المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العولمة



صهيب منير يوسف
05-08-2007, 13:25
بسم الله الرحمن الرحيم

العولمة

العولمة مصطلح حادث جديد ظهر في منتصف الثمانينيات في الولايات المتحدة الأمريكية و أحدث ضجة عالمية كبيرة و لاكته الألسن حتى أصبح المرء ينفر منه إذ كل ما شاع و عم من المصطلحات و الشعارات و تحدث فيه كل الناس يصبح في الغالب مملا و مفرغا من محتواه و معناه كالديمقراطية و العولمة و العلمانية و الإرهاب و الأصولية و الليبرالية و الديكتاتورية و حقوق الإنسان و الحداثة و ما قبل الحداثة و ما بعد الحداثة و حوار الحضارات و صراع الحضارات و نهاية التاريخ و نهاية الإنسان و الإسلام هو الحل .... إلخ من المصطلحات و الشعارات التي تملأ فضاء فكرنا المعاصر و لا يعني هذا إهمال هذه المباحث و المسائل بل إعادة ترشيدها و إبداع مصطلحات جديدة تتجاوز ما في تلك المصطلحات من غموض

ما هي العولمة ؟

عادة ما يختلف الناس في تحديد المعاني و المصاديق للمصطلحات و العولمة إحدى هذه المصطلحات التي اختلف الناس حولها مثلها مثل غيرها بدءا من معناها و مصداقها و انتهاءا بسلبياتها و إيجابيتها و أثرها على الدولة و الاقتصاد و الإعلام و السياسة و الثقافة و الحضارة و المجتمع و اللغة و المرأة و الطفل ... إلخ و يقع الخلط بينها و بين غيرها من المصطلحات كما جرت العادة فلأهل السياسة تعريفهم و لأهل الاقتصاد تعريفهم و لأهل الفلسفة تعريفهم ... إلخ و لكل وجهة هو موليها


الصيغة الصرفية للعولمة

العولمة ترجمة لكلمة فرنسية تعني الشيء على مستوى عالمي أي نقله من المحدد المراقب إلى غير المحدد الذي ينأى عن كل رقابة وهي أيضا ترجمة لكلمة (Globalization) الإنجليزية التي ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، وتعني تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل.

ويرى د. محمد عابد الجابري أن المصطلح العربي " عولمة " مرحلة ثانية في سلسلة الترجمة للكلمة الأصلية، إذ يرى أنه ترجمة للمصطلح الفرنسي الذي هو بدوره ترجمة للمصطلح الإنجليزي الإمريكي.

وقد شاع في الأوساط والأدبيات مصطلح العولمة ليكون هو الصيغة المحددة لهذه الظاهرة أو لهذا النظام العالمي وهناك صيغ أخرى عبر بها عن دلالة لفظ عولمة، وهي صيغة "كوكبة" و " الكونية " أو "الكوننة " و البعض يسميها " قولبة " و البعض يسميها " شوملة " و مصطلح العولمة أشهرها و أكثرها شيوعا و تداولا و انتشارا

تعريف العولمة

اعتمد البعض في تعريف العولمة على فلسفة ابن خلدون و نظرته للعلاقة بين المستعمر و المستعمر أو بمصطلحه ما بين الغالب و المغلوب فالمغلوب كما قال – رحمه الله – مولع بتقليد الغالب فرأى أن العولمة عند الغالب تعني اصطباغ أهل الأرض بصبغة شاملة لجميع أقوامها وكل من يعيش فيها وتوحيد أنشطتها الإقتصادية والإجتماعية والفكرية من غير اعتبار لاختلاف الأديان والثقافات والجنسيات والأعراف و عند المغلوب تعميم نموذج الحضارة الغربية ¬خاصة الأمريكية- وأنماطها الفكرية والسياسية والإقتصادية والثقافية على العالم كله

و يمكن القول بأن تعريف العولمة عند المغلوب هو عين هدف الغالب منها فالغالب يريد تعميم نمط حضاري يخصه على العالم جميعه فهي في الحقيقة صياغة إيديولوجية للحضارة الغربية من فكر وثقافة واقتصاد وسياسة للسيطرة على العالم أجمع باستخدام الوسائل الإعلامية ، والشركات الرأسمالية الكبرى لتطبيق هذه الحضارة وتعميمها على العالم.

