المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل حديث الجارية مضطرب ؟



سليم حمودة الحداد
20-09-2007, 12:58
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله
أريد أن أعرف الحق في مسألة حديث الجارية الدي في صحيح مسلم، هل هو حقا مضطرب ؟ هل ينطبق عليه علامات الإضطراب في السند أو في المتن كما هو مقرر في علوم الحديث؟ أم أن الحديث لا اضطراب فيه و لكن لفظ "أين الله" لفظ شاد منكر مخالف للأصول ؟
إن كان الموضوع قد طرح من قبل و نوقش فأرجو إحالتي على موضعه من المنتدى بارك الله فيكم و نفعنا بكم..

وائل سالم الحسني
20-09-2007, 15:20
علميا لايوجد شيئ اسمه حديث الجارية ، فقط عن الألبانيين والمجسمة.

سبب الإضطراب هو:
رواية الإمام البيهقي بأن الجارية خرساء.
رواية الإمام مالك قال:أتشهدين ألا إله إلا الله؟ قالت نعم وليس فيها ذكر للسماء، وهنالك رواية أخرى مشابهة في صحيح ابن حبان ورواية للإمام أحمد وافق فيها رواية الإمام مالك.
سند الإمام مالك وابن حبان وأحمد في هذا الحديث: كالشمس.
سند الإمام مسلم: لايصح الا على شرط الشيخين.

ولعلك أخي سليم تقصد استشهاد الوهابية بهذا الحديث في اثبات المكان لله سبحانه وتعالى فيقال لهم:

-الحديث أورده الإمام مسلم في باب "تحريم الكلام في الصلاة" وليس في باب الإيمان. وراجع رواية مسلم والحديث بطوله كي تتأكد.
-لايكفي للإستشهاد في العقائد بأحاديث ضعيفة ومضطربه أو آحاد لأن ثبوتيتها ظنية ، أي ليست مأكدة.
-من يثبت لله المكانية حسب هذا الحديث ويستدلون به على عقائدهم الفاسدة ، هو مشترك أيضا مع اليهود والنصارى ، اليهود الذين قالوا إن الله تعب فاستلقى على العرش والنصارى الذين يقولون "أبانا الذي في السماء" والعياذ بالله ، لذلك الحكم بالإيمان لمن يثبت هذا الحديث ليس بكاف. لأن الظن بإعتقاد أن الله موجود في السماء ليس كافيا كي يكون الإنسان مؤمنا.
-الحديث الذي عند مسلم مضطرب لايصح ولايتوافق مع اصول الجرح والتعديل ولا مع اصول الدين.

اذا كانت رواية المالكية للحديث موافقه لأصول الدين واسنادهم كالشمس ، فلماذا تنظر المالكية بعد هذا لما يأتيهم من الوهابية ويتشككون فيما عندهم!!

يونس حديبي العامري
02-10-2007, 20:44
بسم الله الرحمن الرحيم

ومن شكك المالكية في حديث الجارية وليس حديث الجارية الذي روي في الموطأ بل حتى غيره من الأحاديث يقدموها على غيره من الأحاديث لانها من رواية الموطأ وإن كان البعض مقدما عليها وهذه من المسائل الظنية ونرجو منك ان تبين من المالكية شك في مذهبه.

وائل سالم الحسني
09-10-2007, 19:56
بسم الله الرحمن الرحيم

من المالكية شك في مذهبه.

الأخ سليم صاحب السؤآل :) :)

جلال علي الجهاني
09-10-2007, 21:15
وصف حديث الجارية بالاضطراب بمعناه الاطصلاحي في علوم الحديث غير صحيح .. ولا يسمى اختلاف الألفاظ في متن من المتون بالاضطراب .. ووصفه سيدي عبد الله بن الصديق بالشذوذ في تعليقاته على كتاب التمهيد لابن عبد البر، ولكنه وصف لم يسبق إليه من الأئمة السابقين ..

