المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقالة تحتاج للنقاش



وائل سالم الحسني
15-09-2007, 02:26
هذه المقالة تحتاج للنقاش كي نستفيد ، هل يمكن لمن ينظر بعين واحدة أن يرى كما يرى الذي ينظر بإثنتين؟

وهل تستطيع الوهابية أن تتحدث عن المقاصد! ام ان حديثها فقط هو عن التجسيم وحسب؟

مقاصد الشريعة .. إعادة نظر

منصور بن تركي الهجلة 2/7/1428
16/07/2007



مصطلح علم المقاصد مصطلح حادث لم يكن مشتهراً كعلم، وإن كانت مباحثه معروفة منذ فجر تاريخ الإسلام ممارسةً وتحريراً وتدويناً، لذا أريد أن أستثني الإشكال الموجود عند بعضهم من نقد هذا التمييز لهذا العلم بشكل مستقل، وهو في الحقيقة علم تابع لعلم أصول الفقه الذي لا يزال يرزح تحت إطار التقليد والتكرار؛ إذ لم يتم التجديد في قضاياه ومسائله سوى من خلال نقد متفرق في طيات كتب بعض العلماء من أمثال الجويني والعز بن عبد السلام وابن تيمية والشاطبي وابن خلدون، وعلم المقاصد هو في الحقيقة عند تأمله وتوسيع النظر فيه علم ينتج بالنظر في علوم الوسائل التي من أهمها أصول الفقه الذي أرى وجوب إعادة النظر فيه بتوسيع بعض المسائل التي لم تُبحث جيداً، واختصار بعض المسائل الأخرى أو حذفها لعدم فائدتها، وفي هذه المعالجة العاجلة إشارة لبعض هذه المسائل علَّها تكون محل اهتمام ونظر من الباحثين في هذه العلوم الشريفة.
وألخص سب التخوف من علم المقاصد هنا في نقطة واحدة وموضوع كلي واحد هو بحد ذاته يحتاج إلى معالجة، بمعنى أن محور المعالجة في هذه الورقة هي سَبَبُ سَبَبِ التخوُّف من علم المقاصد، لكن في الجزئية المرتبطة به (أي بعلم المقاصد).
وهذه النقطة (أو القضية الكلية) هي ضعف مخرجات العلوم العقلية والعلوم النقلية عموماً، وضعف الإدراك العلمي البسيط بعلم المقاصد من حيث جذوره وعلاقته بمسائل العلوم الأخرى، مثل: الفلسفة والكلام، ومسائل أصول الفقه والتاريخ (أعني فلسفته) وغيرها.
لذا أرى أن قراءة واقعنا المعاصر تجاه فقه المقاصد يحتاج مني إلى استحضار أمرين: أمر تاريخي وأمر بُنْيوي كان لهما أكبر الأثر في ضعف مخرجات هذا العلم في تاريخنا الفقهي الوسيط والحديث ..
الحقيقة الأولى: هي الحقيقة التاريخية والمقصود بها تأثير التاريخ طردياً أو عكسياً في غلق نظرية المقاصد أو تحديدها بإطارات ضيقة أو العكس بفتح نظرية المقاصد بما لا يحفظ للشريعة وجود.
والحقيقة الثانية: هي الحقيقة البُنْيوية والمقصود بها أصول المقولات الفلسفية والكلامية التي أثرت بدورها في غلق نظرية المقاصد أو تحديدها بإطارات ضيقة أو العكس بفتح نظرية المقاصد بما لا يحفظ للشريعة وجود.
الحقيقة التاريخية
عند دراسة التاريخ الإسلامي وتطور موضوع التشريع فيه وانفصال وصف العالم بالشريعة عن الإمام والخليفة، وما حصل من نزاعات سياسية حول السلطة وظهور بعض المذاهب الإسلامية بناء على أسباب بنيوية (ليس هذا محل بحثها) وتطور بعضها بناءً على مؤثرات سياسية، وكل ذلك أثر بدوره في تشكيل موضوع المرجعية وكيفية صياغة ما يحفظ استمرارية التشريع بعد ختم النبوة، وذلك بوضع الآليات التي تحفظ سلطة نص التشريع الإسلامي (الكلي أو الجزئي) أو سلطة طائفة معينة أو فريق معين أو الادّعاء بمعصومية إمام معين كما هو عند الشيعة.
