المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرات نقدية في الإمامة عند الشيعة الإمامية



عيسى ربيع جوابرة
30-05-2004, 12:47
نظرات نقدية
في الإمامة عند الشيعة الإمامية




تمهيد:
إن من المعلوم لدى المسلمين جميعاً أهمية الإمامة كركن من أركان النظام الإسلامي المتكامل في الحياة، ومع اهتمامهم هذا فإننا نجدهم قد اختلفوا في كيفية نصب الإمامة من جهة وجوبها مطلقاً أو عدم وجوبها مطلقاً أو أنها تجب من جهة ولا تجب من جهة أخرى.
- فالقائلون بالوجوب اختلفوا في كونها تجب بالعقل وحده أم تجب بالشرع وحده أم تجب بالشرع والعقل معاً، واختلفوا أيضاً في وجوب إقامة الإمام هل هو واجب على الله أم على الخلق؟
- ومن ذهب إلى نفي وجوب الإمامة مطلقاً قال بنفي وجوبها في جميع الأوقات وأنها من الجائزات.
- ومن اختار وجوب الإمامة من جهة وعدم وجوبها من جهة أخرى، فهم فريقان: من قال إن الإمامة لا تجب مع الأمن وإنما تجب مع الخوف وظهور الفتن. ومن قال: بنفي الوجوب مع الفتن وإنما تجب عند حصول العدل والأمن. [ أبكار الأفكار الآمدي، ج 5 ص122].
فمما سبق نجد أن هذا الخلاف لا يستقيم فيه قول من يقول إنها كلها حقه، بل لا بد من تعيين الصواب والحق فيها، والذي ندعيه من الحق في دعوى الإمامة أنها واجبة، وأنها تجب شرعاً لا عقلاً، وأن وجوبها لا على الله تعالى وإنما هي واجبة على الخلق، وهذا مذهب الأشاعرة أهل السنة والجماعة وكثير من المعتزلة. [ أنظر: أبكار الأفكار ج5 ص121-122].
وفي المقابل نجد على الساحة الإسلامية آراء أخرى تخالف ما ذهب إليه أهل الحق ( الأشاعرة) والذي يهمنا الآن من جملة الآراء المخالفة لرأينا رأي الشيعة الإمامية الذين يقولون بأن الإمامة واجبة بالعقل وأن وجوبها هو على الله تعالى لا على الخلق وأن تعيين الإمام حاصل من قبله سبحانه وتعالى، وهم بقولهم هذا يجعلون الإمامة الفارق القوي الحقيقي بينهم وبيننا وبين كل من خالفهم في الإمامة، بعبارة أخرى: لكي تكون شيعياً إمامياً يجب أن تعتقد بهذا الاعتقاد، حتى لو أنك وافقتهم بكثير من عقائدهم فإنه لا تشفع لك تلك الموافقة، فالمعتزلة والإمامية متوافقون في كثير من قضايا الاعتقاد ومع ذلك لا يطلق على المعتزلي شيعي ولا على الشيعي معتزلي إطلاقاً عاماً لاختلافهم في الإمامة.
وعليه يجب علينا نحن الأشاعرة أن نوصل مدى أهمية وخطورة هذه المسألة (الإمامة) لعامة الناس على اختلاف مستوياتهم العلمية والثقافية من خلال طرحها بأسلوب علمي يدركوا من خلاله الفاصل الحقيقي بيننا وبين الشيعة الإمامية، وخصوصاً أن مسألة الإمامة تظهر لنا جميعاً سنة وشيعة ما هي الأصول العقلية والشرعية التي اعتمدها كل فريق في إقامة أدلته على ما ذهب إليه، وكذلك فإننا إذا أبرزنا المذهب الشيعي الإمامي على ما هو عليه من عقائد في الإمامة وقمنا بمناقشة أدلتهم وبيان المآخذ عليها مستعرضين أثناء ذلك أدلتنا دلَّلْنا حينئذ على أننا ندرك رأيهم وأننا ندرك مذهبنا ومدى قوته وأحقيته في هذه المسألة وغيرها من المسائل المشتركة بينها في قواعد الاعتقاد.
والخوض في هذه المسألة (الإمامة) من وجهة نظر الشيعة الإمامية ومناقشة أدلتهم مترتب على مقدمة وأصلين نبحث من خلالهما أدلة الشيعة الإمامية، والأصلان هما: الأصول العقلية والأصول الشرعية، ولا يقال: إن بحث هذه المسألة من وجهة نظر الإمامية حق مشروع للإمامية فقط وذلك أن أهل الحق إن ادعوا أنهم الحق فهم مكلفون شرعاً ببيان حقهم ودفع أقوال خصومهم بالرد عليهم ومناقشتهم وفتح باب الحوار معهم، ونحن هنا لا ندعي عليهم بالباطل بل بالحق إن شاء الله؛ لأننا ملتزمون بأخذ آرائهم وأدلتهم من مظان كتبهم الشرعية المعتمدة، وباب الحوار هنا مفتوح للجميع من أشاعرة وشيعة إمامية وزيدية ومفتوح أيضا للإباضية والسلفية وغيرهم من فرق المسلمين.
مقدمة :
معنى الإمامية عند الشيعة الإمامية
عرّف المحقق الحلي الشيعي ت 676هـ في المسلك في أصول الدين ص 187 الإمامة عند الشيعة الإمامية بقوله :" الإمامة رئاسة عامة لشخص من الأشخاص بحق الأصل لا نيابة عن غير هو في دار التكليف".
ثم شرع المحقق الحلي في بيان محترزات التعريف فقال في ص187:
" فقولنا: عامة، احترازاً من الأمراء والقضاة.
وقولنا: بحق الأصل، احترازاً عمن يستخلفه الإمام نائباً عنه.
وقولنا: لا نيابة عن غير هو في دار التكليف، احترازاً من نص النبي  أو الإمام على إمام بعده فإنه لا تثبت رئاسته مع وجود الناصِّ عليه" .
وقاربه في تعريفه هذا قول صاحب لوامع الحقائق في أصول العقائد ج2 ص1:
" الإمامة هي الرئاسة العامة الإلهية لشخص من الأشخاص خلافة عن رسول الله  وآله وسلم في أمور الدين والدنيا ويجب إتباعه على جميع الأمة".
فمن خلال النظر في هذين التعريفين نجد أن الإمامة عند الشيعة الإمامية تقوم على عدة أركان وعناصر :
1. إنها رئاسة عامة إلهية وأن الله تعالى أوجبها على نفسه.
2. أن هذه الرئاسة حاصلة لشخص من الأشخاص وهو المسمى (بالخليفة) وأن تعينه حاصل من قبل الله تعالى.
3. هذا الخليفة أو الإمام لا ينوب عنه أحد ما دام حيًّا وإن كان نص على غيره من بعده.
4. إن اتباع الإمام واجب على جميع الأمة في أمور الدين والدنيا، والمقصود هنا بجميع الأمة الشيعة الإمامية وغيرهم من باقي الفرق الإسلامية.
ومن الملاحظ لدى المتتبع لأقوال المتكلمين أن الأشاعرة بعضهم يقارب تعريفه للإمامة تعريف الشيعة، قال الآمدي في الأبكار ج5 ص 121:" قال بعض الأصحاب : إنها [ أي الإمامة] عبارة عن رئاسة في الدين والدنيا عامة لشخص من الأشخاص" .
وردَّ الآمدي هذا التعريف بأنه يشمل النبوة، ومعلوم ضرورة أن الإمام ليس بنبي، ولهذا اختار الآمدي تعريفاً آخر فقال:" والحق أن الإمامة عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص للرسول الله  في إقامة قوانين الشرع وحفظ حوزة الملة على وجه يجب اتباعه على كافة الأمة"، [ الأبكار ج5 ص121] فالمفارقة بين تعريف الإمامة عند الإمامية وبين تعريفها عند الأشاعرة من وجوه:
1. الإمامة عند الشيعة الإمامية واجبة على الله تعالى لأنها حق إلهي، أما الأشاعرة فهي عندهم واجبة على الخلق لأن الله أمرهم بذلك، فهي من جملة أفعال الخالق الممكنة لا الواجبة.
2. الإمامة عند الإمامية لا تنتقض بوجود الإمام بينما عند الأشاعرة يصح نقضها فيلزم على مذهب الإمامية أن الإمام معصوم ولا يقول بهذا الأشاعرة.
فمن خلال تعريف الشيعة الإمامية للإمامة ندرك أن المخالفين لهم من أشاعرة وغيرهم يلزمهم أن يكونوا على ضلال لأنهم خالفوا أوامر الله تعالى وأوامر نبيه  وذلك لعدم اتباعهم الأئمة المعينين من قبله سبحانه وتعالى، وهذا الحكم علينا ما أكده الكراجكي الطرابلسي الإمامي ت 449هـ بقوله:" ويجب أن يعتقد [ أي المسلم] أن الله فرض معرفة الأئمة عليهم السلام بأجمعهم وطاعتهم وموالاتهم والاقتداء والبراءة من أعدائهم وظالميهم.
وأنه لا يتم الإيمان إلا بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وأن أعداء الأئمة عليهم السلام كفار ملحدون في النار وإن أظهروا الإسلام.
فمن عرف الله ورسوله والأئمة الاثني عشر وتولاهم وتبرأ من أعدائهم فهو مؤمن، ومن أنكرهم أو تولى أعداءهم فهو ضال هالك لا ينفعه عمل ولا اجتهاد ولا تقبل له طاعة ولا تصح له حسنات" انتهى نقله من كتاب بحوث في الملل والنحل لجعفر سبحاني ج6 ص 261-262، وقد أقر سبحاني ما فيه وهذا العالم من علماء الشيعة المعاصرين، وبهذا النص ندرك ما مدى خطورة هذا البحث وخاصة عندما نعرف صورتنا الحاصلة في أذهان الإمامية المتقدمين والمتأخرين والتي ينظرون إليها من خلالها.

جمال حسني الشرباتي
31-05-2004, 03:54
الامامة او الخلافة
الامامة او الخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين لتسيير امورهم باحكام الشريعة
وهو عمل نص عليه الشارع ودليله اجماع الصحابة
ونصوص الكتاب والسنة
بارك الله فيك على هذا الجهد يا اخي

بلال النجار
31-05-2004, 14:36
بسم الله الرّحمن الرّحيم

أشكر الأخ عيسى على هذه المشاركة، وأرجو أن يستمرّ في بحث موضوع الإمامة ويستوعب جميع مسائله، وأن تحصل حول هذا الموضوع المهمّ مناقشات تجلّيه للجميع.

وأودّ بهذه المناسبة أن أنبّه على أنّ الخلاف بين أهل السنّة أهل الحقّ وبين الشيعة الإماميّة خلاف في عدّة مسائل دينيّة أصليّة جرّ خلافات دينيّة فرعيّة لا حصر لها، وليس الأمر خلافاً في مسألة فرعيّة يمكن التغاضي عنه، أو أن يحصل تقريب بين المذهبين على أساس من تصويب قولي الفريقين، كما هي الحال بين مذهبين فقهيين عند أهل السنّة مثلاً.