وللحديث مجال كبير للتأويل، خاصة أن الكل -بما فيه المجسمة- يؤولون لفظ (في) في الحديث إلى (على)، فالأمر فيه سهل .. والله أعلم

وائل سالم الحسني
09-10-2007, 22:07
وصف حديث الجارية بالاضطراب بمعناه الاطصلاحي في علوم الحديث غير صحيح

قال الحافظ النووي في التقريب معرفا للحديث المضطرب ما نصه: المضطرب هو الذي يُروى على أوجه مختلفة متقاربة فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها أو كثرة صحبته للمروي عنه أو غير ذلك فالحكم للراجحة ولا يكون مضطربا والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعاره بعدم الضبط ويقع في الإسناد تارة وفي المتن أخرى وفيهما من راو أو جماعة. اهـ
واسناد أحمد ومالك وابن حبان وغيرهم أصح من الذي عند مسلم ، والمضطرب من أقسام الضعيف ، الا اذا قلنا طبقا لتعريف ابن الصلاح يكون الحديث الذي عند مسلم ضعيفا ، اذ قال: المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه ءاخر مخالف له وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة فالحكم للراجحة ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب ولا له حكمه، ثم قد يقع الاضطراب في متن الحديث وقد يقع في الاسناد وقد يقع من راو واحد وقد يقع بين رواة له جماعة. والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط.اهـ

الملخص بخصوص حديث الجارية ، منقول للفائدة:

الحديث إذا حكم بصحته فهو مؤول على أنه سؤال عن المكانة لا عن المكان وهو الموافق للآية المحكمة {ليس كمثله شئ}. ثم إن حديث الجارية روي بعدة ألفاظ مختلفة منها ما رواه الإمام ابن حبان في صـحيحـه عن الشريد بن سويد الثقفي قال قلت يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال: ادع بها فجاءت فقال: من ربك؟ قالت: الله، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة. ورواه أيضا بهذا اللفظ النسائي في الصغرى وفي الكـبرى والإمام أحمد في مسنده والطبراني والبيهقي ورواه أيضا بهذا اللفظ ابـن خزيمة في كتابه الذي سماه كتاب التوحيد من طريق زياد بن الربيع عن بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن الشريد. ومنها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان من طريق هلال بن أبي ميمونة عن عطاء ابـن يسار عن معاوية بن الحكم السُّلَمي قال: وكانت لي جارية ترعى غنما لي قِبَلَ أُحد والجوَّانية فاطَّلَعتُ ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني ءادمَ ءاسـفُ كما يأسفون لكني صككتـها صكَّـةً فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظَّمَ ذلك علي قُلتُ يا رسول الله أفلا أُعتقُها؟ قال: إئتني بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت في السماء، قال: من أنا؟قالت أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنةٌ. وجاء من وجه ءاخر عند الإمام مالك في الموطأ: باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة بلفظ: أين الله وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله بزيادة: أتوقنين بالبعث بعد الموت دون لفظ: فإنها مؤمنة من طريق ابن شهاب في الثانية. وفي رواية لابن الجارود بلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم، قال: اتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، قال: اعتقها فإنها مؤمنة. وهي رواية صحيحة. وفي رواية لأبى داود في سننه: باب: تشميت العاطس في الصلاة، وباب: في الرقبة المؤمنة ، من طريق يزيد بن هارون قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء فقال: يا رسول الله إن عليَّ رقبة مؤمنة، فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها، فقال لها: من أنا؟ فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، يعني أنت رسول الله. وفي لفظ من طريق الحجاج بن الصواف قالت في السماء.. وفي رواية لأحمد أنها أشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، وفي رواية لعبد الرزاق في مصنفه باب ما يجوز من الرقاب بلفظ: أين ربك؟ فأشارت إلى السماء. وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا لله؟ قالت نعم. كذا روى الدارمي في السنن بلفظ: أتشهدين من حديث الشريد قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إن على أمي رقبة وإن عندي جارية سوداء...الحديث. وقد جاءت رواية: أيـن الله التي رواها عطاء بن يسار بلفظ ءاخر من طريق سعيد بن زيد عن توبة العنبري عن عطاء بن يسار قال حدثني صاحب الجارية وهي بلفظ: فمد النبي يده إليها مستفهما من في السمـاء؟ قالت الله... الحديث. أي دون أن يقول لها لفظ أين الله الذي يتشبث به المتعصبون مـن وهابية وغيرهم تبعا لشيخهم ابن تيمية لإثباتهم الحيز والجهة لله. وأوردها الذهبي في كتاب العلو وذكر سندها المزي في تحفة الأشراف.

قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تعليقه على السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل عند ذكر حديث الجارية ما نصه: وراوي هذا الحديث عن ابن الحكم هو عطاء بن يسار وقـد اختلفت ألفاظه فيه ففي لفظ له: فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهما مَن في السماء ... الحديث، فتكون المحادثة بالإشارة على أن اللفظ يكون ضائعا مع الخرساء الصماء فيكون اللفظ الذي أشار إليه الناظم والمؤلف لفظ أحد الرواة على حسب فهمه لا لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل دون الاعتقاد حيث اشتمل على تشميت العاطس في الصلاة ومنع النـبي صـلى الله عليه وسلم عن ذلك ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الأفعال ما يتعلق بتشميت العاطس من هذا الحديث مقتصرا عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء وبدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث.اهـ

وقال الإمام النووي في شرحه على مسلم ما نصه: قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان:ـ
أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شئ وتنـزيهه عن سمات المخلوقات.
والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين.اهـ

وقال الحافظ أبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي في كتابه المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ما نصه: وقوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله هذا السؤال من النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يُظهر منها ما يدلُ على أنها ليست ممن يعبُدُ الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك وكأنها قالت إن الله ليس من جنس ما يكون في الأرض. وأين ظرف يسأل به عن المكان كما أن متى ظرف يُسأل به عن الزمان وهو مبنيٌ لما تضمنه من حرف الاستفهام وحُرّك لالتقاء الساكنين وخُصَّ بالفتح تخفيفا وهو خبرُ المبتدأ الواقع بعده وهو لا يصحُّ إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منـزه عن المكان كما هو منـزه عن الزمان بل هو خالق الزمان والمكان ولم يـزل موجودا ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان. ولو كان قابلا للمكان لكان مُختصا به ويحتاج إلى مخصص ولكان فيه إما متحركا وإما ساكنا وهما أمران حادثان وما يتصف بالحوادث حادث على ما يُبسط القول فيه في علم الكلام ولَمَا صَدَقَ قوله تعالى: {ليس كمثله شئ} إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها والممكنات في إمكانها وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسُّع والمجاز. وقال أيضا: وقيل في تأويل هذا الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم سألها بأين عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى وعظمته التي بها باين كلَّ مَن نُسبت إليه الإلهية وهذا كما يقال: أين الثريا من الثرا ؟! والبصر من العمى؟! أي بعُدَ ما بينهما واختصت الثريا والبصر بالشرف والرفعة على هذا يكون قولها في السماء أي في غاية العلو والرفعة وهذا كما يقال: فلان في السماء ومناط الثريا. وهذا كما قال:
وإن بني عَوفٍ كما قد علمتم مناطُ الثُريّا قد تعالت نُجومها
أقول هذا والله ورسوله أعلم؛ والتسليم أسلم.اهـ
وقال الرازي أيضا في كتابه أساس التقديس: إن لفظ أين كما يجعل سؤالا عن المكان فقد يجعل سؤالا عن المنـزلة والدرجة يقال أين فلان من فلان فلعل السؤال كان عن المنـزلة وأشار بها إلى السماء أي هو رفيع القدر جدا.اهـ
وصفوة القول أن المتشابهات لا تؤخذ بظواهرها، وللعلماء فيها مسلكان فالسلف منهم يؤولونها تأويلا إجماليا بالإيمان بها واعتقاد أن لها معنى يليق بجلال الله وعظمته ولم يعينوا ذلك المعنى بل فوضوه إلى الله تعالى وتبارك. والخلف يؤولونها تفصيلا بتعيين معانيها بما تفهمه لغة العرب ويصرفونها عن ظاهرها أيضا كالسلف، ومذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم ولا يُصار إلى مذهب الخلف إلا عند الخوف من تَزَلْزُلِ العقيدة وخشية التشبيه ثم إن حديث الجارية قد حكم غير واحد بضعفه قال الحافظ البيهقي في كتابه الأسماء والصفات بعد أن ذكر الحديث بلفظ: أين الله؟ وهـذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الأوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى ابن أبي كثير دون قصة الجارية وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه وقد ذكرت في كتاب الظهار مـن السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث.اهـ
وكلام البيهقي هذا فيه الرد الشافي على ما ادعاه المـشبه ناصر الدين الألباني حيث بتر كلام البيهقي وقلبه رأسا على عقب في تعليقه على كتاب مختصر العلو للذهبي حيث قال: والبيهقي في الأسماء والصفات قال عقبه وهذا صحيح قد أخرجه مسلم. ليوهم القارئ أن البيهقي صحح حديث الجارية بلفظ أين الله، والبيهقي كما ترون من كلامه يُصرح بأن قصة الجارية اختلف الرواة في ألفاظها وهذا إشارة منه إلى اضطراب الحديث بقولـه: وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه وقد ذكرت في كتاب الظهار مـن السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث. وقال الشيخ محمـد زاهـد الكوثري في تعليقه على الأسماء والصفات: وقصة الجارية مذكورة فيما بأيدينا من نسخ مسلم لعلها زيدت فيما بعد إتماما للحديث أو كانت نسخة المصنف ناقصة وقد أشار المصنف ـ أي البيهقي ـ إلى اضطراب الحديث بقوله: وقد ذكرت في كتاب الظهار مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث.اهـ
وقد أشار الحافظ ابن حجر أيضا في كتابه التلخيص الحبير بعد أن ذكر روايات الـحديـث إلى اضطرابه بقوله: وفي اللفظ مخالفة كثيرة. وكذلك أشار الإمام البزار إلى اضطراب الـحديث أيضا في مسنده فقال بعد أن روى الحديث: وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة.وقد قال المحدث عبد الله بن صديق الغماري في تعليقه على كتاب التمهيد لابن عبد البر عن لفظ: أين الله ما نصه: رواه مسلم وأبو داود والنسائي وقد تصرف الرواة في ألفاظه فروي بهذا اللفظ كما هنا وبلفظ: من ربك؟ قالت: الله ربي، وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، وقد استوعب تلك الألفاظ بأسانيدها الحافظ البيهقي في السنن الكبرى بـحيـث يجزم الواقف عليها أن اللفظ المذكور هنا مروي بالمعنى حسب فهم الراوي.اهـ