وعند النظر على المستوى السني نرى أن الإمام الشافعي -رحمه الله- قام بتأليف كتابه "الرسالة"، وحصر مرجعية التشريع في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقبل الشافعي لم يكن يختلف المسلمون في مرجعية الكتاب والسنة الصحيحة، إلا أن الاختلاف دب قبل وبعد الشافعي في موضوع الإجماع والقياس، فاتفقوا ضمناً أن هناك قطعيات في الدين مجمعين عليها بناءً على نصوص الكتاب والسنة، إلا أنهم اختلفوا في ادّعاء الإجماع فيما ليس به نص أو الإجماع بعد عصر الصحابة، وغيرها من الخلافات التي ليس هذا محلها.
أما موضوع القياس وهو موضوع حديثنا المرتبط بالمقاصد فإني أزعم أنه التبس على الكثيرين بعد الشافعي إلى عصرنا هذا؛ لأن الشافعي لم يحدد تعريفاً للقياس وفق ما حدّده من بعده من توضيح الكلي والجزئي منه، وماهو المعمول به في التشريع، والشافعي في كتابه قام بعرض القياس على أنه دليل خادم، وليس على أنه دليل أصيل؛ إذ يُطلق عليه لفظ الاجتهاد أحياناً، فمرجع كون القياس دليلاً هو علة الأصل الذي هو النص الشرعي، وبعد ابتكار الشافعي لمصطلح القياس الذي هو في الحقيقة منتج عقلي محض قورن في التنزيل مع الكتاب، وسُمّي بالميزان تارة، وبالحُكْم أخرى حصر الأصوليون من بعده مفهوم القياس في قياس التمثيل (قياس المعين على المعين).
وبهذا أصبحت نظرية المقاصد محكوماً عليها بالاختناق – ربما - حتى الموت، فالمقاصد أيضاً هي أدلة يُحتجّ بها؛ إذ هي الميزان وهي الحُكم المقارنة للكتاب كما في قوله سبحانه:(اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ...).[الشورى: من الآية17]، وقوله سبحانه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ(النقل) وَالْمِيزَانَ) (العقل المسدَّد) لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (العدل الذي عرفناه من النصوص والذي طُلِب منا أن نعرفه بالسعي في الأرض والتدبر والتأمل) [الحديد:25]. وقوله سبحانه:(ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب(النقل) والحُكم(العقل المسدَّد) والنبوة(الكمال والعصمة الجامعة بين الأمرين) ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربّانيّين (بعد ختم النبوة بالتربية على الأصلين) بما كنتم تعلمون الكتاب (بتوسط النقل) وبما كنتم تدرسون (بتوسط العقل))، وقوله سبحانه:(ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحُكْم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء (بالأدلة النقلية والعقلية ومدلولاتهما) فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين) (فالتنزيل تذكير للفطرة الناسية أو المنحرفة).
عندها نتساءل عن مكان المقاصد من مصادر التشريع، فلو قيل: هي ترجع للقياس قيل بأن القياس حصر بالتمثيلي منه، وإن قيل مرجعه للنص قيل هو لا يختلف عن القياس؛ لأن مرجعه للنص، لا يهمني هنا عند شرح الحقيقة التاريخة سوى العلم بأن التاريخ أثَّر بدوره في تدوين ما يُراد منه حفظ مرجعية التشريع في مصطلحات حديثة مثل القياس وغيره.