وقد راعني أن أسمع من بعض الناس هذا الكلام، يقولون: (الجعفريّة مذهب كباقي المذاهب)، يعنون بذلك أنّه يمكن تدريسه في الجامعات، وإفتاء الناس به. كما راعني أن أسمع من بعض مشايخ أهل السنّة على الفضائيّات أمام الملايين كلاماً ركيكاً بارداً، كقول بعضهم حين سئل عن الخلاف بين اسنة والشيعة: (السنة والشيعة مسلمون، ترى السنة أنّ الإمام الحقّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم هو أبو بكر رضي الله عنه، وترى الشيعة أنّه عليّ رضي الله تعالى عنه). فيختصر لك الخلاف بين المذهبين بهذه الكلمات الوديعة، بحيث يظنّ الناس أنّ هذا هو غاية الأمر بين المذهبين. وأنّ المسألة مسألة تعدد في وجهات النّظر تتسع لها الشريعة، قوم يختارون هذا القول، وآخرون يختارون قولاً آخر.

وهذا الكلام مهما كان وراءه من حسن النوايا، فإن أقلّ ما يقال فيه أنّه كلام موارب، ملبّس، وكلام غير مسؤول لا ينبغي أن يصدر عن عالم ينتسب إلى أهل السنّة والجماعة.

وإن محاولة إظهار الإسلام على أنّه دين لا خلاف كبيراً فيه بين طوائفه، لهي أشبه بتغطية الشمس بغربال. فإن الإسلام فيه خلاف ظاهر لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه، في أصول الدّين وفروعه، كما هي الحال في الدّيانات والمذاهب الأخرى. ويمكن أن يكون الخلاف مما تحتمله وتسوغه الشريعة الغرّاء فلا يكون فيه إشكال، ولا ينكر الواحد فيه على مخالفه، ويمكن أن يكون الخلاف كبيراً شاسعاً لا يمكن فيه أن يتسامح الواحد مع مخالفه أو أن لا ينكر عليه تحت مظلة الشريعة الإسلاميّة. والخلاف بين السنّة والإماميّة هو من جنس هذا الخلاف الأخير.

ومسألة الإمامة وإن بدا للبعض أنها مجرّد اختلاف بسيط في وجهات النّظر، ولكلّ رأيه، إلاّ أنّ مقالات الفريقين الشيعة والسنّة في مسائل الإمامة، كما في غيرها من المسائل، قد تأسس فيها لقواعد الخلاف. فلا يطلق أحد الفريقين تعريفاً أو حكماً هكذا جزافاً، بل كلّ قول لكلّ من الفريقين فإنه ينبني على أصل قد لا تسوّغ الشريعة الخلاف فيه.
ولتقريب ذلك هاك أمثلة صغيرة، ربّما تتعرّض لها البحوث والمشاركات التي ستحصل إن شاء الله في هذا الموضوع.

فمثلاً قولهم بأن نصب الإمام واجب على الله تعالى. أمر لا يمكن التسامح فيه، إذ ينبني على مسألة كبيرة هي أنه هل يجب على الله تعالى فعل شيء من الأشياء أو لا؟ فالإماميّة وغيرهم من الفرق على أنّه يجب على الله فعل بعض الأفعال، كاللطف. والإمام لطف فيجب على الله تعالى نصب الإمام تحصيلاً للغرض. وهذا كلام باطل عند أهل السنّة جملة وتفصيلاً. لأنّ أهل السنّة أقاموا الدّليل على أنه لا يجب على الله تعالى عقلاً فعل شيء مطلقاً، وأن أفعاله تعالى منزّهة عن الغايات والأغراض.

وكذا قول الإماميّة بوجوب كون الإمام أفضل من كلّ واحد من رعيته. فذلك عندهم منبنٍ على أنّ تقديم المفضول على الفاضل قبيح عقلاً. فهنا ترى أنّ قولهم هذا يستند على التحسين والتقبيح العقليين. وهي مسألة أصليّة شهيرة يتفرّع عليها خلافات لا تحصى، والحسن القبح العقليين أصل باطل عند أهل السنّة.

والكلام في تفاصيل ذلك يطول، ولندعه إلى المناقشات. ولكن هكذا هو الأمر. يجب علينا أن نتنبّه إلى أن اختيار الإماميّة أو غيرهم من فرق الشيعة أو الفرق مطلقاً، ليس مجرّد اختيار والسّلام، بل هو اختيار لرأي أو آراء بالذات دون ما عداها من الأقوال لأنها الأقوال المنسجمة مع أصولهم والمنبنية أو المتخرّجة عليها.

وعليه فالدعاة إلى التقريب إن لم يفهموا هذه الأصول وكيفية انبناء الفروع عليها، وإن لم يواجهوا الخلاف الأصليّ ويتكلّموا فيه مباشرة دون مداهنات فارغة، وبعيداً عن الكلام الخطابيّ العاطفيّ الذي لا طائل تحته، ودون هروب من المشكلة، فلن يصلوا إلى شيء مهما ضيّعوا أوقاتهم في المؤتمرات والاجتماعات والكتابات. ومهما حاول التهوين من أمر نتائج الفرعيّة الخلافيّة. وكلّما تطاول الزمان ازدات هوّة الخلاف بين الطرفين. فعلى من يريد الكلام في هذه المسائل أن لا يغفل عن بحثها من أصولها. فهذا ما أحببت التنبيه عليه قبل أن أشرع في مناقشة صغيرة لكلام الأخ عيسى جوابرة في مشاركة جديدة سأكتبها حالاً إن شاء الله تعالى.

بلال النجار
31-05-2004, 23:43
بسم الله الرّحمن الرّحيم

هذه تعليقات صغيرة على ما كتبه الأخ عيسى

قوله: (..كيفية نصب الإمامة من جهة وجوبها مطلقاً أو عدم وجوبها مطلقاً أو أنها تجب من جهة ولا تجب من جهة أخرى)

أقول: بل هو خلاف في الحكم الشرعيّ المتعلّق بنصب الإمام بعد انقضاء زمن النبوّة. وحاصل الخلاف هذه القسمة: حكم نصب الإمام إما واجب أو لا.

فعلى الأوّل: إما أن يكون واجباً على الله تعالى أو علينا. وعلى القولين إما أنّ الطريق إلى معرفة هذا الوجوب هو الشرع أو العقل أو كلاهما معاً. فقالت السنّة وبعض المعتزلة يجب علينا مطلقاً نصب الإمام بالشرع. وقال بعض المعتزلة والشيعة الزيديّة يجب علينا مطلقاً نصب الإمام بالعقل. وقالت الإماميّة والاسماعيليّة يجب على الله عقلاً. وعلّل الاسماعيليّة وجوبه على الله لغاية التعريف بالله تعالى، لأنّ الإمام عندهم هو المعرّف لله تعالى، وأمّا الإماميّة فعللوا ذلك لغاية إقامة قواعد الدّين، وحفظ الشريعة من الزيادة والنقصان. والقول الثالث للجاحظ والكعبيّ وأبي الحسين البصريّ من أكابر المعتزلة وسيأتي توضيحه.
فكان قول الإماميّة أشنع الأقوال وأبعدها عن قول السنّة. وأظهرها بطلاناً، لما فيه من إثبات الأحكام الشرعيّة بالعقل، وهو القول بالحسن القبح العقليين، ولما فيه من التعدّي على إرادة الفاعل المختار، لإيجابه أشياء على الله تعالى.

وعلى الثاني: إما أنه غير واجب مطلقاً أو غير واجب أحياناً. الأوّل: هو قول الخوارج. ومن الثاني قول أبي بكر الأصمّ من المعتزلة وهو أنه لا يجب مع الأمن لعدم الحاجة إليه ويجب عند الخوف والفتن. ومنه أيضاً قول قول الفوطيّ منهم وقال بعكس قول الأصمّ: أي أنه يجب مع الأمن ولا يجب عند ظهور الفتن.

قوله: (فالقائلون بالوجوب اختلفوا في كونها تجب بالعقل وحده أم تجب بالشرع وحده أم تجب بالشرع والعقل معاً)

أقول: لم يتعرّض عيسى لبيان قول من هذا، وهو قول الجاحظ والكعبي وأبي الحسين البصريّ من المعتزلة. وظاهر كلام الآمديّ أن مذهبهما هو معرفة حكم وجوب إقامة الإمام مطلقاً علينا من مقدّمات مأخوذة من الشرع والعقل معاً. لذلك اكتفى بعد إثبات الوجوب من طريق السمع بنقض طريق الوجوب من طريق العقل. مما يدلّ على أنّ معنى قوله [بالشرع والعقل معاً] أنّ معرفة الوجوب تفتقر لمقدّمات من كلّ من الإثنين، لا أنّ كلّ واحد من الطريقين يمكن به معرفة الوجوب بالاستقلال. ونحن نبطل أن يثبت حكم شرعيّ مطلقاً من طريق العقل.

قوله: (ومن ذهب إلى نفي وجوب الإمامة مطلقاً قال بنفي وجوبها في جميع الأوقات وأنها من الجائزات)

أقول: هذا ما قدّمنا أنه قول الخوارج كما مرّ.

قوله (ومن اختار وجوب الإمامة من جهة وعدم وجوبها من جهة أخرى)

أي وجوبها في أحوال دون أخرى. (فهم فريقان: من قال إن الإمامة لا تجب مع الأمن وإنما تجب مع الخوف وظهور الفتن) وهو قول الأصمّ من المعتزلة (ومن قال: بنفي الوجوب مع الفتن وإنما تجب عند حصول العدل والأمن) وهو الفوطيّ وأصحابه.

قوله: (فمما سبق نجد أن هذا الخلاف لا يستقيم فيه قول من يقول إنها كلها حقه)

أي أننا لا يمكننا أن نصوّب أنّ الإمامة غير واجبة وواجبة عقلاً وشرعاً على الله وعلى النّاس مطلقاً وفي وقت دون وقت. فإنها أقوال في غاية التناقض. فلا بدّ أن يكون منها ما هو حقّ ومنها ما هو باطل.

قوله : (والذي ندعيه من الحق في دعوى الإمامة أنها واجبة، وأنها تجب شرعاً لا عقلاً، وأن وجوبها لا على الله تعالى وإنما هي واجبة على الخلق، وهذا مذهب الأشاعرة أهل السنة والجماعة وكثير من المعتزلة)

نعم هذا مذهب أهل السنّة والجماعة وأكثر المعتزلة على ما نبه عليه الآمدي. وخلافه باطل بلا توقّف.

