المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابن حبيب المالكي الطعون … والرد عليها



محمود شمس الدين الخزاعي
29-08-2007, 01:04
كل من يطلع على سيرة الإمام ابن حبيب المالكي -رحمه الله تعالى- يعرف بأنه لم يدع مجالا لأحد أن يطعن في شخصيته أو علمه، فكان –عليه الرحمة- عالما فقيها شاعرا زاهدا ورعا عابدا ذا همة عالية .
بيد أن الكمال لا يكون إلا لله تعالى، فدخلوا عليه من مدخل الحديث، فطُعِنَ في علمه فيه وضبطه وحفظه، أنه لم يكن له علم بالحديث حتى قيل عنه فيه أنه " لم يفرق بين صحيحه من سقيمه " .
قال ابن الفرضي (ولم يكن لعبد الملك بن حبيب علم بالحديث ولا كان يعرف صحيحه من سقيمه وذكر عنه انه كان يتساهل ويحمل على سبيل الإجازة أكثر روايته) [1].
قال واخبرنا عبد الله الشغري قال سالت بن مسره عن قول ابن وضاح في ابن حبيب فقال ما قلت فيه خيرا ولا شرا إلا انه قال لم يسمع من أحد [2].
وقد دافع عن هذه الطعون العلماء والشعراء ممن لا يأتي بدليل على ما ذكره وكان لابن حبيب قاروة قد أذاب فيها البان والعسل يشرب منها كل غداة على الريق للحفظ [3].
ثم إن ابن حبيب هو أول من اظهر الحديث بالأندلس[4] فإذا وقع خطأ أو صدرت منه هفوة … لا يعني هذا أن يكون سببا للطعن فيه طعنا جارحا كعبارة كذاب أو ساقط … التي قالها ابن حزم وابن عبد البر
ففي غير موضع واحد من المحلى تجد تعنيفات لابن حزم على ابن حبيب المالكي في الحديث -رحمهما الله تعالى-، فقد قال فيه: ((عبد الملك بن حبيب هالك))، وقال: ((قال أبو محمد: هذا كله باطل ، وابن حبيب متروك ثم هو عن ابن عمر بلاغ كاذب ... ))، وقال: ((ابن حبيب ساقط))، وقال: ((عبد الملك هالك)) وقال غير ذلك [5].
فعالم بمنزلة ابن حبيب ينبغي أن لا يجرح بمثل هذا التجريح .. ورحم الله الإمام الذهبي حين قال رداً على من رماه بالكذب ((الرجل أجل من ذلك لكنه يغلط)) وقال عنه الفقيه الكبير عالم الأندلس [6].
ولعل الحسد هو العلة الرئيسة في هذه الانتقادات التي تأتي عليه، قال بعضهم كان الفقهاء يحسدون عبد الملك لتقدمه عليهم بعلوم لم يكونوا يعلمونها ولا يشرعون فيها.
وكما قال الشاعر :
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائب الحسناء قلن لوجهها حسدا وبغيا انه لدميم
يكفي اللبيب مشتما لم يحترم شيم الرجال وعرضه مشتوم [7]

وقد طعنوا فيه أنه يأخذ بالرخصة في السماع ، فقد حكى ابن الفرضي أنه ذكر أن ابن حبيب كان يأخذ بالرخصة في السماع -أي الغناء- وأن له جوارٍ يُسْمِعْنَهُ ، وهو أمر معارض بما سيأتي عن ابن حزم في محلاه.
قال القاضي أبو الفضل –رضي الله عنه-:
الأشبه بطلان هذه الحكاية لعدة وجوه :
أولاً : ابن حبيب ألف كتابا في كراهية الغناء .
ثانيا : ابن حبيب عرف عنه الزهد والورع والعبادة والانقطاع للعلم ولم يكن له وقتا حتى يسمع الجواري ولم يكن له المال حتى ينفق عليهن.
قال ابن أبي مريم كان ابن حبيب عندنا نازلا مصر وما كنت رأيت أدوم منه على الكتاب .
بل روى ابن حزم عنه ما نصه: ((ومن طريق عبد الملك بن حبيب الأندلسي عن عبد العزيز الأويسي عن إسماعيل بن عياش عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل تعليم المغنيات ولا شراؤهن ولا بيعهن لا اتخاذهن وثمنهن حرام وقد أنزل الله ذلك في كتابه ((ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم)) [لقمان: 6] والذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته بالغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما صدره وظهره حتى يسكت، ومن طريق ابن حبيب أيضا نا ابن معبد عن موسى بن أعين عن القاسم عن عبد الرحمن عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله حرم تعليم المغنيات وشراءهن وبيعهن وأكل أثمانهن))[8].
إذا هذا كل ما خص به وتبين إنها لم تكن إلا من باب الحسد فهذا الرجل الذي ذاع صيته وعلا شأنه في الآفاق وازدحم على درسه الطلاب وألف في جميع المعارف والعلوم رحمه الله [9].
== == == == == == == == ==
[1] تاريخ علماء الأندلس ابن الفرضي: 313 الديباج المذهب: 1/255.
[2] ينظر : المصدران السابقان، ترتيب المدارك: 36.
[3] ترتيب المدارك: 38 و45.
[4] طبقات الحفاظ: 237.
[5] راجع المحلى لابن حزم: 8/414، 8/16 ، 8/444 ، 9/47 ، 9/58، وغيرها من المواطن، وحبذا لو تفرغ أحد طلبة العلم وأعد دراسة –ولو متواضعة- عن ردود ابن حزم الأندلسي على ابن حبيب المالكي في كتابه المحلى ومآخذه عليه، فإن فيها نفعا وعلما مباركا والله أعلم.
[6] تذكرة الحفاظ للذهبي 2/537 وميزان الاعتدال 2/653.
[7] ترتيب المدارك 2/46.
[8] المحلى لابن حزم: 9/58.
[9] ترتيب المدارك 2/38.