المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 1- من إملاءات القاضي ابن رشد الجد: مسألة في قصر الصلاة



جلال علي الجهاني
24-09-2007, 11:18
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد..

فلا تخفى منزلة الإمام أبي الوليد محمد بن رشد الجد، رحمه الله تعالى، في المذهب المالكي، وما تلقته آراؤه الفقهية والأصولية من احتفاء بالغ.
ومن جملة تراث هذا الإمام فتاواه، التي احتوت على زبد ونفائس لا تقدر بثمن، وفي ثنايا فتاواه رحمه الله، كان يملي على أصحابه بعض التعليقات النفسية، أنقلها للإخوان هنا، لعلها تنفعهم، والله تعالى الموفق ..

جلال



إملاءات
الإمام الفقيه الحافظ القاضي
أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد
ابن رشد الجد
رحمه الله تعالى

مُسْتَـلَّة من فتاواه
طبعة دار الغرب الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم

[مسألةً في قصر الصلاة]
فتاوى ابن رشد (2/822-829)


قصر الصلاة في السفر على مذهب مالك رحمه الله وجميع أصحابه سنة من السنن التي الأخذ بها فضيلة، وتركها إلى غير خطيئة.
فإن أتمَّ المسافر الصلاة في السفر قاصداً إلى الإتمام من أولها ناسياً لسفره، أو متعمداً لترك السنة أو جاهلاً بها أو متأولاً فيها أعاد في الوقت، ليدرك ما ترك من فضيلة القصر.
واختلف إن أحرم بنية ركعتين ثم أتم متعمداً: فقيل: إنه يعيد في الوقت وبعده، وقيل: إنه يعيد في الوقت.
قال أبو الوليد رضي الله عنه: فالقول الأول: مبني على أن المسافر مخيَّرٌ بين القصر والإتمام ما لم يتشبث بفعل الصلاة، فإن تشبث بها لزمه ما أحرم عليه من قصر الصلاة أو إتمامها.
والثاني مبنيٌّ على أنه مخيَّـرٌ وإن تشبث بها، ولا يلزمه الإتمام على ما أحرم عليه من قصرٍ أو إتمام.
وأما إن أحرم بنية ركعتين، ثم أتمَّ ساهياً، فيتخرج في ذلك على القول بأنه يلزمه ما أحرم عليه من قصر الصلاة أو إتمام قولان:
أحدهما: أنه يسجد بعد السلام وتجزئه الصلاة.
والثاني: أنه يعيدها أبداً لكثرة السهو.
وعلى القول بأنه لا يلزمه ما أحرم عليه من قصر أو إتمام قولان:
أحدهما: أنه يسجد بعد السلام وتجزئه صلاته.
والثاني: أنه يعيد في الوقت، وذلك أنه اختلف فيمن صلى خمسة ساهياً، ثم ذكر سجدةً في الأولى، فقيل: إنه يعتد بالخامسة، وقيل: إنه لا يعتد بها، فعلى القول بأنه يعتد بها يعيد الذي أتم ساهياً في الوقت، وعلى القول بأنه لا يعتدُّ بها يعيد الذي أتمَّ ساهياً للسهو.



فصل


وإنَّمـَّا يعيد في الوقت من لم يؤمر بالإعادة إلا فيه ممن ذكرنا إذا صلى منفرداً، وأما إذا صلى في جماعةٍ فلا يعيد عند مالك؛ لأنَّ معه من فضل الجماعة ما يقرب من فضل القصر، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب في ذلك.
فصل
فإذا صلى المسافر بمسافرين، فأتمَّ بهم الصلاة كان حكمه هو في خاصة نفسه في إتمامه بهم حكمه في إتمامه منفرداً، على التفصيل الذي ذكرناه من إتمامه قاصداً إلى الإتمام من أول صلاته، أو من بعد دخوله فيها، أو ساهياً، على الاختلاف الذي ذكرناه في ذلك أيضاً.
واختلف فيما يصنع القوم خلفه إذا قام إلى الإتمام بعد الركعتين، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم يسلمون لأنفسهم وينصرفون، وقيل: إنهم يقدمون من يسلم بهم.
والثاني: أنهم ينتظرونه حتى يتم الصلاة فيسلمون سلامه.
والثالث: أنهم يتبعونه ويعيدون الصلاة.
فصل
فإن سلموا وانصرفوا على قول من يرى ذلك تمت صلاتهم في الوجوه الثلاثة كلها، من إحرام إمامهم بنية الإتمام جاهلاً أو متعمداً أو متأولاً أو ناسياً لسفره أو إحرامه بنية القصر، وإتمامه عمداً بنية القصر، وإتمامه ناسياً.
ولا تبطل عليهم إلا في وجه واحد، وهو أن يكون الإمام أتمَّ لأنه نوى الإقامة.