قوله (والذي يهمنا الآن من جملة الآراء المخالفة لرأينا رأي الشيعة الإمامية الذين يقولون بأن الإمامة واجبة بالعقل وأن وجوبها هو على الله تعالى لا على الخلق)

وذلك لأنهم أكبر فرق الشيعة اليوم. ولأنهم أشدّ المذاهب خلافاً لأهل السنّة في هذه المسألة على الأقل. ولأنهم يجاهرون بالخلاف، ويعملون على نشر مذهبهم بشتى الطرق ويؤثرون في جهلة أهل السنة وعوامّهم، ولأنهم كابراً عن صاغر يتعرّضون لأهل السنّة ويكيلون لهم التهم دون أدنى حقّ، ولا يرقبون في أحد منهم إلاّ ولا ذمّة. وليت شعري فهم كناطح صخرة ليوهنها، وكرامي الناس بالحجارة وبيته من زجاج هشّ. وقد رأيت ببغداد منهم أقواماً نشأوا على عصبيّة لمذهبهم أعمت بصائرهم. وليس غريباً أن يتعصّب المبتدعة. فإني والله ما عرفت مبتدعاً إلا متعصّباً. وليس أدلّ على نشأتهم على العصبيّة من أنك ترى كبراءهم يتكلّمون في العلوم ويبحثون البحوث العقليّة ويحققون، حتّى إذا ما صاورا إلى مسألة الإمامة وأشباهها وجدّتهم تركوا الرويّة خلف ظهورهم، وانسلخوا من ربقة الفهم، وركبهم الهوى في أشنع صوره. وكما أنّ من يلتحق بالسلفيّة يتطبّع بطائعهم من الانغلاق وإغلاق العقل والعصبيّة، فكذا من يميل إليهم من السنّة تظهر آثار ذلك عليه. وإننا نرحّب في هذا المنتدى بأيّ إماميّ يريد بحث هذه المسألة معنا، والكلام فيها برويّة، بعيداً عن هذه الخصال. فجهلة السلفيّة ساهموا كثيراً في تشويه صورة السنّة، وضربوا أسوأ مثل في معاملة الشيعة ومجادلتهم، ثمّ صار الإماميّة يشنّعون على السنّة بمقالات هؤلاء المبتدعة. وكلّ شعرة في جسم الإماميّة تعلم أنّ السلفيّة لا يمتّون بصلة إلى أهل السنّة والجماعة، لا في أصول الدّين ولا في فروعه. فمن يرغب منهم أو من مناصريهم ومحبّيهم في الكلام في هذه المسألة فليترجّل. وإن لم يحبّ الكلام معنا ههنا فإنا نقبل أن نواجهه مواجهة ونجلس معه ونباحثه. حتّى يعلم منّا كيف يتناول أهل السنّة هذه المسائل. فدعوانا أنّا على الحقّ البيّن وهم على الضلال والبدعة، وهذه ليست سبّة نسبّهم بها، بل الابتداع في الدّين معروف ما هو، ونحن ندّعي أنّهم قوم ابتدعوا في دين الإسلام ما ليس منه. هكذا ينبغي أن تتناول المسائل، دون غضب للفظ البدعة. وإن كنّا نبدّعهم فأكثرهم يكفّروننا، وإنا أو إياهم لعلى هدى أو في ضلال مبين. والله تعالى الموفّق.

قوله (وأن تعيين الإمام حاصل من قبله سبحانه وتعالى)

أي بالنصّ عليه من الله تعالى. وادّعاء النصيّة وتمسّكهم به جرّهم إلى أهوال الأقوال. من ذلك قولهم بأن القرآن الكريم وقع فيه التحريف، وجعلهم ذلك من ضروريّات المذهب كما نصّ عليهم بعض كبرائهم كما ستعرف، وقدحهم في الصحابة الكرام.

قوله (وهم بقولهم هذا يجعلون الإمامة الفارق القوي الحقيقي بينهم وبيننا وبين كل من خالفهم في الإمامة، بعبارة أخرى: لكي تكون شيعياً إمامياً يجب أن تعتقد بهذا الاعتقاد، حتى لو أنك وافقتهم بكثير من عقائدهم فإنه لا تشفع لك تلك الموافقة، فالمعتزلة والإمامية متوافقون في كثير من قضايا الاعتقاد ومع ذلك لا يطلق على المعتزلي شيعي ولا على الشيعي معتزلي إطلاقاً عاماً لاختلافهم في الإمامة)

أقول: هذا الكلام في غاية الأهميّة. ويجب أن ينتبه إليه الراكضون وراء التقريب، والمعجبون بالإماميّة، ومن يرونهم قوماً منزّهين لله تعالى، كأنه يتجاهل معنى التنزيه. وكأنّ التنزيه فقط هو عن معاني الجسميّة!
والذي أراه أن مشايخ السنّة اليوم مع كلّ هذا التقدير الذي يظهرونه للشيعة ومراعاتهم لمشاعرهم، فإن جماهير الشيعة الإماميّة في الحقيقة يعتقدون كفر أهل السنّة. وإن اتّقوا وتملّقوا وقالوا بألسنتهم غير ذلك، فإننا لا نزال نقرأ في كتبهم المعتمدة أهوالاً. وترانا نعظّم كبراءهم وهم يتطالون على أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ثم علماء السنّة فما بالك بعامّة الناس. فما معنى هذا التقارب. وعلى أيّ أساس هو!

قوله (فهي من جملة أفعال الخالق الممكنة)

يعني أكساب العباد. وقوله (لا الواجبة) يوهم أن من فعله ما يجب عليه. ومما تقدّم نعرف أنه لا يقصد هذا. بل يريد (لا أنها واجبة).
هذا ما تيسّر الآن، ويتبع إن شاء الله تعالى قريباً.

عيسى ربيع جوابرة
05-06-2004, 19:45
بسم الله الرحمن الرحيم
أول ذي بدء أرجو المعذرة من جميع القراء على تأخر صدور المقالة الثانية حول موضوع الإمامة عند الإمامية وذلك كون بعض المراجع الكلامية الشيعية التي أملكها معارة لدى بعض طلبة العلم وهي في غاية الأهمية من حيث بيان رأيهم، وثانيا أحب أن أوجه جزيل الشكر إلى الأخ جمال على تعليقه بتعريف الإمامة والخلافة لكن يا أخي جمال تعريفك الذي سقـته مطابق لتعريف أهل السنة الأشاعرة ونحن سنأتي إليه بعد أن نناقش ونرد على مذهب الإمامية في الإمامة من حيث تعريفها والأدلة التي قامت عليها فنسوق تعريف الإمامة عندنا والأدلة التي تقوم عليها مع رد الشبه والاعتراضات عليها فشكرا لك على محاولتك هذه .
أما الشيخ والأستاذ الفاضل بلال النجار الذي قام بكتابة التعليقات القيمة على ما كتبته فإنني أشكره على شرحه وتوجيهه القيم لكلامي وذكره الملاحظات المفيدة وأرجو منه المزيد والاستمرار حتى النهاية إن شاء الله تعالى لعل الله ينفع بما نكتب دنيا وأخرى.
واليوم نستكمل موضوعنا، فقد بينا في السابق أن الإمامية اختاروا القول إن الإمامة واجبة على الله تعالى نصبها وتعينها وذكرنا أن هذا القول يفضي للوازم خطيرة منها ما قد صرحوا بها ، وحديثنا سيدور في عدة مقالات متسلسلة إن شاء الله تعالى حول موضوع الأصل الأول الذي قامت عليه نظرية الإمامة عند الإمامية وهو العقل، والكلام فيه سيكون من عدة محاور، أرجو من الأخوة المشاركين في هذا الحوار العلمي أن يشاركوا في التحليل والنقد وتوجيه الاعتراضات على ما أقول وإن غفلت عن بعض القضايا في البحث فأرجو استدراكها والتنبيه عليها فإنني لا أتقوم إلا بالعلم والله الموفق.

الأصل الأول في نظرية الإمامة عند الإمامية (العقل)
المحور الأول: لماذا اعتبر الإمامية العقل دون النص (الشرع) في إقامة الحجة على وجوب الإمامة؟
إن قول الشيعة على أن الإمام معين بالنص وذلك من قبل الشارع وهو كلام الله تعالى وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم وكلام الأئمة المعصومين يدعونا إلى التساؤل لماذا لم يكتف الشيعة بجعل دليل الإمامة هو النص فقط لا غير ونجدهم على العكس من ذلك يجعلون إثبات أصل الإمامة العقل دون النص بينما دور النص هو دعم الدليل العقلي ومعينا اسم الإمام المعصوم، والجواب على هذا السؤال كما يلي:
1. الإمامة عند الشيعة فعل من أفعال الله تعالى .
2. الله تعالى عند الإمامية منزه عن فعل القبيح والإخلال بالواجب وهو ما يسمى بالعدل عندهم، انظر الأنوار الجلالية شرح الفصول النصيرية (نصير الدين الطوسي) لمقداد السيوري على ص123.
3. الحاكم على حسن الفعل وقبحه عندهم العقل لا الشرع انظر الأنوار الجلالية ص124، والمقصود هنا بحسن الفعل هو ما يستحق على فعله المدح عاجلا والثواب آجلا، والقبيح ما يستحق على فعله الذم عاجلا والعقاب آجلا انظر الأنوار الجلالية ص125، وهذا هو محل الخلاف بين العدلية من المعتزلة والإمامية من جهة وبين الأشاعرة أهل السنة من جهة أخرى ، فالأشاعرة يقولون إنه شرعي وهو الصواب، والمعتزلة والإمامية يقولون إنه عقلي.
• ملاحظة: هنالك بعض الأنواع من الأفعال الحاكم عليها الشرع اتفاقا وهي ليست المقصودة هنا وهنالك بعض الأفعال الحاكم عليها العقل اتفاقا وليست هي المقصودة هنا، انظر الأنوار الجلالية ص125.

المحور الثاني: الأدلة العقلية على وجوب الإمامة على الله تعالى عند الإمامية.
إذا تبين لنا أن الإمامية والمعتزلة متفقون على أن الحاكم بحسن الفعل وقبحه من حيث التصور السابق ذكره هو العقل فهذا يدعونا إلى معرفة أدلتهم على ذلك ثم مناقشتها، فأصل النزاع بيننا وبينهم كما سيتبين لنا هو أصل المسألة هل هو العقل أم غيره، ولنجعل هذا المحور عدة مقدمات ومطالب ندرج من خلالها في تأصيل المسألة بين الفريقين المتخالفين الإمامية والأشاعرة.

