المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من إملاءات القاضي ابن رشد الجد: كل مجتهد مصيب



جلال علي الجهاني
25-09-2007, 13:33
في الحكم بالاجتهاد
فتاوى ابن رشد (845-864)

وقرئ عليه رضي الله عنه وأنا أسمع، في شهر رمضان المعظم سنة إحدى عشرة وخمسمائة، في الجزء الثالث عشر من (مختصر كتابه مشكل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخراج ما فيها من الأحكام، ونفي التضاد عنها)، لأبي جعفر الطحاوي رحمه الله، مما عني هو أدام الله توفيقه باختصاره وتوليه وترتيبه- ما جاء في الحكم بالاجتهاد.

قال أبو جعفر –رحمه الله- فيما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيما يأمر به الرجل إذا ولاه على السرية: إن أنت حاصرت أهل حصنٍ فأرادوا أن تنزلهم على حكم الله عز وجل، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك) في هذا الحديث: إن الحكم بالاجتهاد فيما ليس فيه آية مسطورة أو سنة مأثورة أو إجماع من الأمة، إذ لا تجتمع على ضلالة، يسعنا وإن كنا لا ندري هل هو عند الله عز وجل على ما أداه إلينا اجتهادنا أم لا؟ وإنه هو المفروض علينا مع احتمال درك الصواب به أو التقصير عنه لإصابة الصواب فيه بعينه، إذ لم يكلفنا الله ما لا نطيق، ولا تعبدنا بما نحن عنه عاجزون؛ لأن فيه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله أن ينزلوا أحداً من الحصون على حكم الله؛ إذ لا يدري أيصيبه أم لا؟ وأمرهم أن ينزلوهم على حكمهم الذي هو الاجتهاد: أصاب الحكم عند الله أو أخطأه.

قال: ومثل ذلك ما كان من أمر بني قريظة الذين نزلوا لما اشتد بهم الحصار على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم أن يقتل رجالهم وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل وبحكم رسوله)، أفلا ترى أنس سعداً قد حكم فيهم باجتهاده قبل أن يعلم ما حكم الله عز وجل فيهم، فحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وإذا كان ذلك واسعاً في الدماء والفروج، فهو في الأموال أوسع.

