المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هداية المريد لجوهرة التوحيد - للإمام إبراهيم اللقاني -



نزار بن علي
28-08-2007, 22:16
هداية المريد
لجوهرة التوحيد

تأليف

الشيخ برهان الدين إبراهيم اللقاني ت ١٠٤١ ه

بسم الله الرحمن الرحيم،
وصلى الله على نبيه صاحب الخلق العظيم والدين القويم والمنهج المستقيم، وعلى آله وصحبه أهل المحبة والتعظيم.

الحمد لله الذي تفرد بوجوب وجوده، ففاضت الحوادث كلها عن كرمه وجوده، والشكر له على نعمتي الوجود والإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صاحب المبعث العام ومحمود المقام، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الكرام صلاة وسلاما تامين دائمين لا يعتريهما نقص ولا انصرام.

أمّا بعد؛

فإنّ أفضل العلوم علم دين الله وشرائعه، فإن به حفظ الإيمان والإسلام الذين هما من أجلّ ودائعه، وأفضله علم العقائد الدينية، فإن به يهتدي المكلف إلى المسالك السُّنية ويرتقي إلى المراتب السَّنية، وقد وضعت فيه منظومتي المسماة بـ "جوهرة التوحيد" لأنها حوت من بدائعه ما هو كالفريدة في العقد الفريد من الجيد، وشرحتها قبل هذا شرحين جليلين، أحدهما: "عمدة المريد"، وثانيهما: "تلخيص التجريد" ، ثم أدركتني رحمة الضعفاء فثنى عنان القلم إليهم حب الإسعاف حين طلب مني جماعة من الإخوان وجلة من الخلان شرحا لها لا يكون قاصرا عن إفادة القاصرين، خاليا عن الإسهاب والإطناب وعما يصعب فهمه من الإيجاز على المبتدئين وغير الممارسين؛ ليعم نفعه العباد، ويتفرغ له العُبّاد، ويتعاطاه الحضري والباد.

فأجبتهم إلى ذلك، واثقا بأقدار الكريم المالك، مسميا له بـ "هداية المريد لجوهرة التوحيد". والله أسأل أن ينفع به العباد، وأن يملأ به الأقطار والبلاد، وأن يصرف إليه من الراغبين في إصلاح عقائدهم القلوب، وأن يرفع لديهم قدره المرغوب، وأن يجعله تذكرة لأولي الألباب لا ينسى ولا يضجر، وروضة نفع للطلاب لا يترك ولا يهجر، وأن يكسوَنا جميعا به في الدنيا ذكرا جميلا، وفي الآخرة ثوابا جزيلا.

وها أنا أشرع في المراد راقما للشرح (ش) وللأصل (ص) فأقول، ومن الله أستمد على حصول المأمول:

(ص): بسم الله الرحمن الرحيم

(ش): افتتح كتابه – وإن كان شعرا على الراجح – بالبسملة لأن الجمهور على طلبها فيه ما لم يكن محرّما أو مكروها، وأمّا ما تعلق بالعلوم كهذه المنظومة فمحل اتفاق اقتداءً بالكتاب العزيز والآثار النبوية والإجماع؛ لافتتاح الكتاب بها، وقوله عليه الصلاة والسلام: « كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ "بسم الله الرحمان الرحيم" » كما في رواية « فهو أبتر» و« أقطع » و« أجذم »، أي ناقص وقليل البركة. وقد ذكر العلامة أبو بكر التونسي إجماع علماء كل ملة على أن الله سبحانه وتعالى افتتح جميع كتبه بـ "بسم الله الرحمان الرحيم".
والـ "باء" للاستعانة، متعلقة بمحذوف تقديره أؤلف ونحوه، وهو يعمّ جميع أجزاء التأليف ، فيكون أولى من: أفتتح ونحوه، لإيهام قصر التبرك على الافتتاح فقط.

و"الله" علَم للذات الواجب الوجود، فيعمّ الصفات أيضا. و"الرحمن": المنعم بجلائل النعم كمية أو كيفية . و"الرحيم": المنعم بدقائقها كذلك. وقدّم الأول لدلالته على الذات، ثم الثاني لاختصاصه به، ولأنه أبلغ من الثالث فقدّم عليه ليكون له كالتتمة والرديف.



1– الحَـمْـدُ لِلَّهِ عَـلَى صِـلاَتِـهِ ثُـمَّ سَـلاَمُ اللَّهِ مَـعْ صَـلاَتِـهِ
2– عَـلَى نَـبِيِّ جَـاءَ بِالتَّوْحِـيـدِ وَقَـدْ خَـلا الدِّيـنُ عَنِ التَّوْحِـيدِ


(ص): الحَـمْـدُ لِلَّهِ عَـلَى صِـلاَتِـهِ
(ش): لمّا افتتح بالبسملة افتتاحا حقيقيا، افتتح بالحمدلة افتتاحا إضافيا، وهو ما يقدّم على الشروع في المقصود بالذات جمعا بين حديثي البسملة والحمدلة.

و"الحمد" لغة: هو الثناء باللسان على الفعل الجميل الاختياري على جهة التعظيم، كان في مقابلة نعمةٍ أو لا.
واصطلاحا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعِم بسبب كونه منعماً، سواء كان ذلك الفعل اعتقاداً بالجنان أو قولا باللسان أو عملا وخدمة بالأركان.
والمدح والشكر مذكوران في الشرحين قبله مع فوائد نفيسة.
وهل الأداة فيه للاستغراق أو للجنس أو للعهد؟ أقوال مبسوطة في الأصل. وذكر معه الاسم الكريم الجامع لمعاني الأسماء والصفات؛ إذ يضاف إليه غيره ولا يضاف إلى غيره، فيقال الرحمان – مثلا – اسم الله، ولا يقال "الله" اسم الرحمان، إشارة لاستحقاقه تعالى الحمد لذاته ولصفاته. وذكر الصِّلات إشارة لاستحقاقه الحمد أيضا على أفعاله، وهي جمع صِلة بكسر الصاد المهملة بمعنى العطيّة أو الشيء المعطى. وإرادة المعنى الأول أولى لأنّ الحمد على الصفات أولى منه على متعلقاتها.

خاتمة: قال العلامة النووي: "يستحب الحمد في ابتداء الكتب المصنّفة، وكذا في ابتداء دروس المدرِّسين، وقراءة الطالبين بين يدي المعلمين، سواء قرأ حديثا أو فقها أو غيرهما. وأحسن العبارات في ذلك: الحمد لله رب العالمين". ونحوه للفاكهاني من متأخري أئمتنا.

(ص): ثُـمَّ سَـلاَمُ اللَّهِ مَـعْ صَـلاَتِـهِ على نَبِيٍّ

(ش): "ثمّ" تحتمل الاستئناف والعطف، وعلى الثاني تحتمل الترتيب الذكري والترتيب الرتبي. والسّلام: التحية، وجعْله بمعنى السلامة من الآفات والنقائص ضعيف لوجوب العصمة الدائمة والحفظ من الناس، وإضافته له تعالى لتقييده بما هو الأليق به بحسب ما عنده تعالى.

والصلاة من الله تعالى: رحمة مقرونة بالتعظيم، أو مطلقها ، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: التضرع والدعاء. فالجملة خبرية اللفظ، إنشائية المعنى، قصد بها التضرع إلى الله تعالى بأن يحيّي نبيه عليه الصلاة والسلام ويرحمه رحمة تليق بمقامه الشريف. ولا يخفى أن أمره سبحانه وتعالى إيانا بالصلاة والسلام عليه – صلى الله وسلم عليه – إمّا للتعبد؛ أو ليكون ذلك على طريق الشكر له منا ، أو المكافأة له عليه الصلاة السلام بما هو في الوسع، أو لطلب كمال في سعة كرم الله سبحانه علّق حصوله له على ذلك الطلب منا؛ أو لإظهار فضله عليه الصلاة والسلام ومحبته واحترامه وتعظيمه الواجبة علينا. والظاهر أن ذلك من الخيرات الواصلة إلينا بسببه عليه الصلاة والسلام حال حياته وبعد وفاته؛ إذ منفعتها في الحقيقة عائدة على المصلي لأنه داع ومكمل لنفسه؛ لأنا إذا صلى أحدنا عليه صلاة صلّى الله عليه بها عشرا كما جاء به الخبر. وكل هذا مبسوط بالأصل.

والنبي – بهمز ودونه – : إنسان، بالغ، حر، ذكر، من بني آدم أوحي إليه بشرع، أُمر بتبليغه أو لا، فهو أعمّ مطلقا – على الأصح – من الرسول: وهو إنسان، حر، ذكر، بالغ، من بني آدم أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، كان له كتاب أو لا، ولذا كثرت الرسل وقلّت الكتب، فإن الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، والكتب مائة وأربعة.

تنبيهات:

الأول: عدّيت الصلاة بـ "على" لتضمنها معنى اللطف ، فلا يرِد أن "صلّى" بمعنى دعا، وهو مع "على" للمضرَّة، على أن العرف فرّق بين "دعا عليه" و"صلى عليه".
وإثبات الصلاة والسلام بعد البسملة في صدور الكتب والرسائل حدث في زمن ولاية بني هاشم، ثم مضى العمل على استحبابه. ومن العلماء من يختم بهما الكتاب أيضا.

الثاني: ما فرض في العمر مرّة: الشهادتان، والحمد، والحج، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم خارج الصلاة. وألحق الرصَّاع "السلام" بها بحثا، وردّ على من جعله مستحبا من شيوخ المغرب. قلت: الآية دالة على تساويهما .
الثالث: آثر ذكر النبوة على الرسالة إشارة إلى أن استحقاقه الصلاة والسلام بها بالطريق الأولى.
الرابع: التنوين في "نبيٍّ" للتعظيم نحو: له حاجب من كل أمر يشينه. والإبهام فيه يرفعه الإبدال منه الآتي.

(ص): جَـاءَ بِالتَّوْحِـيـدِ
(ش): هذه الجملة صفة "نبي" كاشفة له؛ إذ ما من نبي إلا بعث ببيان التوحيد، لكنه قيّدها بالحال في قوله: "وقد خلا الدين" إلخ بحيث صارت مخصِّصة ومقلِّلة للاشتراك في الجملة حتى قربت من تعيين المراد منه، وهو نبينا صلى الله عليه وسلم.
ومعنى مجيئه بالتوحيد: إرسال الله سبحانه وتعالى إياه به إلى جميع المكلفين من الثقلين. وفي إرساله للملائكة خلاف سيأتي بيانه عند تعرض المتن له.
وكان إرساله بذلك على رأس أربعين سنة من ولادته كما هو العادة المستمرة في معظم الأنبياء أو جميعهم، كما جزم به جماعة كثيرة منهم شيخ الإسلام في حواشي البيضاوي، وأما حديث « ما نبّئ نبي إلا على رأس أربعين سنة » فعدّه ابن الجوزي في الموضوعات.
والمراد بالتوحيد هنا: الشرعي، وهو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتا وصفات وأفعالا؛ فلا تقبل ذاته الانقسام بوجه، ولا تشبه صفاته الصفات، ولا يدخل أفعاله الاشتراك، إذ لا فعل لغيره سبحانه وتعالى خَلْقًا، وإن نسب إليه كسبا فلا يكون بذلك شريكا له أو عديلا؛  ليس كمثله شيء وهو السميع البصير 

تنبيهات:

الأول: للتوحيد ثلاث مراتب: الأولى: الحكم بالدليل أن الله واحد. الثانية: العلم بالدليل أن الله واحد. الثالثة: غلبة رؤيته تعالى على قلب العارف حتى لا يشهد سواه. فالأولى توحيد المؤمن، والثانية توحيد العالم، والثالثة توحيد العارف.

الثاني: إنما نص على التوحيد – مع كثرة ما بعث به صلى الله عليه وسلم من الشرعيات – لأنه أشرف العبادات، وأفضل الطاعات، وشرط في صحتها، وسبب في النجاة من العذاب المخلد في النار .

الثالث: قوله "بالتوحيد" تلميح إلى تسمية هذا الفن المشروع فيه بفن التوحيد والصفات كما سيأتي، ففيه براعة الاستهلال، وإنما سمي بذلك لأنه من أشهر أجزائه وأشرفها، كما سمي بعلم الكلام لأن مباحثه في كتب القدماء كانت مترجمة بقولهم الكلام في كذا، ولأن أشهر مواضع الاختلاف منه مسألة كلام الله هل هو قديم أو حادث؛ ولأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات؛ ولأنه كثر فيه من الكلام مع المخالفين والرد عليهم ما لم يكثر في غيره، ولأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه، كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام، والله أعلم.

(ص): وَقَـدْ خَـلا الدِّيـنُ عَنِ التَّوْحِـيدِ
(ش): الواو للحال، وصاحبها فاعل "جاء"، أي جاء من عند الله بالتوحيد في حال تعدد المعبودات الباطلة، وخلوّ الدين عن التوحيد اللغوي وهو التفرد، والخلوّ عن الشيء الفراغ عنه .

و"الدين" لغة يطلق على عدة معان بيناها بالأصل منها: الطاعة، وأمّا اصطلاحا فهو: وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير بالذات لهم. أي: موضوع وأحكام وضعها الله للعباد فرعية كانت أو أصلية؛ فخرج بالوضع الإلهي: الأوضاع البشرية ظاهرا، نحو الرسوم السياسية والتدبيرات المعاشية والأوضاع الصناعية، وبـ "سائق" : الأوضاع الإلهية الغير السائقة، كإنبات الأرض، وإمطار السماء، وبـ "ذوي العقول": ما يسوقهم وغيرهم من الحيوانات كالأوضاع الطبيعية التي تهتدي بها الحيوانات لمنافعها ومضارها، وبـ"الاختيار": الأوضاع الإلهية الاتفاقية القسرية كالوجدانيات، وبقوله "بالذات" أي ما يكون خيرا بالقياس إلى كل شيء: صناعتا الطب والفلاحة؛ فإنهما وإن تعلقتا بالوضع الإلهي – أعني تأثير الأجرام العلوية في السفلية – وكانتا سائقتين لذوي الألباب باختيارهم المحمود إلى صنف من الخيرات فليستا تؤديانهم إلى الخير الذاتي الذي هو السعادة الأبدية والقرب إلى خالق البرية.
والمراد بالتوحيد هنا: اللغوي، وهو الحكم بأن الشيء واحد، أو العلم بأن الشيء واحد، يقال وحَّدته – مثقلا – إذا وصفته بالوَحدانية أو نسبته إليها، كما يقال شجّعته إذا نسبته إلى الشجاعة، ويقال وَحَدَ يَحِد، كـ: وعَد يعِد، فهو واحدٌ ووَحْدٌ ووحيدٌ، كما يقال: فَرُدَ فهو فارِدٌ وفرْدٌ وفريد. فأصل "أحد" وَحَدٌ، فقلبت واوه المفتوحة همزة نحو امرأةٌ أسماء من الوسامة وهي الحسن، كما قلبت المكسورة والمضمومة كذلك في نحو إعاء وأجوه.

تنبيهان:

الأول: بحمل التوحيد فيما مر على الشرعي وهنا على اللغوي اندفع الإيطاء واشتمل الكلام على الجناس التام اللفظي والخطي.

الثاني: هذه النسخة الواقعة هنا أخبرني بعض أصحابنا الموثوق بهم أنه أخذها عني كذلك، وضمّن "خلا" معنى تجرد فعداه بـ"عن". ووجهنا نسخة "عرى" في الشرحين وقد اشتملا على فوائد مهمة لا يستغني عنها الطالب لتعلقها بالمقام.



3– فَـأَرْشَدَ الخَـلْقَ لِدِيـنِ الحَـقِّ بِـسَـيْـفِهِ وَهَـدْيِـهِ لِـلْـحَـقِّ


(ص): فَـأَرْشَدَ الخَـلْقَ لِدِيـنِ الحَـقِّ، بِـسَـيْـفِهِ وَهَـدْيِـهِ لِـلْـحَـقِّ.
(ش): الفاء تعقيبية عاطفة على "جاء". والإرشاد: الدّلالة. و "الـ" في "الخلق" للعموم أو للعهد مرادا به الثقلان بناء على دخول الملائكة في شريعته وعدمه. والدين سلف آنفا بيانه.
و"الحق" الأول مراد منه أحد أسمائه تعالى، ومعناه: المتحقق وجوده، وكل شيء ثبت وتحقق فهو حق، فلا شيء يستحق هذا الوصف بالحقيقة سواه؛ إذ وجوده لذاته لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم، وما عداه ممّا يقال فيه ذلك بخلافه. قاله بعض المحققين. والثاني بمعنى: مطابقة الحكم للواقع، وهو بهذا المعنى يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها عليه. ويقابله الباطل. وأمّا الصدق: وهو مطابقة حكم الخبر للواقع، فقد شاع في الأقوال خاصة، ويقابله الكذب. فلا إيطاء في النظم، بل فيه صنعة الجناس التام.
تنبيه: المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع، وفي الصدق من جانب الحكم.
ثم المراد من "السيف": آلة الجهاد . ومن الهدْيِ للحق: الدلالة عليه.

فإن قلت: لم يشرع الجهاد بفور الإرسال، بل بعد الهجرة. فلا يصح التعقيب !
قلنا: التعقيب في كل شيء بحسبه على أن التعقيب للمجموع من الإرشاد بالسيف والإرشاد بالدلالة، وهو لا يستلزم تعقيب كل فرد بانفراده.

فإن قلت: فيلزم تقديم الإرشاد بالهداية والدلالة على الإرشاد بالسيف، عكس النظم.
قلت: الواو لا تقتضي ترتيبا، على أن تقديم السيف للاهتمام بالجهاد، وإشارة إلى أن ما جاء به عليه السلام من حقه أن لا يظهر ويتم إلا به خصوصا في مبدإ دعوته، وحيدا، العالَم بأسره.

فإن قلت: كيف يستقيم العموم وهو لم يرشد من لم يجتمع به عليه السلام؟
قلت: الإرشاد أعم ممّا يكون مباشرة وبالواسطة.



4– مُـحَمَّـدِ العَـاقِبْ لِـرُسْلِ رَبِّهِ وَآلِـهِ وَصَـحْـبِـهِ وَحِـزْبِـهِ


(ص): مُـحَمَّـدِ العَـاقِبْ لِـرُسْلِ رَبِّهِ
(ش): هذا بيان لـ"نبي" أو بدل منه مخصِّص له. وهو عَلَمٌ منقول لا مرتجل من اسم مفعول المضعف، سمي به نبينا صلى الله عليه وسلم لكثرة خصاله المحمودة ورجاء أن يحمده أهل السماء والأرض. لذلك هو أبلغ من "محمود" باعتبار فعليهما وإن تساوى الاسمان في عدد الحروف، إذ حمَّد أزيد من حمَد، وهذا الاسم يفيد المبالغة في المحمودية كما أنّ أحمد يفيد المبالغة في الحامدية باعتبار الأصل، وهو أجلّ من حَمِدَ وأجلّ من حُمِدَ.

و"العاقب" نعت لـ"محمد"، والمراد به الذي يحشر الناس على قدمه كما في الحديث، يعني الذي لا نبي بعده فهو بمعنى الخاتم للرسل بمعنى الأنبياء. ويجوز جعله بدلا منه أو عطف بيان عليه نظرا إلى غلبة الاسمية. قال بعض المتأخرين: لا يجوز أن يُسمَّى عليه السلام بما لم يسمّ به نفسه ولا سماه به ربُّه ولا أبواه.
قال ابن العربي نقلا عن بعضهم: إن لله ألف اسم، وللنبي عليه الصلاة والسلام كذلك، وفيه نظر . وحديث « لي خمسة أسماء » وفي رواية « عشرة أسماء » ليس فيه ما ينفي الزيادة، على أنّ بعضهم تأوله على بيان الأسماء المنقولة من الصفات الدالة على المدح كـ "محمد" و"أحمد" و"الماحي" و"العاقب" و"الحاشر"، أي وأمّا غيرها فباق على الوَصفِيه،
والربُّ: المالك، والسيد، والمصلح، والمربي، والخالق، والمعبود، والمدبِّر، والحائز، والصاحب، والثابت، والقريب، والجامع، والمحيط، والكثير الخير، والذي يولِي النِّعم ويزيدها. وهو في الأصل مصدر بمعنى التربية، وهي تبليغ الشيء شيئاً فشيئاً إلى الحدِّ الذي أراده المربِّي، أُطلِق عليه تعالى مبالغة كـ: عدْل. وقيل: وصف، فقيل اسم فاعل، والأصل رابب كضارب . وقيل: صفة مشبهة كـ: عدْل، فإذا أفرد وحلي بـ "الـ" اختص به تعالى. وإطلاقه على غيره في قولهم الربُّ للملِكِ خطأٌ.

(ص): وَآلِـهِ وَصَـحْـبِـهِ وَحِـزْبِـهِ
(ش): عطفٌ على "نبي" أو "محمد" مشارك له في حكمه، وهو الدعاء لهم بالصلاة والسلام. واشتقاق الآل من آل يؤول: إذا رجع إليك بقرابة ونحوها، أصله أَوَل، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً. وقال الزمخشري: أصله أهل، قلبت الـ"هاء" همزة ثم الهمزة ألفا، قيل: وهو المشهور، وتصغيره على "أهيل" و"أويل" يشهد للأصلين.
واللائق بمقام الدعاء حمْلُه على أتقياء أمته عليه الصلاة والسلام كما هو قول مالك رضي الله عنه لتعميم الدعاء وكما قاله الأزهري وجماعة وإن جرى فيهم في بابي الزكاة والفيء خلاف. والمشهور من مذهبنا اختصاصهم فيهما بأقاربه المؤمنين من بني هاشم، وزاد الشافعية والمطّلب قال الجلال: لا يكافئهم في النكاح أحد من الخلق. ويطلق عليهم الأشراف، والواحد شريف، وهم ولد علي وعقيل وجعفر والعباس وحمزة، هذا مصطلح السلف، وإنما حدث تخصيص الشريف بولد الحسن والحسين في مصر خاصة من عهد الفاطميين.

والصحب: اسم جمع لصاحب عند سيبويه، بمعنى الصحابي، وجمع له عند الأخفش، وبه جزم الجوهري كرَكْب وراكب. وأما الصحابي عُرفاً فقال ابن حجر: والصحابي من لقي النبيَّ عليه الصلاة والسلام مؤمناً به ومات على الإسلام. والمراد باللقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر وإن لم يكالمه، ويدخل فيه رؤية أحدهما إلى الآخر، سواء كان بنفسه أو بغيره. والتعبير باللقاء أولى من قول بعضهم: الصحابي من رأى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يخرج ابن أم مكتوم ونحوه من العميان، وهم صحابة بلا تردد. واللقاء في هذا التعريف كالجنس، وقولي: "مؤمنا" كالفصل يخرج من حصل له اللقاء المذكور في حال كفره، وقولي: "به" فصل ثان يخرج من لقيه مؤمنا بغيره من الأنبياء. لكن هل يخرج من لقيه مؤمنا بأنه سيُبعَث ولم يدرك البعثة؟ فيه نظر. انتهى.

قلت: مال شيخ الإسلام إلى اعتبار لَقيه له بعد نبوته، ونقل من كلام ابن حجر ما يدل عليه. واعتبر جماعة قيد التمييز وألغاه آخرون، وجزم الجلال بِعَدِّ عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام في الصحابة، ونقل عن بعضهم عدُّ الخضر وإلياس فيهم أيضا؛ قال الذهبي: عيسى بن مريم صلوات الله وسلامه عليه نبي وصحابي؛ فإنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو آخر الصحابة موتا. انتهى. وكل ذلك مبني على إلغاء اشتراط اللقي بالمتعارف، وقد اعتبره آخرون فأخرجوهم، والحق الدخول لعدم التنافي بين مقام الصحبة ومقام النبوة.
والتعرض لهم بعد الآل كالتعرض للعام بعد الخاص. والحزب: الجماعة اللذين أمرهم واحد في خير أو شر، ومنه: كل حزب بما لديهم فرحون.

تتمة:
في منع الصلاة على غير الأنبياء والملائكة استقلالا وكراهتها أو كونها خلاف الأولى خلاف، والأصح الكراهة. وأما تبعا كما هنا فجائزة اتفاقا، وألحق أبو محمد الجويني السلام بالصلاة بالنظر للغائب، وأما المخاطب فيخاطب بالسلام عليك أو عليكم ونحوه. ولا تختص الترضية بالصحابة والترحم بغيرهم على مذهب الجمهور خلافا لبعضهم وأطال النووي فيما يتعلق بهذا المبحث.

وعبارة القاضي عياض: الذي ذهب إليه المحققون وأمِيلُ إليه ما قاله مالك وسفيان واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه يجب تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء بالصلاة والتسليم، كما يختص سبحانه عند ذكره بالتقديس والتنزيه ، ويذكر من سواهم بالغفران والرضا والرحمة كما قال تعالى رضي الله عنهم ورضوا عنه يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان وأيضا فهو أمر لم يكن معروفا في الصدر الأول كما قاله أبو عمران، وإنما أحدثه الرافضة والشيعة في بعض الأئمة فشركوهم عند الذكر لهم في الصلاة وسووهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا فإن التشبه بأهل البدع منهي عنه فتجب مخالفتهم.انتهى. ومراده بالتخصيص لذلك بالأنبياء عدم استعمال ذلك فيمن عداهم سوى الملائكة كما لا يخفى.
يتبع إن شاء الله تعالى...

نزار بن علي
28-08-2007, 22:25
5– وَبَـعْدُ فَـالعِلْمُ بِأَصْـلِ الدِّيـنِ مُحَـتَّـمٌ يَحْـتَـاجُ لِلتَّبْـيِـينِ

(ص): وَبَـعْدُ
(ش): أصل هذا التركيب: مهما يكن من شيء بعد البسملة والحمدلة وما معهما، فأقول العلم إلخ. ثم حذف اسم الشرط وفعله والمضاف إليه "بعد" للعلم به ، وأقيمت "أمّا" مقام الأولين، وبني "بعد" لتضمنه معنى الثالث، ثم حذفت "أمّا" العاملة في الظرف لما ذكر وأقيمت الواو مقامها، ولذا لا يجمع بينهما.

و"أمّا" هذه حرف شرط وتوكيد دائما، وتفصيل غالبا. قال الزمخشري: فائدة "أمّا" في الكلام أن تعطيه فضل توكيد، تقول: زيد ذاهب. فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت: أمّا زيد فذاهب. ولذا قال سيبويه في تفسيره مهما يكن من شيء فزيد ذاهب. وهذا التفسير مدْلٍ بفائدتين:بيان كونه توكيدا، وأنه في معنى الشرط. انتهى.
قال ابن هشام: لا يلزم تقدير "مهما يكن من شيء"، بل يجوز أن يقدر غيره ممّا يليق بالمحل. انتهى. أي لا يتعين تقدير "يكن"، بل يوجد، ويذكر ونحوهما كذلك.
و"بعد" ظرف زمان اعتبارا بالنطق، أو مكان اعتبارا بالرقم.

(ص): فَـالعِلْمُ بِأَصْـلِ الدِّيـنِ
(ش): هذه "الفاء" في جواب "أمّا" المقدرة، ولو حذفت بتقدير القول معها صح أيضا، أي: فأقول: العلم إلخ.
ولهم في العلم مذهبان:

أحدهما: أنه نظري، وعليه فقيل: يعسر تحديده بحقيقته، فالرأي الإمساك عنه صونا للنفس عن مشقة الخوض في العسر. وقيل: يتيسر تحديده بلا مشقة، وعليه فمنهم من عرَّفه بأنه: صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت به. فخرج الظن والجهل؛ إذ لا تجلي معهما، وكذا اعتقاد المقلِّد لأنه عقدة على القلب لا تجلِّي معها. ومنهم من عرّفه بأنه: صفة توجب تمييزاً بين المعاني لا يحتمل النقيض. والمراد بالمعاني الأمور العقلية، كلِّية كانت أو جزئية، وبه يخرج إدراك الحواس لأنّ تمييزه في الأعيان. ومن جعله كالأشعري علما بالمحسوسات ترك هذا القيد.

وثانيهما: أنه غير نظري، وعليه فقال الرازي في المحصول: إنه بديهي. وقال غيره: إنه ضروري. وقدّر الرازي بداهته بوجهين:

الأوّل: إنه معلوم يمتنع اكتسابه؛ أمّا المعلومية فبحكم الوُجدان، وأمّا امتناع الاكتساب فلأنه إنما يكون معلوما بغيره؛ ضرورةَ امتناع اكتساب الشيء بنفسه، أو بغيره مجهولا، والغير إنما يعلم بالعلم، فلو عُلِمَ العلمُ بالغير لزم الدور، فتعينت البداهة، وهو المطلوب.

الثاني: إنّ علم كل أحد بوجوده بديهي، أي حاصل من غير نظر وكسب، وهذا علم خاص مسبوق بمطلق العلم لتركُّبِه منه ومن الخصوصية، والسابق على البديهي بديهي، بل أولى بالبداهة، فمطلق العلم بديهي، وهو المطلوب. انتهى. والجواب عمّا تمسّك به مذكور في الأصل.

تنبيهات:

الأول: يجوز عقلاً أن تكون العلوم كلها ضرورية لا تحتاج إلى اكتساب، ويمتنع أن تكون كلها نظرية لئلا يلزم ارتفاع الضروريات، وهو محال.

الثاني: ذهب الأشعري وكثير من المعتزلة إلى تعدد العلم الحادث بتعدد المعلوم، وأنّ العلم بهذا غير العلم بذاك، وذهب المحققون من الأشاعرة إلى أنّ العلم صفةٌ واحدة ذات تعلُّقٍ، فلا تَعدُّدَ لها ولا تَكثُّرَ إلا في تعلُّقاتها ، وعليه اقتصر التاج بن السبكي وهو المعتمد. وأمّا العلم القديم فلا تعدد فيه اتفاقا.