ثم إننا نجد في بعض الحوادث والوقائع في عصور الدولة الأموية والعباسية وعهد البويهيين والسلاجقةِ، ومن بعدهم كيف استخدموا باب المقاصد ليتجاوزا به النص الشرعي، وهو ما سُمّي وقتها بالسياسية - وهي جزء مما يخص علم المقاصد؛ لأنها تقوم على المصالح -، حتى قال ابن عقيل وابن الجوزي وابن تيمية: إن السياسة غلبت على الشريعة، وكان لهذا بلا شك أثر عكسي في تضييق باب نظرية المقاصد ومحاولة إيصادها قدر المستطاع أو تخفيفها بمثل نظرية القياس التمثيلي.
وهذا هو الواقع الذي نلامسه الآن حيث يتمالك موضوع المقاصد أمران تاريخيان أثّر بدورهما في التطرف المعاصر من الموقف من نظرية المقاصد:
الأول: المبالغة في الدعوة إلى تتبع سنن الغرب وتقليده في الحضارة والتقدم، من التيار العلماني التغريبي.
الثاني: المبالغة في الخوف على الهُوِيَّة الإسلامية من رياح التغريب والدعوة لبقاء ما كان على ما كان رغبةً في عدم التغيير ورضا بالواقع، من التيار الديني التقليدي.
وكلا الأمرين ناتجين من تيارين تقليديين مؤدلجين كان لهما الأثر في اتخاذ موقف مضاد من الآخر ساهم في ضعف المقاربات لنظرية المقاصد.
الحقيقة البنيوية
المقصود بها أصول المقولات الفلسفية والكلامية التي أثّرت بدورها في غلق نظرية المقاصد أو تحديدها بإطارات ضيقة أو فتح نظرية المقاصد بما لا يحفظ للشريعة وجود.
وعند الحديث عن هذا الموضوع فإنه يتطلب تحريره وتحقيقه صفحات، وليست صفحة واحد، لكن لا بد من الإشارة، وليأخذ القارئ ما يستوعبه منها بقدره.
لا شك أن مقولات علوم الفلسفة والكلام كان لهما آثارهما الكثيرة من المسائل، ومن آثارهما ما يرتبط بأصول الفقه ونظرية القياس والمقاصد بشكل خاص، لذا سأعرض لقضيتين: إحداهما من علم الفلسفة والأخرى من علم الكلام.
الأولى: قضية (الكلي) من حيث منزلته بين الاسمية والواقعية، وتعني قضية الكلي ومسألة وجوده: وهل هو موجود في الخارج أو في الذهن؟ وما يرتبط به من مسألة الماهية والوجود، ثم ما يتفرع عنها من مسألة التصور والتصديق في علم المنطق؛ إذ يقوم التصور على مسألة الحد، والتصديق على مسألة القياس، ولما كان فلاسفة اليونان كأفلاطون وأرسطو ذاهبين إلى واقعية الكلي ووجوده في الخارج، وكان لموضوع واقعية الكلي الفلسفية بالغ الأثر في مقولات الفلاسفة في الإلهيات وما تأثر به من علوم كعلم الكلام وعلم المنطق الذي دخل بدوره في العقيدة وأصول الفقه، وقد أشار ابن تيمية في جل كتبه "كالرد على المنطقيين" و"الدرء" وغيرها من الرسائل إلى قضية الماهية والوجود، وهل الكليات موجودة في الخارج أو هي مقدرة في الذهن، وقد ذكر ابن تيمية أهمية ومركزية هذا الموضوع حيث يقول: " فالعلوم الأولية البديهية العقلية المحضة ليست إلاّ فى المقدرات الذهنية كالعدد والمقدار لا فى الأمور الخارجية الموجودة، فإذا كانت مواد القياس البرهاني لا يُدرك بعامتها إلاّ أمور معينة ليست كلية، وهي الحس الباطن والظاهر والتواتر والتجربة والحدس، والذي يدرك الكليات البديهية الأولية إنما يدرك أموراً مقدرة ذهنية لم يكن فى مبادئ البرهان ومقدماته المذكورة ما يعلم به قضية كلية عامة للأمور الموجودة فى الخارج، والقياس لا يفيد العلم إلاّ بواسطة قضية كلية فامتنع حينئذ أن يكون فيما ذكروه من صورة القياس ومادته حصول علم يقيني وهذا بَيِّنٌ لمن تأمَّلَهُ وبتحريره وجَوْدَةِ تصوُّره تنفتح علوم عظيمة ومعارف، وسنبين إن شاء الله من أيِّ وجه وقع عليهم اللبس فتدبر هذا فإنه من أسرار عظائم العلوم التى يظهر لك به ما يَجِلُّ عن الوصف من الفرق بين الطريقة الفطرية العقلية السمعية الشرعية الإيمانية وبين الطريقة القياسية المنطقية الكلامية) (1).
