المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القول المفصل في مرتبة أبي يوسف ومحمد وزفر أصحاب الإمام المبجل



عمر القيسي
28-07-2007, 09:51
خالف الصاحبان أبا حنيفة_ رحمه الله_ في نحو ثلث المذهب، إلا أنهما لم يخرجا عن قوله فكل ما قالوه هو في حقيقة الأمر رواية عن امامهم أبي حنيفة _رحمه الله_ وبهذا صرح أبو يوسف قال: ما قلت قولا خالفت فيه أبا حنيفة إلا قولا كان قد قاله، وقال: إنما كنا نخالفه لنستخرج ما عنده فاذا جاء أوان الحكم لايرتفع قولنا على قوله، وقال زفر ما خالفت أبا حنيفة في شيء الا قد قاله ثم رجع، عنه فهذا اشارة الى أنهم ما سلكوا طريق الخلاف بل قالوا ما قالوا عن رأي واجتهاد اتباعا لما قاله أستاذهم، هذا ما أورده ابن عابدين 1، وعليه نص عبد الغني النابلسي في رسالته الجواب الشريف للحضرة الشريفة 2.
ويمكن أن يقال إن رجوع المجتهد عن القول لا يعد قولا له، وعلى هذا فما قالوه ليس هو مذهبه في الأصح بل أقوالهم أصبحت مذاهب لهم، لا مذهب أستاذهم المرجوع عنه.
قال ابن عابدين(قد يجاب بان الإمام لما أمر أصحابه أن يأخذوا من أقواله بما يتجه لهم منها عليه الدليل صار ما قالوه قولا له لابتنائه على قواعده التي أسسها لهم فلم يكن مرجوعا عنه من كل وجه فيكون مذهبه أيظا ونظير هذا ما نقله العلامة البيري في أول شرحه على الأشباه والنظائر عن شرح الهداية لابن الشحنة ونصه إذا صح الحديث وكان خلاف المذهب عمل بالحديث ويكون ذلك مذهبه ولا يخرج مقلده عن كونه حنفيا بالعمل به) 3 .
وقد رد الشيخ الكوثري هذا التوجيه من عبد الغني النابلسي ولم يرتض قبوله من ابن عابدين _ مع انه عاد في نهاية المطاف فرجح رأي ابن عابدين مقراً بالعموم الوجهي_وهو أن أقوالهم أقوله من وجه_ فقال(وليس هذا بجيد وان ارتضاه ابن عابدين لان ذلك تعويل على ما يقول ابن الكمال الوزير في طبقات الفقهاء4 من أنهما لايخالفان الإمام في الأصول وهذا خلاف الواقع بل هما يخالفانه في كثير من المسائل الأصلية والفرعية عن دليل كما هو شأن الاجتهاد المطلق، وإنزالهما الى مرتبة المجتهد في المذهب ينافي الحقيقة وان حافظا على انتسابهما له _رضي الله عنه_ بل اطلاق المذهب الحنفي على مجموع آراء هؤلاء اصطلاح ولا مشاحة فيه، بالنظر الى أن مذهب أبي حنيفة فقه جماعة عن جماعة، ومصدر كل رأي من تلك الآراء مجتهد مطلق يتابع دليل نفسه 000 فمنهم من ترجح عنده غير ما استقر عليه الامر من تلك الاقوال باجتهاده الخاص فيكون هذا المترجح عنده قوله من وجه وقول أبي حنيفة من وجه آخر من حيث أنه هو الذي أثار هذا الاحتمال ودلل عليه أولاً وان عدل عنه أخيراً000فيكون هو مثير أغلب الاحتمالات فمعظم تلك المسائل الخلافية من تذكير الإمام لأصحابه فلا يكون مانع من اطلاق المذهب الحنفي على مسائل أبي يوسف ومحمد أيضا بملاحظة حال معظمها كما في الحديث( الحج عرفة) ...) 5.
وذهب الأستاذ علي الخفيف الى أن الأصحاب الثلاثة مجتهدون مستقلون قال( لقد أُطلق هذا الاسم على مجموعة الأحكام التى عرفت عن أبي حنيفة وأصحابه أبي يوسف ومحمد وزفر000 وإنما نسب المذهب الى أبي حنيفة لأنه كان عميدهم وأستاذهم وان كانوا جمعيا من أهل الاجتهاد المطلق يستوون فيه) 6.
أما الشيخ أبو زهرة فيرى الرأي ذاته من أن الثلاثة أبا يوسف ومحمد وزفر مجتهدون مستقلون كل الاستقلال وان اتباعهم للشيخ كان عن اقتناع، وهذا هو الفارق بين المقلد والمستقل على حد تعبير الشيخ.