المقدمة الأولى: الإمامة عند الإمامية فرع من فروع العدل، أما الأشاعرة فهي عندهم فرع الجائز في حقه تعالى.
لقد وضع الإمامية بابا كاملا في كتبهم الكلامية أسموه باب العدل أدخلوا فيه كل ما ينزه الله تعالى عن فعله القبيح والإخلال بالواجب، وهو ما يتفرع عليه مباحث التكليف واللطف والثواب والعقاب وغير ذلك انظر الأنوار الجلالية ص123.فالإمامة على ضوء تعريفهم للعدل فعل فيه اللطف، واللطف واجب على الله تعالى فعله لأنه منزه عن الإخلال به بعدم الإتيان به، فالإمامة واجبة على الله حينئذ، انظر الأنوار الجلالية ص156.
أما الأشاعرة فإنهم يرون أن الإمامة فرع عن الجائز في حقه تعالى، والجائز فعل كل مقدور أو تركه، فالإمامة من حيث الحكم العقلي هي من الجائز فممكن أن يوجدها الله تعالى وممكن أن لا يوجدها، بينما هي واجبة من جهة إخبار الشرع بوجوبها فظهر الفرق بين المذهبين وهو فرق أصيل.
المقدمة الثانية: أنواع الفعل عند الإمامية، ولماذا الحاكم عليها هو العقل عندهم؟
لقد قسم الإمامية الفعل من حيث حكم العقل عليه كما يلي:
" كل فعل إما أن ينفر العقل منه أو لا ينفر العقل منه والأول يسمى القبيح والثاني يسمى الحسن. والحسن إما أن ينفر العقل من تركه أو لا ينفر العقل من تركه والأو يسمى الواجب، والثاني على عدة أحوال هي: الندب إن ترجح الفعل ومكروه إن ترجح الترك أو يتساوى الفعل والترك فمباح، فالأقسام خمسة قبيح وواجب وندب ومكروه ومباح"، انظر الأنوار الجلالية ص123-124 باختصار وتصرف.
والسبب في كون العقل هو الحاكم في ذم القبيح ومدح الحسن عند الإمامية أن "العقلاء يذمون تارك الواجب وفاعل القبيح، فلولا نفرة العقل من ذلك لما توجه الذم عليهما " ، انظر الأنوار الجلالية ص124، فالواجب يكون الذم فيه من جهة الترك والقبيح من جهة إتيانه.

المقدمة الثالثة: معنى قول الإمامية إن الإمامة واجبة على الله تعالى.
ليس المقصود عند الإمامية من قولهم إن الإمامة واجبة على الله تعالى أن يوجب الخلق فعل ذلك على الله تعالى وأن غير الله تعالى هو الذي يحكم عليه، بل معناه:" إن حكته تعالى تقتضي ترك القبيح وفعل الواجب " انظر الأنوار الجلالية ص127، فالله تعالى يستحيل عليه أن يفعل القبيح ويترك الواجب.

المقدمة الرابعة: الإمامة أصل من أصول الاعتقاد عند الإمامية، أما الأشاعرة فهي عندهم أليق بالفروع من الأصول.
لقد أوضح التفتازاني أن بحث مسألة الإمامة أليق ما يكون في الفروع (الفقه) لا في الأصول(الاعتقاد)، فقال: " لا نزاع في أن مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق؛ لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات وهي أمور كلية تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية لا ينتظم الأمر إلا بحصولها فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها من كل أحد، ولا خفاء في أن ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية، وقد ذكر في كتبنا الفقهية أنه لا بد من الأمة من إمام يحيي الدين ويقيم السنة وينتصف للمظلومين" إلى أن قال :" ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإمامة اعتقادات فاسدة واختلافات بل اختلافات باردة سيما من فرق الروافض والخوارج، ومالت كل فئة إلى تعصبات تكاد تفضي إلى رفض كثير من قواعد الإسلام ونقض عقائد المسلمين والقدح في الخلفاء الراشدين ألحق المتكلمون هذا الباب بأبواب الكلام وربما أدرجوه في تعريفه". انظر شرح المقاصد ج5ص233-234 باختصار.


هذا من جهة الأشاعرة أما من جهة الإمامية فإنهم يبررون كون الإمامة من أصول الاعتقاد كما يلي:
مما سبق بيانه أن الإمامة لدى الإمامية فعل من أفعاله تعالى والله تعالى منزه من أن يفعل القبيح والقبيح هو ما يذم فاعله عند العقل وترك فعل الواجب يندرج في القبيح لأن فاعله يستحق الذم عند العقل.
ولما ثبت اتفاقا أن الله غني في ذاته وصفاته عن كل ما عداه ومن جملة ذلك فعل القبائح وترك الواجبات علمنا حينئذ أن البحث في تلك المسألة له تعلق مع مبحث الصفات وهو أصل من أصول الاعتقاد.
وأما كون الإمامة لها ارتباط بمبحث الصفات فلأن الإمامة فعل والفعل توجده القدرة والقدرة توجد وفق الإرادة وهي المخصصة إيجاد الفعل في وقت دون الأوقات والإرادة لا تخصص إلا تبعا لداعي الفعل، وداعي الفعل عند الإمامية " هو الشعور بما في الفعل أو الترك من المصلحة الباعث ذلك على الإيجاد والترك " انظر الأنوار الجلالية ص82 ، وهو المسمى عندهم بداعي الحكمة ولا حكمة في فعل القبيح لأنه قبيح ومن جملة القبيح ترك إيجاد الواجب وهو هنا الإمامة فعلمنا حينئذ وجوب تعلق الإرادة الإلهية بإيجاد الواجب (الإمام) واستحالة عدم تعلقها به، انظر شرح ابن مخدوم للباب الحادي عشر ص159-160 .
فالحاصل أن الإمامية يرون أن :
1. الإمامة فعل الله تعالى.
2. الفعل توجده القدرة.
3. القدرة توجد ما تخصصه الإرادة.
4. الإرادة لا تخصص كل الأفعال الممكنة بل لا تخصص إلا ما فيه مصلحة باعثة على الإيجاد أو الترك وهو المسمى بداعي الحكمة.
5. إذا ثبت أن الإمامة أمر واجب في العقل وجب وجودها لوجود داعي الحكمة فوجب تعلق الإرادة بها.
يتبع إن شاء الله تعالى

جمال حسني الشرباتي
07-06-2004, 12:08
السلام عليكم
من الامور البدهية وجود تناقض واضح بين اهل السنة والشيعة في الامامة وغيرها
وقد يكون شملك للمعتزلة في حديثك عن القبح والحسن مشعرا للقارىء ان المعتزلة والشيعة على نفس الرأي وهذا ما لا تقصده
وبالمناسبة لا بد انك اطلعت على نقد بلال وصحبه لكتاب خليفات المتحول الى مذهب الشيعة فهل تناول مبحث الامامة في كتابه؟؟ انا ساعيد قراءة نقد بلال وصحبه قريبا وفد اعود للتواصل معك

بلال النجار
07-06-2004, 14:33
بسم الله الرحمن الرحيم

هذه تعليقات جديدة على كلام الأخ عيسى، على قدر ما يتيسر لي وأنا في عملي الجديد الذي يستلهك معظم وقتي، وسأزيد تعليقات جديدة كلّما وجدت لدي وقتاً للكتابة إن شاء الله تعالى. وليعذرني الأخوة الذي أرسلوا لي برسائل يحثّونني فيها على الكتابة، ويشتكون قلّة نشاطي.

أقول: ثمّة أمور مهمّة لا بدّ من ملاحظتها ههنا. فنحن نعلم أنّ النصوص التي يحتجّ بها الإمامية في الخلافيات معهم لا يسلّمها لهم خصومهم. وأخبارهم التي يحتجون بها غاية أمرها أنها أخبار آحاد، ودعوى تواترها مجرّد مكابرة. وإن سلّم لهم صحة ما يروونه من أخبار الآحاد، فلا تسلّم دلالتها على ادعاءاتهم، وإن سلّمت دلالتها فلا تكفي لجعل الإمامة أصلاً من أصول الدّين على ما يزعمون.
والمدقّق في مذهب الإمامية يجدهم لا يعتدون بالإجماع حجّة في الدّين، ويقدحون في صلوح التواتر لنقل الشرايع، ويقررون أنّه لا بدّ من وجود معصوم واجب العصمة يستحيل أن يتطرّق إليه الخطأ لينقل إلينا الشريعة. ولمّا قدحوا في كون مجموع الأمّة صالحاً لنقل الشريعة بلا خلل قالوا بوجوب العصمة لأشخاص معيّنين هم نقلة الشريعة، وهم الأئمة المعصومون. وللمتأمّل أن يلاحظ في هذا الكلام حمقاً عجيباً غريباً. فإنه لا يعقل أن يبلغ المعصوم كلّ فرد فردٍ من أفراد الأمّة بتفاصيل الشريعة، ولا بدّ له من وسائط، وهذه الوسائط، إما طريق آحاد أو طريق التواتر، فإن قدحوا في الطريقين، فكيف يستقيم دين عند من لم يلق المعصوم؟ كيف وهو في سباته وغيبته منذ أكثر من ألف عام لا يعرف أحد له طريقاً ولا يسمع أحد منه رأياً في مسألة، مع مسيس الحاجة لمقالاته وأحكامه!

إذاً النصّ على إمامة عليّ رضي الله تعالى عنه لا يسلّم لهم لا من طريق التواتر ولا من طريق الآحاد، والإجماع مردود عندهم، والقياس -إن كان لائقاً- بمذهبهم فلا يفيد في مثل ذلك. لأنه ليس بقاطع ههنا. فلا بدّ لهم من اختراع أدلّة أخرى لتعضد مقالاتهم في الإمامة التي منها وجوبها على الله، ووجوب عصمة الأئمة إلخ.
واعلم أنّ الإماميّة لم توجب على الله تعالى نصب الإمام بالعقل بدل النصّ لأنّه لا نصّ في ذلك، ولم توجب للإمام العصمة بالنصّ لأنه لا نصّ في ذلك. ولو وجدوا من ذلك شيئاً لما وفّروا جهداً في إظهاره، كيف وهم يتمسكون بأوهى الأدلّة، ويحبّون تكثيرها حتّى ادعوا وجود ألفي دليل على إمامة عليّ رضي الله تعالى عنه! وهو مجرّد ادعاء ومبالغة فارغة.
هذا وإن كلام الفاضل عيسى في أنه لمَ لم يوجبوا نصب الإمام بالشرع بدل العقل، أي معرفتهم كون الإمامة واجبة بلا تحديد على من تجب. وعندي أنّ ذلك سببه أنهم لا يعتدون بالإجماع الذي دليل أهل السنّة على وجوبها. ولو اعتدوا به لزمهم تصحيح إمامة أبي بكر وكذلك عمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين. وهم لا يفعلون. فتأمّل.

قوله (الإمامة عند الشيعة فعل من أفعال الله تعالى، والله تعالى عند الإمامية منزه عن فعل القبيح والإخلال بالواجب وهو ما يسمى بالعدل عندهم)

أقول: لا يفهم من هذا أنّ الأشاعرة يقولون بأنّ الله تعالى يفعل القبايح بخلاف الشيعة الذين ينفون عن المولى سبحانه ذلك. لأنّا نقول إنّ القبح أصلاً لا ينسب إلى الله تعالى فلا يقبح منه تعالى شيء. والإخلال بالواجب غير متصوّر منه تعالى، فلا يمكن أن يقع منه ما يخالف الواجب عليه، إذ لا يجب عليه تعالى فعل شيء، وكلّ أمر ممكن في نفسه فيجوز على الله تعالى فعله أو تركه، وإذا كان كلّ ما يصدر عن المولى سبحانه وتعالى ممكن في حقه، فلا يتصوّر إخلاله بواجب، فلا يتصوّر منه فعل القبيح. هذا إذا سلّمنا أن معنى القبيح هو الفعل المخالف لما يجب. فتأمّل.

