المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العراق..سياقات الوحدة والانقسام



محمد عوض عبد الله
09-08-2007, 11:41
العراق..سياقات الوحدة والانقسام

________________________________________
العراق..سياقات الوحدة والانقسام
المؤلف: د / بشير نافع
الناشر: دار الشروق
سنة النشر: 2006
2006عرض وتقديم: د/محمد مورو

ولدت فكرة هذا الكتاب ـكما يقول المؤلف د. بشير موسى نافع ـ وهو فلسطيني في العقد السادس من العمر، حاصل على دكتوراه فى التاريخ، وأحد أهم المفكرين الفلسطينيين المعاصرين وله اسهام فى الحركة الفكرية والسياسية الفلسطينية والعربية والاسلامية ـ فى الشهور القليلة التي سبقت غزو العراق في مارس 2003، وقد لاحظ المؤلف كيف بدأ الخطاب السياسي والأيديولوجي للقوى المتدافعة في التحول إلى تاريخ رسمي جديد للعراق والعراقيين، وكيف غاب الكثير من حقائق تاريخ العراق وشعبه حتي عن بعض المختصين الذين تصدوا لتوجيه السياسة وإيضاح تطورات الإحداث لعموم المتابعين لها، كانت فكرة المؤلف ضرورة العمل علي نص علمي يتناول القضايا المطروحة حول تاريخ العراق وشعبه، نص يستطلع الحاضر من خلال التاريخ، ويستطلع التاريخ بهدف استبصار بعض جوانب الحاضر.

وقد أنجز المؤلف هذا الكتاب خلال العامين التاليين لاحتلال العراق، وهو يعترف أن الباحثين يبددون عملهم عادة بفكرة مسبقة، ولكن النتائج التي توصل إليها في هذا الكتاب لم تكن أبداً في الحسبان على حد قوله، بعض الأفكار المسبقة تعرضت للتعديل، والقليل منها استبقى بالفعل، وأن جل الأفكار التي يضمها هذا الكتاب هي نتاج التقصي والبحث، ويعترف المؤلف أيضاً أن هذا العمل كتب في ظروف خاصة وتحت تأثير أحداث معينة، أحداث كبرى تتعلق بالبلد والشعب محل البحث والكتابة، ولأن التاريخ عملية مفتوحة الأفاق فإن الكتابة التاريخية تبقى دائماً اسيرة الواقع، كما هي نتائج المادة المتوافرة حول الموضوع وتحيزات الباحث الواعية وغير الواعية.

ومن البديهى ان الباحث هنا جزء من هذه الأمة، ومهتم بأحوالها، وله اهتمامه الشخصى بالعراق وفلسطين وكذا علاقاته المتنوعة داخل معظم الطيف العراقي، وهكذا فهو حاول قدر الامكان طرح اسئلة اكثر من تقديم اجابات خاصة أن هذا الكتاب جاء في فترة مشحونة بالعواصف والصراعات السياسية، بالبرامج والأهداف والعلاقات والولاءات المعروفة وغير المعروفة، الظاهرة والمستبطنة.

ويقول المؤلف: إن الكتاب إذا كان يثير جدلاً فهو يستهدف التصدي للمطلقات الطائفية والعرقية، وبالتالي لتوظيف هذه المطلقات في النظر لعراق ما بعد الغزو والاحتلال، وكذلك التصدي للآثار التي تتركها الأوضاع العراقية على الساحة العربية والإسلامية في عمومها، ولا يأتي هذا التصدي من باب الخطاب السياسي أو الوعظي بل من باب إعادة النظر في العلاقة بين الواقع بتنوعه وتوتره والتاريخ بتعقيداته وقواه وبوتقته الهائلة.

يتكون الكتاب من تمهيد ومقدمة وبابين اثنين كبيرين هما السنة والشيعة في تاريخ العراق، وعروبة العراق ثم خاتمة، والكتاب يضم عدداً كبيراً من المراجع والهوامش الأجنبية والعربية، وبه توثيق جيد وعلمي أضاف للكتاب الكثير من القوة والقيمة العلمية والتاريخية، ولكن الكتاب يفتقر إلى العناوين الرئيسية والجانبية ـ وهذا عيب بالطبع يتعب الباحثين والقراء ـ وأن كان المؤلف قد استعاض عن ذلك بالترقيم، واقتصر الكتاب من ثم على بابين رئيسيين فقط رغم أنه كان من الممكن وضع عناوين أخرى داخل هذين البابين، ومن الطبيعى والحالة هذه أن يكون الكتاب بلا فهرس على الإطلاق، وهو عيب آخر لاشك فيه، سواء كان ذلك نتيجة قلة العناوين أو كان سهوا من المؤلف أو الناشر.

