيء عنده يجب ألا نفكر فيه بشجاعة القلب والعقل جميعا.


لقد هزني كتابه «حوار مع صديقي الملحد» والذي يناقش فيه قضايا دينية وفلسفية علي جانب كبير من الخطورة، ومن منطلق رجل استقر قلبه وعقله علي الإيمان.


وما أكثر الحوارات التي أجريتها مع هذا المفكر والفنان الكبير، ولكن ما أعتز به ومازال محفورا في نفسي هي محاولة أن يحدثني عن الألغاز.. ألغاز الموت والحياة.. ألغاز العلم والفلسفة.. حتي لغز الحب..!


لغز الموت هو بداية الفلسفة وبداية الدين وبداية الصحوة وبداية الأمور جميعا.وهو مؤدب الملوك والجبارين والطغاة. والموت هو الذي يصنع للدنيا حدودا.. وللجريمة حدودا.. وللطغيان حدودا.. وهو الذي يساوي في النهاية بين صاحب العمارة وبواب العمارة.والذي يتذكر الموت يصحو ضميره لأنه يعرف أنه أقرب إليه من شراك نعله. ومن هنا قال الحديث الشريف «موتوا قبل أن تموتوا» والمقصود من الحديث أن يموت الإنسان عن جشعه وخسته وظلمه... إلخ.


لغز الحياة طبعا عكس الموت.. ومعني أن الذي يأخذ جرعة حياة كبيرة يكون في حالة غفلة.!يقولون إن الحياة تلاهي.. وهذا يعني أن الحياة ممكن أن تلهي صاحبها.. ولكن في نفس الوقت الحياة حدد الله الهدف منها بقوله:«والله مخرج ما كنتم تكتمون».فالنفس تمتحن.. وتبوح بالسر وتخرج ما خبأته. ومن هنا كانت الحياة شيئا ثمينا وقيما، وهي فرصته لأن يحقق الإنسان ذاته.. ومهما مثل الإنسان لابد أن يظهر ما يخفيه.


الحياة هي الامتحان والابتلاء والفرصة، وهي المناسبة التي في النهاية كل إنسان يعيش ويموت، ويلعب فيها لعبته.المشكلة أن الإنسان أثناء دوار الحياة يخيل إليه أنها محنة دائمة وأنه لن يموت.. وهذا هو الخطر الأكبر.


العلم هو المرحلة الأولي، أو الخطوت الأولي التي يخطوها الإنسان هو أن يتعلم، وبعدها يتعرف علي أهله وعشيرته وبيئته. والعلوم نفسها هي التي تقوم بالمعرفة كتاريخ وأرض وجغرافيا وكنوز.. وتعلمه أيضا مسكنه بين النجوم وهو الفلك.. هذه هي المرحلة الأولي.والمرحلة الثانية أن العلم يوصلك إلي المعرفة لأننا بدراستنا للحيوان والنبات والإنسان والجماد والأرض نراها ترجع إلي عنصر واحد «الأيدروجين» والذي تخلق منه جميع العناصر، ومن الكربون والايدروجين تخلقت الحياة كلها.


ويكتشف الإنسان أن النواة واحدة للإنسان والحيوان والنبات.. كلها تتألف من خلية والخلية في الكل متشابهة، ومن هنا نعرف الواحد من وراء المتعدد، لأن الحياة المتعددة تدلنا علي الواحد الذي خلقها.. فهناك وحدة نسيج... العلم يكتشف هذه الوحدة، ويتعرف من خلال وحدة النسيج من الهارمونية والانسجام أن الصانع واحد.. من هنا بداية المعرفة.. معرفة الواحد سبحانه وتعالي الذي دبر وقنن.... وبعد ذلك يأتي النبي يأخذ بيدنا لمعرفة الواحد، وتوصلنا إلي آخر المدي أن الصفات والأفعال نتاج ذات واحدة.. وعندما نصل إلي هذه الذات نصل إلي مجالات التصوف وهي التي تسمي الوقفة وهي نهاية العلوم والمعارف كلها.