الثالث: العلم إمّا نظري وإمّا بديهي؛ لأنه إن توقف على النظر والاستدلال فنظريٌّ كالعلم بحدوث العالم، وإلا فبديهي كالعلم بأنّ الكل أعظم من الجزء، وأنّ الواحد نصف الاثنين.

الرابع: أسباب العلم الحادث على طريق الأشعري ثلاثة:

– الحواس الخمس الظاهرة السليمة.

– والخبر الصادق، متواتراً كان أو مسموعاً من الرسول المؤيَّد بالمعجزة.

– والعقل.

ولمّا لاحظ في العلم معنى الجزم؛ إذ هو اعتقادٌ جازمٌ مطابقٌ ثابتٌ، كما حدّه به الغزالي، أو حُكمُ الذهنِ الجازمِ المطابقِ لموجبٍ، كما حدّه به غيره، عدّاه بـ"الباء" لـ"أصل الدين" المراد به الفنّ الملقب بهذا اللقب الإضافي المشعر بمدحه بابتناء الدين عليه بحسب أصله، إذ الأصل لغة يطلق على أمور، منها: ما ينبني عليه غيره.
وإفراد الأصل مع اشتهار التلقيب بأصول الدين لضرورة النظم، ولإحراز الإضافة لمعنى الجمعية بجعلها للجنس أو للاستغراق أو للعهد، أي الأصل المعهود اعتماده في صحة الإيمان، وهي القواعد والعقائد الآتية.
وأمّا "الدين" فقد سلف بيانه لغةً واصطلاحاً.



مقدمة:

من الواجب على كل طالب لعلم أن يتصوره إما بحدِّه أو برسمه ليكون على بصيرة في طلبه، وأن يعرف موضوعه ليمتاز عنده عمّا سواه مزيد امتياز؛ فإن تمايز العلوم إنما هو بتمايز الموضوعات، وأن يصدق بغايةٍ مَّا له وإلا كان الشروع عبثا، ولا بدّ أن تكون معتدّا بها بالنظر لمشقة التحصيل وإلاّ فربما فتَر جدُّهُ، ولا بدّ أن تكون مترتبة على ذلك الشيء المطلوب وإلا فربما زال اعتقادها بعد الشروع فيه، فيصير سعيه في تحصيله عبثا في نظره.

إذا عرفت هذا، فالفن المسمّى بـ"أصول الدين" وبـ"علم العقائد" وبـ"علم التوحيد والصفات" وبـ"علم الكلام" حدُّه كما قاله السعد: العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية، أي: العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسب من أدلتها اليقينية. والمراد بـ"الدينية" المنسوبة إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام، سواء توقفت على الشرع كالسمعيات أم لا كالعقليات ، وسواء كانت من الدين في الواقع ككلام أهل الحق، أم لا ككلام المخالف. واعتُبر في أدلتها اليقين لأنه لا عبرة بالظن في الاعتقاديات، بل في العمليات.

وخرج عن التعريف: العلمُ بغير الشرعيات، وبالشرعيات الفرعية، وعلمُ الله تعالى، والملَك، وعلمُ الرسول عليه السلام بالاعتقاديات، وكذا اعتقادُ المقلِّد فيمن يسمّيه عِلماً؛ ودخل علمُ علماء الصحابة بذلك، فإنّه كلام وأصول وعقائد وإن لم يكن يسمى في ذلك الزمان بهذا الاسم، كما أنّ علمهم بالعمليات فِقه وإن لم يكن ثمّة هذا الترتيب والتدوين، وذلك إذا كان متعلقا بجميع العقائد بقدر الطاقة البشرية، مكتسَباً من النظر في الأدلة اليقينية، أو كان ملَكَة تتعلق بها بأن يكون عندهم من المآخذ والشرائط ما يكفيهم في استحضار العقائد، على ما هو المراد بقولنا العلم بالعقائد من الأدلة.

وموضوعه: هو المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية. إذ موضوع كل علم ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية، ولا شك أنه يبحث في هذا العلم عن أحوال الصانع من القِدم، والوَحدة، والقدرة، والإرادة وغيرها، وأحوال الجسم والعَرَض من الحدوث، والافتقار، والتركيب من الأجزاء، وقبول الفناء ونحو ذلك ممّا هو عقيدة إسلامية أو وسيلة إليها.
وكل هذا بحث عن أحوال المعلوم، وهو كالموجود، إلا أنه أوثِرَ على الموجود ليصح على رأي من لا يقول بالوجود الذهني، ولا يُعرِّفُ العلم بحصول الصورة في العقل، ويرى مباحث المعدوم والحال من مسائل الكلام.

وغايته: أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعية مُتقناً مُحكماً لا تُزلزِلُه شُبَهُ المبطلين.

ومنفعته: في الدنيا: انتظامُ أمر المعاش بالمحافظة على العدل والمعاملة التي يحتاج إليها في بقاء النوع الإنساني على وجهٍ لا يؤدي إلى الفساد. وفي الآخرة: النجاة من العذاب المترتب على الكفر وسوء الاعتقاد .

ومسائله: القضايا النظرية الشرعية الاعتقادية.

واستمداده: من التفسير، والفقه، والحديث، والإجماع، ونظر العقل. قال السعد: "وقيّدنا القضايا بالنظرية لأنه لم يقع خلاف في أن البديهي لا يكون من المسائل والمطالب العلمية، بل لا معنى للمسألة إلا ما يُسأل عنه ويُطلب بالدليل".

تنبيهان:

الأول: قال في شرح المقاصد: "اعلم أن ما يتأدَّى إليه الشيء أو يترتب عليه يسمّى من هذه الحيثية: غايةً، ومن حيث يُطلب بالفعل: غَرَضًا، ثم إن كان ممّا يتشوَّقُه الكل طبعاً يسمّى منفعةً". انتهى.

الثاني: سيأتي آخر النظم أنه تعرض لشيء من التصوّف، وحدّه: علمٌ بأصولٍ يعرف بها صلاح القلب وسائر الحواس،
وموضوعه: أفعال القلب والحواس، وفائدته: إصلاح أحوال الإنسان ظاهراً وباطناً. والله أعلم.

(ص): مُحَـتَّـمٌ
(ش): أي: العلم بأصول الدين واجبٌ شرعاً وجوباً محتماً، أي لا ترخيص فيه؛ قال تعالى:  فاعلم أنه لا إله إلا الله . عينِياًّ في العينيِّ منه، وهو ما يخرج به المكلََّف من التقليد إلى التحقيق، وأقلُّه معرفة كل عقيدة بدليل ولو جمليا كما يأتي، وكفائيا في الكفائي منه، وهو ما يقتدر معه على تحقيق مسائله وإقامة الأدلة التفصيلية عليها وإزالة الشُّبَهِ عنها بقوة؛ إذ يجب كفايةً على أهل كل قطر يشقُّ الوصول منه إلى غيره أن يكون فيهم من هو متصف بذلك.
والحكم عليه بالوجوب مع عدم اختصاصه به لدفع توهم استبعاده فيه لصعوبة مرامه وغلاقة غالب أحكامه.

فإن قلت: إذا كان هذا الفن واجباً، وقد ظهر أنّ موضوع هذا العلم أشرف الموضوعات، ومعلومه أجل المعلومات، وغايته أشرف الغايات فيكون أشرف العلوم فكيف نقل عن السلف الصالح كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد النهي عنه؟

قلت: هو محمول على نهي المتعصِّب في الدين، والقاصر عن تحصيل اليقين، والقاصد إفساد عقائد المسلمين، والخائض فيما لا يفتقر إليه من غوامض المتفلسفين، وإلا فلا يتصور من شريف تلك الحضرات وقوع النهي عما هو أصل الواجبات وأساس المشروعات.

فائدة: قال الحافظ العسقلاني: "العلم الشرعي: ما يفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، والعلم بالله وبصفاته وما يجب له من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه". انتهى. فهذا العلم شرعي بمعنى أن للشرع مدخلية فيه، أمّا الشرعي بمعنى ما علم اسمه من الشرع فليس إلا الثلاثة المذكورة، حتى ذكر الكرماني أنه لو أوصِيَ للعلماء انصرف شرعا للعلماء بالفنون الثلاثة. انتهى.

(ص): يَحْـتَـاجُ لِلتَّبْـيِـينِ
(ش): يحتمل أن فاعل "يحتاج" ضمير "العلم"، ويحتمل أنه ضمير "أصل الدين"، فعلى الأوّل الجملة خبر بعد خبر، وعلى الثاني ليست حالا، بل هي مستأنفة لبيان السبب الحامل على وضع هذه المنظومة في أصول الدين، وهو الأرحج.
وإنما احتاج هذا الفن للتبيين والتوضيح لأن كلام الأوائل كان مقصورا على الذات والصفات والنبوات والسمعيات، ثم حدثت طوائف المبتدعة فكثر جدالهم مع علماء الإسلام وتوغلوا في البحث عن مسائل الكلام، وأوردوا شبها على ما قرّره الأوائل وألزموهم الفساد في كثير من المسائل، وخلطوا تلك الشبه والإلزامات بكثير من قواعد الفلسفيات ليستُرُوا ضَلالهم عن الناس ويوهموا القاصرين أنهم بنوا ما هو أوهن من بيت العنكبوت على إحكام وأساس. فتصدّى المتأخرون لدفع تلك الشبه والإلزامات وهدم تلك القواعد والأساسات، فاضطروا إلى إدراجها في كلامهم ليتحققوا مقاصدها ويتمكنوا من إيضاح فاسدها، ويسهل عليهم تمييز صحيحها من فاسدها، فصعب لهذا تناوله وتعاطيه، وعسر كثير من مقاصده على طالبيه وخصوصا في مقام الإيجاز حتى صارت لديهم بمنزلة الألغاز.

تنبيهان:

الأوّل: ظهر بهذا عذر المتأخرين في إدراجهم في هذا الفن الفلسفيات والطبيعيات والرياضيات، وأنهم إنّما ارتكبوه للحاجة والضرورة فلا لوم عليهم ولا يصح توجيه الذم إليهم. وتحذير بعض المتأخرين من تعاطي كتبهم كـ: "المواقف" و"المقاصد" و"الطوالع" إنما هو للقاصرين ومن ليس فيهم أهلية الرسوخ والتمكين لئلا يضل في فهمها، ولا يصل – لقصور باعه في تلك العلوم – إلى مبلغ علمها، فهو نظير منع السلف عن الاشتغال بعلم الكلام كما قدمنا تأويله، والسلام .

الثاني: أوّل من أسس قواعد الخلاف لأهل السنة: المعتزلة، وذلك أنّ رئيسهم واصلَ بن عطاء كان في مجلس الحسن البصري، فوقف على مجلس الحسن رجل فقال: يا إمام الدين، ظهر في هذا الزمان جماعة يُكفِّرون صاحب الكبيرة – يعني بهم الخوارج – وجماعة يقولون لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة – يعني بهم المرجئة –، فما نعتقده من ذلك؟ فأطرق الحسنُ مفكرا في الصواب، وبادره واصلُ بن عطاء بالجواب فقال: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا ولا كافر مطلقا، وقام إلى اسطوانة في المسجد يقرر مذهبه ويثبت المنزلة بين المنزلتين ويقول: الناس ثلاثة: مؤمن، وكافر، ولا مؤمن ولا كافر وهو صاحب الكبيرة إذا مات بلا توبة. فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل. فسمُّوا لذلك: المعتزلة. وهم سمّوا أنفسهم "أصحاب العدل والتوحيد" لأنهم قالوا يجب على الله ثواب المطيع وعقاب العاصي، ولنفيهم الصفات القديمة عنه تعالى عن قولهم علوا كبيرا.

وجاء بعد واصل أبو علي الجبائي، وكان أبو الحسن الأشعري في صغره تلميذا له فتمذهب في العقائد بمذهبه، إلى أن ظهر له فساده واتضح له غلطه وثبت عنده عناده، فرجع إلى ما عليه جماعة الصحابة التابعين وتلقاه منهم بالقبول أئمة الدين.

وسبب رجوعه أنه قال للجبائي يوما: ما تقول في ثلاثة إخوة مات أحدهم مطيعا والآخر عاصيا والثالث صغيرا؟ فقال له الجبائي: الأوّل يثاب بالجنة، والثاني يعاقب بالنار، والثالث لا يثاب ولا يعاقب. فقال له الأشعري: فإن قال الثالث: يا رب لم أمتني صغيرا، وما أبقيتني إلى أن أبلغ فأؤمن بك وأطيعك فأدخل الجنة؟ ماذا يقول الرب؟ فقال: يقول الرب: إني كنت أعلم أنك لو كبرت عصيت ودخلت النار، فكان الأصلح لك أن تموت صغيرا. فقال له الأشعري: فإن قال الثاني: يا رب، فلِم لمْ تمتني صغيرا كيلا أعصي ولا أدخل النار؟ ماذا يقول الرب؟ فبهت الجبائي وعرف أن قاعدته التي بني عليها وجوب فعل الصلاح والأصلح عليه تعالى باطلة، فقال عند ذلك للأشعري: أبك جنون؟ فقال له: لا، ولكن وقف حمار الشيخ في العقبة.
وقد رويت هذه القصة بألفاظ أخر ذكرنا منها هذا لننبه على أنه مبني على فهم أن المراد بالمنزلة بين المنزلتين، منزلة بين الجنة والنار كالأعراف، وهو فاسد، بل هي عنده بين الكفر والإيمان كما مرّ، فالصواب هنا رواية : مات أحدهم مطيعا والآخر عاصيا والثالث صغيرا، فقال له الجبائي: الطائع في الجنة والصغير في الجنة والعاصي في النار، فقال له الأشعري: أيساوي الصغير الطائع في المنزلة فيها؟ قال الجبائي: لا، لأن الطائع عمِل الصالحات واكتسب الخيرات. فقال الأشعري: فيقول الصغير: يا ربّ، كان الأصلح لي أن تبقيني حتى أبلغ وأعمل فأساوي أخي. قال له الجبائي: يقول له الرب: علمت أنك لو كبرت كفرت فدخلت النار، فكان الأصلح أن أميتك صغيرا. فقال الأشعري: فيقول العاصي، بل سائر أهل النار: يا رب، كان الأصلح أن تميتني صغيرا، فماذا يقول الرب؟ فقال لأبي الحسن: أبِك جنون؟ فقال: لا، ولكن وقف حمار الشيخ في العقبة.

ثم ترك الأشعري مذهب الجبائي واشتغل هو ومن تبعه بإبطال رأي المعتزلة وإثبات ما ورد به ظاهر الكتاب والسنة ومضى عليه الجماعة، فعرفوا بـ"الأشاعرة" وسمّوا بـ"أهل السنة والجماعة" واشتهروا بهذا الاسم في ديار خرسان والعراق والحجاز والشام وأكثر الأقطار، وأمّا ديار ما وراء النهر، فالمشهور فيها بهذا الاسم هو "أبو منصور الماتريدي" وأتباعه المعروفون بـ"الماتريدية"، وكلا الفريقين على هدى ونور؛ قال في شرح المقاصد: "والمحققون من كل من الفريقين لا ينسب الفريق الآخر إلى البدعة والضلال، خلافا للمبطلين المتعصبين الذين ربما جعلوا أيضا الخلاف في الفروع بدعة." انتهى.


قلت: كلمة أهل الحق متفقة على الخروج من عهدة التكليف الإيماني بجزم العقيدة بما يوافق أحد المذهبين، وبينهما اختلاف في بعض المسائل، وأكثره لفظي كما فصلناه في الأصل ويستمر بك في محالّه إن شاء الله تعالى.

نزار بن علي
28-08-2007, 22:37
6– لَـكِنْ مِنَ التَّطْوِيـلِ كَلَّتِ الهِمَمْ فَصَـارَ فِـيهِ الإِخْتِصَـارُ مُلْتَزَمْ


(ص): لَـكِنْ مِنَ التَّطْوِيـلِ كَلَّتِ الهِمَمْ
(ش): هذا استدراك على ما يقتضيه احتياج هذا الفن للتبيين من مزيد التطويل، يعني أن هذا الفن وإن احتاج إلى التبيين إلا أنه لا تنبغي المبالغة معه في تطويل العبارة لأنها تؤدي إلى المَلل والسآمة. وهذا معنى الكلل الذي أصله التعب والعياء.
وفهم منه أن التبيين الذي لا تطويل معه محمود كما سيأتي، فظهر من كلامه منطوقا ومفهوما أن الإطناب الممل مذموم، وأن الإيجاز المخل بأداء المقصود كذلك، وأن خير الأمور أوساطها وذلك هو الإيجاز والمساواة.
فـ"التطويل": أداء المقصود بلفظ زائد على المتعارف لأوساط الناس فصاحة، في تأديته لا لفائدة، والإطناب: أداء المقصود بأزيد من عبارة المتعارف لفائدة، والزائد غير متعين، وبه خرج الحشو – مفسدا كان أو غير مفسد –، والإيجاز – وهو أداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف –، والمساواة – وهي أداء المقصود بلفظ يساويه –.
فبان لك بهذا المرضيُّ من طرق التعبير وغيرُهُ، وأنه أطلق التطويل على الإطناب لأنه الواقع لهم لصون كلامهم عن العراء عن الفائدة، وبسطها في الشرح.

و"الهمم" إمّا على حذف المضاف، أي أربابها، أو لا ضرورة إليه، جمع همّة وهي لغة: القوة والعزم. وعرفا: حالة للنفس تتبعها قوة إرادة للقلب وغلبة انبعاث إلى نيل مقصودها . وتكون عالية عند تعلقها بمعالي الأمور، ودنِيَّة عند تعلقها بسفسافها، وما أحسن قول القائل:


وقائلةٍ لم علّتك الهموم وأمرك ممتثلٌ في الأمـمْ
فقلت ذريني على حالتي فإن الهموم بقدر الهِمَمْ

وأحسن منه قول الآخر:


إذا أعطشتْكَ أكفُّ اللئــام كفتْك القناعةُ شِبـعاً ورِيَّا
فكن رَجُلاً رِجْلُهُ في الثَّرَى وهَامَـةُ هِمَّتِهِ فـي الثُريَّا
فإن إراقة ماءِ الحيـــاة دون إراقـةِ مـاءِ المُحيَّا

(ص): فَصَـارَ فِـيهِ الإِخْتِصَـارُ مُلْتَزَمْ
(ش): هذه "الفاء" تفريعية على مجموع قوله "العلم بأصل الدين محتم يحتاج للتبيين"، يعني أن العلم بأصول الدين واجب فيجب تعلمه وتعليمه، لكن التطويل مانع عادة الهممَ القاصرة من تعاطيه، والإيجاز المخل لا يوصل إلى صحة فهمه، فيتسبب عن هذا في مقام التعليم بالتأليف تعينُ سلوك الاختصار– بمعنى الإيجاز والمساواة – تقريبا على المتعلمين وتسهيلا على القاصرين؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

فـ"الاختصار": تقليل اللفظ، ضد التطويل، فهو أداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف كما مر. ولا يلزم فيه أن يكون مأخوذا من أصل أطول لجواز صغرت فم الركية، أي أتيت به ابتداء كذلك. ويجب على العالم أن يجيب عن الأمر الواجب إذا خاف فواته وكان عالما بالحكم ولو بالاجتهاد.
والملتزم خبر "صار"، وُقِفَ عليه بالسكون على لغة ربيعة، والجار والمجرور متعلق به قُدِّمَ عليه لضرورة النظم، وحذف منه مضاف، أي في تأليفه .



7– فَهَــذِهِ أُرْجُـوزَةٌ لَقَّـبْـتُـهَا جَـوْهَرَةَ التَّـوْحِيدِ قَدْ هَـذَّبْـتُهَا


(ص): فَهَــذِهِ أُرْجُـوزَةٌ
(ش): الإشارة إلى موجودٍ في الذهن ولو كان الكتاب سابقا على الخطبة ضرورة أنه لا بقاء للألفاظ خارجا، وهو إمّا الألفاظ المخيَّلة الدالة على المعاني المقصودة على وجه مخصوص، أو النقوش الدالة على المعاني كذلك بتوسط دلالتها على تلك الألفاظ ، أو المعاني المخصوصة من حيث إنها مدلولة لتلك العبارات أو النقوش، أو المركب من الثلاثة، أو من اثنين منها على ما جوزه السيد الجرجاني في مسمى الكتب وما فيها من التراجم مختارا أولها قائلا فيه: هذا هو الظاهر. ولا بد من تقدير مضافين، أي: ومُفَصَّل نوع هذه أرجوزة، ضرورة امتناع قبول الذهن الجزئيات من حيث هي جزئية حتى ينتزع منها معنى كليا، كالمنطبق على زيد بعد غيبته عن الحس، وضرورة صحة الإشارة إلى كل رقيم نقشت فيه رقومها بأنه هي ولو لم يحضر عند الناظم البتة.

و"الأرجوزة" وزنها أُفعُولة كأفحوصة، حذف موصوفه للعلم به، أي: هذه قصيدة أرجوزة، أي مرجزة النظم، من الرجز: أحد بحور الشعر على الأرجح، وجمعها أراجيز، قال: أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني. وهذا اللفظ دال على القلة عرفا، ففيه ترغيب في تعاطيها بأنها قليلة ونظم ونازلة من العقائد منزلة الجواهر من القلائد.
وهذه الجملة مستأنفة لبيان الإسعاف بما يخرج به المكلف من عهدة التكليف بالعقائد مع السهولة.

(ص): لَقَّـبْـتُـهَا جَـوْهَرَةَ التَّـوْحِيدِ
(ش): التلقيب: تعليق اللقب على المسمى، وهو ما أشعر بحسب مدلوله الأصلي برفعة المسمى أو ضَعَتِهِ، يتعدّى إلى أول المفعولين بنفسه، وإلى الآخر بالـ"باء" أو بنفسه.

و"الجوهرة": واحدة الجوهر وهو اللؤلؤ وكل نفيس، وإنما لقبتها بما ذكر ليطابق الاسم المسمى ، وإظهار المدح لها من باب ترغيب الطالب فيها مبالغة في نصحه.
و"التوحيد" على حذف مضاف، أي علم التوحيد.

تنبيه:
أسماء العلوم كأسماء الكتب أعلام أجناس عند التحقيق وضعت لأنواع أعراض تتعدد بتعدد محالِّها كالقائم بزيد والقائم بعمرو. وبعضهم زعم أنها أعلام أشخاص، والمتعدد باعتبار محلّه يُعَدُّ واحدًا عرفا. وبسطه بالأصل.
ولا يخفى أن ضمير "لقبتها" للأرجوزة، وأن الجملة صفة لها مخصصة، وبها أفاد حمل الأرجوزة على اسم الإشارة.

خاتمة:
قال الإمام العلاّمة عمر بن محمد الاشبيلي الأشعري رضي الله تعالى عنه في كتابه المسمى بـ"لحن العوام": " ينبغي اجتناب تسمية الكتب المؤلفة بما يضاهي القرآن والوحي، فإن ذلك غير جائز شرعا كقول بعضهم "كتاب الإسراءات والمعاريج" ، و"مفاتح الغيب" ، و"الآيات البينات"؛ لأنها مزاحمة للنبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والعروج إلى السماء، أو مشارك للحق تعالى في علم الغيب". انتهى. ونقله عنه شيخ مشائخنا سيدي عبد الوهاب في الباب العاشر من مننه الكبرى.

(ص): قَدْ هَـذَّبْـتُهَا
(ش): هذه الجملة حالية صاحبها يفسر ضميرها وهو الأرجوزة أو الجوهرة، يعني أشير إليها أو لقبتها في حال إتمامي لتهذيبها وتنقيحها من الحشو والتطويل مع تحقيق معانيها وتشييد مبانيها.
ومدح الإنسان كتابه خارج مخرج التحدث بالنعمة، أو النصح لمن يتعاطاه، على أن مدح الإنسان لنفسه جائز في عدة مواضع كما بيناها بالأصل.



8– وَاللَّهَ أَرْجُـو فِـي القَبُول نَافِعَا بِهَا مُرِيـدًا فِي الثَّوَابِ طَـامِعَـا


(ص): وَاللَّهَ أَرْجُـو فِـي القَبُول
(ش): لفظ الجلالة الكريمة منصوب على التعظيم، قُدِّم على عامله لقصد الاهتمام والاختصاص، أي: لا أرجو في حصول القبول مني لهذه الأرجوزة أو لكل عمل خير إلا الله لأنه هو القادر عليه دون غيره.
والرجاء لغة: الأمل، وعرفا: تعلق القلب بمرغوب في حصوله في المستقبل، مع الأخذ في أسباب الحصول حتى يمتاز عن الطمع والتمني.
والقبول للشيء: الرضا به مع ترك الاعتراض على فاعله، وقيل: الإثابة على العمل الصحيح.

(ص): نَافِعَا بِهَا مُرِيـدًا
(ش): المنصوب الأول حال من الاسم الكريم، والثاني منصوب به، وضمير "بها" للأرجوزة أو الجوهرة، أي: لا أرجو إلا الله في القبول مني للجوهرة أو الأرجوزة حال كونه نافعا بها مريدها ولو بإرادة شيء منها لحفظ أو غيره، ويجوز جعل الحال من فاعل "أرجو" فتكون مقدرة.

(ص): فِي الثَّوَابِ طَـامِعَـا
(ش): المنصوب صفة "مريدا"، والجار والمجرور لغو متعلق به قدّم عليه للضرورة؛ أي: مريدا لتحصيل ما يحتاج إليه من هذه الجوهرة، طامعا في الثواب من الله تعالى بذلك التحصيل لا لرياء ولا غيره.
والثواب: مقدار من الجزاء يعلمه الله تعالى تعالى، تفضل بإعطائه لمن شاء من عباده في نظير أعمالهم الحسنة بمحض اختياره من غير إيجاب عليه ولا وجوب. والمراد من الطمع هنا الرجاء مجازا.

تنبيه:

في كلامه إشارة إلى أن العمل لله مع إرادة الثواب جائز – وإن كان غيره أكمل منه – فإن درجات الإخلاص ثلاث: عليا ووسطى ودنيا، فالعليا: أن يعمل العبد لله وحده امتثالا لأمره وقياما بحق عبوديته، والوسطى: أن يعمل لثواب الآخرة، والدنيا: أن يعمل للإكرام في الدنيا والسلامة من آفاتها، وما عدا هذه الثلاث فهو من الرياء وإن تفاوتت أفراده. قاله العلماء، واللفظ لشيخ الإسلام الأنصاري – نفعنا الله به – في شرح الرسالة القشيرية.
واللام في قوله "للإكرام" لام العاقبة والمآل، لا لام العلة، فالعمل لله ليس إلا، لكنّه يؤول عند الإطلاع عليه إلى الإكرام.
ولا بأس بالتعرض هاهنا لأمور مهمة تدعو ضرورةُ التعلم إليها قبل الشروع في المقصود فنقول: منها أن الناس في تأليف هذا الفن فريقان:

أحدهما يجمع المسائل بأدلتها ويوجّه الشبه عليها بأجوبتها كالقاضي عضد الدين الإيجي في مواقفه، والسعد في مقاصده، والبيضاوي في طوالعه.

وثانيهما يجرد المسائل عن الشُّبَه والدلائل – كالنسفي في عقائده – طلبا للاختصار، وجذبا للقلوب بتخييل سهولتها، وحرصا على إيصالها إليها بطريق الإجمال لترسخَ عند التفصيل بالتعليم، وقد سلك الناظم هذا الطريق.

ومنها أن الحكم إمّا شرعي: وهو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، ومنه الوضعي: وهو جعل الشارع شيئا شرطا أو سببا أو مانعا لحكم من الأحكام الخمسة الداخلة تحت الخطاب المذكور، وهي: الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة.

فالسبب: ما يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود لذاته، كالزوال لوجوب الظهر.

والشرط: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، كالطهارة لصحة الصلاة.

والمانع: ما يلزم وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، ككشف العورة عمدا في الصلاة، فتأثير السبب في طرفي الوجود والعدم، وتأثير الشرط في جانب العدم فقط، وتأثير المانع في جانب الوجود فقط.

وإمّا عادي: وهو إثبات الربط بين أمر وأمر وجودا أوعدما بواسطة التكرر مع صحة التخلف وعدم تأثير أحدهما في الآخر البتة؛ كربط وجود الشبع بوجود الأكل، وربط عدم الشبع بعدم الأكل، وربط وجود الإحراق بعدم البلل، وربط عدم الإحراق بوجود البلل، فصوره أربع.

وإمّا عقلي: وهو إثبات أمر أو نفيه من غير توقف على تكرر ولا وضع واضع، وأقسامه ثلاثة: الوجوب والاستحالة والجواز،

فالواجب: ما لا يتصور في العقل عدمه، إمّا ضرورةً كالتحيّز للجرم، وإمّا نظرا كوجوب القدم له تعالى.

والمستحيل: ما لا يتصور في العقل وجوده، إمّا ضرورة كتعرّي الجرم عن الحركة والسكون، وإمّا نظرا كالشريك له تعالى.

والجائز: ما يصح في نظر العقل وجوده وعدمه، إمّا ضرورة كالحركة والسكون للجرم، وإمّا نظرا كتعذيب المطيع وإثابة العاصي.

ومنها أنه لا حكم عندنا قبل ورود الشرع – لانتفاء لازمه، وهو ترتب الثواب والعقاب – لقوله تعالى  وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا  يعني: ولا مثيبين.
وحكّمت المعتزلة العقل في الأفعال قبل البعثة على تفصيل بيناه في الأصل.