و عرفها البعض بأنها تعميم الشيء أو المفهوم أو القيمة أو السلعة أو الموقف وتوسيع دائرته ودائرة تأثيره لتشمل كل الكرة الأرضية و عرفها البعض: أن تتحد كل شعوب العالم في جميع أمورها على نحو واحد وهيئة واحدة في الجملة فيكونوا كبيت واحد وأسرة واحدة فلا يكون هناك شعب فقير وشعب غني ولا شعب اُمي وشعب مثقّف ولا شعب تختلف اقتصادياته أو سياسياته أو ثقافياته أو اجتماعياته أو سائر شؤونه ـ كشؤون التربية والسلوك وما أشبه ذلك ـ عن شعب آخر أي: كما كان عليه الحال قبل الآلة الحديثة حيث الأسفار البعيدة والاتصالات المنقطعة أو شبه المنقطعة وإنما يكون الانتماء للعالم كلّه كالانتماء إلى دولة واحدة كلها


و عرفها البعض : التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسية والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة ودون حاجة إلى إجراءات حكومية أي بمعنى آخر حرية أصحاب رؤوس الأموال لجمع المزيد من المال في سياسة اقتصادية قديمة كانت تعتمد على الإنتاج الذي يؤدي إلى تحقيق الربح وانقلابه اليوم إلى الاعتماد على تشغيل المال فقط دون خسائر من أي نوع للوصول إلى احتكار الربح أي بعبارة أخرى عودة الهيمنة الغربية من جديد لكن محمّلة على أجنحة المعلوماتية والعالم المفتوح ومدجّجة بالعلم والثقافة حتى وإن كانت غير إنسانية وبذلك تقلب القاعدة القديمة القائلة: إنّ القوي يأكل الضعيف إلى قاعدة جديدة عصرية عولمية تقول: السريع يأكل البطيء علماً بأن القاعدة الجديدة لا تختلف عن القاعدة القديمة من حيث النتيجة بل تكون هذه الجديدة أشدّ بأساً وأعظم ظلماً من تلك القديمة لأن أصحاب السرعة يعملون على تثبيط حركة الآخرين بكل وسعهم وجميع إمكانياتهم.
و عرفها الصندوق الدولي بأنها :التعاون الاقتصادي المتنامي لمجموع دول العالم والذي يحتّمه ازدياد حجم التعامل بالسلع والخدمات وتنوعها عبر الحدود إضافة إلى رؤوس الأموال الدولية والانتشار المتسارع للتقنية في أرجاء العالم كله .
وعرفها "روبنز ريكابيرو" الأمين العام لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والنمو بأنها :العملية التي تملي على المنتجين والمستثمرين التصرف وكأن الاقتصاد العالمي يتكون من سوق واحدة ومنطقة إنتاج واحدة مقسمة إلى مناطق اقتصادية وليس إلى اقتصاديات وطنية مرتبطة بعلاقات تجارية واستثمارية.

هذه بعض التعريفات للعولمة و الملاحظ أنها تركز أكثر ما تركز على العامل الاقتصادي

العولمة لا تساوي العالمية

العالمية : انفتاح على العالم ، واحتكاك بالثقافات العالمية مع الاحتفاظ بخصوصية الأمة وفكرها وثقافتها وقيمها ومبادئها . فالعالمية إثراء للفكر وتبادل للمعرفة مع الاعتراف المتبادل بالآخر دون فقدان الهوية الذاتية

بينما العولمة إغلاق للعالم على نموذج واحد و إملاء و قسر و قهر له على فكر و تقاقة و قيمة و مبدا معين فليس فيها تثاقف بل تثقيف و ليس فيها إعتراف بل إنكار و إجحاف و ليس فيها هويات بل هوية واحدة فالقصد منها تعميم فكره وثقافته ومنتوجاته على العالم، فهي ليست نتيجة تفاعلات حضارات غربية وشرقية، قد انصهرت في بوتقة واحدة بل هي سيطرة قطب واحد على العالم ينشر فكره وثقافته مستخدمة قوة الرأسمالي الغربي لخدمة مصالحه فروح الاستيلاء على العالم هي أساسه ولبه ولكن بطريقة نموذجيه يرضى بها المستعمر ويهلل لها

سلبيات العولمة

قد مر بعض أوجه سلبيات العولمة على الصعيد الثقافي و الفكري و الحضاري و أما على الصعيد المادي فقد لخص البعض أهم مساوئها بأنها تؤدي في النهاية إلى جعل الغني أغنى و الفقير أفقر فهي تزيد في التباين الاجتماعي و الاقتصادي بازدياد معدلات البطالة انخفاض الأجور تدهور مستوى المعيشة و شيوع الأنماط الاستهلاكية التي تروّج لها العولمة و المشكل أن النمط الاستهلاكي للعولمة قد جعل جميع سكان الكرة الأرضية يتماثلون في الحاجات و الرغبات الاستهلاكية و لكنهم ليسوا جميعاً قادرين على تلبية هذه الحاجات و بالتالي لا يتغير شيء في نمط توزيع الثروات ولكن يزداد الإحساس بالإحباط والاغتراب عن الواقع و خاصة في العالم الثالث كما أنها تخرب البيئة و الأنظمة الطبيعية باستنزاف موارد هذا الكوكب من المواد الخام و غيرها و تطرح فيه مخلفاته التي تؤدي إلى دماره