قوله (الحاكم على حسن الفعل وقبحه عندهم العقل لا الشرع، والمقصود هنا بحسن الفعل هو ما يستحق على فعله المدح عاجلا والثواب آجلا، والقبيح ما يستحق على فعله الذم عاجلا والعقاب آجلا)

أقول: لا يخفى أن الحسن والقبيح بهذا المعنى لا يمكن إجراؤهما في حق الله تعالى، وإنما ذلك في حقّ العبد. وما مضى من مطابقة الواجب والإخلال به أوفق، على أنّه في غاية الإشكال، إذ يستلزم أنّ كلّ فعل من أفعاله فإما أن يكون مطابقاً للواجب أو مخلاً به، الثاني محال عندهم، فيبقى الأوّل. لأنه لا قائل بأنّ الله تعالى يفعل القبايح. وعليه فإن أفعال الله تعالى جميعها على هذا القول لا بدّ أن تكون واجبة عليه، وليس فقط نصب الإمام. وهذا يستلزم نفي الإرادة عنه تعالى قولاً واحداً. وهو في غاية القبح. فإن فرّوا بمقالتهم التالفة هذه من إثبات قبيح لله تعالى في أفعاله، فقد نفوا عن الله تعالى الاختيار، وفي نفيه منقصة وأيّ منقصة.

قوله (وهذا هو محل الخلاف بين العدلية من المعتزلة والإمامية من جهة وبين الأشاعرة أهل السنة من جهة أخرى)

أقول: هم سمّوا أنفسهم بأهل العدل لقولهم بوجوب الثواب والعقاب على الله تعالى. فأيّ عدل في أن يجب على الله تعالى بالعقل ثواب مطيع أو عقاب عاص!

قوله (فالأشاعرة يقولون إنه شرعي وهو الصواب، والمعتزلة والإمامية يقولون إنه عقلي)

أقول: إن قول الأشاعرة هو أنّ ما يترتّب عليه المدح حالاً والثواب مآلاً والذي يسمّونه الحسن، لا يمكن أن يعرف إلا بالشرع. لأنّه من أين يعرف حسن صوم رمضان وقبح صوم شوال بالعقل، ومن أين يعرف أنّ رفع السبابة اليمنى عند التشهّد في الصلاة دون جميع الأصابع حسن بالعقل، بل من أين يعرف بالعقل أنّ الكذب النافع حسن والكذب الضار قبيح إن كانت نفس حقيقة الكذب قبيحة؟ وهو ما يدّعونه من أنّ للأشياء في نفسها قبحاً وحسناً، أيّ أنّ الحسَن حسَن لصفة ذاتيّة يتّصف بها، وكذلك القبيح، ولو أردنا أن نعارضهم بمثل هذه الأمثلة لأتينا بالكثير. وللمتأمّل أن يلحظ أنّ الشرع لا يكون وضعاً إلهيّاً على هذا القول. فلعمري كيف يفسّرون اختلاف الشرايع، حين كان قتل المذنب ببعض الذنوب نفسَه مثلاً حسناً، فأضحى في شريعتنا قبيحاً. فلاحظ أنّ القول بالحسن والقبح العقليين أصل كبير، ويلزم عنه الكثير من اللوازم الفاسدة، والمخالفات الأصليّة لأهل السنّة. وهو من أكبر أسباب الاختلاف بيننا وبين المعتزلة والشيعة.

قوله (ملاحظة: هنالك بعض الأنواع من الأفعال الحاكم عليها الشرع اتفاقا وهي ليست المقصودة هنا وهنالك بعض الأفعال الحاكم عليها العقل اتفاقا وليست هي المقصودة هنا)

أقول: معنى هذا الكلام أنه لا خلاف بين جميع الطوائف أنّ بعض الأمور يمكن للعقل أن يعرف حسنها وقبحها، ولكنّ هذا الحسن والقبح هو بمعنى الموافقة والمنافرة للطبع السليم. كعلمنا بأن الظلم قبيح والإحسان إلى الفقير حسن. ولكن هذا العلم بهذا المعنى مستند إلى الطبع، لا إلى الشرع. ومعرفة أنه هل يترتب الثواب والعقاب على الفعل في الآخرة أمر آخر، يحتاج إلى مستند من الشرع، وهو وحده المسوّغ عندنا لوصف الفعل بالحسن والقبح. فانتبه لهذا الكلام جيّداً، لأنّ المخالف يورد علينا الظلم والإحسان ونحوهما ليدلل على أنّ بعض الأمور يعرف حسنها وقبحا بالعقل. فيكون جوابنا أنه سلّمنا ذلك، فمن أين عرفتم ثواب من فعل الحسن بهذا المعنى، وعقاب من عمل القبيح بهذا المعنى. ثمّ إنه ليس كلّ فعل فهذه صفته، أي أنّه يمكن أن تعرف موافقته ومنافرته للطبع. وإن عرف كلّ فعل من هذه الجهة فمن أين ينافر الطبع مثلاً عدم مسح الرأس بالماء في الوضوء ليقبح شرعاً صلاة المتوضي بلا مسح رأسه؟!

يتبع.....

الأخ جمال/

لم نبحث موضوع الإمامة في كتاب التصريح، وإنّما وعدت في ذلك الكتاب أن أكتب في الإمامة، وإني إن شاء الله تعالى فاعل عما قريب.

جمال حسني الشرباتي
07-06-2004, 15:49
سؤال
الامام لديهم مشرع لانه معصوم واقواله دليل شرعي لديهم كما السنة النبوية
كيف اذن استدلوا عقلا على عصمة الامام وان اقواله ادلة شرعية؟؟؟

بلال النجار
08-06-2004, 16:43
بسم الله الرحمن الرّحيم

قوله (المقدمة الأولى: الإمامة عند الإمامية فرع من فروع العدل، أما الأشاعرة فهي عندهم فرع الجائز في حقه تعالى)
أقول: وضعه العدل في مقابل الجائز، معناه أن مقتضى العدل واجب على الله تعالى عند الإماميّة، في حين أنه عندنا جائز. وليتنبه أنّ العدل اصطلاح يشعر بالمدح، مع أنّ في إثباته بهذا المعنى إثبات منقصة لله تعالى. فينبغي أن يوضع الجواز في مقابل الوجوب، لا في مقابل العدل. لأن ذلك يوهم أنّ قول أهل السنة مثبت للظلم في حق الله تعالى المقابل للعدل. وهو غير صحيح. وهذا الوهم يدعو بعض المعتوهين من أمثال مروان خليفات صاحب كتاب (وركبت السفينة) أن يدّعي على أهل السنة بأنّ قولهم (بجواز تعذيب المطيع، وتنعيم العاصي) إثبات للظلم في حق الله. وهذا من شدّة حمقه وجهله بمذهبهم. لأنّ حقيقة قولهم ليس هو أن الله تعالى سيعذّب المطيع ويعاقب العاصي، بل مذهبهم أنه يجوز في العقل ذلك، لأنّ الله تعالى لا يجب عليه فعل أمرٍ ممكنٍ في نفسه، بل يجوز عليه فعل كلّ ممكن وتركه، ولكن إثابة المؤمن وتعذيب العاصي لمّا أخبرنا الله تعالى بوقوعهما يوم القيامة، علمنا بأنّ ذلك لا محالة واقع، ويستحيل تخلّفه، ولكن ليس لأنّ ذلك واجباً على الله فعله، بل لأنّ الله تعالى لا يخلف وعده، وقد قال وقوله الصدق، وأراد ذلك وإرادته لا تتخلّف، فكلّ ما أراده الله تعالى فهو لا محالة واقع، ويستحيل تخلّفه. ولا أحبّ الجري على مصطلحهم الموهم هذا والملبّس على الناس، ولنسمّ الأمور بمسمّياتها ولا ننساق وراءهم. والله تعالى أعلم.

قوله (أما الأشاعرة فإنهم يرون أن الإمامة فرع عن الجائز في حقه تعالى، والجائز فعل كل مقدور أو تركه، فالإمامة من حيث الحكم العقلي هي من الجائز فممكن أن يوجدها الله تعالى وممكن أن لا يوجدها، بينما هي واجبة من جهة إخبار الشرع بوجوبها فظهر الفرق بين المذهبين وهو فرق أصيل)

أقول: الفرق الأصيل هو في الوجوب عند الإمامية والمعتزلة والجواز عند السنّة، ولا ينافي قول أهل السنّة الأشاعرة والماتريدية كون الله تعالى لطيفاً بخلقه، فنحن مع قولنا بأنّ الله تعالى لطيف بعباده، إلا أنّ هذا اللطف ليس بواجب عليه تعالى.

قوله في تقسيم الفعل عندهم (كل فعل إما أن ينفر العقل منه أو لا ينفر العقل منه والأول يسمى القبيح والثاني يسمى الحسن. والحسن إما أن ينفر العقل من تركه أو لا ينفر العقل من تركه والأول يسمى الواجب، والثاني على عدة أحوال هي: الندب إن ترجح الفعل ومكروه إن ترجح الترك أو يتساوى الفعل والترك فمباح، فالأقسام خمسة قبيح وواجب وندب ومكروه ومباح)

أقول: بان لك مما قلناه أولاً أن هذه القسمة لا يمكن إجراؤها على أفعال الله تعالى، وبان لك ما في قسمتهم من الاضطراب.

قوله (ليس المقصود عند الإمامية من قولهم إن الإمامة واجبة على الله تعالى أن يوجب الخلق فعل ذلك على الله تعالى وأن غير الله تعالى هو الذي يحكم عليه، بل معناه:"إن حكمته تعالى تقتضي ترك القبيح وفعل الواجب" فالله تعالى يستحيل عليه أن يفعل القبيح ويترك الواجب)

أقول: هذا الكلام في غاية الفساد. لأنهم يسلّمون أن الفعل في نفسه ممكن في العقل، فإذا وجب على الله تعالى فعله، فقد وجب على الله تعالى إرادته، والممكن في نفسه تتعلق القدرة والإرادة به تعلق فعل أو ترك، فما مخصّص كون هذا الممكن بالذات كالإمامة مثلاً قد تعلّقت الإرادة به تعلق فعل على جهة الوجوب أي مع استحالة الترك؟
إننا نعلم أنّ نسبة القدرة إلى جميع الممكنات متساوية، تعلّق فعل أو ترك عامّاً، فتعلقها بأمر تعلق فعل دون ترك لا بدّ له من مخصص، ولا يجوز أن يكون القديم مخصَّصاً مطلقاً لا بحادث ولا بقديم. أما امتناع تخصيص القديم بالحادث فظاهر الاستحالة، وأما امتناع تخصيص القديم بالقديم فجهة امتناعه أنّ القديم لا يحتاج إلى المخصِّص، ولو تخصَّص لاحتاج، والمحتاج حادث. هذا خلف.

فقولهم (حكمته تعالى تقتضي ترك القبيح) فأقول:
هذا الذي تسمونه قبيحاً أليس ممكناً في نفسه؟ فلا يمكنهم إلا أن يقولوا نعم.
فيكون معنى قولهم أن حكمته تعالى مخصصة لإرادته تعالى وقدرته.
فحكمته تعالى ما هي؟ إما أن تكون صفته القديمة أو فعله الحادث. وكل منهما لا يصلح مخصصاً لإرادته وقدرته القديمتين. فبان لك فساد قولهم هذا. وقد بحثت في الأحكام العقليّة، واستحالة أن يجب على الله تعالى فعل أمر ممكن في نفسه في كتاب التصريح/ الرد على مروان خليفات/ المنشور في موقع الرازي، فليراجعه من أراد الاستزادة.