ومنها: أن التحسين والتقبيح في الأحكام شرعيان عندنا، وعقليان عند المعتزلة، أمّا الحسنُ بمعنى ملائم الطبع، والقبح بمعنى منافره فعقليان اتفاقا.

ومنها كما مرّت الاشارة إليه أن معرفة ما يُخرج عن التقليد من هذا العلم إلى التحقيق ولو بالدليل الجملي فرض عين، ومعرفة ما يقتدر به على تقرير مسائله بأدلتها وردّ الشبه عنها بأجوبتها فرض كفاية على أهل كل قطر يشق الوصول منه إلى غيره مما فيه من يقوم بذلك، فيخاطب به الجميع ابتداء فيأثمون بتركه، ويسقط عنهم الخطاب بقيام واحد منهم به.
ومنها أن التكليف: إلزام البالغ العاقل ما فيه كلفة، وقيل طلبه به .
ومنها أنه لا تكليف إلا بفعل اختياري. وفي الأصل مع بسط هذه الأمور فوائد مهمة.



9 – فَكُـلُّ مَنْ كُلِّفَ شَرْعًـا وَجَبَـا عَلَيْـهِ أَنْ يَعْـرِفَ مَـا قَدْ وَجَبَا

10– لِلِّهِ وَالجَـائِزَ وَالمُمْـتَـنِـعَـا وَمِـثْـل ذَا لِـرُسْلِه فَاسْـتَمِعَـا


(ص): فَكُـلُّ مَنْ كُلِّفَ شَرْعًـا وَجَبَـا، عَلَيْـهِ أَنْ يَعْـرِفَ مَـا قَدْ وَجَبَا، لِلِّهِ وَالجَـائِزَ وَالمُمْـتَـنِـعَـا

(ش): يعني أنه يجب عندنا بالشرع على جميع المكلَّفين من الثقلين معرفة ما يجب لله تعالى عقلاً وما يجوز في حقه كذلك وما يمتنع عليه سبحانه كذلك ولو بدليل جملي يخرُج المكلف به من التقليد؛ للإجماع على ذلك، وللنصوص الواردة به كقوله تعالى:  فاعلم أنه لا إله إلا الله ، وخبر « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله » الحديث، وهو متواتر المعنى.

فقوله: "شرعا" منصوب بنزع الخافض، متعلق بـ"وجبا"، قدّم عليه لإفادة الحصر، و"أن يعرف" فاعله، أي: لا يجب عليه معرفة ما ذكرنا إلا بالشرع؛ إذ قبله لا حكم أصلاً، لا أصلياًّ ولا فرعياًّ كما هو المنقول عن الأشاعرة وجمْع من غيرهم، وبه صرّح إمام الحرمين حيث قال " إنّا لا نُتَعَبَّدُ أصلاً وفرعاً إلا بعد البعثة".

وخالف في ذلك المعتزلة فقالوا: إن معرفة ذلك واجبة بالعقل لأنها دافعة للضرر المظنون وهو خوف العقاب في الآخرة حيث أخبر جمع كثير بذلك، وخوف ما يترتب في الدنيا على اختلاف الفرق في معرفة الصانع من المحاربات وهلاك النفوس وتلف الأموال، وكل ما يدفع الضرر المظنون، بل والمشكوك، واجبٌ عقلاً، كما إذا أردت سلوك طريق فأُخبِرتَ بأنّ فيه عدوّا أو سَبُعاً فإنه يجب عليك اجتنابه خوف الوقوع في الهلكة.

وردّ بمنع ظنّ الخوف في الأعم الأغلب؛ إذ لا يلزم الشعور بالاختلاف وبما يترتب عليه من الضرر، ولا بالصانع وبما رتّب في الآخرة من الثواب والعقاب. والإخبار بذلك إنما يصل إلى البعض، وعلى تقدير الوصول لا رجحان لجانب الصدق لأن التقدير عدم معرفة الصانع وبعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ودلالة المعجزات. ولو سُلِّم ظنُّ الخوفِ فلا نسلِّم أنّ تحصيل المعرفة يدفعه لأنّ احتمال الخطأ قائم، فخوف العقاب أو الاختلاف بحاله، والعناء زيادة.
وقد اعترض على مذهب أهل السنة بما ذكرناه، وجوابه بالأصل.
وينبني على هذا الخلاف حكم من قدَر على معرفة الله بالنظر ومات ولم يفعل قبل بلوغ الدعوة، فعندهم يموت عاصيا، وعندنا لا.

وبما قررناه ظهر أن الخلاف إنما هو في طريق وجوب المعرفة هل هو الشرع أو العقل، فبعد ورود الشرع تكون واجبة به اتفاقا من الفريقين. كما أنها متى حصلت كفت عندنا؛ كما حصلت لقس بن ساعدة الإيادي، وزيد بن عمرو بن نفيل، ممّن تَبصَّرَ في الجاهلية، فإنهم ناجون على الصحيح.

وإنّما قيدنا المكلف بمن كان من الثقلين لأنه المتبادر من مدلوله بحسب المتعارف، مع أن معرفة الملائكة بأحكام الألوهية – لو قلنا بتكليفهم بأحكام شرعنا – ضرورية، فلا يقع بها التكليف لما مرّ آنفا.
وعبّر بالمعرفة دون العلم – وإن رادفها على الأرجح – لاشتهار استعمالها في الجزئيات المرادة هنا مما وجب وما بعده، وقد مضى تعريف هذه الأمور آنفا.

تنبيهات:

الأوّل: قدّم الواجب لشرفه، إذ به يتصف الباري سبحانه، ولأن بمعرفته يعرف قسيماه، وأخّر المستحيل لانحطاطه، إذ يرجع إلى السلب والعدم، والوجود أشرف منه، ووسّط الجائز لتردده بينهما، إذ فيه من الواجب شائبة الثبوت، وفيه من الممتنع شائبة النفي. وكونه بهذا الاعتبار كالمركَّب فينبغي أن يقدم عليه المستحيل لكونه كالبسيط لا يقدح في مقام المناسبات مع أن ملاحظة جهة الوجود أشرف.

الثاني: كل واحد من هذه الأحكام الثلاثة ينقسم إلى قسمين: ضروري ونظري، فالجميع ستة أحكام ، وقد مر تمثيلها. قال بعضهم: "ويمكن تمثيل الأقسام الثلاثة بحركة الجرم وسكونه؛ فالواجب أحدهما لا بعينه، والمستحيل خلوّه عنهما جميعا، والجائز ثبوت أحدهما له معيّنا بدلا عن الآخر. وينبغي الاعتناء بمعرفة هذه الأحكام والإرتياض عليها لأنّ إمام الحرمين ادعى أن معرفتها هي العقل [أي الضروري لا النظري، فإنا نجد من يُضرَب بعقله المثل قد زلّ قدمه في هذه الأحكام ، كذا قرره شيخنا بناء على أنه العلم بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات كما سيأتي.

الثالث: حَذَفَ صِلة الجائز ليصح تقدير ما هو الأليق. وقد قال بعضهم إن الأولى تقدير في حقه لا عليه لإيهامه جواز اتصافه تعالى بصفة جائزة. انتهى. وفيه نظر.

الرابع: المراد معرفة جميع جزئيات هذه الكليات حسب الطاقة البشرية، ولو بقانون كلّي.

الخامس: الوجوب الأول مقيّد بالشرع والثاني مقدر بالعقل فلا إيطاء, وألف "وجبا" و"الممتنعا" للإطلاق.

تتمّة:

خرج بالمكلف – وهو البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة – غيرُهُ، فلا يجب عليه ما ذكر على الأصح.
واعلم أن الصواب أن العوام والعبيد والنسوان والخدم مكلفون بمعرفة العقائد عن الأدلة متى كان فيهم أهلية فهمها وإلا كفاهم التقليد.
ولا يخفى أن اعتبار البلوغ في التكليف هو ما استقر عليه الشرع، وإلا فقد نقل جماعة من العلماء عن البيهقي أنه قال إن الأحكام الشرعية التكليفية كانت في صدر الإسلام غير متعلقة بالبلوغ ولا متوقفة عليه، بل كانت تتعلق بالقادر، بالغا كان أو غيره.

تحرير:
اعلم أن المقرر عند الحنفية تكليف الصبي العاقل بالإيمان، وكذا من لم تبلغه الدعوة ونشأ على شاهق جبل لوجود العقل، فلو لم يعتقد إيمانا ولا كفرا كان من أهل النار لوجوب الإيمان عليه بمجرد العقل. وأمّا في الشرائع فمعذور حتى تقوم عليه الحجة. وهذا مروي عن أبي حنيفة ومشائخ أهل السنة من أهل مذهبه. قال أبو منصور: الصبي العاقل تجب عليه معرفة الله تعالى، وقوله عليه الصلاة والسلام: « رفع القلم عن ثلاث » وعدّ منهم الصبي حتى يحتلم محمول على الشرائع دون الإيمان.
والفرق بينه وبين قول المعتزلة الآتي أن المعتزلة يجعلون العقل موجبا، وهؤلاء عندهم الموجب هو الله تعالى والعقل معرّف لإيجابه.
والصحيح الموافق لظاهر النص وظاهر الرواية ما قاله صاحب التقويم وفخر الإسلام أن الذي لم تبلغه الدعوة غير مكلف بمجرد العقل وأنه إذا لم يعتقد إيمانا ولا كفرا كان معذورا إذا لم تمض له مدة يتمكن فيها من التأمل والاستدلال بأن بلغ في شاهق جبل ومات من ساعته. وأما إذا مضت له مدة يتمكن فيها من ذلك وأعانه الله بالتجربة على إدراك العواقب فلم يكن معذورا لأن ذلك بمنزلة دعوة الرسل في حقه، فإذا لم تحصل له معرفة بعد هذه المدة دل ذلك على استخفافه بالحجة، والمستخف لا يكون معذورا. ثم مدة الإمهال لا دليل على تحديدها مدة يعول عليه، وتقديرها بثلاثة أيام اعتبارا بالمرتد ليس بقوي لتفاوت العقول في التجربة، فرب عاقل يهتدي في زمان قليل ما لا يهتدي إليه غيره، فالحق تفويض علم مقدارها في حق كل شخص إليه تعالى، فيعفو عنه قبل بلوغها ويعاقبه بعد استيفائها.
وأمّا عند الأشعرية فالذي لم تبلغه الدعوة إذا غفل عن الاعتقاد حتى هلك، أو اعتقد الشرك ولم تبلغه الدعوة كان معذورا لأن المعتبر عندهم هو السمع دون العقل. ومن قتل ممّن لم تبلغه الدعوة ضمّن لأن كفرهم معفو عندهم وصاروا كالمسلمين في الضمان.
وعند الحنفية لا ضمان وإن كان قتلهم حراما قبل الدعوة لأن غفلتهم عن الإيمان بعد إدراك مدة التأمل لا تكون عفو إن كان قتلُهم مثلَ نساء أهل الحرب فلا يضمن.
ولا يصح إيمان الصبي العاقل عند الأشاعرة لعدم ورود الشرع به، متمسكين بقوله تعالى  وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا  نفي العذاب قبل البعثة، ولما انتفى العذاب انتفى حكم الكفر عن الصبي ومن لم تبلغه الدعوة وبقوا على الفطرة.
وأجيب عن الآية باحتمال أن يراد من العذاب المنفي العذاب الدنيوي، فلا تنهض حجة. انتهى كلام المنار وشرحه لعبد اللطيف ملخص.
وقوله "ولا يصح إيمان الصبي عند الأشاعرة" معناه لا يجب بدليل تمسكهم بالآية، وبنفي الوجوب عبّر الجمهور، والمشهور من مذهب المالكية وهم أشعرية عدم الضمان لمن لم تبلغه الدعوة، وعلى قاتله التوبة فقط. وحمل العذاب المنفي على الدنيوي بعيد من الآية، إذ قبلها  من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه  الآية، فلا تحمل عليه – حيث لا قرينة – لوجوب إجراء النصوص على ظواهرها حيث لا مانع. والله أعلم .

(ص): وَمِـثْـلُ ذَا لِـرُسْلِه فَاسْـتَمِعَـا
(ش): يعني أنه يجب بالشرع أيضا على كل مكلف أن يعرف للرسل عليهم الصلاة والسلام من الواجب والجائز والمستحيل مثل ما عرف له تعالى من هذه الأحكام، فيعرف ما يجب لهم وما يجوز في حقهم وما يستحيل عليهم صلى الله وسلم عليهم.

والرسْل هنا ساكن السين للوزن، جمع رسول، وتقدم بيانه. وألف "استمعا" بدل من نون التوكيد الخفيفة وقفا، أصله استمعن، وهو تكملة.
ويجوز في "مثل" رفعه عطفا على محل "أن يعرف" أو مستأنفا، ويجوز نصبه بعامل مقدر بـ"أنّ" ويكون من عطف المفرد المؤول على مثله. وإفراد اسم الإشارة مع عوده لمتعدد لتأويله بالمذكور.
وأما نصبه بالعطف على محل "ما وجب" أو أحد ما بعده ففيه فساد توهم عود اسم الإشارة إليه بخصوصه فلا يعم الأحكام الثلاثة.

تنبيه:

لا يلزم من أخذ الطلبة لهذا العلم عن المشائخ بالتعلم منهم أن يكونوا مقلدين لهم حتى يكونوا ممن جرى الخلاف في صحة إيمانهم، كما لا يلزم الأخذ بمذهب الأشعري أو الماتريدي التقليد المذموم في العقائد لأن كلا من الطالب والآخذ بمذهب الأشعري أو الماتريدي ما أذعن للحكم وسلمه إلا بعد اطلاعه على مأخذه من دليله ووقوفه على اليقين فيه. فهو بمنزلة من سأل منجما عن منزلة الهلال فأرشده إليها، ثم أمعن النظر حتى رآه وتحققه وصار يخبر برؤياه عن يقين وعيان. وهذا إيضاح قولي السعد إن التعليم ليس إلا إعانة للعقل بالإرشاد إلى المقدمات ودفع الشكوك والشبهات، والسيد المتعلم ليس غافلا بالمرة، بل هو ناظر متأمل.

نزار بن علي
29-08-2007, 17:23
11– إِذْ كُـلُّ مَـنْ قَلَّدَ فِي التَّوْحِيـدِ إِيـمَانُـهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ تَـرْدِيـدِ

12– فَفِيهِ بَعْضُ القَوْمِ يَحْكِي الخُلْفَـا وَبَـعْضُـهُمْ حَقَّقَّ فِـيهِ الكَشْفَـا


(ص): إِذْ كُـلُّ مَـنْ قَلَّدَ فِي التَّوْحِيـدِ، إِيـمَانُـهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ تَـرْدِيـدِ، فَفِيهِ بَعْضُ القَوْمِ يَحْكِي الخُلْفَـا
(ش): يعني إنما أوجبنا على المكلف معرفة ما ذكر بالدليل ليسلم له إيمانه من الشك والتزلزل الذي يعتري المقلدين غالبا، فإنهم وإن جزموا عقائدهم بما ذكر لكنها قابلة حالا للتشكيك، ومظنة للترديد بمعنى التردد والتحير، حتى ربما يقول للفتانين حين يسألانه: من ربك وما دينك وما نبيك، هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. فـ"مِنْ" واقعة على المكلف المتأهل لفهم البراهين ولو إجمالية.

والتقليد: الأخذ بقول الغير من غير حجة. وقيل: قبول قول الغير وهو لا يعلم من أين أخذه، بأن يصدقه تحسينا للظن به من غير تفكر في خلق السموات والأرض. فالأخذ بقوله عليه السلام في الأحكام تقليد على الأول، وبه صرح إمام الحرمين في الورقات. وصرح في البرهان بخلافه، فإنه قال: "وذهب بعضهم إلى أن التقليد قبول قول القائل بلا حجة، ومن سلك هذه الطريقة منع أن يكون قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم تقليدا، فإنه حجة في نفسه".

وأما على الثاني، فعلى القول بجواز اجتهاده عليه الصلاة السلام في الأحكام يجوز أن يسمى قبول قوله تقليدا، وعلى منع ذلك في حقه عليه السلام وإنه إنما يقولها عن وحي  وما ينطق عن الهوى إن هو وحي يوحى ، فلا يسمى قبول قوله عليه السلام تقليدا.
وعبارة شيخنا وشيخ شيوخنا والصحيح جواز اجتهاده صلى الله عليه وسلم ووقوعه، ولا يكون إلا صوابا. والآية محمولة على القرآن، أي: وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى، ما القرآن إلا وحي يوحى.
والذي حققه في البرهان أن التقليد هو الأخذ بقول غير معصوم ومن غير حجة. وعليه، فالأخذ بقوله عليه السلام مطلقا ليس بتقليد.
والمراد بـ"التوحيد": علم العقائد الإسلامية كما مر.

وقوله: "ففيه" إلخ، الفاء فيه تفريعية سببية. يعني: فبسبب، أو لأجل تحيّر المقلِّد وعدم دليل له يعتمد عليه في عقيدته، اختلف العلماء في صحة إيمانه وعدمها، مع إجماعهم بوجوب المعرفة عليه بالدليل مهما كان فيه أهلية لفهمه ، وإن اختلفوا في طريق وجوبها عليه كما مر آنفا.

"فمنهم" من نقل عن الأشعري والقاضي والأستاذ وإمام الحرمين والجمهور عدم صحة الاكتفاء بالتقليد في العقائد الدينية، بل بالغ بعضهم فحكى عليه الإجماع، وعزاه ابن القصار للإمام مالك رضي الله عنه. ومنهم من نقل عن الجمهور ومن سبق ذكرهم عدم جواز التقليد في العقائد الدينية، وأنهم اختلفوا في المقلد؛ فمنهم من قال: هو مؤمن، إلا أنه عاص بترك المعرفة التي ينتجها النظر الصحيح. ومنهم من فصل فقال: هو مؤمن عاص إن كان فيه أهلية لفهم النظر الصحيح، وغير عاص إن لم يكن فيه أهلية ذلك. ومنهم من نقل عن طائفة أن من قلد القرآن والسنة القطعية صح إيمانه لاتباعه القطعي، ومن قلد غير ذلك لم يصح إيمانه لعدم أمن الخطأ على غير المعصوم. ومنهم من جعل النظر والاستدلال شرط كمال فيه. ومنهم من حرم النظر ما مر.

قال الجلال المحلى بعد نقل الخلاف: "وقد اتفقت الطرق الثلاث – يعني الموجبة للنظر والمحرمة والمجوزة – على صحة إيمان المقلد". انتهى.

والمراد بعدم الاكتفاء في الأولى أن التقليد لا يسقط وجوب النظر عن صاحبه، وعزوُ عدم صحة يمان المقلد للجمهور والأشعري وقع لابن التلمساني وغلّطه فيه بعض أهل عصره، على أنه هو نفسه عزى لمن ذكر في بعض كتبه عدم الجواز، لا عدم الصحة؛ بل قال القشيري: إن القول بعدم صحة إيمان المقلد مكذوب على الأشعري لم يوجد في كتبه، كيف وهو مستلزم للقول بتكفير العوام، وهم غالب الأمة؟

قلت: وفيه نظر يعلم مما سيأتي في تحرير السعد للمقلد.

وحكى الآمدي في الأبكار، وبه جزم المحلِّى كما مر، اتفاق الأصحاب على انتفاء كفر المقلد، وأنه ليس للجمهور إلا القول بعصيانه بترك النظر إن قدر عليه، مع اتفاقهم على صحة إيمانه، وأنه لا يعرف القول بعدم صحة إيمان المقلد إلا لأبي هاشم الجبائي من المعتزلة محتجا بأن من لم يعرف الله سبحانه وتعالى بالدليل فهو كافر لأن ضد المعرفة النكرة، والنكرة كفر. وأصحابنا مجمعون على خلافه. انتهى. ونحوه للتاج السبكي. هذا تحرير الخلاف في إيمان المقلد عند الأشعرية. وأما الماتريدية، فقال رئيسهم أبو منصور الماتريدي: "أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون عارفون بربهم، وأنهم حشو الجنة كما جاءت به الأخبار وانعقد عليه الإجماع ، لكن منهم من قال لا بد من نظر عقلي في العقائد، وقد حصل لهم منه القدر الكافي، فإن فطرتهم جبلت على توحيد الصانع وقدمه وحدوث ما سواه من الموجودات، وإن عجزوا عن التعبير عنه باصطلاح المتكلمين. والعلم بالعبارة علم زائد لا يلزمهم". انتهى.

ولا يخفى أن ما قاله عين ما أجيب به عن إلزام الأشعري السابق من الاكتفاء بالدليل الجملي وإن قصرت العبارة عنه، فالخلف بين الفريقين في صحة إيمان المقلد القائل بها الماتريدية وعدمها المنسوب القول به للأشاعرة على ما عرفت لفظي؛ إذ على ما قاله الماتريدي وأجيب به عن الأشعري لا يكاد يكون في العوام مقلد.
وعبارة شرح المقاصد: "ذهب كثير من العلماء وجميع الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى صحة إيمان المقلد وترتيب الأحكام عليه في الدنيا والآخرة، ومنعه الشيخ أبو الحسن والمعتزلة وكثير من المتكلمين. احتج القائلون بالصحة بأن حقيقة الإيمان هو التصديق، وقد وجدت من غير اقتران بموجب من موجبات الكفر. فإن قيل: لا يتصور التصديق بدون العلم لأنه إما ذاتي للتصديق أو شرط له، ولا علم للمقلد لأنه اعتقاد جازم مطابق يستند إلى سبب من ضرورة أو استدلال. قلنا: المعتبر في التصديق هو اليقين، أعني الاعتقاد الجازم المطابق، بل ربما يكتفى بالمطابقة ويجعل الظن الغالب الذي لا يخطر معه النقيض بالبال في حكم اليقين". انتهى المقصود منه، وله تتمة بالأصل، وفيه إثبات لما قيل أنه مكذوب على الأشعري.

تتمة:

قال السعد: "اعلم أن القائلين بأن إيمان المقلد ليس بصحيح أو ليس بنافع اختلفوا، فمنهم من قال: لا يشترط ابتناء الاعتقاد على استدلال عقلي في كل مسألة، بل يكفي ابتناؤه على قول من عرف رسالته صلى الله عليه وسلم بالمعجزة، مشاهدة أو تواترا، أو على الإجماع، فيقبل قول النبي صلى الله عليه وسلم بحدوث العالم وثبوت الصانع ووحدانيته عز وجل. ومنهم من قال: لا بد من ابتناء الاعتقاد في كل مسألة من الأصول على دليل عقلي، لكن لا يشترط الاقتدار على التعبير عنه ولا على مجادلة الخصوم ودفع الشبه كما هو المشهور عن الشيخ أبي الحسن، حتى حكي عنه أن من لم يكن كذلك لم يكن مؤمنا. لكن ذكر عبد القاهر البغدادي أن هذا وإن لم يكن عند الأشعري مؤمنا على الإطلاق، فليس بكافر لوجود التصديق، لكنه عاص بترك النظر والاستدلال، فيعفو الله عنه أو يعذبه بقدر ذنبه، وعاقبته إلى الجنة.
وهذا يشعر بأن مراد الأشعري أنه لا يكون مؤمنا على الكمال كما في تارك الأعمال، وإلا فهو لا يقول بالمنزلة بين المنزلتين، ولا بدخول غير المؤمن الجنة. وعند هذا يظهر أنه لا خلاف معه على التحقيق.

ومنهم من قال: لا بد مع ابتناء الاعتقاد على الدليل العقلي من الاقتدار على مجادلة الخصوم وحل ما يرِدُ عليه من الإشكالات، وإليه ذهب المعتزلة، ولم يحكموا بإيمان من عجز عن شيء من ذلك، بل يحكم أبو هاشم بكفره.
فإن بنوا ذلك على أن ترك النظر كبيرة تخرج من الإيمان إذا طرأت وتمنع من الدخول فيه إذا قارنت، فهي مسألة صاحب الكبيرة، وسيأتي الكلام فيها، وإن أرادوا أن مثل هذا التصديق لا يكفي في الإيمان أي لا ينفع، فهي مسألة أخرى على ما تشعر به تمسكاتهم". انتهى.



13– فَقَالَ: إِنْ يَجْزِمْ بِقَولِ الغَيْرِ كَفَى وَإِلاَّ لَـمْ يَــزَلْ فِي الضَّـيْـرِ


(ش): الضمير المضاف إليه "بعض" عائد على "القوم". و"التحقيق" يطلق بمعنى إثبات الشيء بدليله، وبمعنى بيان حقيقته على الوجه الحق المطابق للواقع. والمراد هنا المعنى الثاني، يعني أن بعض القوم – كالتاج السبكي – حقَّقَ الكشف عن حال إيمان المقلد بما يصير به الخلاف فيه لفظيا، فقال: إن جزم المقلد – الذي فيه أهلية النظر ولا يُخشى عليه من الخوض فيه الوقوع في الشبه والضلال كما مرت الإشارة إليه – عقيدَتَهُ بصدق ما أخبر به غير المعصوم، وكان جزما مطابقا للواقع، من غير شك ولا تردد – أي حالي –، بل على وجه يقع معه في نفسه أنه عالم بما جزم به كما يأتي؛ صحَّ إيمانه، وكفى عند أهل السنة والمعتزلة في إجراء الأحكام الدنيوية عليه اتفاقا؛ فيناكح ويؤم وتؤكل ذبيحته ويرثه المسلمون ويرثهم ويسهم له ويدفن في مقابرهم. وفي الأحكام الأخروية عند المحققين من أهل السنة فلا يخلد في النار إن دخلها ولا يعاقب فيها على الكفر ومآله إلى النجاة والجنة خلافا لقول كثير من المعتزلة كأبي هاشم أنه يعاقب في الآخرة عقاب الكفار على ما مر آنفا.

تمسّك أهل السنة بمثل قوله تعالى:  ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا  الآية، وقوله عليه الصلاة والسلام: « من صلى صلاتنا ودخل مسجدنا واستقبل قبلتنا فهو مسلم ». ودفعه المعتزلة بأنه محمول على الإسلام في حق الأحكام الدنيوية فقط. وأجيب بأنه لا دليل على التخصيص، فيبطل.

واحتج المعتزلة على عقابه في الآخرة عقاب الكفار بأنه جاهل بالله ورسوله ودينه، والجهل بذلك كله كفر. ودفعه المحققون بأنه وإن كان جاهلا بذلك لكنه مصدق به، فيجوز أن ينقص عقابه لذلك، على أن جهله بربه إنما هو من بعض الوجوه، وهو غير كفر. وليس من أهل القبلة أحد يجهله تعالى إلا كذلك، لاعترافهم على اختلاف مذاهبهم وطرقهم بأنه تعالى واحد قديم أزلي أبدي عالم قادر موجد لهذا العالم، على ما يشهد به كثير من كلامهم وتنزيهاتهم.

تنبيهان:

الأول: حملنا الشك الذي يشترط انتفاؤه عن إيمان المقلد على الحالي – يعني بالفعل – اعتمادا على ما جزم به شيخنا وشيخ شيوخنا في بعض مصنفاته. وسألت أستاذنا عنه: هل تعرفه لأقدم منه؟ فقال: لا. قلت: رأيته في كلام ابن المنير حيث رد على ابن بطال قوله في حديث « فيقول: سمعت الناس يقولون شيئا فقلته » فيه ذم التقليد، وأن المقلد لا يستحق اسم العلم التام على الحقيقة. انتهى. بأن ما حكي عن حال هذا المجيب لا يدل على أنه كان عنده تقليد معتبر؛ وذلك لأن التقليد المعتبر هو الذي لا وهْن عند صاحبه ولا حضور شك، بل شرطه أن يعتقد كونه عالما، ولو شعر بأن مستنده كون الناس قالوا شيئا فقاله لانحلّ اعتقاده ورجع شكا.
فعلى هذا لا يقول المقلد المعتقد المصمم يومئذ سمعت الناس يقولون، إلخ، لأنه يموت على ما عاش عليه وهو في حال الحياة، وقد قررنا أنه لا يشعر بذلك، بل عبارته هناك إن شاء الله تعالى مثلها هنا من التصميم.
وبالجملة، فلا بد أن يكون للمصمم أسباب حملته على التصميم غير مجرد القول، وربما لا يمكن التعبير عن تلك الأسباب، كما نقول في العلوم العادية إن أسبابها لا تنضبط. انتهى فلله الحمد.

الثاني: معنى قوله "كفى" أي في حصول الإيمان مع العصيان بترك النظر على ما هو ظاهر ، ووقع لبعض شيوخنا وشيخ شيوخنا أنه يكفي ويجوز التقليد حينئذ وعزاه للشيخ السبكي، فإن كان صرح به فذاك وإلا فلا يؤخذ من عبارته في جمع الجوامع. نعم، قال العنبري وغيره من المعتزلة بجواز التقليد في أصول الدين ولا يجب النظر اكتفاء بالعقد الجازم، والله أعلم.

وقوله: "وإلا" إلى آخره، أي: وإن لم يجزم المقلد عقيدته بما أخبره الغير على الوجه السابق لم يكفه ذلك الاعتقاد في صحة إسلامه وترتب أحكامه عليه لأنه لم يزل مرتبكا في ضير الشك المنافي للإيمان، وهذا ليس من محل الخلاف في شيء؛ إذ هم متفقون على عدم صحة إيمانه، وعليه حمل بعضهم كلام الأشعري السابق ومن وافقه.

وصِدق النظم بمن لم يأخذ بقول أحد أصلا مع كونه غير محقق يدفعه أنّ فرض الكلام في المقلد، وهو لا يكون إلا آخذا بقول الغير، وأما اشتراط حقية الأخبار بالمقلَّد فيه ومطابقة الجزم به للواقع فيغني عن التصريح به كون الكلام في إيمان المقلد الكافي، وهو لا يكون إلا كذلك.