ولا شك أن مقولة واقعية الكلي أثرت في التراث المسيحي المحرف والتراث الفلسفي الحديث المنبني حقيقة عليه، كما يجعله هيجل بداية أو بذرة الإصلاح والتنوير؛ إذ جعل حلول المطلق في المعين (الحلول المسيحي) مرحلة للحلول المطلق (الحداثة الجرمانية)، بحيث كان لها أكبر الأثر في صياغة النظر للعالم والكون والإنسان التي هي موضوع علم المقاصد.
وأوضح مثال للعلاقة في النظر للإنسان في مذاهب العلمانية في تشييء الإنسان وجعله شيئاً لا يختلف عن أيٍّ من أشياء الطبيعة بسبب النظر لموضوع الكلي ووجوده في الخارج، بينما الحق هو أن الكلي مجرد اسم ( لذلك سُمّي بالمذهب الاسمي) لا يوجد في الخارج بل هو في الذهن، طبعاً هذه القضية تطوّرت حتى في النظر لحقوق الإنسان (وما يُسمّى بالحق الطبيعي- المذاهب الطبيعية في حقوق الإنسان)، وقد حرر موضوع الكلي ومنزلته بشكل لا مثيل له الفيلسوف الدكتور أبو يعرب المرزوقي، كما في كتابه "إصلاح الفلسفة العربية"، وكتاب "تجليات الفلسفة العربية"، وأشار عبد الوهاب المسيري إلى موضوع الكلي عند حديثه عن العلمانية في موسوعته "الصهيونية"، وفي كتابه "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ".
لذا كان من المهم إيجاد دراسات متعمقة تدرس الأسباب البنيوية للفكر الغربي الحديث، وتحلل وتنقد من يريد من علم المقاصد أن يخدم مواقفه وآراءه العلمانية تجاه الإنسان والكون.
الثانية: قضية (الحدوث)، هذه القضية تُسمّى في علم الكلام بدليل الحدوث، والمقصود بها دليل إثبات الصانع (الخالق)، وإثبات حدوث العالم عن طريق النظر في الأعراض والحوادث التي وُجدت بعد أن لم تكن، وهذه القضية ترتبط بموضوع الكلي السابق ذكرها؛ لأن دليل الأعراض يقوم على مصطلحات لغوية تتضمن القدر المشترك الكلي، وتتضمن القدر الجزئي المعين لذا قال ابن تيمية: "ومنشأ ضلال هؤلاء كلهم أنهم يأخذون القدر المشترك بين الأعيان، وهو الجنس اللغوي، فيجدونه واحداً في الذهن، فيظنون أن ذلك هو وحدة عينية، ولا يميزون بين الواحد بالجنس، والواحد بالعين، وأن الجنس العام المشترك لا وجود له في الخارج، وإنما يوجد في الأعيان المتميزة" (2).
وصَكَّ أوائل المتكلمين وهم المعتزلة دليل الأعراض (أو الحدوث) وقالوا: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث – في دليل طويل هذا ملخصه - ، وممن تأثر بهم أئمة الأشاعرة كابن كلاب وأبو الحسن الأشعري، وكان أبو الحسن معتزلياً ثم تغيَّر وبدل آراءه ليكون ممن ينتمون إلى السنة، وقال بإثبات الصفات العقلية والخبرية لله سبحانه، إلا أنه نفى قيام الصفات الفعلية بالله تأثراً بدليل الحدوث، وهو الذي عليه مذهبه في رسائله الأخيرة، ومن ضمنها الإبانة ورسائله لأهل الثغر.
