المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العظام والرفات .. الحجارة والحديد



هاني علي الرضا
16-08-2007, 00:25
يقول الحق سبحانه وتعالى : {وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً . قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً . أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} [الإسراء:49-51]

مما يلفت النظر في هذه الآيات المقابلة بين العظام والرفات في قول منكري البعث من جهة وبين الحجارة والحديد في الرد الإلهي عليهم من جهة أخرى .

فالرفات هو الفتات والحطام من كل شيء (راجع لسان العرب) ، وهو هنا يشير إلى حالة أبعد في تصور منكري البعث من حالة إحياء العظام ، فالعظم له قوامه وشكله ولا يحتاج سوى تجميعه وتركيبه ثم كساءخ باللحم والعصب ، بينما فتاته الذي هو الرفات قد استحال دقيقا تذروه الرياح وضل في الأرض واختلط بالتراب ، وهذا هو حال العظام بعض مضي الزمان الطويل عليها ، فيكون بعث الرفات أصعب في ذهنهم لما أنه يحتاج إلى إعادة ما انعدم وتكوينه من جديد ليكون عظما ثم يكسى لحما وعصباً وهو أصعب من تركيب وتجميع ما هو موجود بالفعل وفق قانون البشر وعوائدهم .

فأتى الرد الإلهي مرتبا على وفق ترتيب الصعوبة في أذهانهم ، فقال { قل كونوا حجارة أو حديداً } فالحجارة لا يتصور معها حياة ، ولكن الحديد أبعد في تصور الحياة فيه منها لما أنه أصلب ولا يتصور الذهن وجود أي نوع من الحياة فيه بخلاف الحجارة التي قد تحيا بهطول الأمطار مثلا أو ملاقاة الماء فينبت على ظهرها بعض النبات أو الطحالب - كما هو مشاهد مثلا في حجارة الأنهار والبحار - مع ما يصاحب النبات من وجود حياة تقتات به وتحيا في كنفه .
فعلى هذا ذكرت الحجارة في مقابلة العظام بينما ذكر الحديد في مقابلة الرفات .

ثم أوضح لهم أن قدرته سبحانه أبلغ من ذلك فقال لهم بل ما هو أصلب وأقسى وأبعد في تصور احتمال الحياة فيه من الحديد مما يمكن أن تفكروا فيه يمكن لله تعالى أن يبعثه حيا .

ويمكن أن يفهم المعنى بغير هذا ، كأن يقال أنه قال لهم { قل كونوا حجارة أو حديدا } أي ليس فقط ما استبعدتموه من بعث الله لكم بعد صيرورتكم عظاما ورفاتا ، بل لو استحلتم وانقلبتم حجارة أو حديدا بعد موتكم ودفنكم فإنه يمكن لله أن يبعث من تلك الحجارة ومن ذلك الحديد لحما وجسدا وحياة مرة أخرى وليس ذلك على الله ببعيد .

وقد خلق الله آدم عليه السلام من تراب ، فأخرج من الطين لحما ودماً !!

وخلق الله من عظم آدم عليه السلام الصلب حواء عليها السلام لحما ودما يسعى ويحيا .

ويتجدد خلق الله يوميا لملايينن البشر من سائل أبيض يحيله لحما ودما وروحا ، مع أن المكون الرئيس له ولسائل المرأة لا يعدو أن يكون بضع عناصر كيميائية لا حياة فيها ولا روح وهي أبعد ما تكون عن اللحم والدم ، وهي معجزة متجددة ناطقة بقدرة الله تعالى ويعجز العلم الحديث بالكلية عن تفسيرها تحليلها علميا بمنأى عن فرض وجود إله عالم قادر مريد حي .

وقلب الله عصا موسى عليه السلام من جماد لا حياة فيه إلى ثعبان يسعى ويلقف ما يأفك السحرة بحضرة فرعون وقومه .

وخلق الله الحنين والبكاء في جذع النخلة الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستند إليه في مسجد المدينة لما فارقه الرسول واتخذ منبرا يخطب الناس من عليه ، فحن الجذع وبكى لفراق رسول الله إياه حتى صاح بصوت سمعه كل من حضر جزعا وحزناً

وكان حجر يسلّم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة قبل بعثته .

وأتت الأشجار تسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منسلة من جذورها وتربتها بأمره لما طالبه أعرابي بآية دالة على كونه رسول الله .
وفيها يقول الإمام البوصيري في بردته الشريفة المباركة :

جاءتْ لدعوتِه الأشجار ساجدة ** تمشي إليه على ساقٍ بلا قدم .

والله الموفق .

جمال حسني الشرباتي
16-08-2007, 03:04
مشرفنا الفاضل هاني--


اشتقنا إليك وإلى بديع كلامك--