تنبيهات:

الأول: قال السعد أسعده الله سبحانه: فإن قيل: أكثر أهل الإسلام آخذون بالتقليد فهل هم قاصرون أو مقصرون في الاستدلال؟ ولم تزل الصحابة ومن بعدهم من الأئمة والخلفاء والعلماء يكتفون منهم بذلك ويجرون عليهم أحكام المسلمين، فما وجه هذا الاختلاف وذهاب كثير من العلماء والمجتهدين إلى أنه لا صحة لإيمان المقلد؟
قلنا: ليس الخلاف في هؤلاء الذين نشؤوا في ديار الإسلام من الأمصار والقرى والصحارى وتواتر عندهم حال النبي صلى الله عليه وسلم وما أتى به من المعجزات، ولا في الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، فإنهم كلهم من أهل النظر والاستدلال، بل فيمن نشأ على شاهق جبل مثلا ولم يتفكر في ملكوت السموات والأرض فأخبره إنسان بما يفترض عليه اعتقاده فصدقه فيما أخبره به بمجرد إخباره من غير تفكر ولا تدبر. انتهى.

الثاني: قد علمت مما قررناه أن الخلاف في إيمان المقلد إنما هو بالنظر إلى أحكام الآخرة وفيما عند الله، وأما بالنظر إلى أحكام الدنيا فالإيمان الكافي فيها هو الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام الإسلامية في الدين ولم يحكم عليه بكفر، إلا إن اقترن به قيد يدل على كفره كالسجود للصنم، وبسطه بالأصل.
الثالث: قال بعض أئمة الشافعية: لو أن الله تعالى خلق إنسانا أعمى أصم سقط عنه وجوب النظر والتكليف لتعذر وصول الدعوة إليه، وهو صحيح ، والله أعلم.



14– وَاجْـزِمْ بِأَنَّ أَوَّلاً مِمَّا يَجِـبْ مَعْرِفَةٌ وَفِـيهِ خُلْفٌ مُنْـتَـصِـبْ


(ص): وَاجْـزِمْ بِأَنَّ أَوَّلاً مِمَّا يَجِـبْ

(ش): يعني إن القول المجزوم باختياره من الخلاف الآتي آنفا هو قول أبي الحسن الأشعري إمام أهل السنة إن أوّل الواجبات على المكلف معرفة الله سبحانه وتعالى، بمعنى معرفة وجوب وجوده، ومعرفة وحدته وصانعيته للعالم، ومعرفة صفاته وسائر أحكام ألوهيته، فتنوينها للتنويع والتعظيم مع دلالة المقام عليها لأن بها يتحق جميع الواجبات، وعنها ينشأ جميع تجليات الإلهيات.

تتمتان:

الأولى: لم يقع خلاف بين المسلمين في وجوب معرفة الله سبحانه وتعالى، ولا في وجوب النظر الموصل إليها بقدر الطاقة البشرية كما قاله السعد وغيره كما مر، وهذا يفهم من جعْلِه الخلاف في الأولية دون الوجوب.

الثانية: أصل "أوّل" على الأصح أوْأل على وزن أفعل، فقلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت الواو في الواو لاجتماع المثلين. وله استعمالان، أحدهما: أن يكون اسما بمعنى قبل وسابق، فيكون منصرفا منوَّنا، ومنه قولهم الحمد لله أوّلا وآخرا. الثاني: أن يكون صفة، فيكون أفعل تفضيل معناه الأسبق فيكون غير منصرف للوصف ووزن الفعل، قاله العلامة خالد رحمه الله. فإن حمل في النظم على الثاني فصرفه مع حذف المضاف إليه لضرورة الوزن.
وقوله "مما يجب" صفة لـ"أوّلا" الواقع اسم "أن" على الأول، وللمضاف إليه اسم التفضيل على الثاني، والأصل إن أول شيء مما يجب. و"معرفة" خبر "أن".

(ص): وَفِـيهِ خُلْفٌ مُنْـتَـصِـبْ
(ش): يعني أن الخلاف قائم بين الأئمة في تعيين أول الواجبات، ذكَرَه لدفع توهم الاتفاق على الحكم السابق المجزوم به لأرجحيته:
فقال الأستاذ: أول واجب هو النظر في معرفة الله تعالى لأنه المقدمة الموصلة إليها.
وقال القاضي الباقلاني: هو أول النظر، لتوقف النظر على أول أجزائه.
وقال إمام الحرمين: هو القصد إلى النظر لتوقف النظر على قصده، بمعنى تفريغ القلب عن الشواغل. وعزي للقاضي أيضا.
وقال بعضهم: هو التقليد.
وقال آخر: هو النطق بالشهادتين.
وقال أبو هاشم وطائفة من المعتزلة وغيرهم: هو الشك.

ورُدَّ أولها بأنه إن أراد الواجب مقصِدا، فالنظر ليس كذلك، بل هو وسيلة إلى المعرفة على ما يلوح له قوله "المقدمة الموصلة إليها"، وإن أراد مطلَقه وسيلة كانت أو مقصدا فالنظر ليس كذلك أيضا؛ إذ أول ما يشتغل به المكلف وسيلة توجيه القلب إلى المعرفة وتخليته من الشواغل.
وثانيها بأنه لا يلزم من استقلال النظر بالوجوب لإفادته المعرفة أن يكون جزؤه مستقلا به لعدم إفادته إياها، فلا يصح أن يسند إليه الوجوب على الإنفراد، كما لا يسند الوجوب لصوم بعض من يوم أو ركعةٍ من صلاة كذلك.
وثالثها بعدم اختصاصه بالواجبات؛ إذ كل متوجَّهٍ إليه لا بد من التفرغ له من الشواغل العائقة عنه.
ورابعها بأنه لا يُحَصِّلُ المعرفة الواجبة بإجماع لأنه ليس بمعرفة ولا علما.
وخامسها بأن إيجاب النطق بهما إن كان مع وجود ما يضادد مدلولهما في القلب من شك ونحوه فهو إيجاب للنفاق، وإن كان بعد تفريغ القلب من ذلك فأوّلُ الواجبات إنما هو الجزم بما في القلب بعد تفريغه، لا نفس النطق.
وسادسها بأن الشك في الألوهية كفر تطلب إزالته، فلا يكون مطلوب الحصول للتناقض، ولا سيما على أصل صاحبه الفاسد من أن كفر المنعِم قبيح لذاته. وقد بسطنا بالأصل ما فيه شفاء للفؤاد.

تتمة: الكلام السابق من قوله: "فكل من كلف" إلخ إنما أفاد أن المعرفة واجبة على المكلف، وهذا أفاد أنها أول واجب، فلا تكرار.

تنبيهات:

الأول: قال الفخر الرازي: إن أريد أول الواجبات المقصودة بالقصد الأول فهو المعرفة عند من يجعلها مقدورة للمكلف، والنظر عند من لا يجعل العلم الحاصل عقبه مقدورا له، بل واجب الحصول، وإن أريد أول الواجبات كيف كانت فهو القصد. انتهى.
وهو يفيد لفظية الخلاف، ونحوه للسيد.
وممّا ينبني على كون المعرفة مقدورة أو غير مقدورة ترتب الثواب عليها وعدم ترتبه، فذهب جماعة إلى الأول، وقوم إلى الثاني – وعليه فهي واجب لا ثواب فيه –، والحق ترتب الثواب عليها باعتبار أسبابها؛ فإنها اختيارية كما جزم به السعد.
وحصولها بعد النظر عادي عند الأشعري، لا عقلي ضروري خلافا للفخر كما يأتي عند قوله "فانظر".

الثاني: قال العضد والسيد جميعا: إن قلنا الواجب الأول النظر، فمن كان فيه أهلية النظر وأمكنه زمان يقع فيه النظر التام والتوصل به إلى معرفة الله تعالى فلم ينظر في ذلك الزمان ولم يتوصل فيه إلى المعرفة بلا عذر فهو عاص بلا شبهة، ومن لم يمكنه زمان يتوصل فيه إلى المعرفة أصلا – بأن مات حال البلوغ فهو كالصبي الذي مات حال صباه – فهو غير عاص، ومن أمكنه من الزمان ما يسع بعض النظر دون تمامه، فإن شرع فيه بلا تأخير واخترمته المنية قبل انقضاء النظر وتمامه وحصول المعرفة فلا عصيان قطعا، وأما إذا لم يشرع فيه، بل أخره بلا عذر ومات، ففيه احتمال، والأظهر عصيانه لتقصيره بالتأخير، وإن تبين عدم اتساع الزمان لتحصيل الواجب – كالمرأة في زمان رمضان تصبح مفطرة وهي طاهرة ثم تحيض في يومها ذلك فإنها عاصية وإن ظهر أنها لم يمكنها إتمام الصوم. قال السيد: وإنما خص التفريع بالنظر لاقتضائه زمانا يتأتى فيه التفصيل الذي ذكره، بخلاف القصد، وأما المعرفة فالشروع فيها راجع إلى الشروع في النظر. انتهى.

الثالث: قال بعض المحققين: لا تحتاج معرفة الله تعالى لنية، بل لا يمكن توقفها عليها لأن النية قصد المنوي، وإنما يقصد العاقل ما يعرف، فيلزم أن يكون عارفا قبل المعرفة، وهو محال.
وردّه بعضهم بما حاصله أنه إن كان المراد بالمعرفة مطلق الشعور فمسلّم، لكنه لا تتعين إرادته، وإن كان المراد بها الحاصلة من النظر في الدليل فلا؛ لأن كل ذي عقل يشعر مثلا بأن له من يدبّره، فإذا أخذ في النظر في الدليل ليتحققه لم تكن النية حينئذ محالا. انتهى، وإيضاحه بالأصل.

نزار بن علي
29-08-2007, 17:48
15– فَانْظُرْ إِلَى نَـفْسِكَ ثُـمَّ انْتَقِـلِ لِلْعَـالَـمِ العُلْـوُيِّ ثُـمَّ السُّفْلِـي


(ص): فَانْظُرْ
(ش): أتى بصيغة الأمر ليفيد أن النظر الموصل إلى معرفة العقائد واجب على المكلف لتوقف المعرفة الواجبة – الغير الضرورية – عليه، مع كونه مقدورا للمكلف، وكل ما هو كذلك فهو واجب.
وهو لغة: الإبصار والفكر. وعرفا: ترتيب أمور معلومة ليتوصل بها إلى مجهول، أي إلى علمه هنا كترتيب الصغرى مع الكبرى في قولنا: العالم متغير، وكل متغير حادث، فإنه موصل للعلم بحدوث العالم، المجهول قبل ذلك الترتيب.
وقد عرّفه المتكلمون بأنه الفكر الذي يطلب به علم أو ظن، والمراد بالفكر حركة النفس في المعاني المعقولة لها، وبقيد المعاني خرجت حركتها في المحسوسات، فإنها تخيّل. والمتبادر الحركة القصدية، فيخرج الحدس وغيره مما لا يقصد من حركاتها. وأخذ الفكر جنسا للنظر مبني على مساواته له، وهو المشهور، خلافا لمن زعم أنه أعم منه فمنع تفسيره به.

وهاهنا تنبيهات:

الأول: وجوب النظر عندنا بالشرع كما مر في المعرفة، وعند المعتزلة بالعقل، قالوا: لو وجب النظر بالشرع لزم إفحام الأنبياء عن إثبات نبوتهم في مقام المناظرة؛ إذ للمكلف عند أمر النبي له بالنظر في معجزته وما يتوقف عليه نبوته من ثبوت الصانع وصفاته ليظهر له صدق دعواه أن يقول: لا أنظر ما لم يجب علي النظر، فإن ما ليس بواجب علي لا يلزمني الإقدام عليه، ولا يجب علي النظر ما لم يثبت الشرع عندي، إذ الفرض أنه لا وجوب إلا به، ولا يثبت الشرع عندي ما لم أنظر لأن ثبوته نظريّ، فيتوقف كل واحد من وجوب النظر وثبوت الشرع على الآخر، وهو محال.
وأجيب بأنه مشترك الإلزام، وإيضاحه بالأصل، وبأن صحة إلزامه النظر إنما تتوقف على وجوب النظر وثبوت الشرع في نفس الأمر، لا على علمه بذلك، والمتوقف على النظر هو علمه بتحققهما في نفس الأمر، لا ثبوتهما فيه، فلم تتحد جهة التوقف كما هو شرط الدور.

إذا عرفت هذا، فهو إن أراد بقوله "ما لم يجب وما لم يثبت" نفس الوجوب والثبوت لم يصح قوله لا يثبت الشرع ما لم أنظر، وإن أراد العلم بها لم يصح قوله لا يجب عليَّ النظر ما لم يثبت الشرع عندي لأن الوجوب عليه لا يتوقف على العلم بالوجوب ليلزم توقفه على العلم بثبوت الشرع، بل العلم بالوجوب يتوقف على الوجوب في نفس الأمر لأن العلم بثبوت الشيء فرع ثبوته في نفسه، فإنه إذا لم يثبت في نفسه كان اعتقاد ثبوته في نفسه جهلا لا علما، فلو توقف الوجوب على العلم بالوجوب لزم الدور، ولزم أيضا أن لا يجب على الكافر شيء، بل نقول: الوجوب في نفس الأمر يتوقف على ثبوت الشرع في نفس الأمر، والشرع ثابت في نفس الأمر، علِم المكلف ثبوته أو لم يعلم، نظر فيه أو لم ينظر، وكذلك الوجوب.
ولا يلزم من هذا تكليف الغافل، لأن الغافل من لم يتصور التكليف لا من لم يصدق به كما مر، وهذا معنى ما يقال: إن شرط التكليف هو التمكن من العلم به، لا العلم به. قاله السعد.

الثاني: الحق أن النظر يفيد العلم مطلقا في الإلهيات وغيرها – خلافا للسمنية والمهندسين في عدم إفادته إياه – لأن النظريات فرع الضروريات، وقد ارتفع الوثوق بها في مثل الصفراوي يجد طعم الحلو مرا، والأحول يرى الواحد اثنين، وراكب السفينة يرى البر ماشيا، فيرتفع الوثوق بما هو فرع عنها.

والجواب: إن ارتفاع الوثوق عند تحقق وجود أسباب الغلط لا يوجب ارتفاع الوثوق في محل قطع فيه بانتفاء أسباب الغلط كما لا يخفى. قاله السعد، وينبغي أن لا تكون العدديات محل خلاف أصلا.

الثالث: الحق – كما يفهم من النظم – أن إفادة النظر معرفة الله سبحانه لا تتوقف على وجود المعلِّم – بمعنى المعصوم – خلافا للإسماعيلية.

الرابع: يشترط للنظر مطلقا: الحياة والعقل وعدم النوم وعدم الغفلة وعدم العلم بالمطلوب إذ لا طلب مع الحصول وعدم الجهل المركب بالمطلوب، بأن لا يكون جازما بنقيضه لأن ذلك يمنعه من الإقدام على النظر. والأربعة الأُوَل شروط في العلم أيضا. ويزاد لصحيحه أن يكون نظرا في دليل لا في شبهة، وأن يكون النظر فيه من وجه دلالته وهي ما بواسطته ينتقل الذهن من الدليل إلى المدلول؛ فإذا استدللنا بالعالم على الصانع بأن نظرنا في العالم وحصّلنا من أحواله قضيتين:
إحداهما: العالم حادث، والأخرى: كل حادث فله صانع، ثم رتبناهما هكذا لنعلم من ترتيبهما أن العالم له صانع، كان العالم هو الدليل عند المتكلمين لأنهم عرَّفوه بما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بالمطلوب، لا نفس المقدمتين المرتبتين على ما هو اصطلاح المناطقة، فإنهم عرفوه بالقول المؤلف من القضيا التي متى سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر، وثبوت الصانع مدلول الدليل، وكون العالم بحيث يفيد النظر فيه العلم بثبوت الصانع هو الدلالة، وإمكان العالم أو حدوثه الذي هو سبب احتياجه إلى المؤثر هو وجه الدلالة، وهذه الأمور الأربعة متغايرة، بمعنى أن المفهوم من كل منها غير المفهوم من الآخر ، فتكون العلوم المتعلقة بها متغايرة بحسب الإضافة.

الخامس: ذهب الأشعري إلى أن حصول العلم عقب النظر المكتسب للناظر عادي، فلا يتخلف عنه إلا خرقا للعادة، كتخلف الإحراق عن مماسة النار. وذهب الرازي إلى أنه ضروري، فلا ينفك عنه أصلا كوجود الجوهر لوجود العرض، فعلى الأول – المشهور – يكون مكتسبا للناظر – وهو رأي الجمهور – لأن حصوله عن نظره المكتسب له، وعلى الثاني لا يكون كذلك لأن حصوله اضطراري لا قدرة له على دفعه ولا انفكاك عنه. وبتأمل هذا التقرير تعرف أن هذا الخلاف لفظي، وأن تسميته بالمكتسب أنسب، والظن كالعلم في قولي الاكتساب وعدمه، دون قولي اللزوم والعادة؛ إذ لا ارتباط بين الظن وبين أمر ما بحيث يمتنع تخلفه عنه عقلا أو عادة، فإنه مع بقائه قد يزول لعارض كما إذا أخبر عدل بحكم وآخر بنقيضه، أو لظهور خلاف المظنون كما إذا ظن أن زيدا في الدار لكون مركوبه وخدمه ببابها ثم شوهد خارجها.
وذهب المعتزلة إلى أن النظر يولّد العلم كتوليد حركة اليد لحركة المفتاح عندهم، وعلى وزانه يقال الظن الحاصل عن النظر متولد عنه عندهم وإن لم يجب عنه، والله أعلم.

(ص): إِلَى نَـفْسِكَ
(ش): أي ذاتك، وهو متعلق بـ"انظر" مضمنا معنى توجَّهْ أو انتبه، أو إلى معه بمعنى "في" لأن النظر هنا بمعنى التفكر وهو إنما يتعدى بها، يعني إن أقرب الأشياء أن ينظر المكلف في أحواله فيستدل بها على وجوب وجود صانعه وصفاته ذات الناظر، فإنها مشتملة على سمع وبصر وكلام وذوق وشم ولمس وطول وعرض وعمق ورضا وغضب وحزن وفرح ولطافة وكثافة وبياض وحمرة وسواد وعلم وجهل وشك وظن ووهم وإيمان وكفر ولذة وألم وغير ذلك مما لا يحصى كثرة، وكلها متبدلة متغيرة وخارجة من العدم إلى الوجود ومن الوجود إلى العدم، وذلك دليل الحدوث والافتقار إلى صانع حكيم واجب الوجود عام العلم تام القدرة والإرادة فتكون حادثة، وهي قائمة بالذات لازمة لها، وملازم الحادث حادث أيضا؛ قال تعالى:  وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون ،  ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين ، ولو ننْقُل من صناعة التشريح ما يتعلق بالعين – وهي عضو واحد – لأتينا منه بجزء حافل، فما بالك بغيره، والله الملهم للسداد.

(ص): ثُـمَّ انْتَقِـلِ لِلْعَـالَـمِ العُلْـوُيِّ
(ش): "ثم" هنا وفيما بعده للترتيب الذكري، يعني: ثم بعد ذكري أمرك بالنظر في أحوال نفسك أذكُرُ أمرك بالانتقال إلى طريق آخر، والاعتبار بالانتقال إلى طريق آخر وصَّلك نظرك الصحيح في أحواله أيضا إلى معرفة وجوب وجود الصانع وصفاته، وهو العالم، فإنه ما سوى الله تعالى وصفاته من أجناس الموجودات المتجانسة، سمّيت بذلك لأنها يُعلم بها الصانع ويستدل بها عليه، كالطابع والخاتم لما يطبع ويختم به، ولذا يمتنع إطلاقه عليه تعالى وعلى شيء من صفاته. ومن خصّه بذي الروح أو بالإنس أو بالثقلين أو بالملائكة أو بالثلاثة مع الشياطين أو بأهل الجنة والنار فلا دليل له على ذلك.

وقدّم العلوي – والمراد به كل ما ارتفع كالسموات والكواكب وحركاتها والعرش والكرسي والملائكة والحجب والأنوار، وإن كان السفلي أقرب إلى الاعتبار – لأن الله قدّمه عليه في مقام الاعتبار حيث قال:  إن في خلق السموات والأرض  الآية، واهتماما بالردّ على من زعم من الفلاسفة قِدم السموات بموادها وصورها وأشكالها قدما زمانيا – بمعنى عدم سبق العدم لها – وإن قالوا بحدوث ما سواه سبحانه حدوثا ذاتيا – بمعنى الافتقار إلى الغير – ؛ فإنك إذا اعترضته مفتشا عن أحواله وجدته مشمولا لجهات مخصوصة وأمكنة معينة، ومحجوبا بعضه ببعض، وداخلا بعضه في بعض، ومرتفعا بعضه فوق بعض، وبعضه ظلمانيا وبعضه نورانيا، وبعضه متحركا وبعضه ساكنا، وكل ذلك أمارات الحدوث والافتقار إلى الصانع المنزه عن مماثلته ذاتا وصفات كما سيأتي.

(ص): ثُـمَّ السُّفْلِـي
(ش): أي ثم اذكر أمرك بأن تنتقل بالنظر إلى أحوال العالم السفلي – أي المنسوب إلى جهة السفل، كالعلوي أي المنسوب إلى جهة العلوّ – والمراد به كل ما نزل عن الفلكيات إلى منقطَع العالم، كالهواء والسحاب والأرض والنار والمعادن والبحار والحيوان والنبات، مركبا كان أو بسيطا، خلافا لمن قال من الفلاسفة بقدم الأجسام العنصرية بموادها شخصا، وبصورها الجنسية نوعا، وبصورها النوعية جنسا، بمعنى أن نوع صور الأجسام العنصرية قديم قدما زمانيا فهو مستمر الوجود بتعاقب أفراده الشخصية أزلا وأبدا، وحدوثها الذاتي لا ينافي قدمها الزماني كما مر آنفا.

تنبيهات:

الأول: في كشف الأسرار: والأرض أفضل من السماء، وهي سبع طباق عند أهل السنة كما جاءت به الأحاديث، وأما قوله تعالى:  ومن الأرض مثلهن  فيحتمل في الهيئة دون العدد. وزعم بعض الحكماء أن الأرض طبقة واحدة، وأفضل السموات أعلاها، وأفضل الأرضين التي نحن عليها.

الثاني: جعلنا "ثم" في هذه المواضع للترتيب الذكري لأن صحة النظر لا تتوقف على الترتيب المذكور؛ إذ لو عكسه فأخّر المقدم وقدم المؤخر أو وسطه صحّ.



16– تَجِدْ بِهِ صُنْعًـا بَدِيـعَ الحِـكَمِ لَـكِـنْ بِـهِ قَـامَ دَلِيـلُ العَـدَمِ


(ص): تَجِدْ بِهِ صُنْعًـا بَدِيـعَ الحِـكَمِ
(ش): هذا مضارع مجزوم في جواب الأمر، أي: إن تنظر في نفسك وفي أحوال العالم علويا كان أو سفليا تجد – أي تعلم وتتحقق فيما ذكر – صنعا، أي صنعة باهرة بدائع إحكامها ظاهرة من نقوش متقنة وألوان مستحسنة إلى ما لا يحصى من الصفات ولا يحيط بها إلا خالق الأرض والسموات؛  ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير 

وذلك أنه يتجلي عليك عند تأمله أنه من عرشه لفرشه إما عين: وهو ما يقوم بنفسه بأن يتحيز غير تابع في تحيزه لغيره، جسم إن قبل الانقسام بأن تركب من جزئين فصاعدا على المختار، وجوهر إن امتنع قبوله الانقسام، وإما عرض، وهو ما يقوم بغيره بأن يتحيز تابعا في تحيزه لغيره كالألوان وأصولها، قيل البياض والسواد، وقيل الحمرة والخضرة والصفرة، وباقيها بالتركيب، وكالأكوان وهي: الاجتماع والافتراق والحركة والسكون، وكالطعوم وأنواعها تسعة: المرارة والحرارة والملوحة والحموضة والعفوصة والقبض والحلاوة والدسومة والتفاهة، وكالروائح وأنواعها كثيرة وليس لها أسماء تخصها.
قال بعضهم: والأظهر أن ما عدا الأكوان لا يقوم إلا بالأجسام. وعورض بقول التجريد: الأعراض المحسوسة بإحدى الحواس الخمس لا تحتاج إلى أكثر من جوهر واحد. وجُمِع بحمل القيل على الاستقراء الخارجي، وكلام التجريد على التجويز العقلي. انتهى

تتمة:

أصل البديع: المخترع من غير سبق مثال ولا مادة مع غاية من الإحكام ونهاية من الإتقان. والحِكم بكسر المهملة وفتح الكاف جمع حكمة بمعنى إحكام.

(ص): لَـكِـنْ بِـهِ قَـامَ دَلِيـلُ العَـدَمِ
(ش): هذا استدراك على قوله "بديع الحكم" لدفع توهم قدمه، يعني أن العالم وإن كان على غاية من الإحكام ونهاية من البداعة في الإتقان فهو حادث لما قام به من دليل العدم وأمارة الحدوث وهو الأعراض الحادثة الملازمة له من حركة وسكون وعدم ووجود ونهايات وحدود وأشكال وألوان.



17– وَكُـلُّ مَـا جَـازَ عَلَيهِ العَـدَمُ عَلَـيْـهِ قَطْعًـا يَسْتَحِيـلُ القِدَمُ


(ص): وَكُـلُّ مَـا جَـازَ عَلَيهِ العَـدَمُ، عَلَـيْـهِ قَطْعًـا يَسْتَحِيـلُ القِدَمُ
(ش): لمّا أفاد أن النظر واجب، وذكرنا ثمة أن مدلوله ترتيب أمور معلومة ليتوصل بها إلى مجهول، أشار هنا إلى كيفية ذلك الترتيب، يعني إذا تأملت العالم وشاهدت أحواله الحسية والعقلية تقرر عندك منها مقدمتان: إحداهما – وهي الصغرى – : العالم جائز عليه العدم، وهذه مفهومة من الاستدراك هنا فهما قويا، ولذلك طواها، وثانيتهما – وهي الكبرى – : وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القدم.
أما بيان الصغرى، فلأنا سبرنا ما ثبت وجوده من العالم سبرا تاما فوجدناه غير خارج عن الأعيان والأعراض كما مر، ووجدنا الكل قابلا للعدم؛ أما الأعراض فبعضها بالمعاينة، كطُرُوِّ الحركة بعد السكون والضوء بعد الظلمة والسواد بعد البياض، وبعضها جائز عليه ذلك بالدليل كما في أضداد هذه؛ فإنها لو كانت قديمة لما طرأ عليها العدم، فإن القدم ينافي العدم، إذ القديم إن كان واجبا لذاته فظاهر عدم قبوله للعدم، وإن لم يكن واجبا لذاته وجب استناده إلى الواجب لذاته بطريق الإيجاب ضرورة أن الصادر بالقصد والاختيار لا يكون إلا حادثا لوجوب سبقه بالاختيار، والمستند إلى الواجب القديم قديم لامتناع تخلف المعلول عن العلة التامة.

وأما الأعيان فلأنها لا تخلو عن الحوادث كما عرفت بنظرك السابق، وكل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؛ أما الكبرى فظاهرة، وأما الصغرى فبيانها بوجهين:

أحدهما أن الأجسام لا تخلو عن الأعراض كما عرفت، والأعراض كلها حادثة؛ إذ لو كانت قديمة لكانت باقية لما تقرر من أن القدم ينافي العدم، وأن الأزلية تستلزم الأبدية، لكن اللازم باطل لما ثبت من أدلة امتناع بقاء الأعراض على الإطلاق.

وثانيها أن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون لأن الجسم لا يخلو عن الكون في الحيز، وكل كون في حيز إما حركة أو سكون؛ لأن ذلك الكون إن كان مسبوقا بكون في غير ذلك الحيز فهو حركة، وإلا فهو سكون، إذ لا معنى للحركة والسكون سوى هذا، بناء على أن الحركة: كون أول في مكان ثان، والسكون: كون ثان في مكان أول.

وكل من الحركة والسكون حادث؛ أما الحركة فلوجهين:

أحدهما أنها تقتضي المسبوقية بالغير لكونها تغير من حال إلى حال وكون بعد كون، وهذا سبق زماني حيث لم يجامع فيه السابق المسبوق، والمسبوق بالغير سبقا زمانيا مسبوق بالعدم لأن معنى عدم مجامعة السابق المسبوق أن يوجد السابق ولا يوجد المسبوق، والمسبوقية بالعدم هي معنى الحدوث هاهنا.

وثانيهما أن الحركة في معرض الزوال والعدم قطعا لكونها تغيرا وتقضيا على التعاقب، والزوال وطريان العدم ينافي القدم لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، فما جاز عدمه امتنع قدمه.
وأما حدوث السكون فلأنه وجودي جائز الزوال، ولا شيء من القديم كذلك لما مر؛ أما كون السكون وجوديا فلأنه من الأكوان، وأما كونه جائز الزوال فلأن كل جسم قابل للحركة، أما اولا فلعدم نزاع الخصم في ذلك، وأما ثانيا فلأن الأجسام متماثلة، فيجوز على كل منها ما يجوز على الآخر، فإذا جازت الحركة على البعض بحكم المشاهدة جازت على الكل بعقد التماثل، وأما ثالثا فلأن الأجسام إما بسائط وإما مركبات؛ لأنها إن تألفت من الأجسام المختلفة الطبائع فالمركبات، وإلا فالبسائط كالماء والنار والهواء، يجوز على كل من أجزائها المتشابهة الحصول في حيز الآخر، وما ذاك إلا بالحركة، والمركبات كالحيوان يجوز على كل من بسائطها المتماسة أن يكون تماسها الذي وقع بجزء من هذا واقعا بسائر أجزائه المتشابهة، وذلك بالحركة. وبينا في الأصل ما عليه، فعليك به إن دعتك ضرورة إليه.