يتعرض الكتاب إلى قراءة التكوين العربى ـ الاسلامى لشعب العراق، وعلاقته بمسألة الهوية، وموضوع البحث هو العراق كوطن، والعراق العربي على وجه الخصوص بعناصره البشرية وعشائره وتوزيع هذه العشائر داخل الجغرافيا العراقية وتفرعاتها والاثر الذى تركته موجات الهجرة العشائرية فى تأسيس العراق وعروبته والحفاظ عليه، كما يتناول الكتاب جذور التنوع الإسلامى الطائفي في العراق، وعلاقته التاريخية بين السنة والشيعة، وعلى رؤية المسلمين السنة والشيعة لبعضهم بعضا، والكتاب بالطبع ليس دراسة لتاريخ العراق بالمعنى التقليدي للتاريخ العام لبلد ما، بل هو دراسة للسياق التاريخي الذي يكون فيه العراق كما نعرفه اليوم، أو كما نظن اننا نعرفه، والكيفية التى تشكلت فيها مواريث الهويات محل الجدل في عراق مطلع القرن الحادي والعشرين.

السنة والشيعة في تاريخ العراق

يتناول الباب الأول من الكتاب تاريخ السنة والشيعة في العراق ، وهو باب طويل غير مقسم إلى عناوين جانبية، وبه عدد لابأس به من النتائج المهمة التي ينبغى رصدها، وقد تتبع المؤلف من خلال جهد علمى كبير تاريخ نشأة كل من المذهبين السني والشيعي عموماً، وتطوراتهما في العراق، وخاصة المذهب الشيعي، ويرى المؤلف أن العراق كان هو الساحة التى تبلورت فيها رؤية أهل السنة والجماعة، كما كان أيضاً البوتقة التي تفاعلت فيها الأحداث والأفكار التي أدت إلى نشوء التشيع الأثنى عشري.

ويرى المؤلف أن المذهب السنى لم ينشأ فى مواجهة التشيع، وان المذهب الاثنى عشرى نشأ فى القرن الرابع الهجري، وان السنة نظروا لانفسهم كحاضنة عريضة للاسلام لا كطائفة، ولم يظهر السنة شعورا طائفيا دفاعيا الا عندما داهمهم الخطر والاعتداء، ويرى المؤلف ان فرقة او تيارا فكريا باسم الشيعة الاثنى عشرية لم يكن موجودا فى القرون الثلاثة الاولى، لقد وجد التشيع كتوجه سياسى او تعاطف منذ الفتنة الكبرى بالطبع، ولكن هذا التوجه والتعاطف كان مجردا من المحتوى الايديولوجى واضح المعالم، المحتوى الكافى للدلالة على فرقة اسلامية بعينها.
ويرى المؤلف كذلك ان العلاقات السنية الشيعية الاثنى عشرية لم تشهد صراعا كذلك الذى شهدته علاقة السنة بالخوارج مثلاً، او الكاثوليك والبروتستانت فى اوروبا الحديثة، وساعد على توكيد العلاقة العادية بين السنة والشيعة الاثنى عشرية ان كلا من الفقه السنى والشيعى انتهى عمليا الى رفض الخروج بالسيف على الحاكم المسلم، وان الفاصل الطائفى اخذ فى التجلى والتكرس بين الجبهتين ثم تحول الى حالة من حرب الدول مع صعود الدولة الصفوية، ومن ثم الصراع العثمانى ـ الصفوي، ودرس المؤلف اثر ما اسماه بالتشيع الصفوى على بنية التشيع والعلاقات السنية ـ الشيعية.

ويرصد المؤلف كيف انه فى حالات المد الصفوي، كان يتم الاعتداء على المساجد السنية وقتل العلماء والولوغ فى دماء السكان السنة بلا حساب، وقد رصد المؤلف حالات كثيرة محددة ووثقها تاريخيا، وفى المقابل يرى المؤلف ان السلوك العثمانى كان على العكس سلوكا متسامحا بل احيانا يعتبر نفسه مسؤولا عن المذهب الشيعى على نفس القدر من المذهب السني.