أي أن هناك ثلاث مرحل: العلم والمعرفة والوقفة.العلم هو البداية التي توصلك إلي المعرفة والمعرفة هي المواصلة الأخيرة التي توصلك إلي الوقوف أمام الذات الإلهية... هذه هي الأصول.ولكن الذي يحدث أن العلم يتخذ من نفسه صنما.. بأننا نخرج من علم إلي علم ولا نخرج إلي معرفته فهو يصلنا إلي دوامة من الاختراعات.. وأصبح العلم وسيلة للقوة، والقوة وسيلة للقهر، فهذه كلها علوم استخدمت استخداما خطأ وأصبحت أداة للتفرد وقهر الضعفاء.فنحن الآن في عصر العلم. العلم الذي بلغ من الزهو والغرور أن أصبح كل شيء.. ابتدأنا في علم الوراثة. فعلم الجينات.. فعلم الهندسة الوراثية، وما تتبعه من غرور علمي لن يصلنا إلي شيء سوي المسوخ أو صنعة المسوخ.


لغز الفلسفة هي محاولة إدراك الكليات ابتداء من قوانين الطبيعة لفهم ما وراء الطبيعة، والواقع أن تاريخ الفلسفة كما قرأناه في محاولته للوصول إلي ما وراء الطبيعة.. إلي الله سبحانه وتعالي.. في كثير من الأحيان وصل إلي الكفر وإنكار الله. والوقوف عند الطبيعة وقوانينها، وتصور أن الطبيعة هي التي توصلني إلي شكسبير بدون خالق!واختلفت وتشعبت الفلسفات.. بعضها مؤمن وبعضه، ملحد، وبعضها وجودي يقف عند الأنا.. وبعضها يقف عند المادة..وأنا أري أن الفلسفة في وصفها الحالي لا أكثر من رياضة ذهنية، وشطرنج ممتع لتربية القدرات العقلية، وهي رحلة لا بأس بها للقادر.... إذا زاولها واشتغل بها عقل غير قادر فهو ينتهي إلي أنه يفقد حتي الأرض التي تحت قدميه.


من أنت؟ سألته من أنت؟ـ هذا هو لغز الألغاز.. فأنت تريد أن تعرف حقيقة فلان. فلا أحد يعرف حقيقة فلان هذا .. فلا أحد يعرف «الأنا».حقيقة النفس هي لغز الألغاز.. إن وراء كل شيء هو المدبر سبحانه وتعالي.


الحب له معان بعدد سكان الكرة الأرضية. فالذي يقتل يقول قتلتها لأنني أحبها، والمرتشي واللص والمختلس يقول فعلت ذلك لأني أحب.والغيور لدرجة الجنون يقول إنه يغار لأنه يحب، والمتساهل لدرجة الانحلال يقدم زوجته لمن تشتهي من الرجال ويقول فعلت ذلك من فرط الحب!والصوفي المتجرد لربه يقول: أري الله في وجه الأطفال، وفي تفتح الورود، وفي زقزقة العصافير، ورفيف الفراش، ويقول حبي للمخلوقات من حبي لخالقها، ولهذا يتجرد من الحظوظ والأهواء والمنافع والأغراض وصار حبنا في الله ولله.


وأهل الاعتدال اعترفوا بالعجز عن التجرد عن الحظوظ والأهواء وقالوا حبنا أننا أخضعنا شهواتنا لأحكام الشريعة، وأردنا الحب زواجا وعمارا للأرض ومودة ورحمة.


وأهل الأطماع أحبوا في المرأة غناها.وأهل الشهوات أحبوا المرأة في جسدها.وأهل الفن أحبوا المرأة في جمالها.وأهل الخير أحبوا المرأة معوانا لهم علي الخير وأهل القلق والهموم أحبوا المرأة هروبا! وأهل الإجرام أحبوا المرأة جاسوسة ونشالة ولصة.


وأهل التجارة أحبوا المرأة سمسارة ومديرة علاقات ومروجة سلع.وكل صاحب ملة أحب المرأة علي ملته.. وكل صاحب مشروع أحب المرأة علي مشروعه.


ولهذا تعددت معاني كلمة «أحبك» بعدد أنفاس الخلائق وبعدد أغراضهم وأهوائهم.والحب الأمثل في نظر الدكتور مصطفي محمود هو حب الله...إنه الحب الأمثل لأنه هو كامل الأوصاف.


قلت للدكتور مصطفي محمود: لو سألتك عن لحظة حب تتوقف عندها طويلا.قال:لولا تجلي ربنا علي مخلوقاته لما كان هناك شيء يستحق الحب في الدنيا. لا وجه ولا صوت ولا صورة ولا مذاق ولا سلوك ولا كلمة ولا نفحة، فالله هو نور السموات والأرض. فهو النور الذي نراه في الوجوه فنحبها، وهو نور العقول ونور الضمائر ونور البصائر.. وهو الحق وهو العدل. فهو ما تحب في كل أفعالنا من حق وعدل.