تنبيه:

قيدنا بقولنا ما ثبت وجوده من العالم لأن ما لم يثبت وجوده منه كالمجردات من النفوس والعقول التي تدعيها الفلاسفة لا يجري فيها بتقدير ثبوتها ما ذكرناه من الدليل، فلا يثبت حدوثها إلا بدليل السمع: « كان الله ولا شيء معه »، أو بإثبات تعين كونه تعالى فاعلا بالاختيار، وانحصار الحدوث في الزماني.

ثم اعلم أنه لا بد من استناد الحادث إلى موجد قديم دفعا للتسلسل، وأنه لا ترجح لأحد طرفيه – الوجود والعدم – على الآخر إلا بمرجح، على ما تشهد به بديهة العقل عند الجمهور، وأن الحدوث هو الخروج من العدم إلى إلى الوجود، وأن الإمكان هو استواء الوجود والعدم – بمعنى سلب ضرورة أحدهما – أي ليس أحدهما ضروريا للممكن، وأن علة احتياج الممكن إلى السبب المرجح عند الفلاسفة وبعض المتكلمين – واختاره البيضاوي – الإمكان، وعند قدماء المتكلمين الحدوث، قال بعض المحققين: وهو معتمد أكثر المتكلمين، وعند بعضهم هي الإمكان والحدوث معا، بمعنى مركبة منهما على أن كل واحد منهما جزء لها، وعند بعض آخر هي الإمكان بشرط الحدوث، وبسطها وما يبنى عليها في الأصل، ولا يخفى احتمال النظم لكل منها، إلا أنه إلى القول بأنها الإمكان المجرد أقرب

سليم حمودة الحداد
29-08-2007, 22:06
أخي نزار ..السلام عليكم ..معدرة على المقاطعة.. أردت أن أخبرك بأن "هداية المريد" في صدد التحقيق من قبل ثلاثة ّأساتدة أحدهم خطيب المسجد الجامع في بلدتنا. و قد عرض علي مساعدته في التحقيق فاعتدرت لكوني مشغولا بما هو أهم و قد ساعده بعض إخواني. و العمل عندهم على نسختين مخطوطتين من المكتبة الوطنية بتونس.

نزار بن علي
29-08-2007, 22:52
هذا خبر سار.. أسأل الله تعالى لهم التوفيق في إخراج هذا الكتاب النافع...

نزار بن علي
29-08-2007, 22:53
18– وَفُسِّرَ الإِيـمَـانُ بِالتَّصْدِيـقِ وَالنُّـطْقُ فِـيهِ الخُلْفُ بِالتَّحْقِيـق
ِ
19– فَقِيـلَ شَرْطٌ كَالْعَمَلْ وَقِيـلَ بَلْ شَطْـرٌ وَالإّسْلاَمَ اشْرَحَنَّ بِالْعَمَلْ


(ص): وَفُسِّرَ الإِيـمَـانُ بِالتَّصْدِيـقِ

ش: لما كان الإيمان والإسلام باعتبار متعلق مفهوميهما من مباحث علم الكلام، وباعتبار عوارضهما من مباحث علم الفقه حتى ذكرا في الفنين، وبحث عنهما أهل العلمين، واختَلَفَ وضْع المتكلمين لهما، فأخرهما عن الإلهيات والنبوات والسمعيات قوم لتعلق مفهوميهما بها، وقدَّمهما عليها قوم آخرون لاحتياج الخائض في تلك المباحث إليهما ليحكم بهما عليها، سلك الناظم هذا الطريق، وقدّم الإيمان لأصالته لتعلقه بالقلب، وتبعية الإسلام له لتعلقه بالجوارح، وإنما قُدّم عليه في حديث جبريل لأهمية متعلقاته العملية التابعة للتصديق بأحكامه، فقال: "وفسر الإيمان" إلخ، يعني أن جمهور المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم فسروا الإيمان عرفا فإنه تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة، أي فيما اشتهر بين أهل الإسلام وصار العلم به يشابه العلم الحاصل بالضرورة، أي الإذعان والقبول مع الرضا والتسليم وطمأنينة النفس لذلك، تفصيلا فيما علم تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا، ولا ينحط الإيمان الإجمالي عن التفصيلي من حيث الخروج من عهدة التكليف به، وإن كان التفصيل أكمل من الإجمالي.

فليس المراد من التصديق هنا أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى النبي مثلا فيما جاء به من غير إذعان وقبول له، حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا عالمين بحقية ثبوته عليه الصلاة والسلام وبحقية ما جاء به، على ما يشهد به قوله تعالى:  يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ،  وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون لأنهم لم يكونوا أذعنوا لذلك ولا قبلوه ولا بنوا الأعمال الصالحة عليه بحيث صار يطلق عليها اسم التسليم كما هو مدلوله الوصفي؛ إذ حقيقة آمن به أمّنه التكذيب والمخالفة وجعله في أمنٍ من ذلك على ما صرح به الغزالي وغيره، وهذا قدر زائد على العلم غير لازم له.

وأما الإيمان لغة فقد قال السعد: هو التصديق، بشهادة النقل عن أئمة اللغة ودلالة موارد الإستعمال، ولم ينقل في الشرع إلى معنى آخر؛ أما أولا لأن النقل خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا بدليل، وأما ثانيا فلأنه كثر في الكتاب والسنة خطاب العرب به، بل كان ذلك أول الواجبات وأساس المشروعات، فامتثل من امتثل من غير استفسار ولا توقف إلى بيان، ولم يكن من الخطاب بما لا يفهم، وإنما احتيج إلى بيان ما يجب الإيمان به، فبيّن وفصل بعض التفصيل حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام لما سأله عن الإيمان: « أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله » الحديث، فذكر لفظ "تؤمن" تعويلا على ظهور معناه عندهم، ثم قال: « هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم »، ولو كان الإيمان غير التصديق لما كان هذا تعليما وإرشادا، بل تلبيسا وإضلالا.

نعم، لو قيل إنه في اللغة لِمطلق التصديق، وقد نقل في الشرع إلى التصديق بأمور مخصوصة لم يكن ثمّ نزاع؛ إذ المدعى أنه تصديق بتلك الأمور المخصوصة. انتهى.
وبه تعرف أن اقتصار النظم عليه في غاية التحرير.

تنبيهات:

الأول: قلنا إن تفسير الإيمان بما ذكر مذهب الجمهور ممن ذكر لأن مذهب السلف أنه اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال – من صلاة وصوم – شرط في كماله، والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط، والكرّامية قالوا: هو نطق فقط، والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السلف أن السلف جعلوا الأعمال شرطا في كماله، فالمراد من النطق عندهم الإتيان بالشهادتين ومن العمل ما يعم عمل القلب والجوارح لتدخل الاعتقادات والعبادات.

الثاني: مراد من أدخل العمل في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى وأحكام الآخرة، وإلا فأحكام الدنيا تترتب على النطق بالشهادتين إجماعا.

الثالث: السلف لما قالوا يترك الإيمان مما ذكر نشأ لهم القول بقبوله الزيادة والنقصان كما سيأتي، وستعرف أن التصديق يقبل ذلك أيضا.

الرابع: على ما قدمناه من أن المعتبر في صحة الإيمان: الاعتقاد الجازم المطابق، كان عن ضرورة أو دليل أو لا، ولا إشكال في شمول هذا التعريف لإيمان المقلد كما هو رأي الجمهور والمحققين، وأما ما عزي للأشعري أن الإيمان هو المعرفة، أو من أنه حديث النفس التابع للمعرفة بأن يقول في نفسه قولا عقليا عقب قيام الدليل على المعتقدات آمنة بذلك، فقد استشكل شمول التعريف لإيمان المقلد لأنه ليس له معرفة ولا حديث نفس تابع لها، فلا يتصور حصول التصديق له، إذ لا يوجد بدون العلم بناء على أنه ذاتي للتصديق أو شرط له، ولا علم للمقلد لأن العلم اعتقاد جازم مطابق يستند إلى سبب من ضرورة أو استدلال.

وأجاب في شرح المقاصد كما مر بأن المعتبر في التصديق هو اليقين – أعني الاعتقاد الجازم المطابق – بل ربما يكتفى بالمطابقة، ويجعل الظن الغالب الذي لا يخطر معه النقيض بالبال في حكم اليقين. وحاصله منع ما ذهب إليه الأشعري، وله جواب آخر ناقش فيه ذكرناه بالأصل، على أن عزوّ القول بأن الإيمان هو المعرفة للأشعري هو غلط تبع فيه صاحب الغنية بعضهم، ولم يوجد في كتبه، ولو سلّم فلعله أراد الإيمان الكامل.

الخامس: بني "فُسّرًَ للمجهول للعلم بفاعله كما أشرنا إليه، والألف واللام في "التصديق" للعهد الذهني بحسب ما هو المتعارف عند أهل هذا الفن. ووزن الإيمان إفْعَالٌ، فأصله إإمان بهمزتين مكسورة فساكنة، فأبدلت الثانية ياء لسكونها إثر مكسورة كما هو القاعدة التصريفية، يقال آمن وآمنه وآمن به وآمن له.


ص: وَالنُّـطْقُ فِـيهِ الخُلْفُ بِالتَّحْقِيـقِ، فَقِيـلَ شَرْطٌ كَالْعَمَلْ، وَقِيـلَ بَلْ شَطْـرٌ

ش: اعلم أن الأحكام الشرعية التابعة للإيمان إنما يعتمد فيها الظاهر وهو النطق لأنه ترجمان الجنان الخفي، حتى اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة الآن ولا يخلد في النار ليس إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادا جازما خاليا من الشكوك المزاحمة له بالفعل ونطق مع قدرة النطق بالشهادتين ملتزما لأحكامها، وإنما اختلفوا في جهة مدخلية النطق في حقيقة الإيمان، هل هي الشرطية أو هي الشطرية، أو أنه هو الإيمان – وإن أسقطه الناظم لكونه قول الكرامية –، وإلى هذا أشار بقوله: "والنطق فيه الخلف بالتحقيق"، أي الاختلاف محققا أو ملتبسا بالتحقيق.

وقوله "فيه" أي في جهة اعتبار مدخليته في الإيمان، مع الاتفاق على اعتباره فيه، وهو إشارة إجمالية إلى الخلاف، ثم فصلها بقوله: "فقيل شرط" أي إن أردت تفصيل هذا الخلاف، فقال المحققون من الأشاعرة كالقاضي والأستاذ والماتريدية كأبي منصور، وروي أيضا عن أبي حنيفة في أحد قوليه، وإليه ذهب أبو الحسن الصالحي وابن الراوندي من المعتزلة: النطق من القادر شرط في الإيمان خارج عن ماهيته التي هي التصديق، فاختلف في فهم مرادهم؛ فقيل هو شرط في إجراء أحكام المؤمنين الدنيوية عليه من التوارث والتناكح والصلاة عليه وخَلْفه، والدفن في مقابر المسلمين ومطالبته بالصلوات والزكوات، وغير ذلك لأن التصديق القلبي وإن كان إيمانا إلا أنه باطن خفي فلا بد له من علامة ظاهرة تدل عليه لتناط به تلك الأحكام، وهذا فهم الجمهور، وعليه، فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه لا لعذر ولا لإباء، بل اتفق له ذلك فهو مؤمن عند الله، غير مؤمن في أحكام الشرع الدنيوية، ويأتي ما فيه. ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه – كالمنافق – فبالعكس حتى نطلع على باطنه فنحكم بكفره. أما الآبي فكافر في الدارين، وأما المعذور فمؤمن فيهما.

وقيل إنه شرط في صحة الإيمان – وهو فهم الأقل – وبه صرح السعد في التلويح والقاضي في الشفاء؛ قال السعد في ترجيح الشرطية: والنصوص معاضدة لهذا المذهب، قال تعالى:  أولائك كتب في قلوبهم الإيمان ، وقال تعالى:  ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم ، وقال عليه الصلاة والسلام: « اللهم ثبت قلبي على دينك »، إلى غير ذلك.

وهاهنا مباحث شريفة:

الأول: أبهم في المنطوق به وهو الشهادتان أو ما يتوقف عليه حصول الإسلام والإيمان حيث كان قادرا متمكنا، فالأخرس لا يُطالب بالنطق، كمن اخترمته المنية قبل النطق من غير تراخ. قال ابن عرفة المالكي في النطق بأن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ورسول الله، لا يكفي في الدخول في الإسلام غير ذلك. انتهى. وجزم بمثله بعض متأخري الشافعية معللا له بأن الشارع تعبدنا هنا بلفظ "أشهدُ"، فلا يجزئ إبداله بـ أعلمُ وإن ساواه في مطلق العلم، إذ الشهادة أخص، وعليه فتيا متأخريهم اليوم.

وخالف الأبي شيخه ابن عرفة قائلا: يؤخذ من حديث صبأنا صبأنا أنه لا يتعين النطق بـ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، بل يكفي كل ما يدل على الإيمان والإسلام. وقال أيضا في شرح حديث جمع الأزواج: لا يشترط في حق داخل الإسلام النطق بلفظ أشهد، ولا التعبير بالنفي والإثبات، فلو قال: الله واحد، محمد رسول الله كفى.
قلت: وما قاله هو المأخوذ من قول الرسالة: من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره ولا شريك له ولا نظير له.
ونحو ما قاله لبعض الشافعية فيمن لم يَدِنْ بشيء، وللنووي ما يوافقه أيضا، فيكون في المسألة قولان لأهل كل من المذهبين، وأوّلُهما أوْلاَهُمَا بالتعويل عليه.

الثاني: نقل الشمس التتائي عن النووي أنه نقل في شرح المذهب عن القاضي ابن الطيب أن تقديم الشهادة لله بالوحدانية على الشهادة لمحمد بالرسالة واجب، ولو عكس ذلك لم يصح إسلامه، ولم يتعقبه وعوّل عليه بعض متأخري الشافعية فإنه المذهب. ولفظ الحافظ ابن حجر: اشترط ابن الباقلاني في صحة الإسلام تقدم الإقرار بالتوحيد على الرسالة ولم يتابع، مع أنه إذا دُقِّقَ فيه بان وجهه ويزداد اتجاها إذا فرقهما. انتهى.
قلت: وجه التدقيق أن إثبات الإرسال فرع ثبوت المرسِل ووَحدته.

الثالث: نقل عن الحليمي عدم اشتراط الموالاة بين الشهادتين، فلو تراخى الإيمان بالرسالة عن الإيمان بالله تعالى مدة طويلة لغير عذر صح، وبه جزم بعض متأخري الشافعية، ولكن شاهدتُ الشيخ نور الدين الزيادي أفتى بعدم صحته معولا على اعتماد شيخه الرملي رحم الله الجميع.

الرابع: لو صمم بقلبه على الإيمان ولم ينطق بالشهادتين لغير مانع لم يصح إسلامه، قال القاضي السباطي: لا عند القاضي في الأحكام الظاهرة ولا عند المفتي بالنظر للقاضي، وأما بالنظر لما عند الله ففيه بحث.
قلت: أفصح عنه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في بعض تعاليقه الأصولية بأنه لا مانع من كونه مؤمنا عند الله في الآخرة، ثم البحث مبني على مراعاة القول الأخير وهو الأصح أنه شرط في صحة الإيمان، ومع ذلك فهو جيد فيمن لم يترك النطق إباءً وإلا فلا وجه له.

الخامس: لا يكون المقتصر على إحدى الشهادتين مسلما إلا إذا عاقه عن الأخرى مانع يمنعه النطق – ولو سرًّا – كالأخرس.

السادس: لا يشترط لصحة الإسلام التبري مما يخالف دين الإسلام إلا إذا كان ممن يعتقد اختصاص رسالته عليه الصلاة والسلام بالعرب كالعيسوية. قال النووي: ومن أصحابنا من اشترط التبري مطلقا، وليس بشيء.
قلت: وفي الحصر نظر كما يعلم من الأصل.

السابع: قال النووي: لو أتى بالشهادتين بالعجمية وهو يحسن العربية فهل يجعل بذلك مسلما؟ فيه وجهان لأصحابنا، الصحيح منهما أنه يصير مسلما لوجود الإقرار، وهذا هو الوجه، ولا يظهر للآخر وجه. انتهى وفيه بحث بالأصل. وأما إذا كان لا يحسن العربية فيكفي أن يأتي بما يدل على الوحدانية والرسالة بلسانه اتفاقا، بل حكي عليه بعضهم الإجماع.
الثامن: إذا أقر بوجوب الصلاة والصوم وغيرهما من أركان الإسلام، وكان على خلاف ملته التي هو عليها فهل يجعل بذلك مسلما؟ قال النووي فيه وجهان لأصحابنا، فمن جعله مسلما قال: كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بإقراره به مسلما. انتهى.

قلت: قد علمت الأصح منهما مما سبق، وغالب هذه الفوائد يسهل معرفة المالكي الحكم فيها على قواعده أن مشهور مذهب مالك رحمه الله أن مجرد النطق بالشهادتين لا يوجب الإسلام حتى يكون معهما التزام الأحكام ممن خفيت عليه.

التاسع: قال بعض متأخري الشافعية: كل من كفر بإنكار معلوم من الدين بالضرورة لا بد بعد الشهادتين في صحة إسلامه من اعترافه بما كفر بإنكاره، أو التبري من كل ما خالف دين الإسلام. انتهى.

العاشر: المشبِّه لا بد أن يتبرأ من التشبيه ما لم يعلم مجيء محمد صلى الله عليه وسلم بنفيه، فيكفيه حينئذ الاقتصار على الشهادتين. قاله بعض الشافعية أيضا.

الحادي عشر: ما أبهم هنا من المنطوق به يتعرض لتفصيله بعد بقوله: "وجامع معنى الذي تقررا شهادتا الإسلام"، ويأتي التنبيه عليه ثمة، والله أعلم.

وقوله: "كالعمل" تشبيه في مطلق الشرطية، يعني أن المختار عند أهل السنة في الأعمال الصالحة أنها شرط كمال للإيمان، فالتارك لها أو لبعضها – من غير استحلال، ولا عناد، ولا شك في مشروعيتها – مؤمن فوّت على نفسه الكمال، والآتي بها ممتثلاً محصِّلٌ لأكمل الإيمان؛ لأن الإيمان هو التصديق فقط، ولا دليل على نقله، واعتبار أهل الشرع أمورا مخصوصة في متعلَّقه لا يوجب نقله كما مر، وللنصوص الدالة على الأوامر والنواهي بعد إثبات الإيمان، كقوله تعالى:  يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ، وللنصوص الدالة على أن الإيمان والأعمال أمران يتفاوتان، كقوله تعالى:  إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ،  ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ،  ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات ،  ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ، وللنصوص الدالة على أن الإيمان والمعاصي قد يجتمعان، كقوله تعالى:  الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ،  والذين آمنوا ولم يهاجروا ،  وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ،  كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ، وللإجماع على أن الإيمان شرط العبادات، والشرط مغاير للمشروط.

وذهب المعتزلة والخوارج إلى أن الإيمان هو التصديق والنطق وسائر الطاعات والأعمال الصالحات وترك المعاصي، قائلين: نحن لا ننكر استعمال الإيمان في لسان الشرع في معناه اللغوي – أعني التصديق – لكنا ندعي نقله عن ذلك إلى معنى شرعي هو فعل الطاعات وترك المعاصي، لأن المفهوم من إطلاق المؤمن في الشرع ليس هو المصدق فقط لأن الأحكام المُجْرَاةَ على المؤمنين دون الكفرة ليست منوطة بمجرد المعنى اللغوي.
وردّ بأنا لا ندعي كونه اسما لكل تصديق، بل للتصديق بأمور مخصوصة كما في الحديث المشهور: « أن تؤمن بالله » إلخ، فإن أرادوا بالنقل عن المعنى اللغوي مجرد هذا فلا نزاع في الحقيقة بيننا وبينهم، ولكن لا دلالة لهم على كون الإيمان اسما للطاعات كما يزعمون، محتجين بما بسطناه بالأصل، وإن أرادوا غير هذا فعليهم البيان. قاله السعد.
وقوله: " وقيل بل شطر" أي وقال قوم محققون منهم الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه في أحد قوليه، وجماعة من الأشاعرة، واختاره شيخا الإسلام السرخسي والبزدوي من الحنفية أن الإقرار ليس شرطا خارجا عن حقيقة الإيمان، وإنما هو شطر منها وركن داخل فيها دون سائر الأعمال الصالحة، فالإيمان عندهم اسم لعملي القلب واللسان جميعا، وهما الإقرار والتصديق الجازم الذي ليس معه احتمال نقيض بالفعل، وإن عبر عنه بعضهم بالعلم، وبعضهم بالمعرفة، وبعضهم بالاعتقاد محتجين بعدم كفاية أحدهما دون الآخر في حال التمكن والاختيار، وذلك دليل اعتبارهما جميعا.
واعترض على هذا القول بوجود الإيمان في موضع لا يوجد الإقرار فيه كمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر أو على ترك النطق بالشهادتين، والشيء لا يوجد بدون ركنه.
وأجيب بأن صاحب هذا القول معترف بأن الإقرار ركن يحتمل السقوط كما في تلك الحالة المذكورة، وأما التصديق فركن لا يحتمله، وبأن أطفال المؤمنين الذين لم يميزوا مؤمنون ولا تصديق عندهم. وأجيب بأن كلامنا في الإيمان الأصلي الحقيقي لا الحكمي التبعي، وبأن التصديق قد لا يبقى كما في حالة النوم والغفلة، بل قد يسقط بالمرة مع العلم كما في سقوط تصديق الصحابة بأن القبلة بيت المقدس بعد نزول  فولّ وجهك شطر المسجد الحرام . وأجيب بمنع عدم بقائه في حاتي النوم والغفلة لعدم مضادتهما له على ما يراه الحكماء، وإن ضاداه على ما يراه بعض المتكلمين، أعني من جعله العلم والمعرفة، وإنما الذهول عن حصوله، فقد يكون الشيء حاصلا غير مشعور به على ما لا يخفى، وإن سلمنا ما قاله بعض المتكلمين فالشارع جعل الأمر المحقق الذي لم يورد عليه ما يضاده بالاختيار في حكم الباقي حتى كان المؤمن اسما لمن آمن في الحال أو في الماضي ولم يطرأ عليه ما هو علامة التكذيب. وحاصله أن الشارع هاهنا نزّل المعدوم الذي لم يكتسبه المكلف باختياره ما ينافيه منزلة المعدوم كتصديق من شد الزنار أو سجد للصنم اختيارا.
وأما حديث سقوط التصديق بالمنسوخ فغير عذر؛ إذ التصديق به لم يسقط، وإنما انقطع استمرار متعلقه كما هو حكم سائر المنسوخات.

تتمتان:

الأولى: قال السعد: وعلى هذا القول من صدّق بقلبه ولم يتفق له الإقرار في عمره ولا مرة مع القدرة على ذلك لا يكون مؤمنا ولا عند الله، ولا يستحق دخول الجنة ولا النجاة من الخلود في النار، بخلافه على القول الأول، كما أن الإقرار على القول بالشرطية لإجراء الأحكام الدنيوية لا بد أن يكون على وجه الإعلان والإظهار على الإمام دون غيره من أهل الإسلام، بخلافه على القول بأنه شرط كمال للإيمان، فإنه يكفي فيه مجرد التكلم عند كل انسان. انتهى. فإن كان مذهبه كذلك فذاك، وإلا فالواجب قيام شاهدين بإقراره مطلقا.

الثانية: علم من النظم قولان: أحدهما أن الإيمان هو التصديق، والنطق شرط لإجراء الأحكام الدنيوية على صاحبه، أو لصحته، الثاني أن الإيمان هو التصديق والنطق، فالنطق شطر، وعلى هذين القولين العمل – غير النطق – شرط كمال، ومقابله يجعل مجموع العمل الصالح والنطق هو الإيمان كما مر.
قال السعد: فإن قيل: نحن قاطعون بأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده كانوا يأمرون بأمر معلوم يمتثل من غير افتقار إلى بيان ولا استفسار إلا بحسب المتعلَّق – أعني ما يجب الإيمان به –، فكيف جاءت هذه الأقوال وجرى هذا الاختلاف؟
قيل: لا خفاء ولا خلاف في أنهم كانوا يأمرون بالتصديق وقبول الأحكام، ويكتفون في حق الأحكام الدنيوية بما يدل على ذلك وهو الإقرار لأنه وقع اختلاف واجتهاد في أن مناط الأحكام الأخروية مجرد هذا المعنى أم مع الإقرار كلاهما مع الأعمال، وفي أن ذلك مجرد معرفة واعتقاد، أم أمر زائد على ذلك، وهذا لا بأس به وقد عرفت الحق من ذلك، وفي الأصل من الفوائد العباب.

ص: وَالإّسْلاَمَ اشْرَحَنَّ بِالْعَمَلْ

ش: اعلم أن مدلولي الإيمان والإسلام لغة متغايران؛ إذ مدلول الإيمان لغة التصديق، ومدلول الإسلام لغة الخضوع والانقياد، وأما شرعا فقد اختلف فيهما؛ فذهب جمهور الأشاعرة إلى تغايرهما أيضا، إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة – بمعنى إذعانه له وتسليمه إياه –ومفهوم الإسلام امتثال الأوامر والنواهي فبناء العمل على ذلك الإذعان، فهما مختلفان وإن تلازما شرعا بحيث لا يوجد مسلم ليس بمؤمن ولا مؤمن ليس بمسلم.

وذهب جمهور الماتريدية والمحققون من الأشاعرة إلى اتحاد مفهوميهما بمعنى وحدة ما يراد منهما في الشرع وتسويهما بحسب الوجود، بمعنى أن كل من اتصف بأحدهما فهو متصف بالآخر شرعا، ولا شك على هذا أن الخلاف لفظي باعتبار المآل.

قال في شرح المقاصد: "الجمهور على أن الإيمان والإسلام واحد، وأن معنى آمنت بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم: صدّقته، ومعنى أسلمت له: سلمته، ولا يظهر بينهما كبير فرق لرجوعهما إلى معنى الاعتراف والانقياد والإذعان والقبول. وبالجملة، لا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم أو مسلم ليس بمؤمن، وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى وعدم التغاير". انتهى.

وذهب الحشوية وبعض المعتزلة إلى تغايرهما مفهوما مع صحة انفكاك أحدهما عن الآخر كما أوضحناه في الأصل مع الجواب عن أدلتهم.

إذا عرفت هذا، فقوله: "والإسلام" إلخ معناه: اشرح الإسلام وبيّن حقيقته بأنه العمل الصالح، أي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات؛ لأنه لغة: الاستسلام والانقياد للألوهية، ولا يتحقق ذلك إلا بالعمل بما ذكر، وعلى هذا يدل حديث جبريل حيث قال فيه الإيمان: « أن تؤمن بالله » إلخ، والإسلام: « شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان » إلخ، ولا يخفى أن المراد الإذعان والقبول والتسليم لتلك الأحكام وعدم الردّ والاستكبار، سواء عملها أم لم يعملها، فلا يرِد لزوم سلب الإسلام عن من لم يعمل – وهو مذهب الحشوية والمعتزلة – إذ لا كفر بالمعاصي حيث لم تكن عن استحلال.

تتمة:

جمع السعد بين قولي الأشاعرة والماتريدية بالترادف وعدمه بأنهما خلاف في حال؛ فإن مفهوم الإسلام إن فُسّر بالانقياد الظاهري بمعنى امتثال الأوامر والنواهي والعمل بمقتضى تلك الأحكام من غير ملاحظة الإذعان والتسليم القلبي كان مخالفا لمفهوم الإيمان، وإن فُسّر بالاستسلام والانقياد الباطني بمعنى قبول تلك الأحكام والإذعان لها وترك الإباء والاستكبار عنها كان متحدا. وهذا وجه لصيرورة الخلاف لفظيا على ما أشرنا إليه آنفا.

تنبيه:

لك في الإسلام المنقول حركة همزته إلى اللام بعد طرحها للوزن النصب والرفع، وما بعده عامله أو خبره، حذف منه عائد المبتدأ منصوبا.

ماهر محمد بركات
06-09-2007, 12:01
بانتظار تكملة الكتاب أخي نزار بارك الله فيك .

نزار بن علي
09-09-2007, 22:00
بانتظار تكملة الكتاب أخي نزار بارك الله فيك .

كل الكتاب صعب يا أخي ماهر.. لكن سأضيف ما تيسر..
ولعل الكتاب يصدر محققا قريبا كما أشار الأخ سليم...

نزار بن علي
09-09-2007, 22:06
20– مِثَـالُ هَذَا الحَـجُّ وَالصَّـلاَةُ كَـذَا الصِّيَـامُ فَـادْرِ وَالـزَّكَـاةُ

ص: مِثَـالُ هَذَا الحَـجُّ وَالصَّـلاَةُ، كَـذَا الصِّيَـامُ فَـادْرِ وَالـزَّكَـاةُ

ش: هذا من باب تنزيل الجزئيات على أحكام الكليات، ولذا عبر بالمثال الذي هو جزئي يذكر لإيضاح القاعدة، يعني مثال العمل الذي فسر به الإسلام النطق بالشهادتين، وقد تقدم القول فيه ولذا ترك هنا مع ثبوته في الحديث مع الحج الممثل به هنا، وهو لغة القصد لمعظم، وشرعا قيل تصوره بديهي، وقيل عسر، والصواب أنه نظري متيسر الشرح، وعليه فرسمه ابن عرفة بأنه عبادة يلزمها وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة.