عروبة العراق

في الباب الثانى والأخير من الكتاب والذى جاء بعنوان "عروبة العراق" يتتبع المؤلف عروبة العراق، سواء قبل الإسلام أو بعده، وكذلك الهجرات العربية التي ظل العراق يستقبلها باستمرار، ويقول المؤلف: "إن الذى ساعد على تعرب العراق السريع أن أبوابه ظلت مشرعة لهجرات متجددة من الجزيرة العربية، وأن إنفتاح العراق الجغرافي علي الجزيرة العربية وتنوع القبائل التي شاركت في موجة الفتح الأولى، إضافة إلي حركة التوسع الإسلامي بإتجاه شمال وشمال شرق العراق، كانت كلها عوامل مهمة فى استمرار التدفق العربي علي بلاد الرافدين، وان تعرب العراق كان فى جوهره حركة تاريخية متعددة الجوانب، تداخلت فيها تقاليد الموالاة القبلية بالهجرات من الجزيرة العربية، بسلسلة من الأحداث السياسية الفاصلة، وأن عروبة العراق التي بدأت بالوجود العربي قبل الإسلام في حوض الفرات وتأكدت بمرور القرون التالية لايجب أن ينظر إليها من المنظور العرقي الحصري لثقافة القرن العشرين الحصرية، كانت عروبة العراق جزءاً لايتجزأ من المرجعية الإسلامية السائدة، التي كانت عربية الثقافة والمناخ بالرغم من أن العراق أصبح حاضنة لأعراق متعددة، مسلمة وغير مسلمة، ومن حكام وعلماء وجند ورجال دولة، بل وعشائر راحلة ومستوطنة وأن الفضاء العراقى كان ساحة رئيسية لتعريب الأكراد والتركمان والفرس والشركس".

ويطرح المؤلف رأياً مهما فى إطار الحركة القومية العربية والكردية والفارسية وغيرها، فهو يرى أنها لم تأخذ فى التعبير عن نفسها بتعبيرات عرقية حصرية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، بل إن الإحساس القومي على القرار الأوروبى لم يظهر فى المنطقة إلا في نهاية القرن التاسع عشر، ولم يكن مستغرباً في مطلع تحول العروبة إلى حركة قومية سياسية إبان الحرب العالمية الأولى، أو في ظل الدولة العراقية الحديثة في عهدها الملكي أن تنشط فى الأوساط القومية العربية عناصر كردية أو تركمانية تعربت منذ جيل واحد أو جيلين على الأكثر.

ويرى المؤلف أن من الأشياء التي ساهمت في تفاقم المسألة الكردية هو تورط القوميين العرب في نوع من العلمانية، وكذلك تورط القوى القومية الكردية في الصراعات الإقليمية والدولية، وينتقد المؤلف السياسات والتوجهات القسرية والهيمنة القائمة على تجاهل المواريث التاريخية وهي لن تؤدى إلا إلى تقويض استقرار العراق وتقويض استقرار جواره على حد سواء، وفي نفس الوقت يلفت المؤلف نظر القارئ إلى أن تصوير نظام البعث على أنه نظام حكم عربي سني انتهج سياسة اضطهاد منظمة للشيعة والأكراد باعتبارهم شيعة وأكرادا هو تصوير غير صحيح، لأن عنف نظام البعث في مواجهة خصومه في المناطق الكردية والشيعية ليس بحد ذاته دليلاً على طائفيته، لاسيما أن نظام البعث لم يتورع عن استخدام عنف مشابه ضد منطقة عربية سنية كالرمادى عندما استشعر بوادر تمردها في منتصف التسعينيات.

ويخلص المؤلف إلى حقيقة مهمة مفادها "إن موقع العراق الجيوبوليتيكي حتي بعد ولادة الدولة الحديثة ورسم حدودها الدولية، ربط بين مصيره ومصير جواره العربى والإسلامي، وإن استقرار العراق ورخائه مؤشر على استقرار المنطقة ورخائها، كما أن انقسام العراق وانحطاطه مؤشر على انقسام المنطقة وانحطاطها".

________________________________________