فصل


وأما إن قعدوا فسلموا بسلامه على قول من يرى ذلك فيها، فهنا يختلف ابن القاسم وسحنون في الوجوه الثلاثة المذكورة:
فيقول ابن القاسم: إنهم يعيدون في الوقت وبعده في الموضع الذي يعيد فيه الإمام في الوقت وبعده، ولا يعيدون في الموضع الذي لا يعيد فيه الإمام إلا في الوقت.
ويقول سحنون: إنهم يعيدون أبداً في الموضع الذي يعيد فيه الإمام أبداً، وفي الوقت الذي يعيد فيه الإمام في الوقت.
قال أبو الوليد رضي الله عنه: وبيان هذه الجملة أن الإمام إن كان أحرم بنية الإتمام ناسياً لسفره أو متعمداً لترك السنة في القصر، أو جاهلاً أو متأولاً أعادوا في الوقت عند سحنون، ولم تكن عليهم إعادة عند ابن القاسم.
وإن كان أحرم بنية القصر ثم أتم عامداً أو جاهلاً أو متأولاً فعلى القول بأن الإمام يعيد في الوقت يعيدون في الوقت عند سحنون، ولا يعيدون عند ابن القاسم.
وإن كان أحرم بنية القصر ثم أتم ساهياً فعلى القول بأن الإمام يسجد لسهوه وتصح صلاته تصح صلاتهم ويسجدون بسجوده، وعلى القول بأن الإمام يعيد في الوقت يعيدون في الوقت عند سحنون، ولا يعيدون عند ابن القاسم.
وأمَّا إن كان الإمام إنما أتمَّ لأنه نوى الإقامة فلا اختلاف في وجوب الإعادة عليهم في الوقت وبعده؛ لأنهم تركوا ما يلزمهم من اتباع إمامهم على الإتمام.



فصل


وأما إن اتبعوه على قول من يرى ذلك فإنهم يعيدون صلاتهم في الوقت وبعده إن كانوا اتبعوه بنية الإعادة، وإن كانوا اتبعوه بنية الإتمام في السفر أو تأولوا اتباع إمامهم، وقد كان الإمام أحرم بنية الإتمام في السفر ناسياً لسفره، أو عامداً، أو جاهلاً، أو متأولاً أعادوا أيضاً في الوقت وبعده.
وقيل:إنهم لا يعيدون إلا في الوقت، وذلك على الاختلاف في المسافر يحرم بنية القصر، ثم يتم متعمداً، ولم يجب على الإمام أن يعيد إلا في الوقت.
وإن كان الإمام إنما أحرم بنية ركعتين، ثم تمادى عامداً كان بمنزلتهم، وأعاد هو وهم في الوقت وبعده، وقيل: في الوقت على ما تقدم من الاختلاف.
وإن كان الإمام إنما أحرم بنية ركعتين، ثم أتم ناسياً، فيعيدون في الوقت وبعده على القول بأنه يعيد في الوقت وبعده، وعلى القول بأنه يسجد لسهوه وتجزئه صلاته، ويعيدون في الوقت على القول بأنه يعيد في الوقت.
وأما إن كان الإمام إنما أتمَّ لأنه نوى الإقامة، فيتخرج ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الصلاة تامة ولا إعادة عليهم.
والثاني: أنهم يعيدون في الوقت.
والثالث: أنهم يعيدون في الوقت وبعده؛ لأن ذلك مبني على الاختلاف في المسافر يدخل مع القوم وهو يظنهم مسافرين، فيجدهم حضريين.
وإن كانوا اتبعوه سهواً نظرت في الإمام: فإن كان أتم أيضاً ساهياً كانوا بمنزلته فيما يلزمه من الإعادة أبداً، أو في الوقت، أو الاجتزاء بسجود السهو.
وكذلك إن كان الإمام أتم؛ لأنه أحرم بنية الإتمام، أعادوا أبداً، وقيل: في الوقت، وقيل: يجتزئون بسجود السهو، ولم يعد الإمام إلا في الوقت.
وكذلك إن كان الإمام أحرم بنية ركعتين ثم أتم متعمداً على القول بأنه يعيد في الوقت.
وأما على القول بأنه يعيد أبداً فإنهم يعيدون أيضاً أبداً.
وإن كان الإمام إنما أتمَّ لأنه نوى الإقامة، تخرَّج ذلك على الاختلاف فيمن زادَ في صلاته ركعة ساهياً، ثم ذلك أن عليه سجدةً، هل يعتد بها أم لا؟