وأما الصلاة، فوزنها فعلة كرقبة، قلبت لامها الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهي لغة: الدعاء عند الأكثر، وشرعا قيل تصورها بديهي وقيل نظري، فهي قربة – فعيلة – ذات إحرام وسلام أو سجود فقط.
والصيام وزنه فعال بالكسر، فاعل بقلب عينه الواو ياء حملا على فعله، وهو لغة الإمساك، وشرعا عبادة عدمية وقتها طلوع الفجر حتى الغروب، فلا يدخل ما تركه ورع لعدم اقتضائه لذاته ذلك الوقت بخصوصه.
والزكاة مصدر بمعنى التزكية، معناها لغة: النموّ، وشرعا: إخراج جزء من المال شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصابا.
وبما قدمناه آنفا علم أن المراد إذعان المذكورات وتسليمها وعدم مقابلتها بالرد والاستكبار، وقال النووي: حكم الإسلام يثبت في الظاهر بالشهادتين، وإنما ضم إليهما الصلاة وما معها لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها مشعر بانحلاله.


21– وَرُجِّـحَتْ زِيَـادَةُ الإِيـمَـانِ بِـمَا تَزِيـدُ طَـاعَـةُ الإِنْسَـان
ِ
22– وَنَقْصُـهُ بِـنَقْصِهَا وَقِـيـلَ لاَ وَقِـيلَ: لاَ خُـلْـفَ، كَذَا قَدْ نُقِلاَ


ص: وَرُجِّـحَتْ زِيَـادَةُ الإِيـمَـانِ، بِـمَا تَزِيـدُ طَـاعَـةُ الإِنْسَـانِ، وَنَقْصُـهُ بِـنَقْصِهَا

ش: لما قدم أن الأعمال الصالحة لها مدخلية في الإيمان – بالكمالية عندنا وبالركنية عند الخوارج والمعتزلة، وإن اختلف مذهبهما في تكفير التارك لهما وعدمه؛ فكفرته الخوارج، وأخرجته المعتزلة من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر، وهذا هو المسمى عندهم بالمنزلة بين المنزلتين على ما فصلناه بالأصل –، ذكر هنا أنه يتفرع على تلك المدخلية القول بزيادة الإيمان ونقصه، يعني أن القول بقبول الإيمان الزيادة والنقص هو الراجح عند جماعة من العلماء، وورد به ظاهر الكتاب والسنة، وذهب إليه جمهور الأشاعرة والقلانسي، وبه قال الفقهاء والمحدثون والمعتزلة ونقل عن الشافعي ومالك، وقال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وحتجين عليه بالعقل والنقل؛ أما العقل، فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة، بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويا لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام. واللازم باطل، فكذا الملزوم.

وأما النقل، فلكثرة النصوص الواردة في هذا المعنى كقوله تعالى:  وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ،  ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ،  ويزداد الذين آمنوا إيمانا ،  وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ،  فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ، وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: « قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: نعم، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار ». وعن عمر وجابر ابن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعا: « لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به ». ولا شك أن كل ما يقبل الزيادة يقبل النقص، فيتم الدليل، وقد يتم بجعل إيمان واحد أرجح من إيمان جمع، وجزء الناقِصِ ناقصٌ، فقد قبل النقص أيضا.

واعترض على هذا القول بأن عدم قبول الإيمان الزيادة والنقص على تقدير كون الطاعات داخلة في مسماه أولى وأحق من عدم قبوله ذلك إذا كان مسماه التصديق وحده؛ أما أولا فلأنه لا مرتبة فوق كل الأعمال لتكون زيادة، ولا إيمان دونه ليكون نقصا، وأما ثانيا فلأن أحدا لا يستكمل الإيمان حينئذ، والزيادة على ما لم يكمل بعد محال.
وأجيب بأن هذا إنما يتوجه على المعتزلة والخوارج القائلين بانتفاء الإيمان بانتفاء شيء من الأعمال، ونحن إنما نقول إنها شرط كمال في الإيمان، فاللازم عند الانتفاء انتفاء الكمال، وهو غير قادح في أصل الإيمان.

تنبيهان:

الأول: الحقُّ كما قاله النووي وجماعة محققون من علماء الكلام أن الإيمان – بمعنى التصديق القلبي – يزيد وينقص أيضا بكثرة النظر ووضوح الأدلة وعدم ذلك، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا منه في بعضها، فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها.
قلت: وما اعترض عليه به من أن متى قبل ذلك كان شكا، فمدفوع بأن مراتب اليقين متفاوتة إلى علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين مع أنها لا شك معها. وممن وافق النووي على ما جزم به السعد في تهذيبه في القسم الثاني منه.

الثاني: الباء في قوله "بما" سببية و"ما" نافية مصدرية، والطاعة: فعل المأمورات واجتناب المنهيات امتثالا، فقال المازري: الطاعة عندنا: موافقة الأمر، والقربة: الطاعة بشرط معرفة المتقرَّب إليه، فالناظر المؤمن المطيع غير متقرب، والمؤمن المصلي مطيع متقرب، فكل قربة طاعة، ولا ينعكس، والله أعلم.

ص: وَقِـيـلَ لاَ

ش: أي: وقال جماعة من العلماء أعظمهم الإمام أبو حنيفة، وتبعه أصحابه وكثير من المتكلمين: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واختاره إمام الحرمين، محتجين بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان، وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، فالمصدق إذا ضم إليه الطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا، وإنما يتفاوت إذا كان اسما للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة – على ما ذهب إليه القلانسي والسلف – ، وأجابوا عما تمسك به الأولون من الآيات والأحاديث بوجوه، منها أن المراد الزيادة بحسب الدوام والثبات وكثرة الزمان والساعات، وإيضاحه ما قال إمام الحرمين: النبي صلى الله عليه وسلم يفضل من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، والتصديق عرض لا يبقى شخصه، بل يتجدد أمثاله، فتقع للنبي صلى الله عليه وسلم متوالية، ولغيره على الفترات، فيثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أعداد من الإيمان لا يثبت لغيره إلا بعضها فيكون إيمانه أكثر، والزيادة بهذا المعنى مما لا نزاع فيها، وما اعترض به على هذا من أن حصول المثل بعد انعدام الشيء لا يكون زيادة فيه – كسواد الجسم –، مدفوع بأن المراد زيادة أعداد حصلت، وعدم البقاء لا ينافي ذلك.

ومنها أن المراد الزيادة بحسب زيادة ما يؤمن به، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا آمنوا في الجملة وكانت الشريعة لم تتم، وكانت الأحكام تنزل شيئا فشيئا، وكانوا يؤمنون بكل ما يتجدد منها، ولا شك في تفاوت إيمان الناس بملاحظة التفاصيل كثرة وقلة، ولا يختص بعصره عليه الصلاة والسلام لإمكان الإطلاع على التفاصيل في غيره من العصور أيضا.
ومنها أن المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره في القلب، فإن نور الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. قال السعد: هذا إنما يحتاجون إليه بعد إقامة قاطع على امتناع قبول الصديق الزيادة والنقص، ونحن معترفون بتعذره.

تنبيه:

ما شرحنا به المتن هو المتبادر بحسب الظاهر، ويحتمل أن يريد أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهو قول الخطابي: الإيمان قول وهو لا يزيد ولا ينقص، وعمل وهو يزيد وينقص، واعتقاد وهو يزيد ولا ينقص، فإذا نقص ذهب، فالاعتقاد كالنار في فتيلة المصباح يزيد ضوءها بحسب جودة الزيت ومناسبته، والفتيلة كمتعلقاته، والزيت كالعمل فيزيد وينقص العقد به في نوره على قدر جودته وإحسانه، والقول كالآلة الماسكة له لا يزيد ولا ينقص. انتهى.

ص: وَقِـيلَ: لاَ خُـلْـفَ، كَذَا قَدْ نُقِلا

َ ش: يعني أن المعروف بين القوم أن الخلاف السابق في زيادة الإيمان بزيادة الطاعات ونقصه بنقصها وعدم ذلك خلاف حقيقي؛ إذ حاصله أن الإيمان – الذي هو التصديق – من حيث انضمام العمل إليه – أعني الهيئة الاجتماعية – هل يزيد وينقص أم لا ؟ ولا شك في اتصاف الجزء بالنقص من حيث أنه جزء الناقص، فيتوارد القولان على التصديق، فعلى الأول يزيد وينقص، وعلى الثاني لا يزيد ولا ينقص؛ غايته أنه على الأول – أي النقص – بسبب لحوق الخلل للجزء أو للشرط الكمالي كما لا يخفى على من تأمل كلام الخطابي حيث قال: "كالعمل فيزيد وينقص العقد" إلخ.
وذهب جماعة منهم الإمام فخر الدين الرازي وإمام الحرمين إلى أنه خلاف لفظي في حال، وذلك بحمل قول النفي على أصل الإيمان – وهو التصديق – فلا يزيد ولا ينقصن وحمل قول الإثبات على ما به كماله – وهو الأعمال – ، فيكون الخلاف في هذه المسألة فرع تفسير الإيمان على الاختلاف الذي أشرنا إليه فيما سلف؛ فإن قلنا هو التصديق فقط فلا تفاوت، وإن قلنا هو الأعمال مع التصديق فمتفاوت.
وأشار بقوله: "كذا قد نقلا" إلى التبري من عهدة صحة هذا القول؛ فقد مر أن الأصح أن التصديق يقبل التفاوت بحسب مراتبه، فما المانع من تفاوته قوة وضعفا كما في التصديق بطلوع الشمس والتصديق بحدوث العالم، وقلة وكثرة كما في التصديق الإجمالي والتصديق التفصيلي المتعلق بالكثرة.

تتمات:

الأولى: الصواب أن الإيمان مخلوق لأنه إما التصديق بالجنان، أو مع الإقرار باللسان، وكل منهما فعل للعبد، وهو مخلوق لله تعالى. وبسطه بالأصل.

الثانية: الصحيح جواز دخول الاستثناء في الإيمان – وإن كان الأولى تركه – ، فيقال: "أنا مؤمن إن شاء الله" حيث لم يكن للشك فيه، لجواز صرفه لترك تزكية النفس، أو للتبرك والتعظيم، أو للكمال، أو للشك في الخاتمة والمآل، وهذا مذهب الجمهور من السلف والخلف من المالكية والشافعية والحنابلة والأشعرية. ومنعه الحنفية، وتوجيهه بالأصل.

الثالثة: الإيمان باقٍ حُكما حال النوم والغفلة والموت لأن الثابت الذي لم يطرأ عليه ما يغيره باختيارٍ في حكم الباقي الذي لم يضاده، وبه صرح أبو اسحاق التونسي وغيره، خصوصا والنفس هي المدركة، وهي باقية لا تفنى بالموت.

الرابعة: قال القاضي زكرياء: اعلم أن الإسلام ملة تقررت بنزول القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى:  إن الدين عند الله الإسلام ،  ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ، والمراد من مثل وصف إبراهيم به التوحيد، لا هذه الشريعة. وإيضاحه بالأصل، وسيأتي عند قوله: "كالإسلام وجهل الكفر" ذكر قولين في المسألة هذا أصحهما.

الخامسة: محل دخول النقص الإيمان على القول به غير إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونحوهم، ولذا نقل سيدي زروق عن بعض المتقدمين أنه قال: إيمان أهل الاختصاص كالأنبياء والملائكة لا يجوز عليه النقص، وإيمان غيرهم يزيد وينقص.

فإن قلت: يتجه على النظم الإطلاق في محل التقييد، قلنا: الكلام مفروض في الإيمان من حيث هو هو، لا بقيد محلٍّ مخصوص لمن ذكر، إذ من ذكر لا ينقص إيمانهم إجماعا كما قاله ذلك المتقدم.

نزار بن علي
21-09-2007, 10:06
23– فَـوَاجِبٌ لَـهُ الوُجُـودُ وَالقِدَمْ كَـذَا بَقَـاءٌ لاَ يُشَـابُ بِالْـعَـدَمْ

ص: فَـوَاجِبٌ لَـهُ الوُجُـودُ ش: لمّا قدّم أنه يجب شرعا على كل مكلف معرفة ما يجب له تعالى وما يجوز في حقه سبحانه وما يستحيل عليه جل وعلا، شرع في بيان القسم الأول من ذلك وهو ما يجب له تعالى. واعلم أن جملة ما تعرض له هنا من أن صفاته عشرون صفة وهي ما انتهت إلى إدراكه القوى البشرية، وإلا، فصفات كماله تعالى ونعوت جلاله مما يفوت العد ولا يحيط به الحد، لكنا لسنا مكلفين بما لم ينصب عليه سبحانه دليلا يوصلنا إليه.

وهي في الحقيقة ثلاثة أقسام: نفسية، وسلبية، ومعان. وأما المعنوية فلم أذكرها إلا لبيان وجوب قيام الصفة بالموصوف كما سيأتي، لا على قصد أنها قسم رابع بناء على القول بالأحوال، لأن الأصح أنه لا حال.

وبدأ منها بالقسم الأول – وهو الوجود – لاتفاق القوم على تقديمه على غيره من الصفات لكونه كالأصل لها؛ إذ وجوب الواجبات له تعالى واستحالة ما يتنزه عنه وجواز ما يجوز في حقه كالفرع عنه، فتقديمه عليها يشبه تقديم التصور على التصديق.

وهو صفة نفسية على المشهور، وقيل سلبية، وتصوره بديهي، والحكم ببداهته بديهي ولذا لا يحتاج إلى تعريف إلا من حيث بيان أنه مدلول للفظٍ دون آخر، فيعرَّف تعريفا لفظيا يفيد فهمه من ذلك اللفظ لا تصوره في نفسه ليكون دورا أو تعريفا للشيء بنفسه كتعريفهم الوجود بالكون والثبوت والتحقق والسببية والحصول، وكل ذلك بالنسبة إلى من يعرف معنى الوجود من حيث أنه مدلول هذه الألفاظ دون لفظ الوجود، حتى لو انعكس انعكس.

وإنما وجب له تعالى الوجود لأن العالَم وكل جزء من أجزائه حادِث ومفتقِر – من حيث وجوده ومصنوعيته – إليه تعالى من حيث اختراعه وإيجاده إياه، وصانع العالم المحتاج إليه في وجوده لا يكون وجوده إلا واجبا، لا جائزا وإلا لزم الدور والتسلسل.

هذا طريق المتكلمين، وحاصلها أن يقال: قد ثبت حدوث العالم، أو يقال: لا شك في وجود حادث، وكل حادث فبالضرورة له محدِث، فأما أن يدور أو يتسلسل، وكلاهما محال، وأما أن ينتهي إلى محدثٍ قديم لا يفتقر إلى سبب أصلا، وهو المراد بالواجب الوجود، وهو المطلوب. وأما طريق الحكماء، فقد ذكرناها مع ما يرد عليها بالأصل.

تنبيهات:

الأول: اتفق أهل جميع الملل على وجوب وجود الصانع في الجملة خلا شرذمة قليلة من جهلة الفلاسفة زعمت أن حدوث العالم أمر اتفاقي بغير فاعل، وهو بديهي البطلان.

الثاني: سيأتي أن مذهب أبي الحسن الأشعري أن وجود الشيء عينهُ، وعليه فعدُّهُ هنا من الصفات فيه تسامح سهَّله إضافة الوجود للذات في مثل وجود الله. وذهب الرازي إلى أنه صفة زائدة على الذات، وعليه فلا تسامح، وهذا المذهب هو الحق فيجب تأويل مذهب الأشعري بما يوافقه بأن يراد بالعينية في كلامه عدم زيادته خارجا على الذات – كزيادة الحمرة على الذات المتصفة بها – لا الاتحاد في المفهوم حتى يكون مفهوم الوجود بعينه نفس مفهوم الذات بعينه لأنه باطل ضرورة تغاير المفهومين وامتناع كون المعنى ذاتا.

الثالث: قال السعد: مراد القوم بالصفة النفسية: صفة ثبوتية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها، ككون الجوهر جوهرا وذاتا وشيئا، ويقابلها المعنوية: وهي صفة ثبوتية دالة على معنى زائد على الذات، ككون الجوهر حادثا، ومتحيزا، وقابلا للأعراض.

وقال بعض المتأخرين: الصفة النفسية هي الواجبة للذات مدة وجودها غير معللةً بعلة، كالوجود للواجب، والتحيز للجرم الحادث؛ فإنه واجب له مدة وجوده، وليس ثبوته له معللا بعلة. وقوله "غير معللةً" بالنصب حال من ضمير الواجبة لا من أنها المضاف إليها الراجعة للذات احترازا من الحال المعنوية عند مثبتي الحال، ككون الذات عالمة وقادرة ومريدة مثلا، فإنها معللة بقيام العلم والقدرة والإرادة بالذات. قلت: وفي قوله "والتحيز للجرم" نظر يعلم مما قبله.

الرابع: حقيقة الدور: توقف الشيء على ما يتوقف عليه، إما بمرتبة – وهو المصرح – أو بمراتب – وهو المضمر –. وحقيقة التسلسل: ترتب أمور غير متناهية. فكل دور تسلسل في المعنى، ولهذا ربما يُقتصر على بيان بطلان التسلسل فقط، فيظن من لا خبرة له تقصيرَ المقتصِرِ. وفي الأصل تعرضنا لوجوب الصفات الذاتية لذاتها أو لما ليس عينَها ولا غيرَها – وهو الأقرب عندي – وإمكانها، والضمير في "له" عائد على الاسم الكريم السابق في قوله "ما قد وجبا لله"، و"الوجود" فاعل "فواجب" على رأي الأخفش، أو مبتدأ قدِّم خبره عليه للاختصاص والحصر أو الاهتمام.

ص: وَالقِدَمْ ش: هذا شروع في القسم الثاني وهو الصفات السلبية، وهي كل صفة مدلولها عدم أمر لا يليق به سبحانه وتعالى، والصواب عدم انحصار جزئياتها، وعددنا منها خمس تبعا لبعضهم لأنها من مهمات أمهاتها، وليس على الحصر فيها دليل عقلي ولا نقلي.

وقدَّم منها القِدَم لابتناء ما بعده عليه، يعني: وواجب له تعالى القِدم بمعنى امتناع أن يسبِقَ وجودَهُ تعالى عدَمٌ، وإلا لزم افتقاره تعالى إلى محدِثٍ، ثم محدِثُه، ومحدِثُ محدِثِهِ، وهلمَّ جرًّا لانعقاد المماثلة بين الكل، وذلك مفضٍ إما إلى الدور، وإما إلى التسلسل، وكلاهما محال، فملزومُهما كذلك.

وفسَّرنا القِدم بما ذكر لأن القِدم الذاتي راجع لوجوب الوجود، فهو صفة سلبية، والقدم الزماني – بمعنى مرور الأزمنة على الشيء مع بقائه – محال عليه تعالى، ومنه:  كالعرجون القديم . وما ذكرناه من أن القدم صفة سلبية هو مختار المحققين، وذهبت طائفة من المعتزلة إلى أنه صفة نفسية، ورُدَّ بأنه لو كان كذلك لما عري عنه موجود، وللزم أن لا تُعقَلَ الذات بدونه، واللازم باطل؛ أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأنا كثيرا ما تُعقَلُ الذات، ثم يُطلَبُ قِدمها أو حُدوثها. ومن القوم من ذهب إلى أنه صفة ثبوتية، واعترض عليه بلزوم اتصافه بقِدم، ثم كذلك، وذلك تسلسل وقيامٌ للمعنى بالمعنى، والكل ممتنع. وفيه نظر، وسيأتي سؤال إغناء وجوب الوجود عنه آخر التنبيهات.

تتمات:

الأولى: وقع في كلام بعضهم أن الواجب والقديم مترادفان، ورُدَّ بالقطع بتغاير المفهومين؛ إذ الواجب: ما لا يحتاج في وجوده إلى غيره، إذ وجوده يقتضي ذاتَه، بمعنى أن العقل لا يتصوره إلا كذلك، والقديم: موجود لا ابتداء لوجوده. وله في الأصل تتمة.

الثانية: عُلم مما مر أن القدم إما ذاتي – كقدم الواجب – وإما زماني – كقدم زمان الهجرة بالنسبية لليوم – وإما إضافي – كقدم الأب بالنسبة إلى الابن – وإما سلبي – كقدم وجوده تعالى، بمعنى سلب سبْق العدم لوجوده تعالى –.

الثالثة: القديم أخص من الأزلي لأن القديم: موجود لا ابتداء لوجوده، والأزلي: ما لا ابتداء لوجوده وجوديًّا كان أو عدميًّا، فكل قديم أزلي ولا عكس. ويفترقان أيضا من جهة أن القديم يستحيل أن يلحقه تغيّرٌ وزوالٌ، بخلاف الأزلي الذي ليس بقديم كعدم الحوادث المنقطع بوجودها.

ص: كَـذَا بَقَـاءٌ لاَ يُشَـابُ بِالْـعَـدَمْ

ش: يعني أن الصفة الثانية من الصفات السلبية صفة البقاء على الأصح عند المحققين، ومعناها: امتناع لحوق العدم له تعالى، وهي واجبة له تعالى كما وجب له القدم؛ لأن ما ثبت قِدمه استحال عدمه، ولأنه سبحانه لو قُدِّر لحوق العدم له لكانت نسبةُ الوجودِ والعدمِ إلى ذاته تعالى سواء، فيلزم افتقار وجوده إلى مُوجدٍ يخترعه بدلا عن العدم الجائز عليه، فيكون حادثا، واللازم باطل، فكذلك الملزوم لما مر من وجوب الوجود له تعالى. وذكرنا بالأصل وجها آخر فيه مناقشة بيناها بالأصل.

تنبيه:

نقل عن القاضي والإمام أن البقاء صفة نفسية، ونقل عن الأشعري أنه صفة معنى، وردَّ عليه القاضي بمثل ما ردَّ به نظيره السابق في القدم، ومن العلماء من ذهب إلى أن القدم سلبي والبقاء وجودي. وجملة قوله: "لا يشاب بالعدم" – أي لا يخالط به ولا يمازج عقلا – صفةٌ للبقاء الذي تنوينه للنوعية والتعظيم، مخرجةٌ للبقاء بمعنى مقارنة استمرار الوجود زمانين فصاعدا لاستحالته عليه بهذا المعنى لامتناع دخول الزمن في وجوده تعالى وسائر صفاته.



24– وَأَنَّـهُ لِـمَـا يَـنَالُ الْـعَـدَمُ مُـخَـالِفٌ، بُرْهَانُ هَـذَا: الـقِدَمُ


ص: وَأَنَّـهُ لِمَا يَـنَالُ الْـعَـدَمُ، مُـخَـالِفٌ، بُرْهَانُ هَـذَا: الـقِدَمُ

ش: يعني ومما يجب له تعالى: مخالَفته للحوادث، وهي الصفة الثالثة من الصفات السلبية، وهي عبارة عن سلب الجِرْمِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ عنه تعالى، أو سلب الكلية والجزئية ولوازمهما. و"أَنَّ" بالفتح بعطفها على الوجود، و"ما" واقعة على الحوادث، أعيانا كانت أو أعراضا، وعائدها محذوف، والأصل: الحادث الذي، أو الحوادث التي ينالُه أو ينالُها العدم، أي يقوم به أو بها، أو يضاف إليه أو إليها، سابقا كان أو لاحقا كالأعدام الأزلية والنعم الأخروية. و"مُخالِفٌ" خبر "أنَّ"، والجار والمجرور متعلق به قُدِّم عليه لضرورة النظم، أي: وواجب له تعالى أنه مخالِفٌ – أي مخالَفةً – لكل ما يناله العدم ويجوز عليه من الحوادث؛ وإنما وجبت له مخالَفة الحوادث على ما أشار إليه سبحانه بقوله:  ليس كمثله شيء وهو السميع البصير  لأنها إما أجسام، وإما جواهر، وإما أعراض، وإما أزمنة، وإما أمكنة، وإما جهات، وإما حدود ونهايات، ولا شيء منها بواجب الوجود لما مر من حدوثها وجوب حدوثها واستحالة القدم عليها، وقد فصلنا وجه هذا الدليل بالأصل.

وأشار بقوله: "برهان هذا" أي دليل هذا الحكم وثبوت هذه الصفة له تعالى هو دليل ثبوت القدم له تعالى، أي المسلك الذي حرره المتأخرون في وجوب مخالَفته تعالى للحوادث، وهو أن الجسم محتاج لأجزائه التي تركَّب منها، عقلية كالجنس والفصل، أو حِسيَّة كالجواهر الفردة، أو مِقداريَّة كالأبعاض، ولا شيء من المحتاج بواجب لذاته، وأن الجوهر اسم للجزء الذي لا يتجزأ، وهو مفتقِر إلى الحَيِّزِ، وجزء من الجسم، وأحقر الأشياء، والله تعالى منزه عن ذلك، وأن المكان فراغ – أي خلاء – موهوم أو محقق يحل الجسم وتنفذ فيه أبعاده فتقوم به امتدادات تنطبق على امتدادات الجسم الحال فيه من الطول والعرض والعمق، والله سبحانه منزه عن الامتداد والمقدار لاستلزامهما الجرمية والتجزؤ، وأن الزمان متجدد يقدر به متجدد آخر، وذلك أمارة الحدوث المحال عليه سبحانه، وأن الجهة اسم لمنتهى مأخذ الإشارة ومقصد المتحرِّك، وذلك حد ونهاية، وأن الحيز حصر وإحاطة، وأن الصور والأشكال من خواص الأجسام تلحقها بواسطة الكميات والكيفيات، وأن العرَض مفتقِر إلى محلٍّ يقوم به، ويمتنع بقاؤه لأن البقاء معنى يقوم بمحل فيلزم قيام المعنى بالمعنى، والكل محال عليه تعالى، وبسط الجميع بالأصل.



25– قِـيَـامُهُ بِالنَّفْـسِ وَحْـدَانِيَّـهْ مُـنَـزَّهًا أَوْصَـافُهُ سَـنِـيَّـهْ

26– عَنْ ضِدٍّ أَوْ شِبْهٍ شَرِيكٍ مُطْلَـقًا وَوَالِـدٍ كَـذَا الْوَلَـدْ وَالْأََصْدِقَـا


ص: قِـيَـامُهُ بِالنَّفْـسِ ش: يعني أن الرابعة من الصفات السلبية: قيامه تعالى بذاته، فهي معطوفة على "الوجود" فتكون واجبة أيضا، وهي عبارة عن استغنائه وعدم افتقاره تعالى إلى المحلِّ والمخصِّصِ؛ وإنما وجب له تعالى الاستغناء عن المخصص – أي المؤثر والموجد – لوجوب وجوده وقدمه وبقائه، وإنما وجب له الاستغناء عن المحل لأنه لو قام بمحل لكان صفة له، فيستحيل أن تقوم به الصفات الثبوتية من العلم والقدرة والإرادة وغيرها، لكنها واجب القيام به تعالى، هذا خلف.
وأيضا لو كان صفة لزم أن يقوم بمحل لاستحالة قيام الصفة بذاتها و[. . . ] فإن كان ذلك المحل إلها لزم تعدد الآلهة – وهو محال – وإن انفردت الصفتة بالألوهية وأحكامها دون محلها لزم أن تقوم الصفة بمحل، ولا يتصف ذلك المحل بحكم تلك الصفة، وهو محال، على أنه لو كان صفة لم يكن بالألوهية أولى من محله، بل كان محله أولى بها منه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وبهذا المطلب مع ما سلف يستحيل عليه تعالى الحلول والاتحاد، وقد بسطناه بدليله في الأصل كما سلف.

تنبيه:
استعمال النفس بمعنى الذات وارد لغة في القرآن، قال تعالى:  ولا أعلم ما في نفسك ، وحَمْلُهُ على المشاكلة لا داعي إليه لثبوت اللغة به، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
و"الـ" في "النفس" عوض عن مضاف إليه، والأصل: قيامه بنفسه، وحرف العطف محذوف من للضرورة.

ص: وَحْـدَانِيَّـهْ

ش: هذه هي الصفة الخامسة من الصفات السلبية، وهي معطوفة على "الوجود" أيضا بحرف عطف محذوف للضرورة، أي: ومما يجب له تعالى: الوَحْدانية، وهي في عرف القوم عبارة عن ثلاثة سلوب:

– انتفاء الكثرة عن ذاته تعالى – بمعنى عدم قبولها الانقسام – ويعبرون عنه بنفي الكم المتصل.

– وانتفاء النظير له تعالى – بمعنى عدم التعدد في ذاته أو صفة من صفاته – ويعبرون عنه بنفي الكم المنفصل، ويلزمه وجوب انفراده تعالى باختراع جميع الكائنات، ذواتا كانت أو أفعالا، وامتناع استناد التأثير لغيره تعالى في شيء من الممكنات.

– وانتفاء مماثلته تعالى للحوادث اللازم عنه انتفاء ضد له تعالى منها بالأولى.

فأما السلب الأول والثالث فقد تقدم دليلهما في بحث مخالفته تعالى للحوادث، وأما انفراده تعالى باختراع جميع الممكنات فسيأتي ما يتعلق به في بحث عموم تعلق قدرته تعالى بها، وأما امتناع استناد التأثير لغيره تعالى فسيأتي دليله عند قوله: "فخالق لعبده وما عمل"، فظهر أن المراد هنا بيان وَحدة الذات والصفات بمعنى عدم النظير فيهما، وأما وَحدة الصفات بمعنى عدم قبول كل واحد من صفات الذات للتعدد فسيأتي في قوله: "ووحدة أوجب لها" إلخ.