وهذا الكلام تعقبه الشيخ الكوثري لا في معرض الرد على أبي زهرة وانما في معرض حديثه على نصوص فقهاء الشافعية، كقول ابن خزيمة وابن المنذر بأنهما ماقلدا أحدا منذ بلغا الحلم، قال الكوثري ليس هذا الإدعاء برافعهما فوق المجتهدين المنتسبين الى مستوى المستقلين في الاجتهاد في الحقيقة، وكذا ما نقل عن القفال وابن خيران والقاضي حسين من قولهم لسنا مقلدين للشافعي بل وافق رأينا رأيه، قال الشيخ_أعني الكوثري_ وليس هذا برافعهما أيضا الى طبقة الإمام الشافعي _رحمه الله_ كما هو ظاهر 7.
وهذا ما جعل المستشرق شخت(schasht) يعد ابا يوسف صاحب مذهب مستقل 8.
والذي أراه والله أعلم أن أبا يوسف ومحمد وزفر مجتهدون منتسبون الى مذهب أبي حنيفة، إلا أنهم في الحقيقة مرتبة بين الإستقلال والانتساب فليس بينهم وبين أبي حنيفة _رحمه الله_ الا أنهم حافظوا على انتسابهم اليه، وهذا ما ألمح اليه الشيخ الكوثري بعد نقله كلام النووي في تهذيب الأسماء واللغات(أرى كل اختيار للمزني تخريجا فيلحق بالمذهب فانه لايخالف اقوال الشافعي لا كأبي يوسف ومحمد فانهما يخالفان أصول مذهبهما) 9.
قال الكوثري( فيكون المزني في نظره في طبقة المجتهد في المذهب وأبو يوسف ومحمد فوق مرتبة المجتهد في المذهب لظهور مخالفتهما للامام في الآصول والفروع ان حافظا على انتسابهما له عرفانا لجميله العظيم عليهما) 10.
وهو ما صرح به من قبل الحافظ ابن القيم _رحمه الله_ قال (وقد اختلف الحنفية في أبي يوسف ومحمد وزفر بن الهذيل والشافعية في المزني وابن سريج وابن المنذر ومحمد بن نصر المروزي والمالكية في أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب والحنابلة في ابى حامد والقاضي هل كان هؤلاء مستقلين بالاجتهاد أومتقيدين بمذاهب أئمتهم على قولين ومن تأمل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلدين لائمتهم في كل ما قالوه وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر وإن كان منهم المستقل والمستكثر ورتبة هؤلاء دون رتبة الائمة في الاستقلال بالاجتهاد) 11.
هذا ما سطرته وأنا العبد المقر بالعجز والتقصير، وربي أعلم بالصواب واليه المرجع والمآب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ
1 ينظر: رد المحتار1/67_68.
2 ردا على سؤال الشريف سعد بن زيد أمير مكة المكرمة حين أستشكل عليه هذا الأمر، في سنة1150هـ.
3 رد المحتار1/67_68.
4وهي رسالة صغيرة ضمنها ابن الكمال طبقات الفقهاء حسب ما رآه، وجعلها على سبع طبقات، وقد لقيت قبولا واسعا ممن جاء بعده، كابن الحنائي والتقي التميمي والحصكفي وابن عابدين، وأغلي محشي الدر، ونقداً لاذعاً ممن تأخر عنه كالشهاب المرجاني والشيخ الكوثري وأبي زهرة.
5حسن التقاضي73_76.
6 أسباب إختلاف الفقهاء: 269.
7 ينظر: حسن التقاضي: 32.
8 ينظر: أبو يوسف حياته وآثاره وآراه الفقهية للدكتور محمود مطلوب: 135.
9 تهذيب الأسماء واللغات
10حسن التقاضي: 33.
11أعلام الموقعين4/212_213.

لؤي الخليلي الحنفي
29-07-2007, 18:45
بورك فيكم وجزاكم الله خيراً.
وقد تناول هذه المسألة، ونقل فيها نقولاً جميلة الدكتور محمد محروس عبد اللطيف المدرس في كتابه: "مشايخ بلخ من الحنفية وما انفردوا به من المسائل الفقهية"
وذلك في الفصل الثاني من كتابه: طبقات المسائل في المذهب الحنفي 1/198 الدار العربية للطباعة/بغداد

عمر القيسي
02-08-2007, 09:34
بوركتم أخي الكريم فالكتاب اطلعت عليه قديما، ولم يتسن لي الآن الرجوع اليه،
وعلى كل حال فالشكر موصولكم ودمتم موصبين لما هو خير