فصل



وأما إن صلى المسافر بمقيمين، وأتم صلاته، فالقول فيما يلزمه هو في خاصة نفسه على ما تقدم إذا صلى بمسافرين فأتمَّ بهم.
وأما هو فيفترق الحكم فيهم بين أن يتبعوه أو يقعدوا ولا يتبعوه باختلاف أحوال الإمام، وهي أربعة أحوال:
إذ لا يخلو إن كان أحرم بنية القصر من حالين:
أحدهما: أن يكون إتمامه ساهياً.
والثاني: أن يكون إتمامه متعمداً.
ولا يخلوا أيضاً إن أحرم بنية الإتمام في حالين:
أحدهما: أن يكون ناسياً لسفره أو جاهلاً أو متعمداً أو متأولاً.
والثاني: أن يكون نوى الإقامة، وذلك يرجع من فعله إلى أربعة أحكام:
أحدهما: أن يكون فعل من إتمامه ما يجب عليه.
والثاني: أن يكون فعل منه ما لا يجوز له، وتلزمه فيه الإعادة على الوقت وبعده.
والثالث: أن يكون فعل منه ما يكره له فعله، لتركه فضيلة السنة، ولا تلزمه الإعادة إلا في الوقت.
والرابع: أن يكون أتم صلاته ساهياً، ولا يقال فيه: إنه فعل واجباً ولا محظوراً ولا مكروهاً.
فإن كان فعل في إتمامه ما يلزمه، وذلك أن يكون نوى الإقامة من أول صلاته، فإن اتبعوه صحت صلاتهم؛ لأنه هو الذي يلزمهم، وإن قعدوا ولم يتبعوه بطلت صلاتهم؛ لأنهم تركوا ما يجب عليهم من اتباع إمامهم، ولا خلاف في هذا.
وإن كان فعل في إتمامه ما يكره له لتركه فضيلة السنة، فتجب عليه الإعادة في الوقت، وذلك مثل أن يحرم بنية الإتمام متعمداً أو جاهلاً أو متأولاً أو ناسياً لسفره.
فإن اتبعوه تخرج ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم يكونون بمنزلته، ويعيدون في الوقت، وهو مذهب سحنون.
والثاني: أنه لا إعادة عليهم؛ لأنهم فعلوا من الإتمام ما يلزمهم، وأئتموا في ذلك بمن تجوز صلاته، ولا يؤمر بإعادتها إذا خرج الوقت؛ إذ لم يترك منها إلا ما هو فضيلة فيها، وهو القصر.
والثالث: أنهم يعيدون في الوقت وبعده؛ لأنهم صلوا بإمام ما كان يلزمهم أن يصلوا أفذاذاً(1) .
وإن قعدوا ولم يتبعوه تخرج ذلك أيضاً على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن صلاتهم تبطل بجلوسهم عن اتباعه، وذلك على القول بأنهم إن اتبعوه صحت صلاتهم، أو أعادوا في الوقت.
والثاني: أن صلاتهم تصح، وذلك على القول بأنهم إن اتبعوه بطلت صلاتهم، وأعادوا في الوقت وبعده.
والثالث: أنهم يعيدون في الوقت كما يعيد الإمام، ويتخرج على قياس مذهب سحنون.



فصل


وإن كان فعل في إتمامه ما لا يجوز له، وتلزمه فيه الإعادة في الوقت وبعده، وذلك مثل أن يحرم بنية القصر، ثم يتم متعمداً على المشهور من الأقوال، بطلت صلاتهم، اتبعوه أو لم يتبعوه؛ لبطلانها على الإمام.
وأمَّا على القول بأنها لا تبطل على الإمام، ويعيد في الوقت، فيتخرج الحكم في صلاتهم على ثلاثة أقوال، اتبعوه أو لم يتبعوه، حسبما تخرج في المسألة التي قبلها، لمساواتها لها في هذا القول، في وجوب الإعادة على الإمام في الوقت.
فصل
وأما إن كان أتمَّ ساهياً بعد أن أحرم على نيّة ركعتين، فاتبعوه، فعلى القول بأن الإمام يعيد في الوقت وبعده فيعيدون أيضاً في الوقت وبعده قولاً واحداً؛ لفساد صلاتهم بفساد صلاة إمامهم.
ويتخرج في ذلك على القول بأن الإمام يجتزئ بسجود السهو قولان:
أحدهما: أن صلاته لا تجزئهم.
والثاني: أنها تامَّة، وذلك على الاختلاف في أن الإمام إذا صلى خامسةً سهواً فاتبعه فيها من فاتته ركعة من الصلاة هل يعتد بها أم لا يعتد بها؟
ويتخرج في ذلك على القول بأن الإمام يعيد في الوقت ثلاثة أقوال:
لا إعادة، والإعادة في الوقت، والإعادة في الوقت وبعده، على ما تقدم إذا اتبعوه، وكان قد أحرم بنية الإتمام متعمداً.
وأما إن قعدوا ولم يتبعوه فيتمون صلاتهم إذا سلم الإمام وتجزئهم، ويسجدون للسهو كما سجد الإمام، على القول بأن الإمام يسجد لسهوه وتجزئه صلاته.
وأما على القول بأن الإمام يعيد في الوقت وبعده لكثرة السهو فلا سجود عليهم للسهو، ولا إعادة؛ لأنهم لم يسهوا.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.

=======================================
1- قال في المقدمات الممهدات (1/218): وهذا على اختلافهم فيمن وجب عليه أن يصلي فذاً فصلى بإمام.