قوله (الإمامة أصل من أصول الاعتقاد عند الإمامية، أما الأشاعرة فهي عندهم أليق بالفروع من الأصول......... إلخ)
أقول: وجعل الإمامة التي هي من الفروع أصلاً في الدين مما ابتدعته الإماميّة. ثمّ لمّا أسسوا فيها لقواعد الخلاف، وشاع فيها الكلام والشبه، أدرجها علماؤنا في مباحث العقائد كما نقله الأخ عيسى عن السعد التفتازاني. فلا يتوجه الاعتراض على إدخالها في مباحث العقايد، وكذلك إدخال نحو المسح على الخفين في كتب العقايد كما فعل الطحاوي رحمه الله تعالى، لأنه إن وجد أناس ينكرون شيئاً من الدين فلا بدّ من التنبيه عليه في كتب العقيدة، لأنها الكتب التي يشتد اعتناء الناس بها أكثر من غيرها، ولأن المسألة حين تطرق على هذا النحو من الإنكار لأمر ديني أو الإثبات لأمر ليس من الدين في شيء، فإنها تستدعي الكلام فيها على جهة الإثبات والإنكار في الكتب المهمّات. والإماميّة ابتدعوا في الدين ما ليس منه، فوجب أن يوقف على مخالفاتهم، ويجب بيان مقالة أهل السنة في مقابل مقالتهم ليتميز قول أهل الحق، وترتفع أعلامه فيُعرف من جميع الناس على اختلاف طبقاتهم، إظهاراً للحقّ ليتّبع، ونصّاً عليه ليتميّز فيلتزم ويترك خلافه. ولذلك كان من اللائق اليوم التنبيه على كثير من مخالفات السلفية وإظهار بدعتهم وإبطالها، ووضع قول أهل السنة في مقابل مقالتهم، وكذا مقالات الإماميّة وغيرهم كالعلمانية ومغالطاتهم في مسألة الحجاب وغيرها من المسائل. فيجب على علماء الدين القيام بهذا الواجب، أعني أن يكتبوا ويؤلفوا ويعلنوا في كلّ محفل رأي الدين الصحيح في المسائل التي شاع فيها الخلاف، وانتثرت فيها الشبه، حتى يبقى رأي أهل الحق معلوماً ظاهراً متميّزاً لا يشوبه شائبة، ولا يلتبس قولهم بقول غيرهم. وهذا الأمر من أهمّ المهمّات لأنّه جزء من حفظ الدّين الحنيف، ونصرة الحق. وإني والله لأرى أنّ حدّ الكفاية اليوم لم يبلغ، لا في الرد على شبه السلفيّة، ولا في الردّ على شبه الإماميّة، ولا شبه العلمانية. ومن حذا حذو هؤلاء جميعاً لقلة عقله، وجهله، وسعيه خلف هواه. هذه الطوائف الثلاثة اليوم هي أشد الطوائف مخالفة ومنابذة لأهل السنّة والجماعة، فينبغي أن توقف عند حدّها، ويجب أن لا يتوانى العلماء في القيام بهذا الواجب. والله تعالى أعلم.

قوله (أما من جهة الإمامية فإنهم يبررون كون الإمامة من أصول الاعتقاد كما يلي:
مما سبق بيانه أن الإمامة لدى الإمامية فعل من أفعاله تعالى والله تعالى منزه من أن يفعل القبيح والقبيح هو ما يذم فاعله عند العقل وترك فعل الواجب يندرج في القبيح لأن فاعله يستحق الذم عند العقل، ولما ثبت اتفاقا أن الله غني في ذاته وصفاته عن كل ما عداه ومن جملة ذلك فعل القبائح وترك الواجبات علمنا حينئذ أن البحث في تلك المسألة له تعلق مع مبحث الصفات وهو أصل من أصول الاعتقاد....... إلخ)

أقول: قد بان لك أنّ كلّ فعل جائز في نفسه فقدرة الله تعالى وإرادته تتعلقان به تعلق فعل أو ترك، بلا مزية لفعل على الآخر من نفس الفعل وذاته، لأن الحسن والقبح أمران اعتباريان وليسا صفتين ذاتيين للفعل. وعليه فلا يتصوّر أن يقبح من المولى جلّ شأنه فعل من الأفعال، ولا يجب عليه شيء أصلاً كما بيّناه. فكلّ هذا الكلام الذي يبررون به صيرورة الإمامة من أصول الدين بات فارغاً لا معنى له. ولا فرق بين فعل وآخر في حق الله تعالى. ولو مشينا على طريقتهم هذه لأدخلنا في أصول الدين كلّ فعل لله تعالى، لأنّ كلّ فعل له تعالى فهو يفعله بداعي الحكمة فيجب عليه فعله وترك ضده، فلم اقتصر على الإمامة؟! إذاً ليس الأمر كذلك، إن المقصد واضح بيّن، داعيته مجرّد الهوى، وتفريق المسلمين والحكم عليهم تبعاً لهذا الأمر الذي اتخذوه أصلاً. لتمييز فرقة الإمامية عن غيرها من الفرق. وهو ما أسميه الابتداع من غير داع.


قوله (فالحاصل أن الإمامية يرون أن الإمامة فعل الله تعالى)
أقول: وهذا لا نخالفهم فيه بحسب الظاهر، لأن مذهب أهل السنة هو أنّ كلّ ما يحدث في هذا الكون من حوادث فالله تعالى هو فاعلها الوحيد. ولكن الإمامية يقصدون بكلامهم هذا أنّ الله تعالى قام بهذا الفعل الذي وجب عليه أن يقوم به، ويستحيل على الله تعالى أن يفعل خلافه. ونحن نقول إن الله تعالى فعل ذلك بمحض إرادته مجرياً أفعاله كما هي عادته تعالى على وفق الأسباب العادية. ولو شاء لفعل غيره. ولعمري كيف يستقيم هذا الكلام مع قولهم بأنّ عليّاً هو الإمام وليس أبا بكر والله تعالى قد نصب أبا بكر إماماً!

قوله (الفعل توجده القدرة)
أقول: هذا من المسلّمات أيضاً عند أهل السنّة.

قوله (القدرة توجد ما تخصصه الإرادة)
أقول: وهذا لا نخالفهم فيه بحسب الظاهر. على أنّا نخالفهم في معنى الإرادة، ولعلّ ذلك يأتي بحثه فيما سيأتي فنعلّق عليه في محلّه.

قوله (الإرادة لا تخصص كل الأفعال الممكنة بل لا تخصص إلا ما فيه مصلحة باعثة على الإيجاد أو الترك وهو المسمى بداعي الحكمة)

أقول: هذه نقطة خلاف جوهريّة بين السنّة والإماميّة، وهي أنا نقول الإرادة تخصص الممكنات ببعض ما يجوز عليها لعين الإرادة، وهذا معنى قولنا إن الله تعالى هو الفاعل المختار. ولا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون.
وأما هم فلا يتوقفون عند حدّ الإرادة، بل يتساءلون لماذا فعل الله تعالى هذا الأمر الجائز في نفسه دون غيره من الأفعال الجائزة، فيطلبون أمراً زائداً على الإرادة وهو الداعي. وهذا الداعي الموجب للفعل باطل عندنا، مع أننا نقول إن لله في أفعاله حكم كثيرة ظاهرة وباطنة، وقد لا تحيط بعظتها العقول. وسنبسط الكلام في الداعي لاحقاً إن شاء الله تعالى.

هذا ما تيسر الآن، والحمد لله تعالى ربّ العالمين.