وهو الجمال الذي يسير في كل طلعة جميلة، وهو البهاء الذي يخطف القلوب في كل حضرة بهية، فهو سبحانه ما نحب في كل ما نحب، وهو المعبود في كل ما نعبد بلا شريك ولا ند، فأينما ولينا وجوهنا فليس ثمة إلا وجهه، فإذا انخطف قلبك لرؤية جمال فما خطف قلبك إلا هو. وإذا انخطف سمعك لكلمة فما خطفها إلا الحق الذي تجلي فيها، وإذا ذبت لحضر فإنما استشعرت من وجود الله فيها.


فهو وحده الذي يجعل القيمة لأي قيمة، ومن وجهه تفيض الكمالات علي كل ذي كمال.وما الوجه إلا واحد غير أنه إذا أنت عددت المرايا تعددا.


الحب المطلق


يقول الدكتور مصطفي محمود:ذلك هو المحبوب الواحد والوحيد، الله جل جلاله، ولا دوام لحب إلا لحب الله والحب فيه.. وما الدينا كلها بعد ذلك؟ وما شخوصها وما رجالها ونساؤها إلا مجرد مناسبات تهيج الذكري إلي ذلك المحبوب وتردنا إليه وترجعنا إلي ساحته وتشوقنا إلي أوصافه.الدنيا هي الغربة والاغتراب، والبعد والحجاب والغفلة والأسباب والنية والضباب، ولا عبرة فيها إلا بلحظة الصحو والفواق والشعور بلوعة الفراق، والحنين إلي اللقيا.. وإلي بلد المحبوب. وإلي وطننا الأول عنده الذي منه جئنا وإليه نعود.. ثم ما يثمر هذا الحنين من تشمير السواعد، وتجرد في العمل للتقرب والتحبب إلي هذا المحبوب الجليل لتكون ساعة اللقيا ساعة رضا لا ساعة خزي.


تأملات ذاتية


وما أجمل الساعات التي كنت أناقش فيها الكاتب الكبير، انه يأخذك إلي عالم ساحر من الرؤي، نتيجة قراءات متعددة، وتجارب متعددة، وخبرات متعددة أيضا.


وأجمل ما قرأت من تأملاته، وما أكثرها والتي نجدها داخل كتبه، حين يتحدث عن مشوار حياته.. إنه يتساءل من خلال ترنيمة عذبة إنه يقول: يا صاحبي ما آخر الترحال وأين ما مضي من سالفي الليالي أين الصبا وأين رنة الضحك؟ ذابت..؟!!كأنها رسم علي الماء أو نعش علي الرمال كأنها لم تكن كأنها خيال أيقتل الناس بعضهم بعضاعلي خيال؟!علي متاع كله زوال علي مسلسل الأيام والليالي في شاشة الوهم ومرآة المحال..الهي يا خالق الوجد من نكون؟ من نحن؟ من هموا؟ ومن أنا؟ وما الذي يجري أمامنا وما الزمان والوجود والفنا وما الخلق والاكوان والدنا؟ ومن هناك.. ومن هنا؟ أصابني البهت والجنون. ما عدت أدري وما عاد يعبر المقال..! كثيرا ما كنت أسائل نفسي، وأنا أتذكر حواراتي الطويلة معه، أو قراراتي المتأنية لكتبه سواء أكانت رواية أو قصة أو مسرحية أو مقال، وأتامل من خلال كلماته رحلة العمر ومشوار الحياة ومسيرة جادة في محاولة البحث عن الحقيقة.. تري هل وصل الدكتور مصطفي محمود إلي الشاطئ الأمن؟ أم أنه مازال يترك شراعه للريح بحثا عن المرافئ الدافئة؟!إنه يذكرني دائما.. بكلمات «نيوتن» الشهيرة التي قالها عندما اكتشف قانون الجاذبية.. وعقب علي هذا الاكتشاف الهائل بقوله: بإنه مثل الذي حصل علي حصاة ملقاة علي الشاطئ بينما يمتلئ محيط الحقيقة بالأصداف واللآلئ!!


منقول