وأما الحديـث المضطرب هو ما روي من وجوه مختلفة فقد قال الحافظ النووي في التقريب معرفا للحديث المضطرب ما نصه: المضطرب هو الذي يُروى على أوجه مختلفة متقاربة فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها أو كثرة صحبته للمروي عنه أو غير ذلك فالحكم للراجحة ولا يكون مضطربا والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعاره بعدم الضبط ويقع في الإسناد تارة وفي المتن أخرى وفيهما من راو أو جماعة. اهـ وقال الحافظ ابن دقيق العيد في الاقتراح: المضطرب هو ما روي من وجوه مختلفة وهو أحد أسباب التعليل عندهم وموجبات الضعف للحديث.اهـ
وقال ابن الصلاح في علوم الحديث: المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه ءاخر مخالف له وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة فالحكم للراجحة ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب ولا له حكمه، ثم قد يقع الاضطراب في متن الحديث وقد يقع في الاسناد وقد يقع من راو واحد وقد يقع بين رواة له جماعة. والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط.اهـ

فقد ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ: أين الله وهي رواية ضعيفة وأن الرواية الصحيحة رواية ابن الجارود التي جاء فيها: أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت: نعم، قال: أتشـهدين أني رسول الله قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت: نعم، قال: أعتقها. وهذا معناه أنها كانت تتشهد قبلا ويدل على ما تقدم الإجماع على أنه لا يحكم لمن قال الله في السماء بالدخول في الإسلام والحديث المتواتر: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. وأما من قال بصحة حديث الجارية فإنهم حملوا لفظة: أين الله على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية عند المؤولين من المتشابه ففيه التشابه من وجهين أحدهما قولها في السماء وهذا تأويله كما في قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء} فمعنى قولها في السماء العلو والارتفاع وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث،و الوجه الثاني: قولـه صلى الله عليه وسلم لها: أين الله؟ فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عنه بأين فقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح: فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث.
قال الحافظ أبو سليمان الخطابي في شرحه على أبي داود ما نصه: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: أعتقها فإنها مؤمنة ولم يكن ظهر لـه من إيمانها أكثر من قولـه حين سألها أيـن الله فقالت: في السماء وسألها من أنا فقالت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا السؤال عن أمارة الإيمان وسمة أهله وليس بسؤال عن أصل الإيمان وصفة حقيقته ولو أن كافرا يريد الانتقال من الكفر إلى دين الإسلام فوصف من الإيمان هذا القدر الذي تكلمت به الجارية لم يصر به مسلما حتى يشهد أن لا إلـه إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويـتـبرى من دينه الذي كان يعتقده، وإنما هذا كرجل وامرأة يوجدان في بيت فيقال للرجل من هذه منك فيقول زوجتي وتصدقه المرأة فإنا نصدقهما في قولهما ولا نكشف عن أمرهما ولا نطالبهما بشرائط عقد الزوجية حتى إذا جاءانا وهما أجنبيان يريدان ابتداء عقد النكاح بينهما فإنا نطالبهما حينئذ بشرائط عقد الزوجية من إحضار الولي والشهود وتسمية المهر كذلك الكافر إذا عرض عليه الإسلام لم يقتصر منه على أن يقول إني مسلم حتى يصف الإيمان بكماله وشرائطه وإذا جاءنا من نجهل حاله بالكفر والإيمان فقال إني مسلم قبلناه وكذلك إذا رأينا عليه أمارة المسلمين من هيئة وشارة ونحوهما حكمنا بإسلامه إلى أن يظهر لنا منه خلاف ذلك.اهـ