قال أبو الوليد رضي الله عنه: الذي عليه أهل التحقيق أن كل مجتهد مصيب.
ومن الدليل على ذلك، وإن كانت الأدلة فيه أكثر من أن تحصى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (بم تحكم؟) قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله.
وما أرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أرضى الله، ويستحيل في صفة الله أن يرضى بخلاف ما هو الحكم عنده.
وهذه مسألة من الأصول، فلا يصح الاحتجاج فيها بأخبار الآحاد، ولا بالظواهر المحتملة.
ويحتمل أن يكون معنى قوله في الحديث الذي احتج به: فلا تنزلهم على حكم الله عز وجل، أي على نصِّ حكم الله عز وجلَّ الذي لا تدري أتصيب فيهم حكم الله عز وجلَّ نصَّاً أم لا؟
وأمره أن ينزلهم على حكمه ليحكم فيهم باجتهاده إن عدم النص، فيوافق في ذلك حكم الله الذي شرعه وافترضه، وحرم العدول عنه بإجماع، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
وقال فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (القاضيان ثلاثة: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة، فأمَّا الذي عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى بين الناس على جهلٍ فهو في النار):
قد قال قائل: القاضي بالحق هو الذي وقف على الحكم عند الله عز وجل، فيما قضى به، وفي ذلك ما ينفي استعمال الاجتهاد الذي قد يكون معه إصابة ذلك، وقد يكون معه التقصير عنه، ولا يصح ذلك؛ لأن الله لم يكلفنا ما لا نطيق.
وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، فإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) دليل واضحٌ على أن له أن يجتهد فيما لم يجده في كتاب الله منصوصاً، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم مأثوراً، ولا في إجماع الأمة موقوفاً عليه.
ولما كان له أن يقضي باجتهاده الذي قد تكون معه فيه إصابة الحق عند الله عز وجل، وقد يكون معه التقصير عنه، وكان ما يقضي به بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه بالقضاء به حقاً، عقلنا بذلك أن لاحق الذي القاضي به في الجنة هو ذلك الحق، حتى تصح هذه الآثار ولا تتضاد.
وذكر من الحجة بجواز الحكم بالاجتهاد ما قصه الله علينا من قصة داود وسليمان عليهما السلام في قوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) إلى قوله: (وكلا آتينا حكماً وعلماً)، وحديث معاذ بن حبل إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال له: بم تقضي؟ الحديث.
واستدل على ما ذهب إليه من أن المجتهد قد يكون مع اجتهاده مصيباً للحكم ومخطئاً له بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سليمان عليه السلام سأل ربه أن يؤتيه حكماً يصادف حكمه، فأعطاه إياه، إذ لو كان مصيباً له على كل حال لما كان لسؤاله ربه في ذلك معنى، وبما روي أن عمر بن الخطاب كتب بقضية إلى عاملٍ له، فكتب: هذا ما أرى الله عمر، فقال: امحه، واكتب: هذا ما رأى عمر، فإن يك صواباً فمن الله عز وجل، وإن كن خطأ فمن عمر، وبما روي عن ابن مسعود قال: لما سئل عن الرجل الذي تزوج المرأة فلم يدخل بها، ولم يسمِّ لها صداقاً حتى توفي: أقول فيها برأيي فإن يك خطأ فمن قبلي، وإن يك صواباً فمن الله عز وجل.
قال القاضي أبو الوليد شيخنا رضي الله عنه:
قوله في تأويل الحديث: (إن الحق الذي القاضي به في الجنة هو ذلك الحق الذي يريد فيه النص) من التأويل الفاسد الذي لا يصح؛ لأنه أخرج بذلك القاضي بالاجتهاد في موضع الاجتهاد عن التقسيم الذي قسم به النبي صلى الله عليه وسلم القضاة إلى ثلاثة أقسام، وفي ذلك نسبة التقصير إليه في التقسيم، وحاشا له ذلك؛ لأنه معصوم، ما ينطق عن الهوى (إن هو إلا وحي يوحى).
وإنما حمله على هذا التأويل ما ذهب إليه من أن المجتهد لا يدري أصاب الحكم الواجب عند الله أو أخطأه.
وفي الحديث دليل ظاهر على أن المجتهد مدرك للحقِّ مصيبٌ للحكم؛ لأنه لما قسم القضاة على ثلاثة أقسام، فجعل منهم في الجنة الذي عرف الحق فقضى به، علمنا أن قسم الجنة هم الذين يقضون بما يجوز لهم القضاء به من نصٍّ أو إجماع أو اجتهاد في موضع الاجتهاد؛ إذ لا يجوز أن يخرج القاضي بالاجتهاد عن هذا القسم؛ لأن في ذلك نسبة التقصير إلى النبي صلى الله عليه وسلم في التقسيم، ومخالفة للإجماع؛ لأنه إن لم يكن من أهل الجنة فهو من أهل النار؛ إذ ليس بعد الجنة إلا النار، ولا بعد الهدى إلا الضلال، وكيف يكون من أهل النار من فعل ما تعبد به بما هو فيه بين أجر واحد أو أجرين؟
فإذا ثبت أنه من قسم الجنة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (إنه عرف الحق)، وذلك نصٌّ في موضع الخلاف.
فإذا ثبت هذا ولم يصح القول بخلافه، وجب ألا يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) على أنه أراد بذلك أخطأ الحكم عند الله، إذ قد يحتمل أن يكون أراد به أنه أخطأ النصَّ إن كان في ذلك نصٌّ لم يعلمه، أو أخطأ أن يحكم بالحق في الظاهر لمن هو له في الباطن، وإن كان قد حكم بالحق الذي هو الحكم عند الله تعالى؛ إذ قد يخطئ ذلك مع الحكم بالنصوص التي لا يختلف فيمن قضى بها أنه قضى بالحق.