عيسى ربيع جوابرة
15-06-2004, 00:38
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
فإنني أشكر الأخ بلال على جهده الكبير في تعليقه على ما أكتبه وأرحب بكل سرور بمشاركة الأخ أحمد حرب والأخ يوسف، وأود من جميع القراء الكرام أن يحاولوا المشاركة في الحوار ولو بأقل القليل، فالموضوع في غاية الأهمية، وما أبلغ ما قاله الشيخ الفاضل بلال حين قال: " وإنني والله لأرى أن حد الكفاية اليوم لم يبلغ لا في الرد على شبه السلفية ولا في الرد على شبه الإمامية ولا شبه العلمانية ومن حذا حذو هؤلاء لقلة عقله وجهله وسعيه خلف هواه.
هذه الطوائف الثلاثة اليوم هي أشد الطوائف مخالفة ومنابذة لأهل السنة والجماعة فينبغي أن توقف عند حدها ويجب أن لا يتوانى العلماء في القيام بهذا الواجب والله تعالى أعلم "، وأزيد على قوله فأقول: والله لن يكتمل هذا الأمر إلا بكم أيها القراء الكرام وذلك لأن ما سيدور من استفسارات وإشكالات حول الموضوع سيعمل على تنميته ونضجه لدى الباحثين عن الحق وسيزيد من قوة القناعة التي تنتج من خلال هذا الحوار.
وقبل الدخول في الموضوع لي بعض الملاحظات على ما كتبه الأخوة من تعليقات على ما كتبته سابقاً وهي:
• الأولى: سؤال الأخ جمال حول كيفية استدلال الشيعة على عصمة الإمام من خلال الدليل العقلي لا الشرعي مع أن أقوال الإمام أدلة شرعية؟ فأقول: لعل الجواب يكون أليق في بحث العصمة عند الشيعة فنرجؤه في موضعه إن شاء الله تعالى.
• الثانية:قول الأستاذ الفاضل بلال في تخطئته للشيعة " ولو مشينا على طريقتهم هذه لأدخلنا في أصول الدين كل فعل لله تعالى، لأنه كل فعل له تعالى فهو يفعله بداعي الحكمة فجب عليه فعله وترك ضده فلم اقتصر على الإمامة؟ فيه إعادة نظر وذلك أن الكلام يفهم من ظاهره أن الشيعة اقتصروا في قولهم أن الفعل الإلهي الواجب عليه تعالى مترتب على داعي الحكمة هو الإمامة فقط وهذا لا يسلم الشيعة به بل إن ما تـقـتـضيه الحكمة من وجوبٍ عليه سبحانه وتعالى عندهم خمسة أنواع هي: التكليف واللطف والعوض عن الألم والثواب والعقاب عند الوعيد به وفعل الأصلح، والإمامة تندرج تحت باب اللطف، فاقتضى التنبيه. انظر اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية لمقداد السيوري ص221-238.
ولنعد إلى موضوعنا، فبعد أن ذكرت في الحلقة الثانية المقدمات لبحث الأدلة العقلية عند الإمامية على وجوب الإمامة لاحظنا كيف أن الإمامية يرتكزون في أدلتهم العقلية على صفة الإرادة الإلهية، وأن الإرادة لا تخصص إلا وفق داعي الحكمة وداعي الحكمة عندهم لا يعرف حسنه إلا من خلال العقل فحينئذٍ ندرك أن البحث لا بد وأن يتدرج عند بحث الأدلة العقلية ومناقشتها تدرجاً منطقياً لكي نمسك بجميع الخيوط المتشابكة ثم نبين فسادها من جهة العقل.
المطلب الأول: الأدلة العقلية على وجوب الإمامة عند الإمامية
يستحسن هنا أن ننقل كلام شيخ الطائفة الطوسي ت 460هـ عند حديثه عن الأدلة العقلية على وجوب الإمامة عندهم لأهميته فقال:
" ولنا في الكلام بوجوب الإمامة عقلاً طريقان، أحدهما: أن نبين وجوبها عقلاً سواء كان هناك شرع أو لم يكن. وثانيهما: أن نبين أن مع وجود الشرع لا بد من إمام له صفة مخصوصة لحفظ الشرع باعتبار عقلي " انظر الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ص297 ، وتأتي أهمية هذا الكلام أن الناظر في أدلة الإمامية العقلية عند بعض أئمة الإمامية يجد أحياناً اقتصارهم على دليل واحد كقولهم أن الإمامية لطف واللطف واجب فعله على الله تعالى، ونجد بعضهم يذكر دليلين فقط كما فعل الطوسي هنا، وبعضهم يجعلها خمسة أدلة عقلية كما فعل الحلي في منهاج الكرامة، هذا مما يدعونا إلى ذكر كل الأدلة العقلية التي ذكروها في كتبهم وذكر ما تتوقف عليه من أصول اعتقادية والبحث في مسلماتها الاعتقادية عندهم فتتضح الصورة الكاملة لمذهبهم في الإمامة.
الدليل العقلي الأول:
قال مقداد السيوري الحلي ت826 في اللوامع الإلهية ص 326:
" نصب الإمام واجب عقلاً على الله تعالى لأنه لطف وكل لطف واجب عليه تعالى "
يدور بحث هذا الدليل في عدة جهات:
الجهة الأولى: قولهم أن نصب الإمام واجب عقلاً على الله تعالى لأنه لطف عندهم
الجهة الثانية: لماذا الإمامة لطف عندهم
الجهة الثالثة: لماذا كل لطف واجب عليه تعالى عندهم
وفي كل من هذه الجهات الثلاث منازعات بيننا وبينهم، فالشيعة الإمامية عند بحثهم للإمامة في كتبهم الكلامية قاموا بالتمهيد لموضوع الإمامة في كل المباحث السابقة عليها، حتى أنك تحس عند وصولك لمبحث الإمامة عند قراءة كتبهم الكلامية أن كل ما سبق مبحث الإمامة هو تأسيس له، فلا بد لنا أن نناقش الشيعة من جميع الأمور العقائدية التي انبنى عليها وجوب الإمامة عندهم.
فهذا الدليل قائم على عدة أمور أثبتها الشيعة الإمامية وادعوا حقيتها قبل أن ينسجوه بهذه الصورة فليكن حديثنا في البداية عن تلك الأمور فأقول:
الجهة الأولى: قولهم أن نصب الإمام واجب على الله تعالى من جهة العقل.
إننا نعلم أن الأحكام العقلية الثلاثة من وجوب واستحالة وجواز تتعلق بالوجود من حيث وجوب وجوده أو وجوب عدمه أو جواز وجوده أو جواز عدمه، فلما يقول الإمامية أن نصب الإمام واجب على الله تعالى، فهذا يعني أن الإمامة يجب أن تتعلق بإيجادها الإرادة،ولتوضيح الصورة فإن الإمامية يثبتون القدرة والإرادة والعلم لله تعالى، ونحن نرى أن الفعل الذي يوجده الله تعالى حادثاً مسبوقاً بالعدم يعلمه الله تعالى أزلاً وخصصته الإرادة بالوقوع فأنجزته القدرة، والإرادة عندنا تخصص الممكنات التي يصح أن توجد أو يصح أن تعدم ولا تعلق لها أبداً بالواجب العقلي أو المستحيل العقلي، فكيف يفهم حينئذٍ أن الإمامية يجعلون الإمامة وهي أمر ممكن واجب نصبه على الله تعالى واجب إيجاده على الله تعالى، فهذا ينافي الإرادة من حيث تخصيصها للمكن بل إن ذلك لا يناسب إلا ما كان واجب الوجود، وعليه إن كانت الإمامة واجبة الوجود فلا تحتاج في وجودها إلى إرادة تخصصها وهذا خلاف ما يقوله الإمامية، فحينئذٍ لا بد وأن يكون الأمر عندهم على واقع آخر غير الذي نقول ـ وإن كان يلزمهم كما سيأتي ـ وهو:
إن الفعل عند الإمامية توجده القدرة الإلهية على وفق ما يعلمه سبحانه وتعالى إلا أن الأفعال وإن كانت كلها ممكنات يصح إيجادها من حيث إمكان الإيجاد، إلا أن الإمكان وحده لا يكفي عندهم بل لا بد وأن ينظر الله تعالى إلى الفعل الذي سيوجده هل هو فيه مصلحة باعثة على إيجاده أم لا فلا يوجده، وعبر مقداد السيوري عن ذلك بقوله:
" إرادته هي علمه بأن في الإيجاد أو الترك مصلحة هذا عند المحققين " الأنوار الجلالية ص89
وقال في اللوامع الإلهية ص201: " كونه مريداً أي عالماً باشتمال الفعل على المصلحة الباعثة على إيجاده "
فهم يرون أن الفعل تتعلق فيه الإرادة من جهة تخصيصه بالإيجاد من حيث وجود المصلحة الباعثة على إيجاده، فينبغي لنا أن نعرف كيفية حصول المصلحة الباعثة على إيجاد الفعل عندهم.
فيرى الإمامية أن الفعل كما سبق منه ما ينفر العقل منه، ومنه ما لا ينفر العقل منه، والذي ينفر العقل منه هو القبيح والذي لا ينفر العقل منه هو الحسن، والحسن ينفر العقل من تركه وعدم إيجاده وهو الواجب أو لا ينفر العقل من تركه وعدم إيجاده، فقالوا: العقل يذم فاعل القبيح وتارك الواجب. انظر الأنوار الجلالية ص123
فالواجب عندهم هنا هو إيجاد الإمام وتركه قبيح فيجب أن تتعلق إرادة الله تعالى بإيجاده. ونحن ننازعهم في عدة أمور هنا نتحدث فيها بالتفصيل، وهي:
أولاً: جعل الإرادة مخصصة على وفق داعي المصلحة الباعثة على الإيجاد لا نسلم به، لأن الإرادة هي المخصصة للمكن لكونه ممكناً لا لوصف زائد على ذلك، أي لأجل وصف يلحق الممكن، وإلا أصبحت الإرادة تابعة في تخصيصها لذلك الوصف فتقيد به والأصل في الإرادة عدم التقييد مطلقاً لمنافاة التقييد الاختيار، وعجباً للإمامية كيف يجعلون الإنسان حراً في اختياره مطلقاً سواء فعل الحسن أم القبيح ويقيدون فعل الله تعالى بإيجاد الحسن بدعوى أن إيجاد القبيح قبيح وهو ما لا نسلم لهم به أيضاً كما سيأتي بيانه.
ثانياً: القول إن الإرادة تابعة في تخصيصها العلم باشتمال الفعل على المصلحة الباعثة على إيجاده يلزم عنه أن العلم هو المخصص لا الإرادة وقولهم إن العلم الإلهي معناه " انكشاف الأشياء له وكونها غير غائبة عنه " كما في اللوامع الإلهية لا يصلح أن يجعل العلم مخصصاً، فهم واقعون في التناقض يجعلون العلم انكشاف الأشياء ومعلوم أن الانكشاف لا يحصل بمجرد التخصيص ثم يجعلون الإرادة علم بالمصلحة الباعثة على التخصيص فتؤول الإرادة إلى العلم ، فيلتغي حينئذٍ دورها بكونها مخصصة، ولا يقال إن هذا كما نقول نحن الأشاعرة أن الإرادة على وفق العلم؛ لأن الإرادة عندنا تخصص بلا قيد المصلحة ولا غيره من القيود ولا بد وأن تخصص ما علم الله تخصيصه أما هم فيقولون أنها تخصص ما علم الله أن في إيجاده مصلحة فظهر الفرق.
ثالثاً: يلزم من تعريفهم للإرادة بهذا المعنى مخالفة القرآن الكريم، فالله تعالى يقول: " فعال لما يريد " وهو جعل فعله تابعاً لمجرد الإرادة من غير قيد ترتب مصلحة باعثة لإيجاد هذا الفعل، ولهذا لو كان ما قاله الإمامية صحيحاً فكيف نفهم قوله تعالى: " ولو شاء الله لهدى الناس أجمعين "؟ أو ليس المصلحة الباعثة في إيجاد الهداية أن يكون الجميع على الهداية، فلم لم تتعلق المشيئة ( الإرادة ) بهداية الجميع فعلمنا حينئذٍ أن الإرادة خصصت البعض بالهداية والبعض الآخر بالضلال ودليله أيضاً من القرآن فقال تعالى: " ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد " البقرة 253 ، فالقتال أسنده الله تعالى لحصول مشيئته ولو أراد أن لا يحصل القتال لما حصل، لكن حصوله بإرادته تعالى، فأين المصلحة الباعثة من حصول القتل والعقل في طبعه ينفر منه، فلو كان صحيحاً ما قاله الإمامية لما تعلق حصول القتل بإرادته تعالى بل كان لا بد من ترك فعله.
وللحديث بقية غداً إن شاء الله

بلال النجار
19-06-2004, 16:03
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ عيسى،

قولك: (قال بلال في تخطئته للشيعة " ولو مشينا على طريقتهم هذه لأدخلنا في أصول الدين كل فعل لله تعالى، لأنه كل فعل له تعالى فهو يفعله بداعي الحكمة فيجب عليه فعله وترك ضده فلم اقتصر على الإمامة؟ فيه إعادة نظر وذلك أن الكلام يفهم من ظاهره أن الشيعة اقتصروا في قولهم أن الفعل الإلهي الواجب عليه تعالى مترتب على داعي الحكمة هو الإمامة فقط وهذا لا يسلم الشيعة به بل إن ما تـقـتـضيه الحكمة من وجوبٍ عليه سبحانه وتعالى عندهم خمسة أنواع هي: التكليف واللطف والعوض عن الألم والثواب والعقاب عند الوعيد به وفعل الأصلح، والإمامة تندرج تحت باب اللطف، فاقتضى التنبيه.)

أشكرك على التنبيه ولا يغيب عنّي إيجاب الإمامية أكثر من فعل الإمامة، ولكن المراد بعبارتي التمثيل لا الحصر. أي لم اقتصرتم على بعض أفعاله دون الكلّ إذا كان الكلّ واجباً عليه. والمعنى الذي درت عليه وربما ذكرته في موضع آخر هو أنّ حاصل مذهبهم أنّ كلّ فعل يفعله الله تعالى فهو واجب عليه لأنّه لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته، فحصرهم الواجبات عليه في أشياء بعينها لا معنى له، إلا أن يكون ما ذكروه من لطف وتكليف إلخ هي أقسام حاصرة لأفعال الله تعالى لا يخرج عنها فعله. وأرى حاصل هذا المذهب هو القول بالعلة والمعلول.
وأشكرك مرّة أخرى على تدقيقك على العبارة، وهو مما أحبه فيمن يقرأ ويكتب.