ولأبي القاسم السهيلي على هذا الحديث كلام نفيس ومن كلامه فيما نقله الشيخ محمد الشنقيطي في كتابه استحالة المعية بالذات ما نصه: السؤال بأين ينقسم إلى ثلاثة أقسام اثنان جائزان وواحد لا يجوز:ـ
الأول: على جهة الاختبار للمسؤول ليعرف مكانه من العلم والإيمان كسؤاله عليه الصلاة والسلام للأمة.
والثاني: السؤال عن مستقر ملكوت الله تعالى وموضع سلطانه كعرشه وكرسيه وملائكته.
والثالث: السؤال بأين عن ذات الرب سبحانه وتعالى وهذا سؤال فاسد لا يجوز ولا يجاب عنه سائله، وإنما سبيل المسؤول عنه أن يبين له فساد سؤاله كما قال سيدنا علي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه حين سئل: أين الله؟ فقال: الذي أين الأين لا يقال فيه أيـن. فبين للسائل فساد سؤاله بأن الأينية مخلوقة والذي خلقها لا محالة قد كان قبل أن يخلقها ولا أينية له وصفات نفسه لا تتغير فهو بعد أن خلق الأينية على ما كان قبل أن يخلقها، وإنما مثل هذا السائل كمن سأل عن لون العلم أو طعم الظن أو الشك فيقال له من عرف حقيقة العلم أو الظن ثم سأل هذا السؤال فهو متناقض لأن اللون والطعم من صفات الأجسام وقد سألت عن غير جسم فسؤالك فاسد محال لتناقضه.اهـ

وفي كتاب إشارات المرام للإمام البياضي ممزوجا بالمتن: ولا يتطرق إليه سمات الـحدوث والفناء كما أشار إليه بقوله فيه [وعليه] أي يُخرّج على أنه يدعى من أعلى ويوصف بنعوت الجلال وصفات الكبرياء [ما روي في الحديث أن رجلا] وهو عمرو بن الشريد كما رواه أبو هريرة وعبد الله بن رواحة كما بيّنه الإمام في مسنده بتخريج الحارثي وطلحة والبلخلي والخوارزمي [أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال: وجب علي عتق رقبة مؤمنة] قال: إن أمي هلكت وأمرت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة ولا أملك إلا هذه وهي جارية سوداء أعجمية لا تدري ما الصلاة أفتجزيني هذه؟ عما لزم بالوصية كما في مصنف الحافظ عبد الرزاق وليس في الروايات الصحيحة أنها كانت خرساء كما قيل [فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أمؤمنة أنت؟ قالت نعم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أين الله؟] سائلا عن المنزلة والعلو على العباد علوّ القهر والغلبة، ومشيرا أنه إذا دعاه العباد استقبلوا السماء دون ظاهره من الجهة، لكن لما كان التنـزيه عن الجهة مما يقصر عنه عقول العامة فضلا عن النساء حتى يكاد يجزم بنفي ما ليس في الجهة، كان الأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرا في الجهة كما في شرح المقاصد، [فأشارت إلى السماء] إشارة إلى أعلى المنازل كما يقال فلان في السماء أي رفيع القدر جدا كما في التقديس للرازي [فقال: أعتقها فإنها مؤمنة]. ثم قال: [فأشار إلى الجواب بأن السؤال والتقرير لا يدلان على المكان بالجهة لمنع البراهين اليقينية عن حقيقة الأينية]. ثم قال البياضي:ـ
الرابعة: أنه عليه الصلاة والسلام أراد امتحانها هل تُقرُّ بأن الخالق الفعال المتعالي هو الله الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما دل السؤال والتقرير كما في شرح مسلم للنووي، وإليه أشار بترتيب التخريج أنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
الخامسة: أنها كانت أعجمية لا تقدر أن تفصح عما في ضميرها من اعتقاد التوحيد بالعبارة فتعرف بالإشارة أن معبودها إله السماء فإنهم كانوا يسمون الله إله السماء كما دل السؤال، والاكتفاء بتلك الإشارة كما في الكفاية لنور الدين البخاري.اهـ
وفي كتاب إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للإمام محمد بن خليفة الأُبي ما نصه: وقيل إنما سألها بأين عما تعتقده من عظمة الله تعالى، وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلاله في نفسها، فقد قال القاضي عياض لم يختلف المسلمون في تأويل ما يوهم أنه تعالى في السماء كقوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء}.اهـ ومثله في كتاب مكمل إكمال الإكمال شرح صحيح مسلم للإمام محمد السنوسي الحسني.