وللقوم على هذا المطلب أدلة ذكرنا منها بالأصل جملة، أشهرها برهان التمانع – ويقال له أيضا برهان التطارد –، وتقديره أنه لو وُجد فردان متصفان – أي يُقدَّر اتصافهما – بصفات الألوهية – وهذا مرادهم بقولهم وجد إلهان متصفان بصفات الألوهية – ، فإذا أراد أحدهما حركة جسم مثلا، فإما أن يتمكن الآخر من إرادة ضده – كسكونه مثلا – أو لا، وكلاهما محال:

أما الأول، فلأنه لو فُرِض تعلُّق إرادته بذلك الضد، فإما أن يقع مرادهما، وهو محال لاستلزامه أيضا اجتماع الضدين، أو لا
يقع مراد واحد منهما، وهو محال لاستلزامه عجز الإلهين الموصوفين بكمال القدرة على ما هو المفروض، ولاستلزامه أيضا ارتفاع الضدين – والمفروض امتناع خُلُوِّ ذلك المحل عنهما في زمان واحد – فلا يكون متحركا ولا ساكنا.

أو يقع مراد أحدهما دون الآخر، وهو محال لاستلزامه الترجيحَ بلا مرجِّح، وعجْزَ من فُرِضَ قادرا حيث لم يقع مرادُه، ووُجُوبَ عجز من وقع مراده لانعقاد المماثلة بينه وبين من لم يقع مراده.

وأما الثاني، فلأنه يستلزم عجز الآخر حيث لم يقدر على ما هو ممكن في نفسه – أعني إرادة الضد – ويلزم منه عجز القادر لما مر من انعقاد المماثلة بينهما.

قال السعد: والمقدمات كلها بينة سوى هذا الثاني، فإنه ربما يُمنَع ويقال: لا نسلم أن مخالفة أحدهما للآخر وإرادة ضد ما أراده ممكنة حتى يكون عدم القدرة عليها عجزا، وذلك أن الممكن في نفسه ربما يصير ممتنعا بحسب شرط ككون الجسم في هذا الحيز حال الكون في حيز آخر.

وجوابه أن الممكن في ذاته ممكن على كل حال ضرورة امتناع الانقلاب، والممتنع فيما ذكرتم من تحيز الجسم هو الاجتماع، أعني كونه في آن واحد في حيزين، فكذا هنا يمتنع اجتماع الإرادتين، وهو لا ينافي إمكان كل منهما، فتعين أن لزوم المحال إنما هو من وجود الإلهين.

فإن قيل: كل منهما عالم بوجوه المصالح والمفاسد، فإذا علما المصلحة في أحد الضدين امتنعت إرادة الآخر، قلنا: لو سلم كون الإرادة تابعة للمصلحة نفرض الكلام فيما إذا استوت في الضدين وجوه المصالح.

لا يقال: ما ذكرتم لازم في الواحد إذا وجد المقدور، فإنه لا يبقى قادرا على إيجاده ضرورة امتناع إيجاد الموجود، فيلزم أن يصلح أن لا للألوهية؛ لأنا نقول: عدم القدرة بناء على تنفيذ القدرة ليس عجزا، بل كمال للقدرة، بخلاف عدم القدرة بناء على سد الغير طريق القدرة عليه، فإنه عجز لتعجيز الغير إياه. وبسطه وتلخيصه بالأصل.

وبرهان التوارد، وتقديره أن يقال: لو وجد إلهان يتصفان لا محالة بصفات الإله من العلم والقدرة والإرادة وغير ذلك، فإذا قصدا إلى إيجاد مقدور معين – كحركة جسم معيّن في زمان معيّن – فوقوعه إما أن يكون بكل منهما فيلزم مقدور بين قادرين مستقلين بمعنى استقلال كل منهما بإيجاده، وقد سبق في الأمر الثاني امتناعه، وإما أن يكون بأحدهما فيلزم الترجح بلا مرجح لأن المقتضِي للقادرية ذات الإله، وللمقدورية إمكان الممكن، فنسبة الممكنات إلى الإلهين المفروضين على السوية من غير رجحان.

لا يقال: يجوز أن لا يقع مثل هذا المقدور للزوم المحال، أو يقع بهما جميعا، لا بكل منهما فيلزم المحال؛ لأنا نقول: الأول باطل للزوم عجزهما لأن الفرض أنهما قصدا إيجاده، فإذا لم يوجد لزم عجزهما، ولأن المانع من وقوعه بأحدهما ليس إلا وقوعه بالآخر، فيلزم من عدم وقوعه بهما وقوعه، وكذا الثاني لأن الفرض استقلال كل منهما بالقدرة والإرادة. انتهى كلام السعد.


ص: مُـنَـزَّهًا أَوْصَـافُهُ سَـنِـيَّـهْ، عَنْ ضِدٍّ أَوْ شِبْهٍ

ش: قوله "منزَّها" حال لازمة من الهاء في قوله: "فواجب له الوجود" إلخ، مثل: دعوت الله سميعا، وكذلك جملة "أوصافه سَنية"، فتكون مترادفة، ويجوز أن تكون حالا من ضمير "منزَّها" فتكون متداخلة. و"السنيَّة": الشريفة الرفيعة، أو الجميلة. و"عن ضد" متعلق بـ"منزَّها".

يعني أن مما يجب اعتقاده أن الله تعالى وجبت له تلك الصفات في حال وجوب تنزُّهه وترفُّع صفاته وتعاليها عن مضاد له تعالى أوْ لَها؛ وإلا وجب ارتفاعه أو ارتفاعها ارتفاعا مطلقا أو مقيدا، والفرض أنه واجب الوجود قديم، وكذا صفاته، هذا خلف.

وقوله: "شبه" معطوف على "ضدّ"، أي: وتنزّهه تعالى عن مشابِهٍ له تعالى في ذاته أو في صفاته بوجهٍ وحالٍ لوجوب مخالَفته تعالى للممكنات ذاتا وصفات كما مر؛ أما الذات فلأنه تعالى لو ماثل شيئا من الممكنات في الذات والحقيقة، وامتاز كل واحد عن الآخر بخصوصية مثل الوجوب والإمكان، فإن كانت تلك الخصوصية من لوازم الذات لزم اشتراك الكل فيها، وإن كانت الخصوصية مع الذات لزم التركيب المنافي للوجوب الذاتي. أما الصفة لأنه سبحانه لو كان له مثل في شيء من صفاته للزم الحدوث لاحتياج كل من المتماثلين إلى من يخصصه بالعارض الذي يمتاز به عن مثله.
واعلم أنه كما وجب تنزهه تعالى عن الضد، وجب تنزهه أيضا عن النقيض بعين ما مر في الضد، وكما وجب تنزهه عن المشابهة وجب تنزهه أيضا عن التضايف وإلا لتوقف تعقله على تعقل ما يضاف إليه، وقد عُلم مما مر أيضا أنه منزه عن العدم والملكة وإلا لما وجب له الوجود ولَماثل الحوادث.
تتمة:
"أو" في قوله "أو شبه" بمعنى الواو، عدل إليه لضرورة الشعر.

نزار بن علي
21-09-2007, 10:06
تنبيهات:

الأول: أقسام التقابل عند القوم أربعة: تقابل التضايف، وتقابل التضاد، وتقابل العدم والملكة، وتقابل السلب والإيجاب؛ لأن المتقابلين إما أن يكون وجوديين، أو وجوديا وعدميا، فإن كان وجوديين، فإن كان تعقل كل منهما بالقياس إلى تعقل الآخر فمتضايفان كالأبوّة والبنوّة، وإن لم يكن تعقل كل منهما بالقياس إلى تعقل الآخر فمتضادان كالسواد والبياض، وإن كان أحدهما عدميا والآخر وجوديا، فإن اعتبر في العدميين كون الموضوع قابلا للوجودي بحسب شخصه – كعدم اللحية عن الأمرد – أو نوعه – كعدم اللحية عن المرأة – أو جنسه القريب – كعدم اللحية عن الفرس – أو جنسه البعيد – كعدم اللحية عن الشجر – فهما متقابلان تقابل العدم والملكة، وإن لم يعتبر ذلك كالسواد واللاسواد فتقابل الإيجاب والسلب. إلا أن بعضهم في مباحث الفلسفة اعتبر في مفهومي التضاد والعدم والملكة قيدا آخر وهو في التضاد أن يكون بينهما غاية الخلاف كالسواد والبياض بخلاف البياض والصفرة، وفي العدم والملكة أن يكون العدم سلبا للوجودي عما من شأنه في الوقت كعدم اللحية عن الكوسج بخلافه عن الأمرد، فكل من التضاد والعدم والملكة بالمعنى الأول أعم منه بالمعنى الثاني ضرورة أن المطلق أعم من المقيد. ويسمى التضاد المطلق تضادا مشهوريا لاشتهاره بين عوام الفلسفة، والمقيد حقيقيا لكونه معتبرا في علومهم الحقيقية. وأما العدم والملكة فعلى العكس من التضاد، فإنهم سموا المطلق منها حقيقيا، والمقيد مشهوريا.

الثاني: الخلافان يجوز أن يجتمعا في المحل الواحد – كالقعود والضحك في زيد – وأن يرتفعا عنه – لقيامه ممسكا عن الضحك.
والضدان لا يجتمعان في محل واحد – كالحركة والسكون في زيد – وقد يرتفعان معا بانعدام محلهما.
والنقيضان لا يجتمعان في محل واحد – كالوجود والعدم – ولا يرتفعان.
والعدم والملكة لهما حكم النقيضين كالإيجاب والسلب، ولذا جعل المحققون كما مر أقسام التقابل أربعة.
والمتضايفان لهما حكم الضدين اعتبارا بوجود التضايف الذهني؛ إذ لا وجود له في الخارج على الصحيح عندنا، خلافا لمن ذهب إلى وجود الأعراض النسبية خارجا. والعرضان المتماثلان يمتنع اجتماعها في محل واحد عندنا – خلافا للمعتزلة – لأن العرضين إذا اشتركا في الماهية والصفات النفسية لم يعقل بينهما تمايز إلا بحسب المحل؛ لأن قيامهما به ووجودهما فيه تبع لوجوده، فإذا اتحدت الماهية وما يتبعها من الهوية ارتفعت الإثنينية.

الثالث: نقل الآمدي عن بعض الأصحاب أنه يُشترط في كلٍّ من المتخالفين والمتماثلين التغاير، ونقل عن ظاهر مذهب القاضي عدم اشتراطه في التخالف، قال السعد: ففي التماثل أولى. وينبني على هذا الخلاف صحة إطلاق التخالف والتماثل على صفاته تعالى وعدمها؛ فعلى الأول لا يصح، وعلى الثاني عكسه.

الرابع: اعلم أن قدماء المعتزلة – كالجبائي وابنه أبي هاشم – ذهبوا إلى أن المماثلة هي المشاركة في أخص صفات النفس؛ فمماثلة زيد لعمرو عندهم مشاركته إياه في الناطقية فقط. وذهب المحققون من الماتريدية إلى أن المماثلة هي الاشتراك في الصفات النفسية كالحيوانية والناطقية لزيد وعمرو، ومن لازم الاشتراك في الصفة النفسية أمران: أحدهما: الاشتراك فيما يجب ويجوز ويمتنع، وثانيهما: أن يسُدَّ كلٌّ منهما مسدّ الآخر وينوب الآخر منابه، فمن ثمَّ يقال: المثلان موجودان يشتركان فيما يجب ويمتنع، أو موجودان يسدّ كلّ منهما مسدّ الآخر. والمتماثلان وإن اشتركا في الصفات النفسية، لكن لا بد من اختلافهما بجهة أخرى ليتحقق التفرد والتمايز فيصح التماثل.

وينسب إلى الأشعري أنه يشترط في التماثل التساوي من كل وجه. واعترض بأنه لا تعدد حينئذ، فلا تماثل، وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا: زيد مثل عمرو في الفقه، إذا كان يساويه فيه ويسدّ مسدّه وإن اختلفا في كثير من الأوصاف. وفي الحديث: « الحنطة بالحنطة مثلا بمثل »، وأراد به الاستواء في الكيل، دون الوزن وعدد الحبات وأوصافها. ويمكن أن يجاب بأن مراده التساوي في الوجه الذي به التماثل، حتى أن زيدا أو عمرا لو اشتركا في الفقه، وكان بينهما مساواة فيه بحيث ينوب أحدهما مناب الآخر، صح القول بأنهما متماثلان فيه، وإلا فلا يخالف مذهب الماتريدية.

(ص): شَرِيكٍ مُطْلَـقًا

(ش): فيه حرف عطف مقدّر لضرورة الشعر، والمعطوف عليه: "ضدّ"، أي: وحال كونه تعالى منزها أيضا عن شريك له تعالى في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله لما مر، وهذا معنى الإطلاق هنا.
وبرهانه: برهان وجوب الوحدانية له تعالى.

تتمة:
مجيء "فعيل" بمعنى "المُفاعِل"، كـ"شريك" بمعنى "المُشارِك" كثير في اللغة؛ منه: خليل، ونديم، وخليط، وجليس، بمعنى مخالل، ومنادم، ومخالط، ومجالس.

(ص): وَوَالِـدٍ كَـذَا الْوَلَـدْ وَالْأََصْدِقَـا

(ش): عطفٌ على "ضدّ"، أي: حال كونه تعالى منزّها عن والد، أي: لا يجوز أن يكون تعالى منفصلا عن حيوان آخر، أبًا كان أو أُمًّا لصدق الوالد بهما.

وقوله: "كذا الولد"، أي: ويجب أن يكون تعالى منزّها عن الولد كتنزهه عن الوالد؛ فلا يجوز أن ينفصل عنه حيوان آخر.
وكذا يجب له تعالى تنزّهُه عن التولّد أيضا، وهو كونه تعالى كائنا عن غيرٍ هو حيوانٌ؛ ككون الدود عن الماء الراكد زمن الصيف.

و"الأصدقا" – بدرج الهمزة عطفا على "ضدّ"، أو على "الولد" – جمع صديق، بمعنى مصادق، سمي بذلك بذلك لصدقه في ودّه ومحبته، وهو معدوم اليوم إلا قليلا، وهو من يكون معك في الحق، ويضر نفسه لجلب النفع إليك عند تعارض الأمرين، ومن يجمعُ شَمْلَكَ بتشتيت شمله عند ذلك أيضا.

وبرهان الجميع: وجوب مخالفته تعالى للحوادث، والأصل القاطع قوله تعالى:  ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ،  قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد .

تنبيهان:

الأول: لا شك في تداخل مباحث التنزيهات؛ إذ التعرض لوجوب الوجود مغنٍ عن التعرض لكل ما بعده إلى هنا، والتعرض لوجوب القِدم مغنٍ عن التعرض لوجوب البقاء، والتعرض لهما مغنٍ عن التعرض لوجوب مخالَفته للحوادث، ووجوب مخالَفته للحوادث مغنٍ عن متعلَّق "منزّها" بتمامه؛ إلا أنه قصد اقتفاء أثر القوم في التعرض للمذكورات – وإن تداخلت – قضاءً لحقِّ وجوب التنزيه بمزيد البيان والتفصيل، وتصريحا بالردّ على المجسِّمة وسائر فِرَق الطغيان، بأبلغ وجه وأصرح تبيان.

الثاني: منع كثير من المتكلمين من إطلاق الماهية عليه تعالى لأن معناها المجانسة، وهي المشاركة في الجنس والفصل؛ يقال: ما هذا الشيء؟ أي: من أيِّ جنس هو.

وما روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى من أنه كان يقول: "إن لله ماهية لا يعلمها إلا هو"، فلا يصح عنه؛ إذ لم يوجد في كتبه، ولم ينقله عنه أحد من أصحابه العارفين بأقواله، بل لو ثبت حُمِل على أن مراده أنه تعالى يعلم ذاته بالمشاهدة، لا بدليل أو خبر، وأن له اسما لا يعلمه غيره فارضا قد يسأل بها عن الاسم نحو "ما اسمك" كما أوضحناه بالأصل.

نزار بن علي
23-09-2007, 00:32
27– وَقُــدْرَةٌ إِرَادَةٌ وَغَــايَـرَتْ أَمْـرًا وَعِـلْمًا وَالرِّضَا كَمَا ثَبَتْ

(ص): وَقُــدْرَةٌ
(ش): اعلم أنه لا خلاف بين الناس في وصفه تعالى بالسلوب والإضافات والأفعال ككونه تعالى واحدا، وليس في جهة، وعلِيًّا، وعظيما، وقبل كل شيء، وبعده، وأوّلا، وآخرا، وقابضا، وباسطا؛ إذ لا تقتضي ثبوت صفات له تعالى.
وأما الصفات الثبوتية – وهو القسم الثالث الذي شرع فيه الآن – فاختلف الناس فيها؛ فأثبتها أهل الحق، وذهبوا إلى أن له تعالى صفاتٍ أزليّةً زائدةً على الذات، فهو عالم وله علم، وقادر وله قدرة، وحي وله حياة إلخ، مع اختلاف في بعضها وفي كونها غير الذات بعد الاتفاق على أنها ليست عين الذات، وكذا في الصفات بعضها مع بعض لفرط تحذرهم عن القول بتعدد القدماء – وإن كانت أزلية – بل يقال: هو قديم بصفاته، وآثروا أن يقال: هي قائمة بذاته، أو موجودة بذاته، ولا يقال: هي فيه أو معه أو مجاورة له أو حالّة فيه لإيهام التغاير. وأطبقوا على أنها لا توصف بكونها أعراضا ولا ملكات.
وذهب أهل الضلال كالفلاسفة والمبتدعة إلى نفيها، وقول بعض المعتزلة: الواجب حي عالم قادر بذاته، وبعضهم: هو على أخص صفاته، وبعضهم: هو عالم حي قادر لا لذاته ولا لعلل، راجع في الحقيقة إلى نفيها.
قال السعد: وليس النزاع في العلم والقدرة الذيْن هما من الكيفيات والملكات لما صرح به أئمتنا من أنه تعالى حي وله حياة أزلية ليست بعرض ولا مستحيلة البقاء، وأنه تعالى عالم وله علم أزلي شامل لجميع الأشياء، ليس بعرض ولا مستحيل البقاء، ولا ضروري، ولا مكتسَب، وكذا سائر الصفات الثبوتية؛ وإنما النزاع في أنه كما للعالم منا علم هو عرض قائم به زائد عليه حادث، فهل للواجب الصانع للعالَم علمٌ هو صفة أزلية قائمة بذاته تعالى زائدة عليه، وكذا جميع الصفات؟ فأنكره الفلاسفة والمعتزلة، زعما من المعتزلة أن صفاته عين ذاته، بمعنى أن ذاته تسمى باعتبار التعلُّق بالمعلومات علِمً، وبالمقدورات قادرًا، إلى غير ذلك؛ قلنا نحن: نعم، للنصوص الدالة على إثبات العلم والقدرة وغيرهما من الصفات دلالة لا تقبل التأويل، كقوله تعالى:  أنزله بعلمه ، وقوله:  فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ، أي ملتبسا بعلمه، بمعنى أنه تعلق علمه بنزوله، فنزل مقارنا لتعلق العلم به؛ لئلا يلزم كون العلم مُنزلا، وقوله تعالى:  إن القوة لله جميعا ، وقوله تعالى:  إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ، إلى غير ذلك. ولأن الله تعالى عالم، وكل عالم فله علم؛ إذ لا سبيل من العالم إلا ذلك، وكذا القادر وغيره. ولأن لله تعالى معلوما، وكل معلوم فله علم؛ إذ لا معنى للمعلوم إلا ما تعلق به العلم.
فإن قلت: سلمنا أن له تعالى علما، لكن لم لا يجوز أن يكون علمه نفس ذاته لا زائدا عليها، وكذا سائر الصفات بناء على ما يدعيه المعتزلة؟
قلنا: لأنه يلزم منه محالات: أحدهما: أن يكون حمل تلك الصفات على الذات نحو "الله عالم" مقيّدا، بل بمنزلة قولنا الإنسان بشر، والذات ذات، وذات العالِم عالِم، والعلم علم.
وثانيهما: أن يكون العلم هو القدرة، والقدرة هي الحياة، وكذا البواقي من غير تمايز أصلا لأنها كلها نفس الذات، فينتظم القياس هكذا: العلم هو الذات، والذات هو القدرة لأن القدرة إذا كانت نفس الذات كان الذات نفس القدرة ضرورة، فينتج من الشكل الأول: العلم هو القدرة، وكذا الباقي.
وثالثها: أن يجزم العقل بكون الواجب عالِما، قادرا، حيا، سميعا، بصيرا بعد جزمه بثبوت الواجب بالدليل من غير افتقار إلى إثبات ذلك بالبرهان لأن كون الشيء نفسه ضروري.
ورابعها: أن يكون العلم مثلا واجب الوجود لذاته، قائما بنفسه، صانعا للعالَم، معبودا للعباد، وحيا، قادرا، سميعا، بصيرا إلى غير ذلك من الكمالات، وليس كذلك وفاقا، بل زعم الكعبي من المعتزلة بأن من زعم أن علم الله تعالى يُعْبَد فقد كفر. وله بالأصل – كفساد مذهب الفلاسفة – زيادات كثيرة.
وإنما قدّم هذا القسم على القسم الرابع – وهو الصفات المعنوية – لتوقفها عليها اشتقاقا وتحققا؛ إذ العالِم مثلا مشتق من العلم، وثبوته للذات فرع ثبوته لها وقيامه بها. وبعضهم قدّما للاتفاق عليها، ولأنها دليل على صفات المعاني، وهي عندهم عبارة عن كل صفة قائمة بموصوف توجب له حكما، كقيام العلم بالذات الموجب لها كونها عالمة.
إذا علمت هذا، فقوله: "وقدرة" معطوف على "الوجود"، أي: وواجب له تعالى قدرة. وتنوينها للكمال، وعبِّر عنها بالقوّة في الكتاب والسنة واللغة، وهي عرفا – كما قال السعد –: صفة أزلية تؤثر في المقدورات عند تعلقها بها. انتهى. بمعنى أن الذات الواجبة الوجود القائم بها صفة القدرة القديمة تؤثر في الممكنات، إيجادها وإعدامها، على وفق ما تعلقت به إرادتها.
فأحسن منه قول بعض المتأخرين: صفة يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرادة.
وإنما وجبت له تعالى لأنه صانع قديم له مصنوع حادث، وصدرو الحوادث عن القديم إنما يتصور بطريق القدرة دون الإيجاب وإلا يلزم تخلف المعلول عن تمام علته حيث وجدت في الأزل العلة دون المعلول. وقد نبهنا فيما سلف على وجوب استناد جميع الحوادث إليه تعالى باختيار. وأيضا لو لم يتصف الباري بها لاتصف بنقسضها وهو العجز، وهو محال، فالملزوم كذلك. وفي الأصل أدلة كثيرة.
(ص): إِرَادَةٌ
(ش): أي: ومن صفات المعاني الواجبة له تعالى: "إرادة"، فهو معطوف على "الوجود" بحرف عطف مقدَّرٍ حُذف للضرورة. واعلم أن الخلاف في معنى إرادته تعالى كثير، والقول في تفصيله شهير، مع اتفاق المتكلمين والحكماء وجميع الفرق على القول بأنه تعالى مريد؛ فعند الجُبَّائية: هي صفة زائدة قائمة لا بمحلّ، وعند الكرَّامية: صفة حادثة قائمة بالذات، وعند ضرار: نفس الذات، وعند النجار: هي كون الفاعل ليس بمُكرَه ولا ساهٍ، وعند الكعبي: إرادته لفعله علمُه به، ولفعل غيره أمرُه به، وعند محققي المعتزلة: هي العلم بما في الفعل من المصلحة، وعند الحكماء والفلاسفة: هي العلم بالنظام الأكمل.
والحق عندنا – كما قال السعد – أنها صفة شأنها التخصيص، قديمة، زائدة على الذات قائمة به كما هو شأن سائر الصفات الحقيقية؛ لأن تخصيص بعض الأضداد بالوقوع دون البعض، وفي بعض الأوقات دون البعض، مع استواء نسبة الذات إلى الكل، لا بدّ أن يكون لصفة شأنها التخصيص؛ لأمتناع التخصيص بلا مخصِّص، وامتناع احتياج الفاعل في فاعليته إلى أمر منفصل، وتلك الصفة هي المسماة بالإرادة، وهو معنى واضح عند العقل، مغاير للعلم والقدرة وسائر الصفات، شأنه التخصيص والترجيح لأحد طرفي المقدور من الفعل والترك على الآخر.
وسينبه على مغايرتها للقدرة أن نسبة القدرة إلى الطرفين على السواء بخلافها، وللعلم أن مطلق العلم نسبته إلى الكل على السواء، والعلم بما في الفعل من المصلحة أو بأنه سيوجد في وقت كذا سابق على الإرادة، والعلم بوقوعه تابع للموقوع المتأخر عنها. وإنما قلنا "سينبه" لأنه قال: الحق مغايرة الحالة التي نسميها بالإرادة للعلم والقدرة وسائر الصفات ضرورية.
تتمة:
مذهب أهل الحق أن كل ما أراده سبحانه فهو كائن، وكل كائن فهو مراد له تعالى وإن لم يكن مرضيا له ولا مأمورا به، وهذا ما اشتهر عن السلف "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن".
وخالفت المعتزلة في الأصلين ذهابا إلى أنه أراد من الكفار والعصاة الإيمان والطاعة ولكن ما وقع مرادُه، ووقع منهم الكفر والمعاصي ولكن ما أرادها، وسيأتي الردّ عليهم.
(ص): وَغَايَرَتْ أَمْرًا وَعِلْمًا وَالرِّضَا كَمَا ثَبَتْ
(ش): يعني أن صفة الإرادة مغايِرة للأمر ومغايِرة للعلم وللرضا مغايَرةً كالمغايرة الثابتة عند العقل في كونها بالضرورة. والمذكور عند بعض القوم في صورة الاستدلال على ذلك تنبيه كما مر.
وخالف في الأول والثاني الكعبي ومعتزلة بغداد حيث قالوا: إن إرادته تعالى لفعله هي علمه به، أو كونه غير مكرَهٍ ولا ساهٍ، ولفعلِ غيره هي أمْرُه به، حتى إن ما لا يكون مأمورا به لا يكون مرادا له.
وهو مردود؛ أمّا أوّلا فلا خفاء في أن هذا موافقة للفلاسفة في نفي كون الواجب مُرِيدًا وفاعلا بالاختيار والقصد، فهو خلاف مذهبهم.
وأما الثاني فهو مخالف لنصوص الدالة على أن إرادته تعالى تتعلق بشيء دون شيء، وفي وقت دون وقت، وعلمُه تعالى وكونُه غيرَ مُكْرَه ولا ساهٍ نِسبتُه إلى الموجودات كلها على حدّ سواء، لا اختصاص لبعضها به عن بعض.
وأما ثالثا فلأنه قد أمر العباد بما لم يشأه منهم، وتقدير هذا الثالث من وجهين:
أحدهما أنه تعالى أمر بما علم امتناعه، كأمره بالإيمان من عَلِم موته على الكفر كإبليس ووزيريه أبوي جهل ولهب، والممتنع غير مراد اتفاقا.
وثانيهما أن الأمر لو كان هو الإرادة لوقعت المأمورات كلها؛ لأن الإرادة تخصيصُ الفعل بحال حدوثه، وإذا لم يوجَد الفعل لم يحدث، فلا يتصور تخصيصه بحال حدوثه.
وأما الثالث فخالف فيه بعضهم ففسره بالإرادة، ورُدَّ بأن الحق أن الرضا: ترك الاعتراض، كما أن المحبة: إرادة لا تتبعها تبعة، والإرادة تتعلق بما يتوجه على فاعلها الاعتراض به والتبعة كالكفر، وبما لا يتوجَّه عليه به الاعتراض كالإيمان، على أن بعضهم فسَّر الرضا بأنه إرادة من غير اعتراض، فهو أخص من مطلق الإرادة.
تنبيه:
المراد هنا بالأمر الأمر النفسي، وهو اقتضاء فعل غير كفّ، مدلول عليه بلفظ غير نحو كفّ، فتناول الاقتضاءَ بمعنى الطلب الجازم وغيره إذا كان غير كفّ، وكذا إذا كان كفا مدلولا عليه بغير ذلك كـ"لا تفعل". وأمّا مغايرتها للأمر اللفظي فهو غاية الظهور.