وسيكون لي إن شاء الله تعالى قريباً تعليقات على آخر ما كتبته في موضوع بحثك، حين أجد وقتاً لذلك.

وفقك الله تعالى

عيسى ربيع جوابرة
29-06-2004, 16:10
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد قلت في النقطة الثالثة في الحلقة السابقة إن الإمامية في تعريفهم للإرادة بأنها علمه تعالى بأن في الإيجاد أو الترك مصلحة هم بذلك يخالفون الكثير من آيات القرآن الكريم والتي جاءت فيها الإرادة الإلهية مخصصة ما ليس فيه مصلحة باعثة على الفعل وهذا كفيل بهدم قولهم إن الإمامة واجبة على الله تعالى فعلها لأنها مصلحة، وقد كنت قد اخترت على سبيل السرعة بعض تلك الآيات إلا أنني اندهشت بعد قراءتي للقرآن كم هي كثرة الآيات التي فيها تخصيص الله تعالى لما هو قبيح عقلا عند الإمامية، والسؤال الذي أطرحه عليهم هل من المعقول أنكم لم تقرؤوا القرآن فإن لم تقرؤوه فإليكم هذه الآيات لعلكم تهتدون :
1. قوله تعالى :" ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا" النساء 143.
2. قوله تعالى :" من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم" الأنعام 39.
3. قوله تعالى :" ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا…" الأنعام 125.
4. قوله تعالى :" من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون" الأعراف 178.
5. قوله تعالى :" من يضلل الله فلا هادي له…" الأعراف 186.
6. قوله تعالى :" وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يتبين لهم ما يتقون" التوبة 115.
7. قوله تعالى :" فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء" إبراهيم 4.
8. قوله تعالى :" ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء" إبراهيم 27.
9. قوله تعالى :" إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل" النحل 37.
10. قوله تعالى :" ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء" النحل93.
11. قوله تعالى :" ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له أولياء من دونه" الإسراء 97.
12. قوله تعالى :" فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء " فاطر 8.
13. قوله تعالى :" ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد " البقرة 253.
14. قوله تعالى :" ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم " البقرة 20.
15. قوله تعالى :" ولو شاء الله لأعنتكم " البقرة 220.
16. قوله تعالى :" يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة " آل عمران 176.
17. قوله تعالى :" ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم " النساء 90.
18. قوله تعالى :" فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم " المائدة 49.
19. قوله تعالى :" ولو شاء الله لجمعهم على الهدى " الأنعام 35.
20. قوله تعالى :" ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم " المائدة 48.
21. قوله تعالى :" ولو شاء الله ما أشركوا " الأنعام 107.
22. قوله تعالى :" وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه " الأنعام 112.
23. قوله تعالى :" وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاءهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه " الأنعام 137.
24. قوله تعالى :" سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون 148 قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين " 149 الأنعام.
25. قوله تعالى :" قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله " الأعراف 188.
26. قوله تعالى :" فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون " التوبة 55.
27. قوله تعالى :" ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون " التوبة 85.
28. قوله تعالى :" قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به " يونس 16.
29. قوله تعالى :" قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله " يونس 49.
30. قوله تعالى :" ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا " يونس 99.
31. قوله تعالى :" ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم " هود34.
32. قوله تعالى :" ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين 118 إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" هود 119.
33. قوله تعالى :" وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له" الرعد 11.
34. قوله تعالى :" قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة"الأحزاب17
35. قوله تعالى :" قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا " الفتح11.
36. قوله تعالى :" ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته" الشورى 8.
37. قوله تعالى :" كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء " المدثر 31.
فإن تبين لنا أن الله تعالى يريد الهداية ويريد الضلالة وهما أمران لا يعرف حسنهما من قبحهما إلا بالعقل كما تدعي الإمامية ويستحيل أن يريد الله القبيح كما قالوا علمنا مبلغ ضعف قولهم هذا ، وإلا فما هي المصالح التي تعلقت بها إرادة الله ومشيئته في إضلال بعض خلقه كما أخبر في تلك الآيات حتى يستقيم قول الإمامية؟!!! ومنه لا بد وأن ندرك صحة قولنا إن أي فعل من غير قيد هو صادر من مشيئة الله من غير قيد وهو ما قاله تعالى في أكثر من موضع في القرآن منه:
1. قوله تعالى :" إن الله يفعل ما يريد" الحج 14.
2. قوله تعالى :" إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " يس 82.
3. قوله تعالى :" فعال لما يريد " البروج 16.
فإن قلت: إن الله تعالى ذكر في بعض الآيات أنه لا يريد الشر لعباده فحينئذ يصح ما ذهب إليه الإمامية من أن إرادة الله تابعة لما علم فيه مصلحة، ومن جملة تلك الآيات :
1. قوله تعالى: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " البقرة 185.
2. قوله تعالى: " وما الله يريد ظلما للعالمين " آل عمران 108.
3. قوله تعالى : " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " المائدة 6.
4. قوله تعالى : " وما الله يريد ظلما للعباد " غافر 31.
والجواب : لما علمنا استحالة التناقض في القرآن الكريم كان لا بد من حمل المتشابه على المحكم، وهذه الآيات من جملة المتشابه، فالإرادة هنا معناها غير التخصيص وإنما معناها هو المحبة والرضى فإن الله تعالى إما أن يحب الفعل الصادر من العبد ويرضاه وإما أن لا يحبه ولا يرضاه وهكذا نفهم قوله تعالى " وما الله يريد ظلما للعباد "، قال الرازي والكفر والمعاصي وإن كانا بإرادة الله تعالى لكنها ليستا بمحبة الله تعالى ولا برضاه " الأربعين في أصول الدين ج1 ص345 طبعة الكليات الأزهرية، فإذا انتهينا من حل هذا الإشكال فلنرجع إلى موضوعنا الرئيسي فنقول:
رابعا: لا نسلم للإمامية أن معنى الواجب هو ما ينفر العقل من ترك فعل الحسن، لأن الواجب هو أمر واحد في حقه تعالى وهو ما لا يتصور في العقل عدمه، والفعل من حيث ذاته يتصور فيه الوجود ويتصور فيه العدم فعدم وهو تركه إخلال بالواجب عندهم وهو قبيح لا يصدر من الله تعالى فيلزمهم على قولهم هذا أن لا يتأخر صدور فعل الواجب منه سبحانه فيلزم قدمه حينئذ ومعلوم استحالة قديم مع الله تعالى ، ولا يمكن أن يستقيم القول باستحالة قدم شيء غيره تعالى إلا إذا قلنا إن إرادته تعالى مطلقة من أي قيد وأنها لا تتوقف على شرط .
فإن قال الإمامية : الواجب العقلي الذي يفعله الله تعالى يجب أن تتعلق بإيجاده إرادته سبحانه وما تعلقت به إرادته حادث باتفاق فلا يلزم حينئذ القول بقدم الفعل وإن كان واجبا فعله على الله تعالى.
الجواب : هذه مغالطة لأن الإرادة إن تعلقت بفعل الواجب العقلي الذي في تركه الذم معناه أن الإرادة لا يجوز أن تتأخر في إيجاده وإلا إن لم توجده لكان الفعل غير حاصل (متروك) فينفر العقل من تركه كما يقولون فيلزم وجوده في كل الأوقات على حد سواء فعلمنا حينئذ أن قولهم يفضي إلى القول إن الله فاعل بالإيجاب لا بالإرادة.
ولا يقاس هنا القول بأن الله تعالى أوجب دخول المؤمنين الجنة ودخول الكافرين النار لأن الإيجاب هنا شرعي لا عقلي بمعنى أنه يجوز على الله تعالى عقلا أن يدخل المؤمن النار والكافر الجنة فهو القائل " فعال لما يريد " ولا يجب هنا أي شيء عقلا إلا أن الشارع لما أخبر إن المؤمن في الجنة وأن الكافر في النار فحينئذ يتحقق إخباره لصدقه ولاستحالة الكذب عليه سبحانه فتنبه.
خامسا : قول الإمامية إن الإرادة تابعة في تخصيصها العلم بأن في إيجاد الشيء أو تركه مصلحة معناه أن فعل الله تعالى متوقف في وجوده أو عدمه على وجود المصلحة والمصلحة هي الغرض الباعث حينئذ للفعل فلا يفعل الله تعالى إلا لغرض وهو ما صرح به الإمامية بقولهم :" إنه يجب تعليل أفعاله تعالى بالأغراض والعلل الغائية " ففعله " يقع لغرض وباعث على ذلك الفعل " انظر مفتاح الباب ص160.
وهذا باطل عندنا نحن الشاعرة لأنه لو كان فعل الله تعالى معللا بالغرض والمصلحة لكان تعالى ناقصا بذاته مستكملا بغيره وهو محال في حقه تعالى، وقولهم إن لو لم يكن فعل الله لا لغرض لكان قبيحا عقلا مردود عليه كما سيأتي في بطلان الحسن والقبح العقليين.
سادسا :إن القول بأن الإرادة تابعة في تخصيصها في إيجادها الفعل أو تركه للمصلحلة يفضي إلى التسلسل وهو محال ، وبيانه كالتالي: هل هذه المصلحة قديمة أم حادثة ؟ فلا بد وأن يقول الإمامية بأنها حادثة لأنها غير الله تعالى عندهم وكل ما سوى الله تعالى حادث باتفاق، فإن كانت تلك المصلحة حادثة فإما أن تحدث قبل الفعل أو بعده أو معه :
1. محال أنها حدثت بعد الفعل ضرورة كما هو معلوم للمتأمل .
2. ومحال أن المصلحة كانت حاصلة قبل إيجاد الفعل لأن حصولها قبل إيجاد الفعل لا بد ضرورة أن تكون هنالك مصلحة ما حاصلة قبلها بناء عليها وجدت المصلحة التي توقف عليها إيجاد الواجب وحينئذ لا بد لكل مصلحة من مصلحة سابقة عليها يتوقف عليها إيجاد الفعل لا إلى أول وهو محال.
3. ومحال أن تكون أيضا تلك المصلحة حاصلة مع حصول الفعل لأن تلك المصلحة إما أن تفتقر إلى المحدث أو لا تفتقر إليه فإن لم تفتقر إلى المحدث حدثت حينئذ لا عن موجد ومحدث لها وهو محال.
وإن افتقرت المصلحة إلى المحدث فيجب حينئذ أن يتوقف وجود المصلحة على حدوث مصلحة ثانية والثانية متوقفة على حصول ثالثة وهكذا إلى ما لا نهاية له من المصالح وهذا وهو محال ، وما أفضى إليه محال.
يتبع إن شاء الله تعالى