وعلى هذا يتأول ما روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود من قول كل واحدٍ منهما: إن يكن خطأ فمنِّي.
وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن سليمان سأل ربه أن يؤتيه حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه، محتمل للتأويل أيضاً، مع أن الاحتجاج به في ذلك لا يجوز؛ لأن القول بتصويب المجتهدين مما طريقه العلم والقطع، فلا يصح الاستدلال عليه بأخبار الآحاد، ولا بما يحتمل التأويل، وبالله التوفيق.
وقال فيما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: اتهموا الرأي على الدين، وقال فيما روي عن أبي وائل قال: سمعت سهل بن حنيف يوم الجمل ويوم صفين يقول: اتهموا رأيكم فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو استطعت أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته: في هذين الحديثين أن الرأي قد يصاب به حقيقة الصواب، وقد يقصر به عنه، وإن ما أطلق لنا من الحكم بالاجتهاد في الحوادث التي لا نص فيها قد تكون فيه إصابة الحق، وقد يكون فيه التقصير عنه، وإن كنا محمودين باجتهادنا؛ إذ لا نستطيع غير ما فعلناه فيه، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر)، إذ كانوا قد اجتهدوا بالآلات التي يجتهد بمثلها، أصابوا الواجب أو قصروا عنه، وهذا قول أهل السلامة ممن ينتحل الفقه، فأمَّا سواهم ممن قد دخل في الغلو في ذلك حتى قال: إنه إذا حكم بالاجتهاد ومعه الآلة التي لأهلها الاجتهاد أنه قد حكم بالحق الذي لو نزل القرآن ما نزل إلا به! ونعوذ بالله من هذا القول ومن أصله، وإن كان بحمد الله قولاً منكسراً وأهله محجوجون بما لا يستطيعون دفعه ولا الخروج منه.
فممن كان على ذلك إبراهيم بن إسماعيل بن علية، فحدثني أبو جعفر بن العباس قال: لما بلغني هذا القول عنه أعظمته، فأتيته من يومي الذي بلغني ذلك القول عنه، فذكرت ذلك لأحق عليه، أنه قد قال، فقال لي: قد قلته، قال: فقلت له: قد استعملت في مسألة من الفقه رأيك واجتهدت فيها حتى بلغت عند نفسك غاية الاجتهاد الذي عليك فيها، ثم تبين لك بعد ذلك أن الصواب في غير ما قلت مما كان أداك إليه اجتهادك فيها، فقال: نعم يجري هذا أكثر نهارنا، قال: فقلت له: فأي القولين الذي لو نزل القرآن نزل به في تلك الحادثة، هل هو القول الأول الذي قلته فيها، أو القول الثاني الذي قلته فيها، وقد بلغت في كل واحدٍ من القولين الذي عليك أن تبلغه فيه من الاجتهاد؟ قال: فانقطع والله في يدي أقبح انقطاع، وما ردَّ عليَّ حرفاً.
وقد أجاب أبو جعفر رحمه الله في ذلك، وأقام لله عز وجل حجةً من حججه على من خرج عنها، وغلا الغلو الذي كان فيه مذموماً، والله نسأله التوفيق.
قال القاضي أبو الوليد شيخنا رضي الله عنه: قد تقدم لنا مثل هذا من مذهبه، والقول الذي أنكره وجهَّل قائله وجعله مذموماً فاستعاذ بالله منه، هو قول المحققين من الفقهاء بمعرفة أصول الديانات؛ إذ لا اختلاف بين أهل السنة الذي شرعه الله في دينه هو الحكم بالاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع، فإذا كان الله عز وجل قد أمر المجتهد بالحكم بما يؤديه إليه اجتهاده، فالذي أمره به هو الحقُّ عنده الذي تعبده إياه، إذ لا يستحيل في صفة الباري تعالى أن يأمر بخلاف الحق، وأن يتعبد عباده بما سواه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قال القاضي أبو الوليد شيخنا رضي الله عنه: وقول القائل: (إن المجتهد إذا حكم باجتهاده فقد حكم بالحق الذي لو نزل القرآن ما نزل إلا به) ليس على ما تأوله عليه، وإنما معناه أن القرآن لو نزل في ذلك لنزل بتصويب ما مضى الحكم به من جهة الاجتهاد في حقِّ كل من حكم به ممن يجوز له الحكم به في الموضع الذي يجوز له الحكم فيه به؛ لأنه لو نزل القرآن لنزل بإقرار الحكم به على جميع العباد؛ إذ يستحيل إقرار جميعهم على ما قد يتضاد من الأحكام باختلاف آراء المجتهدين فيه، فاعتقد ابن علية صحة هذا القول ولم يفهم معناه، فلذلك انقطع عن جواب خصمه، ولو فهم ذلك وكان بصيراً بالحجة لما انقطع، ولقال: إن القرآن لو نزل في ذلك لنزل بتصويب حكمي على ما أده إليَّ اجتهادي م القول الأول، ما دمتُ أعتقد صحته، وبتصويب حكمي بالقول الثاني مذ بانت له صحته، وذلك جائز في حكمة الله تعالى، كالنسخ الذي قام به الدين وكمل به الشرع.
وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اتهموا الرأي على الدين، ليس فيه ما يدل على أن المجتهد قد يخطئ الحق عند الله تعالى، وقد يصيب في بلوغه ما عليه من بذل الوسع في الاجتهاد، وإنما معناه: التحذير من التقصير في الاجتهاد، ومثله قول سهل بن حنيف، لاسيما وقد قاله لطائفتين يعلم قطعاً أن إحداهما على خطأ، بخلاف المختلفين بالاجتهاد في مسائل الأحكام، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.