المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفرائض ومنزلة الإنسان الوجودية أبو يعرب المرزوقي



صهيب منير يوسف
24-07-2007, 15:23
الفرائض ومنزلة الإنسان الوجودية



البروفيسور أبو يعرب المرزوقي
أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية

نشرت الأستاذة رجاء بن سلامة مقالا عنوانه "للذكر مثل حظ الأنثيين" وشبه عنوانه "جرح التفضيل الألهي" في عدة أحياز آخرها في العدد 58 من الطريق الجديد (جريدة الحزب الشيوعي التونسي الذي كان) يستحق النقاش لعلتين ظرفية وبنيوية. فهو يستحقه ظرفيا لتمثيله عينة من المحاولات التي عرف بها تيار التحديث في ما يسمى باختصاص الحضارة من أقسام العربية في كليات الآداب بالجامعة التونسية. لذلك فسيكون النقاش معه بوصفه عينة من نظائره في الكلام على الشرع الإسلامي برد علل التشريع البنيوية إلى أسبابه الظرفية. وهو فضلا عن بعده الظرفي يستأهل النقاش بنيويا لاستناده إلى مسلمات تمثل عينة مميزة لما يسمى بالفكر العلماني والتحديثي العربي عامة والتونسي منه خاصة. ويجمع بين الوجهين فنيات العلاج التي يستعملها كلا الفريقين خالية من شروط المعرفة بالموضوع ومن مقومات المنهج الذي يزعمون الاحتكام إليه. ذلك أن هذا المقال يظهر على سطحه الكثير من شكليات البحث العلمي الأكاديمية التي قد تضفي عليه وعلى أصحابه براقع المعرفة الموضوعية التي تخفي مواقف إيديولوجية صرفة. ومن أهم هذه الفنيات ضربان يشترك فيها الأستاذ محمد الطالبي والأستاذ عبد المجيد الشرفي والأستاذة صاحبة المقال رغم أن أولى حلقات السلسلة تمتاز على حلقيتها الأخيرتين بشيء من الحذر تلاها تسيب ليس له حد:
والضرب الأول الذي يقدم من منطلق حكم التحديث المسبق يبدو عقليا. إنه الاستعمال السطحي لمقولات فلسفية وتأويلات هرمينوطيقية لما يصفونه بالمسكوت عنه في النصوص والمواقف دون استيفاء شرطي المنهجية التأويلية الفعليين أعني القبول بطبيعة النص والقبول بمحددات الموقف المؤول الحاصلة خلال تاريخ ذلك النص فهما وتأويلا.
والضرب الثاني يبدو نقليا ويتعلق بالاستشهاد الانتقائي بنصوص القرآن والحديث وأسباب النزول المنتخبة دون استقراء تام يمكن أن يضمن شرط الاعتماد الفعلي على الأصل النقلي إذ لا دلالة للمعطيات النقلية من دون الاستقراء التام قدر المستطاع سواء كانت المعطيات النقلية من التجربة الحسية أو من التجربة النصية.
لذلك فلن يكون نقاشي متعلقا في المقام الأول بمسألة مقادير الإرث وما قد تفيده من ظلم أحد الجنسين أو العدل بينهما أعني بما تصورته الأستاذة موضوع النص التشريعي الذي تجادل فيه- لأن المسألة في الآية التي تناقشها لا صلة لها من قريب أو بعيد بالعدل والظلم ولا حتى بحقوق الورثة- بل هو سيقتصر على مزاعم ربطها هذين الأمرين اللذين ظنتهما ثمرتي النص بمنزلة المرأة الوجودية في الإسلام وعلى مدى فاعلية هذين النوعين من فنيات المنهجية من حيث التمحيص العلمي المتين والفهم الدقيق للمعاني الفلسفية المستعملة. فهذه المعاني يمكن أن تكون فعلا أدوات تحليل وهي قابلة لأن تكون مجرد أدوات تنميق خالية من علامات الاستيعاب إذا ثبت خلوها من الحذر والأمانة في مسائل التأويل الدقيقة خلوا يثبت أنها من مزوقات الحكم التحديثي المسبق لا غير.
وسيكون نقاشي في مستويين من الخطاب: فهو يبدأ بوجاهة المنهجيات التحليلية والتأويلية ليصل إلى متانة التصورات القانونية والفلسفية. لذلك فلن أناقش الأستاذة في مواقفها العقدية. لن أهتم بتقويمها حق الإله في تحديد منازل المخلوقات أو المفاضلة بينها إذ لا أنوي الخوض في مسألة العدل الإلهي. فعندي أن للجميع الحق في أن يؤمنوا وألا يؤمنوا بأصل العقائد كلها ليس عقلا فحسب (وهذا أمر كلي لا يحتاج إلى دليل) بل وكذلك نقلا (ودليله الآية 256 من البقرة): حرية المعتقد. سأكتفي بمناقشة ثلاث مسائل تصورية تتعلق جميعا بالوصف القانوني والحد الفلسفي لما ورد منهما في النص الذي تجادل فيه الأستاذة ومسألتين منهجيتين أولاهما هي منهجية الترجمة التي استعملتها لصوغ الإشكالة صوغا يمكن من علاجها والثانية هي منهجية التأويل التي استعملتها لتحديد مقاصد النص بأسباب نزوله وبتاريخ الظاهرة التي يحدد حكمها. ويقتضي منطق العلاج أن أبدأ المناقشة بالمسألتين المنهجيتين. لكن ذلك قد يزعج القارئ غير الصبور أو غير المتعود على مقدمات العلاج النظري. لذلك فسأبدأ المحاولة بالمسائل الموضوعية الثلاث لأختم بالمسألتين المنهجيتين على النحو التالي:
المسألة الأولى تتعلق بفهم معنى المنزلة الوجودية: هل يمكن استنتاج منزلة النساء الوجودية أو منزلة الرجال من قانون الإرث فنعتبرها علة حكم الإرث كما فعلت الأستاذة أم إن المنزلة الوجودية لا علاقة لها بالملكية فضلا عنها بالإرث من حيث صلته بمقدار الملكية؟ وبصورة أدق هل يحق لنا أن نستنتج هذه المعادلة: منزلة المرأة الوجودية تساوي نصف منزلة الرجل ولذلك فهي ترث نصف ما يرث ؟
المسألة الثانية تتعلق بفهم النص: وهل قانون الإرث (بلغة القانون الوضعي) أو حكم الإرث (بلغة الحكم الشرعي) أمر يتعلق بمنزلة الورثة عند الله كما توهمت الأستاذة أم هي في الحقيقة ذات صلة بمنزلتهم عند صاحب الملكية التي ستوزع إما في حياته أو بعد مماته ؟ فيكون الاستنتاج السابق مصدره عدم فهم النص في منطوقه بسبب العجل أو الدجل الباحث عن المسكوت عنه قبل المنطوق به.
المسألة الثالثة تتعلق بفهم معنى التفضيل الإلهي: وهل المسألة الناتجة عن حكم الإرث تقبل الوصف بالتفضيل الإلهي للذكر على الأنثى وصفا مناسبا عند من يفهم المقصود بالمنزلة الوجودية ويدرس أصناف التفضيل الواردة في القرآن الكريم خاصة بعد أن نحسم سطحية الفنيات الخطابية المستعملة في كلام الأستاذة التي قارنت نصيب المرأة من الإرث بنصيب ابن الزنا.
المسألة الرابعة: منهج الصوغ بالترجمة وشروطه.
المسألة الأخيرة: منهج تأويل المقاصد بأسباب النزول وحدوده.