طبعا أثر دليل الأعراض، أو ما يُسمّى بدليل الحدوث في إثبات التعليل لأفعال الله التي منها كلامه الشرعي التي تصدر منها الأحكام الشرعية، بحجة نفي الغرض عن الله لحدوثه واقتضائه النقص، والله منزّه عنه كما قال شيوخ الأشاعرة، لذا قالوا في باب القياس: العلة غير مؤثرة في الحكم بل هي معرفة ومرشدة، وقالوا بنفي التحسين والتقبيح العقليين، وذهبوا إلى تضييق الخناق على المصالح المرسلة وحصرها في القطعي الكلي الضروري، كما ذهب إلى ذلك الغزالي ووافقه صاحب روضة الناظر ابن قدامة الحنبلي.
كل هذا أثّر بدوره في تطوير نظرية علم المقاصد في العالم الإسلامي مع وجود وبزوغ أئمة في هذا الباب إلاّ أن كثيراً من المحاولات تعود إلى الوراء، وأهم شخصيات هذا العلم: مثل الجويني، والغزالي مع خلافنا معه في بعض القضايا إلاّ أنه عبقري يدرك أبعاد المسائل، ومع ذلك لم يتوصل إلى غاية الحل، ومثل العز بن عبد السلام، وابن تيمية، والطوفي، وابن خلدون، والشاطبي، والطاهر بن عاشور وغيرهم.
إن تأثر بعض أهل العلم غير المُدرك بالفقه الأشعري الابتلائي بسبب مقولاتهم في أصول الفقه كان ظاهراً، مما أدّى للاهتمام بظاهر النص دون علته وتأثيرها، ونفي أو التقليل من شأن اعتبار الكليات ودليليتها وحجيتها بسبب تضييق مفهوم القياس في التمثيلي دون الشمولي، وأيضا بسبب القول بالاعتبار النصي العيني في مسألة المصالح المرسلة، وتضييق الخناق على المصالح إلاّ في حدود المصلحة الكلية والضرورية والقطعية، وشن حملة على الشيخ المقاصدي تلميذ ابن تيمية الأصولي الفقيه الطوفي في رأيه في محورية المصلحة في التشريع في باب المعاملات تقليداً لنقد أبي زهرة له، والمعلوم تأثر الأخير بالأشاعرة في المسائل التي ذكرناها، مع أن مقولات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في المصالح أبلغ من الطوفي، ومن ذلك أيضاً توسيع نطاق سد الذرائع بحجة قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وهي قاعدة غير صحيحة بل مرجوحة لم تظهر إلا متأخرة، وسبب قولي هذا هو أن المصالح والمفاسد عند التساوي اختلف العلماء فيها: منهم من ذهب لعدم إمكان التساوي أصلاً كابن القيم والصحيح إمكانه في ذهن المجتهد فحسب، ومنهم من توقف، ومنهم من قال نرجع للأصل، فما الأصل فيه التوقيف ندرأ، وما الأصل فيه الإباحة نجلب، والقلة القليلة هي التي ذهبت للدرء.
وأريد أن أختم هذه المعالجة بالإشارة إلى محورية فقه المصلحة بالنسبة لعلم المقاصد، لكن مع ذلك لا بد من ضبط المصلحة بشرطين: هما البديل الذين نجدها منصوصاً عليها في الكتاب والسنة بعد ختم النبوة:
1- ضرورة تقييد إطار المصلحة بكليات الإسلام في أحكامه وأخلاقه وقيمه التي جاء الإسلام بالتربية عليها.
2- ضرورة صدور التشريع بالمصلحة المرتبط بعموم الأمة عبر الاجتهاد الجماعي من ممثلي الأمة من مجتهدي الفن محل الاجتهاد، والذي يبرز عن طريق مؤسسات ممثلة للأمة، ولا يكون ذلك بالاجتهاد الفردي أو الاجتهاد الجماعي المعين من سلطة معينة.
وهذان الشرطان نجدهما ظاهرين في سورة العصر:(وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، وفي قوله سبحانه:(وأمرهم شورى بينهم)، وفي قوله سبحانه:(ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) قال الطبري: "وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين أنهم جمع رباني، وأن الرباني المنسوب إلى الربان الذي يرب الناس، وهو الذي يصلح أمورهم و يربها ويقوم بها ومنه قول علقمة بن عبدة:

وكنتُ امرأ أفضتْ إليك ربابتي *** وقبلك ربَّتني فضعت ربوب

يعني بقوله : ربتني: ولي أمري، والقيام به قبلك من يربه، ويصلحه فلم يصلحوه ولكنهم أضاعوني فضعت، يُقال منه: رب أمري فلان فهو يربُّه ربَّا وهو رابُّه فإذا أريد به المبالغة في مدحه قيل: هو ربان.... فـالربّانيون إذاً هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار؛ لأن الأحبار هم العلماء و الربَّاني الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم"(3)، فالربانيون هم من يلتزمون بكليات الشريعة وجزئياتها نظراً وعملاً، ولا يشرعون بالمصلحة إلا وفقها، وهم في نفس الوقت جمع، وليسوا مجرد أفراد معينين يجوز عليهم الانحراف والفساد.
ختاماً أقول: إن في إشاراتي السابقة إنارة وإضاءة للمختصين في البحث في كل ذلك ومراجعته ونقده لعلنا نصل إلى فقه مقاصدي شرعي يتسق مع الشريعة بكلياتها وجزئياتها، ويعالج قضايا عصرنا دون خوف أو قلق أو ارتهان.



-----------------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (9/72-73).
(2) درء التعارض (2/241).
(3) تفسير الطبري (3/222).

وائل سالم الحسني
15-09-2007, 20:03
علم تابع لعلم أصول الفقه الذي لا يزال يرزح تحت إطار التقليد والتكرار

لايعني تجديد او اضافة أصل من أصول الفقه نسف الأصول الأخرى التي يدعي الكاتب بأنها مكررة.


أصول الفقه الذي أرى وجوب إعادة النظر فيه بتوسيع بعض المسائل التي لم تُبحث جيداً، واختصار بعض المسائل الأخرى أو حذفها لعدم فائدتها، وفي هذه المعالجة العاجلة إشارة لبعض هذه المسائل علَّها تكون محل اهتمام ونظر من الباحثين في هذه العلوم الشريفة
لو جاء الكاتب بأمثلة لعرف أن الذي سطّره هنا لايمت للدقّة بصلة ، اذ لوكان هناك مسألة لم يبحثها الفقه جيدا لكان من الأوجب بحثها بتوسع أفضل من حذفها لعدم فائدتها ، وقد تكون فعلا غير مفيدة للكاتب نفسه ، ومفيدة كل الفائدة لغيره ، فكيف سيرد على هذا!


الحقيقة الأولى: هي الحقيقة التاريخية والمقصود بها تأثير التاريخ طردياً أو عكسياً في غلق نظرية المقاصد أو تحديدها بإطارات ضيقة أو العكس بفتح نظرية المقاصد بما لا يحفظ للشريعة وجود.
التاريخ يسدعى فقط للشهادة ، ولا يؤثر التاريخ على أي من المقاصد أو الأصول في شيئ ، مثلا لم يغلق التاريخ بابه في وجه من اراد استنباط قواعدا فقهيه لم يصل اليها الفقهاء الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة الى يومنا هذا ، بل نستدل بالتاريخ على أنه لم يصل فقيه لأن يؤسس مذهبا متبوعا غير المذاهب الأربعة ، ونقول التاريخ خير شاهد على أنه لاوجود لمذهب خامس او سادس او تاسع من المذاهب الفقهية ولها اتباع كالتي للمذاهب الأربعة. فأين اغلق التاريخ بابه!!