28– وَعِـلْمُـهُ وَلاَ يُـقَالُ مُكْـتَسَبْ فَاتْبَعْ سَبِيـلَ الْحَقِّ وَاطْرَحِ الرِّيَبْ

(ص): وَعِلْمُهُ وَلاَ يُقَالُ مُكْتَسَبْ، فَاتْبَعْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَاطْرَحِ الرِّيَبْ
(ش): هذا معطوف أيضا على "الوجود"، يعني أنه يجب له سبحانه صفة العلم: وهي صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تنكشف بها المعلومات عند تعلقها بها، أي يجب أن تكون الذات القائمة بها عالِمة بكل ما يمكن علمه موجودا كان أو معدوما، محالا كان أو ممكنا، قديما كان أو حادثا، متناهيا كان أو غير متناهٍ، جزئيا كان أو كلّيا، مركَّبا كان أو بسيطا.
والمشهور من استدلال المتكلمين على إثبات العلم صفةً له تعالى وجهان:
أحدهما أنه تعالى فاعل فعلا محكما متقنا، وكل من كان كذلك فهو عالم. أمّا الكبرى فضرورية؛ ويُنبَّه عليها أن كل من رأى خطوطا مليحة أو سمع ألفاظا فصيحة تعبِّر عن معانٍ دقيقة وأغراض صحيحة علِم قطعا أن فاعلها عالِم. وأما الصغرى فلِما ثبت من أنه خالق للعالم بأسره، الأفلاك والعناصر بما فيها من الأعراض والجواهر وأنواع المعادن والنبات وأصناف الحيوانات على اتساق وانتظام وإتقان وإحكام تحار فيه العقول والأفهام، ولا تفي بتفاصيلها الدفاتر والأقلام على ما يشهد به الهيئة وعلم التشريح وعلم الآثار العلوية والسفلية وعلم الحيوان والنبات، مع أن الإنسان لم يؤت من العلم إلا قليلا، ولم يجد إلى الكنه سبيلا، فكيف إذا ترقَّى إلى عالَم الروحانيات من الأرضيات والسموات، وإلى ما يقول به الحكماء من المجرّدات؛  إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون .
ثانيهما أنه تعالى فاعل بالقصد والاختيار – كما مر – ولا يتصور ذلك إلا مع العلم بالمقصود؛ لاستحالة توجّه القصد والارادة من الفاعل إلى ما لا يعلم. وإتقان النحل مساكنها والعناكب بيوتها شاهد على ثبوت علم ملهمها؛ إذ هو الخالق ذلك فيها والمُقْدِر لها عليه.
والوجه الثاني في الاستدلال أقوى من الأول لما يَرِد عليه من أنه يجوز أن يوجد الباري موجودا تستند إليه تلك الأفعال المتقنة المحكمة ويكون له العلم والقدرة. فإن أجيب عنه بأنّ إيجاد مثل ذلك الموجد وإيجاد القدرة فيه يكون فعلا محكما فيكون موجده عالما قادرا، قلنا: لا يتمّ إلا ببيان أنه قادر مختار؛ إذ الإيجاد بالذات من غير قصد لا يدل على العلم، فيرجع طريق الإتقان إلى طريق العلم، والله أعلم.
وقوله: ولا يقال مكتسب" ولا يجوز شرعا أن يطلق على علمه تعالى بالمعنى السابق أنه مكتسب لأنه إما الحاصل عن النظر والاستدلال كما هو عرفا، وإما ما تعلقت به القدرة الحادثة كما هو معناه الأصلي، وكلاهما يقتضي الحدوث، وهو محال عليه تعالى، وما أوْهَم ذلك يجب تأويله بما يليق به محل الإطلاق كما أشرنا إليه بالأصل.
تنبيه:
يفهم من هذا امتناع إطلاق الضرورة على علمه بالأحرى، وهو ما قدّمنا عن السعد صدر البحث. وقال المقترح: الضروري يطلق على أربع معان:
أحدها: ما ليس بمقدور بالقدرة الحادثة، ونقيضه المكتسب وهو المقدور بها، وهو بهذا المعنى لا يختص بالعلم، بل يقال: حركة ضرورية، أي غير مقدورة بالقدرة الحادثة، كما يقال علم ضروري
وثانيها: ما علم بغير دليل.
وثالثها: ما علم من غير تقدم نظر. وهذان مختصان بالعلوم.
ورابعها: علم قارنه ضرورة وحاجة، كعلم الإنسان بألمه وجوعه. انتهى.
ومنه تعلم أن العقل إنما يحيل على العلم الأزلي اتصافَه بالضرورة بالمعنى الأخير، وأما الإطلاق فممتنع شرعا مطلقا للإيهام، كما امتنع إطلاق البديهي عليه كذلك؛ إذ المتبادر منه أنه من بدهَ الأمرُ النفس، إذا طرقها من غير سبق شعور، وهو عليه تعالى محال.
وقوله: "فاتبع" إلى آخره تكملة.


29– حَـيَاتُهُ كَذَا الْكَـلاَمُ السَّـمْـعُ ثُـمَّ البَصَـرْ بِـذَا أَتَانَا السَّـمْـعُ

(ص): حَـيَاتُه
(ش): هذا معطوف أيضا على "الوجود"، أي: وممّا يجب له سبحانه وتعالى: صفة الحياة القائمة بذاته سبحانه. قال السعد: وهي صفة أزلية تقتضي صحة العلم. قيل: وبهذا فسرها جمهور أهل السنة والمعتزلة؛ إذ لو لم تكن صفة تقتضي الصحة لكان اختصاصه تعالى بهذه الصحة ترجيحا بلا مرجِّح. ونُقِضَ إجملا بأنه لو كان صحيحا لزم أن يكون اختصاص ذاته تعالى بهذه الصفة لصفة أخرى وإلا لزم الترجيح بلا مرجّح فيلزم التسلسل. وأجيب بأنه ذاته تعالى كافية في هذا التخصيص والاقتضاء. قلت: وبهذا يناقش في الملازمة من أصلها.
وذهب الحكماء وأبو الحسين البصري من المعتزلة إلى أن حياته تعالى عين صحة اتصافه بالعلم والقدرة، فليس هنالك إلا الذات المستلزمة للعلم والقدرة.
ودليل وجوبها له تعالى وجوب اتصافه سبحانه بالعلم والقدرة والإرادة وغيرها، إذ لا يتصور قيامها بغير الحي.
(ص): كَذَا الْكَلاَمُ السَّمْعُ ثُمَّ البَصَرْ بِذَا أَتَانَا السَّمْعُ
(ش): اعلم أنه كما قال السعد لا خلاف لأرباب الملل والمذاهب في كون الباري تعالى متكلما، وإنما اختلفوا في معنى كلامه؛
فقال أهل السنة: هو صفة أزلية قائمة بذاته تعالى ليست بحرف ولا صوت.
وقالت الحشوية وطائفة سمّت أنفسها بالحنابلة: كلامه تعالى هو الأصوات والحروف المتوالية المرتبة وإنها قديمة.
وقالت الكرّامية: كلامه: قدرته تعالى على التكلم، وهي قديمة، وقوله: هو الحروف المسموعة وهي قائمة بذاته تعالى، وقوله: حادث لا محدث له.
وقالت المعتزلة: كلامه هو الحروف والأصوات، وهي حادثة وغير قائمة بذاته. فمعنى كونه تعالى متكلما عندهم أنه خالق الكلام في بعض الأجسام، لا أنه قام به الكلام.
والحاصل أنه انتظم من المقدمات القطعية والمشهورة قياسان: أحدهما ينتج قِدَم كلام الله تعالى، وهو أنه من صفات الله تعالى وهي قديمة، والآخر حدوثه وهو من جنس الحروف والأصوات وهي حادثة، فاضطر القوم كافّة إلى القدح في أحد القياسين ومنْع بعض المقدمات ضرورة امتناع اجتماع النقيضين؛ فمنعت المعتزلة كونه من صفات الله تعالى، والكرامية كون كل صفة قديمة، والأشاعرة كونه من جنس الأصوات والحروف، والحشوية كون المتنظم من الحروف حاثا، ولا عبرة بكلام الحشوية لمخالفته للضرورة، ولا بكلام الكرامية لمخالفته للدليل، فبقي النزاع بيننا وبين المعتزلة، وهو في الحقيقة عائد إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وأن القرآن مثلا هو المعنى النفسي أو هذا المؤلف من الحروف الذي هو كلام حسي، وإلا فلا نزاع لنا في حدوث الكلام الحسي، ولا لهم في قدم النفسي لو ثبت عندهم.
إذا عرفت هذا، فمعنى كلام النظم أنه تعالى وجبت له صفة الكلام بالسمع كما وجبت له الصفات السابقة بالعقل، فالتشبيه في مطلق الثبوت. وهو صفة أزلية قائمة بذاته تعالى منافية للسكوت الباطني بأن لا يدبّر في نفسه الكلام مع القدرة على التكلم، وللآفة الباطنية بأن لا يقدر على ذلك كما في حال الخرس والطفولية.
وقد تمسك أصحابنا على وجوب صفة الكلام له تعالى بالمعنى المذكور بوجهين:
أحدهما: إن المتكلم: من قام به الكلام، لا من أوجده في محلّ آخر؛ للقطع بأن موجد الحركة في جسم آخر لا يسمّى متحركا، وأن الله سبحانه لا يسمى بخلق الأصوات مصوِّتا، وأنا إذا سمعنا قائلا يقول: أنا قائم، نسميه متكلما وإن لم نعلم أنه الموجد لهذا الكلام، بل وإن علمنا أنه موجده هو الله تعالى، فتعين أن الكلام صفة قائمة بذاته تعالى، وحينئذ فالقائم بذات الباري لا يجوز أن يكون هو الحسي، أعني المنتظم من الحروف المسموعة لأنه حادث ضرورةَ أن له ابتداء وانتهاء، وأن الحرف الثاني من كل كلمة مسبوق بالأول مشروط بانقضائه، وأنه يمتنع اجتماع أجزائه في الوجود وبقاء شيء منها بعد الحصول، والحادث يمتنع قيامه بذات الباري تعالى وإلا كان محلاّ للحوادث، فتعين أن يكون هو المعنى النفسي؛ إذ لا ثالث يطلق عليه اسم الكلام.
وثانيهما: إن كل من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني، ثم يعبر عنها بالألفاظ التي نسميها بالكلام الحسي، وربما دلّ عليها أيضا بالكتابة أو الإشارة، فتلك المعاني التي يجدها في نفسه وتدور في خلده ولا تختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلم حصولها في نفس السامع ليجري على موجبها، ما يسمى بكلام النفس وحديثها. وربما اعترف بها أبو هاشم وسماها بالخواطر.
هذا، والمعتمد في الاستدلال على ثبوت صفة الكلام لله تعالى الدليلُ السمعي كما اختاره الناظم، وذلك إجماع الأمة، وتواتر النقل عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن الباري تعالى متكلم. ولا خفاء أنه شاع فيما بين أهل اللسان إطلاق اسم الكلام والقول على المعنى القائم بالنفس، حتلا كثيرا ما يقولون: في نفسي كلام أريد أقوله له. وقال عمر يوم السقيفة: زورت في نفسي مقالة أريد أن أقمها بين يدي أبي بكر، وقال الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان عن الفؤاد دليلا
وفي التنزيل:  ويقولون في أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول ، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
وإذا ثبت أن الباري تعالى متكلم وأنه لا معنى للمتكلم إلا من قامت به صفة الكلام، وأن الكلام نفسي وحسي، وأنه يمتنع قيام الحسي بذاته تعالى، تعيَّن النفسي، ولا يكون إلا قديما لما مرّ.
تتمة:
استدل القوم على مغايرة الكلام النفسي للعلم بأن الرجل قد يخبر عما لا يعلمه، بل قد يعلم خلافه، وعلى مغايرته للإرادة بأن السيد قد يأمر العبد بالفعل ويطلبه منه ولا يريده عند قصد إظهار عصيانه وعدم امتثاله لأوامره عند اللوم على تأديبه. وفي الشرح مهمات نفيسة.
وقوله: "السمع والبصر" معطوفان على "الكلام" بتقدير حرف العطف مع السمع، حذف منه لضرورة النظم، يعني: وكذا يجب له تعالى صفتا السمع: وهو صفة أزلية تتعلق بالمسموعات أو بالموجودات فتدرك إدراكا تاما، لا عن طريق التخيل والتوهم، ولا على طريق تأثير حاسة ولا وصول هواء؛ والبصر: وهو صفة أزلية تتعلق بالمبصرات أو بالموجودات فتدرك إدراكا تاما لا على سبيل التخيل والتوهم، ولا على طريق تأثير حاسة ووصول شعاع.
و"ثم" في كلامه بمعنى "الواو". وقوله: "بذي أتانا السمع"، أي دليله، والإضافة بيانية، و"سمْع" بمعنى مسموع، واسم الإشارة فيه عائد على الكلام والسمع والبصر، وقدّمه على عامله – وهو أتى – للضرورة.
ومعنى إتيان السمع بها: إطلاق مشتقاتها عليه تعالى، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وخصوصا مع التوكيد بالمصدر؛ قال جل ذكره:  وكلّم الله موسى تكليما ، وفي آية:  وهو السميع البصير  إلى غير ذلك.
وأما السنة، فعن البحر حدِّث. مع انعقاد إجماع أهل الملل والأديان، بل جميع العقلاء في سائر العصور والأزمان على أنه تعالى متكلم وسميع وبصير، وإطلاق المشتق وصفا لشيء يقتضي ثبوت مأخذ الاشتقاق له مع استحالة قيام الحوادث بذاته تعالى ووجوب قيام صفة الشيء به، وقيام الدليل على مغايرة الكلام للعلم والإرادة.
وأما إثبات هذه الصفات الثلاث بالدليل القطعي العقلي بأن يقال: هي أوصاف كمال، فيجب اتصافه تعالى بها وإلا لاتصف بضدها، فيكون ناقصا لأنه قد فاته الكمال، وفوت الكما نقص؛ فضعيف لعدم تمامه، ولم تم فيها لقبل، ألا ترى أن تلك الصفات لم يثبت كونها كمالا إلا في الشاهد، ولا يلزم من كون الشيء كمالا في الشاهد أن يكون في الغائب كذلك؛ ألا ترى أنّ اللذة والألم في الشاهد كمال، وعدمها فيه نقص، وهما ممتنعتان على الله تعالى لأنهما من عوارض الأجسام وتوابع المزاج، وذاته جل وعلا لم تعرف حقيقتها بالكنه حتى يعرف أن هذه الأوصاف كمالات في حقه يصح اتصافه بها، بحيث يلزم أنه إذا لم يتصف بها أن يتصف بأضدادها، وإنما تعرف من صفاته جل وعلا ما دلت عليه أفعاله، فإن لم يدل الفعل لجأنا إلى السمع، فإن لم يرد الشرع بشيء وجب الوقف، ولا شك أن السمع ورد بهذه الصفات الثلاث كما ذكرناه، فوجب قبولها والقول بها. وتسمع بعد هذا عند قوله: "حي" إلى آخره مزيد بيان يتعلق بهذا البحث.
تنبيه:
قيل: في إثبات الكلام بالدليل السمعي دور؛ إذ يلزم توقفه على صدق الرسول الآتي به، وهو على المعجزة، وهي على ثبوت الكلام بناء على أن دلالتها على صدق الرسول وضعية كما اختاره البعض لتنزّلها منزلة قوله: "صدق عبدي في كل ما يبلغ عني"، وذلك دور.
وأجيب باختيار أنها عقلية، أو عادية. وعلى تسليم أنها بمنزلة الوضعية، فلنا أن نمنع أن المنزَّل منزلة الشيء يجب أن يعطى سائر أحكامه.
وفي النظم في "السمع" صنعة الجناس التام اللفظي والخطي.

نزار بن علي
23-09-2007, 00:35
30– فَـهَلْ لُـهُ إِدْرَاكٌ أَوْ لاَ خُلْـفُ وَعِـنْـدَ قَوْمٍ صَحَّ فِـيهِ الْوَقْـفُ

(ص): فَهَلْ لُهُ إِدْرَاكٌ أَوْ لاَ خُلْفُ، وَعِنْدَ قَوْمٍ صَحَّ فِيهِ الْوَقْفُ

(ش): يعني أن العلماء اختلفوا في صفة له تعالى زائدة على العلم والسمع والبصر تسمى الإدراك، تتعلق بالملموسات والمشمومات والمذوقات من غير اتصال بمحالّها ولا مماسة ولا تكيف بكيفياتها؛ فقيل بثبوتها له تعالى ، وقيل بانتفائها عنه تعالى، وقيل بالوقف عنها؛ فذهب إلى الأول القاضي وإمام الحرمين ومن وافقهما، فقالوا: إن الإدراكات المتعلِّقة بهذه الأشياء زائدة على العلم بها للتفرقة الضرورية بينهما، وأيضا هي كمالات، وكل حي قابل لها، فإذا لم يتصف بها اتصف بأضدادها، وهي نقص لأن معها فوت كمال، والنقص في حقه تعالى محال، فوجب أن يتصف سبحانه بتلك الإدراكات زائدة على علمه تعالى على ما يليق به من نفي الاتصال بالأجسام ونفي اللذات عنه والآلام، ولهذا أجمعوا على امتناع إطلاق لفظٍ مشتقٍّ من الشم أو الذوق أو اللمس عليه تعالى لإيهامه الاتصال والتكيف، مع أنّ الشمّ والذوق واللمس فينا ليست نفس الإدراكات، والإدراكات من لوازمها العقلية، وإنما هي أسباب عادية يخلقها الله تعالى عندها بمحض اختياره، ولهذا كثير ما يقال: شممت التفاحة فلم أجد لها ريحاً، وذقتها فلم أجد لها طعماً؛ فلو لم تكن هذه المدركات زائدة على الإدراك كان هذا اللفظ متناقضا.

وذهب إلى الثاني جماعة من الأئمة لما أن بينها وبين الاتصال بمتعلّقاتها تلازماً عقلياً، فلا يتصور انفكاكها عنه، والاتصال مستحيل عليه تعالى، واستحالة اللازم توجب استحالة الملزوم؛ ولأن إحاطة العلم بمتعلقاتها كافية عن إثباتها حيث لم يرد بها سمع ولا دلَّ عليها فعله تعالى؛ ولأنه لا يلزم من كونها كمالات في الشاهد أن تكون في الغائب كذلك، ودعوى أنه تعالى لو لم يتصف بها لاتصف بأضدادها فاسدة لمنافاة العلم لتلك الأضداد، وقد وجب اتصافه به تعالى؛ ولأنه لم يُسمَع إطلاق المدرك عليه تعالى، كما لم يُسمَع إطلاق الشامّ ونحوه عليه سبحانه.

وذهب إلى الثالث المقترح وابن التلمساني وبعض المتأخرين لتعارض أدلة الإثبات والنفي، وهو أسلم وأصح من الأولين كما صرّح به المقترح، والله أعلم.

وقوله: "خلف": مبتدأ خبره محذوف، أي: في جوابه خلف. و"عند" متعلق بـ"صحّ"، أي: وصح عند قوم فيه – أي الإدراك – الوقفُ.

وهنا ذكرنا ما زيد في الصفات الذاتية بالأصل، ومن ذلك ما ورَد به ظاهر القرآن والسنة وامتنع حمله على معناه الحقيقي في حقه تعالى كقوله سبحانه:  الرحمن على العرش استوى ،  يد الله فوق أيديهم ،  ويبقى وجه ربك ،  ولتصنع على عيني ، وفي الحديث: « قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن ؛ فنُقل عن الأشعري أن كلاًّ من هذه الأمور صفة ذاتية له تعالى زائدة على الذات لائقة به تعالى تسمّى بذلك، لم نقف على حقيقتها.
والحقُّ ما سيأتي في النظم إشارةٌ إليه، وهو رأي الجمهور. والمعروف في النقل عن الأشعري أنها مجازات؛ فالاستواء مجاز عن الاستيلاء، واليد مجاز عن القدرة، والوجه مجاز عن الوجود، والعين مجاز عن البصر كما يعلم مما سيأتي في محلِّه.

نزار بن علي
23-09-2007, 00:38
31– حَـيٌّ عَـلِـيـمٌ قَـادِرٌ مُرِيدُ سَمِيـعٌ بَصِيـرٌ مَا يَشَـا يُرِيـدُ

32– مُـتَكَلِّمٌ ثُـمَّ صِفَـاتُ الـذَّاتِ لَـيْسَتْ بِـغَـيْرِ أَوْ بِعَيْـنِ الذَّات

(ص): حَيٌّ، عَلِيمٌ، قَادِرٌ، مُرِيدُ، سَمِيعٌ، بَصِيرٌ، مَا يَشَا يُرِيدُ، مُتَكَلِّمٌ

(ش): هذا القسم الرابع من أقسام الصفات على ما قاله بعضهم، وهو الصفات المعنوية، وهي سبع صفات أيضا منسوبة للسبع المعاني السابقة. ولم أذكرها على أنها من الصفات الزائدة على ما سبق كما فعل البعض لأن عدَّ هذه الصفات مما يجب له تعالى زيادة على صفات المعاني إنما يتمشَّى على قول مثبتي الأحوال، جمع حال: وهي صفة لا موجودة ولا معدومة ولا تقوم إلا بموجود؛ كالعالِمية التي صار بها العالِم عند قيام صفة العلم به عالِماً، والقادرية التي صار بها القادر عند قيام صفة القدرة به قادراً؛ ضرورة ربط الذات بالصفات لما بينهما من التغاير.

والصحيح عندنا أنه لا حال كما هو مختار المحققين كابن السبكي في جمع الجوامع، بل إنما عدَّدت هذا القسم بعد عدِّي صفات المعاني لبيان وجوب قيام الصفة بالموصوف ردّاً على بعض فِرق الضلال حيث جوَّزوا في بعضها عدم قيامه بالموصوف، كالكلام والإرادة، وحيث نفوا زيادة صفاته على ذاته، وعلى هذا فهي هنا بمنزلة النتيجة لما قبلها، غايته حذف الفاء مع المبتدأ للضرورة، فكأنه قال: حيث وجبت له الحياة والعلم والقدرة إلخ، فهو حي وعليم وقادر إلخ، إذ الصفة يجب قيامها بالموصوف.

هذا، وقد رأينا هنا أن نجمع دليل وجوب كونه تعالى حيا وسميعا وبصيرا لوقوعها في كلامهم كذلك، فنقول: ثبت في
الكتاب والسنّة بحيث يمكن إنكاره ولا تأويله أن الباري تعالى حيّ وسميع وبصير، واتفقت كلمة جميع أهل الأديان والملل،
بل جميع العقلاء على ذلك.

وقد يستدل على كونه حيا بأنه عالم، وكل عالم قادر بالضرورة، وعلى السميع والبصير بأن كل حيٍّ يصحّ كونه سميعا وبصيرا، وكل ما يصح للواجب من الكمالات يجب أن يثبت له بالفعل لبراءته أن يكون له ذلك بالقوة والإمكان.
وعلى الكل بأنها صفات كمال قطعا، والخلوّ عن صفة الكمال في حق من يصحّ اتصافه بها نقص، وهو على الله تعالى محال.

قال السعد: وهذا التقرير لا يحتاج إلى بيان؛ إذ الممات والصمم والعمى أضداد للحياة والسمع والبصر، والأعدام ملكات، وإن من يصح اتصافه بصفة لا يخلو عنها أو عن ضدها.
لا يقال: لو كان السمع والبصر قديمين لزم كون المسموع والمبصر كذلك لامتناع السمع بدون مسموع والإبصار بدون مبصَر.
قلنا: ممنوع لجواز أن يكون كل منهما صفة قديمة لها تعلقات حادثة، كالعلم والقدرة، وقد اتفق جمهور العقلاء على أنه سبحانه عالم، وقد مرّ من دليله عند صفة العلم ما يغني عن الإعادة.
وقد يتمسك بعض القوم في إثبات كونه تعالى عالما بالأدلة السمعية من الكتاب والسنة والإجماع، وهو مردود بأن التصديق بإرسال الرسل وإنزال الكتب موقوف على التصديق بالعلم والقدرة، فيدور.
فإن أجيب بمنع التوقف، وسنده أنه إذا ثبت صدق المرسل بالمعجزات حصل العلم بكل ما اخبروا وإن لم يخطر بالبال كون المرسِل – بكسر السين – عالماً؛ رُدَّ بأنه مكابرة وإن اتجه صحته في صفة الكلام على ما صرح به الإمام.
واعلم أن المشهور بين القوم أن القادر: هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، ومعناه أن يكون متمكنا من الفعل والترك، أي يصحّ أن يصدر كل منهما عنه بحسب الدواعي المختلفة، وهذا لا ينافي لزوم الفعل عنه عند خلوص الداعي بحيث لا يصح عدم وقوعه، ولا يستلزم عدم الفرق بينه وبين الموجب لأنه الذي يجب عنه الفعل نظرا إلى نفسه بحيث لا يتمكن من الترك أصلا ولا يصدق أنه إن شاء ترك، كالشمس في الإشراق والنار للإحراق.
وقد اختلفوا في الداعي، فمال الفخر إلى أنه من جنس الإدراكات، وهو إما العلم، أو الظن، أو الاعتقاد أن في الفعل مصلحة أو منفعة مثلا. وذهب غيره إلى أنه من جنس الإرادة. وقيل نفس المصلحة والمنفعة. ورُدَّ بأنه لا يلزم في الداعي أن يكون مصلحة أو منفعة في نفس الأمر، إذ ربما تظن المفسدة مصلحة فيتقدم على الفعل.
وقد قدّمنا ما يعوّل عليه من دليل وجوب القدرة له تعالى عند قوله: "وقدرة". وتمسّك بعض الأصحاب في إثبات كون الباري قادراً عالماً حياًّ بالإجماع والنصوص القطعية من الكتاب والسنة، وبأنّ القدرة والعلم والحياة ونحوها صفات كمال، وأضدادها من العجز والجهل والممات صفات حدوث ونقص يجب تنزيه الله عنها، وبأنّ صانع العالم على ما فيه من لطائف الصنع وكمال الانتظام والإحكام عالم قادر بحكم الضرورة.
قال السعد: ومن كان طابا للحق غير هائم في أودية الضلال ربما يستفيد من مجموع هذه الوجوه القطع واليقين بلا احتمال. وقد مر الكلام في بحث الإرادة ما يغني عن الإعادة.
وكذا نقول في متكلِّم، وقد تواتر القول بأنه تعالى متكلم عن الأنبياء، وصدقهم ثابت مقطوع به بدلالة المعجزات، من غير توقف على إخبار الله تعالى عن صدقهم بطريق التكلم حتى يلزم الدور.
قال السعد: وقد يستدل على ذلك بدليل عقلي على قياس ما مرّ في السمع والبصر، وهو أنّ عدم التكلم ممن يصح اتصافه بالكلام – أعني الحي القادر العالم – نقص واتصاف بأضداد الكلام، وهو على الله تعالى محال.
والمناقشة بمنع كونه نقصاً في الواجب وإن كان نقصاً في الشاهد، سيّما إذا كان مع قدرة على الكلام كما في السكوت لا تقدح في أن المتكلم أكمل من غيره، ويمتنع أن يكون المخلوق أكمل من الخالق، والله أعلم.
تنبيهان:
الأول: بقولنا إن هذه الأمور ذكرت لبيان وجوب قيام الصفة بالموصوف لدلالتها على صفات مستقلة زائدة، بناءً على قول المحققين من نفي الأحوال، اندفع ما يقال في عطف "حي" وما بعده على "الوجود" بحرف عطف مقدّر. ومناقشة إيضاحها ضرورة التركيب هكذا: وواجب له حيّ، فيلزم وجوب الشيء لنفسه.
فإن قيل: المراد الحي من حيث حياته، وكذا ما بعده، أو يُجعل التقدير: أنه حي.
قلنا: فيلزم التكرار مع الصفات السابقة، مع عدم دليل على تقدير "أنه".
الثاني: ليس قوله: "ما يشا يريد" تكملة، بل هو إشارة إلى ترادف الإرادة والمشيئة، خلافاً للكرّامية حيث فرّقوا بينهما فزعموا أن المشيئة صفة واحدة أزلية تتناول ما يشاء الله بها من حيث يحدث، والإرادة حادثة متعددة بتعدد المرادات.
وإيضاح النظم أنّ معناه: كل ما يشاؤه الله فهو من حيث أنّه مشيء له مراد له، وكل ما يراد فهو من حيث أنّه مراد له مشيء له، والله أعلم.

(ص): صِفَـاتُ الـذَّاتِ لَـيْسَتْ بِـغَـيْرِ أَوْ بِعَيْـنِ الذَّات

(ش): هذا جواب من جانبنا معشر أهل السنة القائلين بإثبات الصفات الحقيقية عن شُبَهٍ هي اقوى شبه النافين لها، تقريرها أن الصفات الوجودية:
إما أن تكون حادثة، فيلزم قيام الحوادث بذاته، وخلوُّه تعالى في الأزل عن العلم والقدرة والحياة وغيرها من الكمالات، وصدورها عنه بالقصد والاختيار، أو بشرائط حادثة لا بذاته لها، والكلُّ باطل بالاتفاق.
وإما أن تكون قديمة فيلزم تعدد القدماء، وهو كفر بإجماع المسلمين. وقد كفرت النصارى بزيادة قديمين فكيف بالأكثر.
وإيضاح الجواب الذي أشار إليه أنّ المحضور إنما هو تعدُّد القدماء المتغايرة، ونحن نمنع تغاير الذات مع الصفات والصفات بعضها مع بعض، فينتفي التعدّد؛ إذ لا يكون بدونه، فلا يلزم التكثّر والتعدد، ولا قِدم الغير ولا تكثّر القدماء. ولو سُلِّم معنى استلزام القول بأزلية الصفات للقول بقدمها لكونه أخص كما سلف، ولو سلّم فلا نسلّم أنّ القول بتعدّد مطلق القديم كفر، بل إذا كان قدمه ذاتياًّ. ولو سلِّم فإنما يمتنع تعدّد القدماء إذا كانت ذوات مستقلة، لا تعدّد ذات وصفات لها. والنصارى وإن لم يصرّحوا بذلك فقد لزمهم القول به من حيث أثبتوا الأقانيم الثلاثة التي هي الوجود والعلم والحياة، وسمّوا الأول بالأب، والثاني بالإبن، والثالث بروح القدس، وزعموا أن أقنوم العلم قد انتقل إلى بدن عيسى عليه السلام، فجوّزا الانفكاك والانتقال على الصفات فكانت ذوات متغايرة، وإلا لزم قيام المعنى بنفسه حال الانقال، وهو محال. وقوله تعالى:  وما من إله إلا إله واحد  بعد قوله تعالى:  لقد كفر اللذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة  شاهدُ صدقٍ على أنهم كانوا يقولون بآلهة ثلاثة، فأين هذا القول من القول بإله واحد له صفات كمال نَطَقَ بها الكتاب ودلَّت عليها الأفعال، ليست عينه ولا غيره.

نزار بن علي
29-08-2008, 17:51
الحمد لله تعالى

لقد أخبرني أحد أصحاب دور النشر السورية ـ في معرض تونس للكتاب ـ أن كتاب "هداية المريد" في شرح جوهر التوحيد بتصنيف صاحب الجوهرة الإمام إبراهيم اللقاني قد طبع محققا.
فهل من فاضل يدلنا على دار النشر وتاريخ الطبع واسم المحقق؟؟
جزاكم الله خيرا.