هل العولمة ظاهرة جديدة ؟

قال الدكتور طه عبدالرحمن في كتاب حوارات من أجل المستقبل العولمة ليست ظاهرة حضارية جديدة أفرزتها المقتضيات الحداثة الغربية بل هي ظاهرة حضارية ملازمة للتاريخ الإنساني في كليته تتداولها الأمم التي وجهت هذا التاريخ زيادة أو نقصانا ففي كل عصر امتد فيه السلطان الحضاري لأمة من الأمم العظيمة فثمة نوع من العولمة ابتداءمن أولى الحضارات الشرقية و انتهاء بالحضارة الغربية لهذا يظهر لي أن العولمة ليست نتيجة من نتائج تطور التاريخ الإنساني أي أثر من فعل التاريخ و إنما هي على العكس من ذلك فعل يحرك التاريخ و يصنعه صنعا بحيث يصح عندي أن نقول التاريخ يتعولم فالتعولم هو الفعل الذي يوجد به التاريخ الحضاري و ليس كما يظن أن التاريخ الحضاري هو الفعل الذي توجد به العولمة و إن كان الأمر كذلك فقد بان أن التعولم إنما هو ظاهرة طبيعية قديمة قدم التاريخ الحضاري إلا أن ذلك لا يعني أنها شكل واحد في كل زمان بل إنها اتخذت عبر التاريخ الإنساني الطويل أشكالا متعددة فقد يطغى فيها العامل العقدي أو العامل الثقاقي أو العامل التجاري أو العامل السياسي أو العامل الاقتصادي أو العامل الاعلامي فيستتبع العوامل الباقية أو تزدوج فيها هذه العوامل بعضها ببعض تترتب على ذلك نتيجتان أساسيتان إحداهما أن العولمة المعاصرة ينبغي أن لا تخيفنا أو ترعبنا أكثر مما أخافت أو أرعبت العولمات السابقة من عاصروها من الأقوام البائدة و الثانية أن العولمات ضهبت أسبابها فذهبت و لكن بقي الانسان و بقيت معه أسبابه و هذا يعني أنه لاتعولم استطاع في الماضي أن يمحو الانسان فكذلك التعولم المعاصر لن يستطيع أبدا ان يمحو الانسان لأن التعولم في كل زمان يجد الإنسان الذي يناسبه جلبا لفوائده و دفعا لمساوئه
يبدو أن ما يميز التعولم التاريخي الذي نعاصره ازدواج العامل الاقتصادي فيه بالعامل الإعلامي مستتبعا العاملين السياسي و الثقافي و يناء على النتيجتين السابقتين ينبغي أن ننظر إلى هذا التعولم كغيره من التعولمات السابقة فلا نهوله بالقدر الذي يجعلنا نتخيل فيه نهاية للإنسان بل نهاية للتاريخ و إن كان بعضهم يتخيل ذلك حتى الهوس به فلأنه وجد من الفلاسقة من غرز في ذهنه هذه المفاهيم ذات الأصل المسيحي ابتداء من هيجل بل إن هذا التعولم المهول سيذهب كما ذهب سابقوه و يبقى الإنسان بقاءه السابق و ذلك لسببين رئيسيين : أولهما أن حقيقة الإنسان لسيت هي كما يريد التعولم المعاصر أن تكون إذ يريد أن يكون الإنسان عبارة عن منظومة من الوقائع و الوسائل و معلوم أن كل منظومة من هذا النوع تكون مردودة إلى جملة من الحركات الطبيعية المحكومة في كليتها بنسق من القوانين الثابتة أي تكون منظومة آلية فإذن يكون الإنسان في نهاية المطاف عبارة عن آلة و كفى و ليس الأمر كذلك بل إن الإنسان كان و ما زال مجموعة من القيم و المقاصد و كل مجموعة من هذا النوع لا تكون حركات طبيعية و لا محكومة في كليتها بنسق من القوانين أي تكون مجموعة معنوية فإذن يكون الإنسان في الحقيقة عبارة عن آية أو إن شئت قلت الإنسان آية قبل أن يكون آلة
السبب الثاني : أن التعولم المعاصر الذي يحصل للتاريخ الإنساني ليس هو كما يريد لنفسه أن يكون أي يريد أن يكون مسارا للأحداث يقبل أن يصير موضع توجيه مضبوط و مراقبة تامة بمعنى آخر أن التاريخ مصنوع مأمون و ليس الأمر كذلك فالتاريخ مصنوع غير مأمون