وفي كتاب استحالة المعية بالذات وما يضاهيها من متشابه الصفات للشيخ المحدث محمد الشنقيطي ما نصه: وقال المازري: وقيل وقع السؤال لها بأين لأجل أنه صلى الله عليه وسلم أراد السؤال عما تعتقده من جلالة البارئ وعظمته جل وعلا، فأشارت إلى السمـاء إخباراً عن جلالته سبحانه وتعالى في نفسها، لأنها قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين.اهـ

وقال الإمام الحجة أبو بكر بن فورك: إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ استعلام لمنـزلته وقدره عندها وفي قلبها وأشارت إلى السماء فدلت بإشارتها على أنه في السماء عندها على قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منـزلة فلان في السماء أي هو رفيع الشأن عظيم القدر كذلك قولها في السماء على طريق الإشارة إليها تنبيها عـن مكانته في قلبها ومعرفتها به وإنما أشارت إلى السماء لأنها كانت خرساء فدلت بإشارتها على مثل دلالة العبارة على نحو هذا المعنى وإذا كان كذلك لم يجز أن يحمل على غيره مما يقتضي الحد والتشبيه والتمكين في المكان والتكييف.اهـ

وقال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح سنن الترمذي: أين الله؟ والمراد بالسؤال بها عنه تعالى المكانة فإن المكان يستحيل عليه.اهـ

وقال الحافظ ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه بعد رواية حديث معاوية بن الحكم: قلت قد ثبت عند العلماء أن الله تعالى لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها.اهـ

وقال الباجي: لعلها تريد وصفه بالعلو وبذلك يوصف كل من شأنه العلو فيقال فلان في السماء بمعنى علو حاله ورفعته وشرفه.اهـ

وقال البيضاوي: لم يرد به السؤال عن مكانه فإنه منزه عنه والرسول أعلى من أن يسأل ذلك.اهـ
وقال الإمام الحجة تقي الدين السبكي في رده على نونية ابن القيم الجوزية المسمى بالسيف الصقيل: أما القول فقوله صلى الله عليه وسلم للجارية: أين الله؟ قالت في السماء وقد تكلم الناس عليه قديما وحديثا والكلام عليه معروف ولا يقبله ذهن هذا الرجل لأنه مشَّاء على بدعة لا يقبل غيرها.اهـ

قال الفخر الرازي: وأما عدم صحة الاحتجاج بحديث الجارية في إثبات المكان له تعالى فللبراهين القائمة في تنـزه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات، قال الله تعالى: {قل لمن ما في السموات والأرض قل لله} [الأنعام:12] وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك لله تعالى، وقال تعالى: {وله ما سكن في الليل والنهار} [الأنعام:13] وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى فهاتان الآيتان تدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنـزيه الله سبحانه عن المكان والزمان.اهـ

وقال الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي المفسر في كتاب التذكار في أفضل الأذكار: لأن كل من في السموات والأرض وما فيهما خلق الله تعالى وملك له وإذا كان كذلك يستحيل على الله أن يكون في السماء أو في الأرض إذ لو كان في شىء لكان محصورا أو محدودا ولو كان كذلك لكان محدثا وهذا مذهب أهل الحق والتحقيق وعلى هذه القاعدة قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء} وقوله عليه السلام للجارية: أين الله؟ قالت في السماء، ولم يُنكر عليها وما كان مثله ليس على ظاهره بل هو مؤول تأويلات صحيحة قد أبداها كثير من أهل العلم في كتبهم.اهـ

رضي الله عنهم ورحمهم واسكنهم فسيح جنانه ، آمين
والله أعلم