خلاصة

يقول المرزوقي كتابه آفاق النهضة العربية ومستقبل الانسان في مهّب العولمة وإذن فلا بد من التمييز بين العولمة الفاعلة والعولمة المنفعلة. ذلك أن العولمة تكون بهذا المعنى أمراً لم يخل منه التاريخ الإنساني قط: فكل لحظات التاريخ الإنساني كانت كونية أي أنها تشمل عولمة عصرها الفاعلة إيجاباً وفعلاً، وتعود إلى من بيدهم الأدوات التي تمكنهم من فرض خاصهم على الآخرين ليكون عاماً وهي تشمل عولمة عصرها المنفعلة سلباً وانفعالاً، وتعود إلى كل من يستسلم لهذا الفرض تسليم اندماج أو تسليم هروب إلى الخصوصية، إذ الصراع الوحيد الممكن في التاريخ الكوني كان ولا يزال الصراع بين ضروب العولمة أو إن شئتم بين الصور النموذجية للإنسان في الحضارات المختلفة: أي النماذج التي تسعى الحضارات إلى تحقيقها في التاريخ وتلك هي طبيعة الحضارة. والمعركة اليوم هي بين النموذج الاستخلافي الذي نمثل بذرته التي لم تكتمل بعد والتقاء النموذجين الأدنى منه والأسمى المزعومين، أعني التقاء الشرق الأقصى والغربي الأقصى لكن نُخبنا أصبحت تدعي أن العولمة أمر من طبيعة واحدة وأن هذه العولمة هي التي تنتج عن الحتمية الاقتصادية وإنها أمر لا انفكاك عنه. ولأن هذه النخب لم تحدد طبيعة العولمة تحديداً دقيقاً، فقد ظنت أنها ليست ظاهرة ملازمة للتاريخ الإنساني بل ظاهرة جديدة لا علاقة لها بطبيعة صراع النماذج الحضارية فانقسمت بحكم هذا الموقف اللامحلل والناتج عن الانهزام الروحي إلى خيار وحيد بين: الاندماج في عولمة تدعي أنها ممثلة للمستقبل الإنساني وهي في الحقيقة عولمة تسد كل آفاق الإنسان (عولمة المافيات المحلية في خدمة المافيا العالمية: فالعالم تحكمه أوليغاركيات مافياوية تستعبد بقية البشر) والانكماش في الخصوصية حصراً للمثال في بعض اللحظات الوهمية من الماضي ظناً أنها قد أتمت تحقيق العالمية الإسلامية لكأن هذه العالمية يمكن أن تحقق في تعين واحد. وبذلك بات ممتنعاً التفكير في العولمة البديل أعني الثورة على هذه المافيات، باسم نموذج حضاري يلغي منبع الأسباب التي يؤول إليها وجود هذه المافيات.
وبيّن أن أصحاب الاندماج وأصحاب الخصوصية من طبيعة واحدة: فكلاهما يجعل الواقع الحاصل مثالاً أعلى يستنفذ الممكن فيكبل العلاقة الحية بين المثال والفعل: الأولون جعلوا الاندماج في العولمة بصورتها الحالية مثالاً أعلى والآخرون جعلوا الإدبار عنها إلى العولمة بصورتها الماضية مثالاً أعلى. وكلاهما ينسى أن العولمة فعل تاريخي متواصل لا يتوقف، وأن شكله الحالي لم يتحدد بعد وأنه سيكون حصيلة المعركة الجارية بين العالميات المختلفة أو النماذج الحضارية المختلفة التي يؤمن أصحابها بأن لهم رسالة تحدد مثال الإنسان الأعلى، وأن أكبر علامات الانهزام الروحي هي التسليم بوحدانية النموذج. لا شيء تم وانتهى كما يتصور المنهزمون روحياً.

يونس حديبي العامري
06-08-2007, 09:33
عندي بحث أنا حاليا أكتب فيه فيما يخص الثلاثي المرموز العلمانية والعلمنة والعولمة أما الأول فهم قرامطة الأمس لذا سماهم احد العاملين من العلماء الرموز والأصابع مقارنة بين قرامطة الأمس وقراصنة اليوم أما العلمنة فهو التطويع وتطبيع اما اللمنة فهو استثمار واستهتار واستثمار وعند إتمامي البحث سأنشره هنا وإن كان فقيرا إلا لعلى الإخوة يجدون بعض المعلومات فيه والله اعلم

صهيب منير يوسف
15-10-2007, 12:06
بإنتظار بحثك أخي يونس العامري

يونس حديبي العامري
15-10-2007, 19:23
إن شاء الله أخي الفاضل محمد عبدالله