المسألة الأولى

لو صح ما فهمته الأستاذة من حكم الإرث عندما ظنته محكوما بمنزلة المرأة الوجودية منزلتها التي تعلل كون الحكم على ما كان عليه ]الرجل: الإرث الكامل= 2 (المرأة : نصف الإرث)[ ==< ] )منزلة الرجل = ضعف منزلة المرأة =( )منزلة المرأة= نصف منزلة الرجل[( لكان معنى ذلك أن المنزلة الوجودية رهينة مقدار الملكية ومن ثم لكان عدم المساواة في الثروة بين البشر رجالا كانوا أو نساء هو المحدد لمنازلهم الوجودية. فلا يبقى عندئذ فرق بين واقع المنزلة الإنسانية محددة بالقدرات الاقتصادية وواجبها محددا بالامكانات الوجودية حتى لو سلمنا بأن للمنزلة الاقتصادية دورا ما فيها. بعبارة تساؤلية مضاعفة أوضح:
هل ينبغي أن تقاس منزلة الإنسان الوجودية بما يملك فتزداد كثافة وجوده بازدياد ثروته أم إن ذلك أمر واقع لا يعبر عن منزلة الإنسان الوجودية بل عن انخرام في نظام المنازل الاجتماعية التي قد تعتبر محددة لمنزلة الإنسان الوجودية عندما ينحصر وجوده في تقديره بالتقويم المادي ؟
وهب ذلك مقبولا – تسليما بما بات موجودا في مجتمع الفكر التحديثي فكر الأغنياء الجدد - هل يمكن عندئذ أن تقاس المنزلة بما يعطيه إياه غيره أو لا يعطيه فتصبح منزلة الإنسان الوجودية مرتهنة بإرادة غيره وليست بسلطانه على ما يملك هو بفعله الذاتي ؟
لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الأول لكان ذلك يعني أن المساواة الوجودية بين الرجال فضلا عنها بينهم وبين النساء تقتضي أن يتساووا في الملكية. فيكون الرجل الأقل حظا ماديا هو أيضا متردي المنزلة الوجودية وليست المرأة وحدها. وعندئذ سنقع في طريقين مسدودوتين لا مخرج منهما: فلن يبقى بعد ذلك وجود للمساواة الوجودية لتغير الملكية أو لن يبقى للملكية تغير لثبات المنزلة الوجودية. وكلا الأمرين ممتنع عقلا وواقعا. فواقعا لا أحد ينكر أن الملكية تتغير وأن منزلة الإنسان الوجودية تبقى ثابتة اللهم إلا إذا اقتصرنا على المعيار المادي لتقويم الناس: لأن من يفتقر ماديا لا يفقد الأمل في أن يسترد ثروته وما كان ليفعل لو آل به الفقر المادي إلى الفقر الوجودي إذ يكون قد فقد القدرة على الاستئناف.
وعقلا حتى لو قبلنا بهذا التقويم فإن المعيار لن يكون الملكية من حيث هي ما صار في الحوز بل القدرة على تحصيلها في الحوز. فيكون الإنسان تقاس منزلته ليس بما عنده فعلا بل بما يمكن أن يكون عنده ومن ثم فالمهم هو ما يفعله ليكون عنده ما عنده: لذلك كان الأمل هو جوهر الملكية كما يقول ابن خلدون. والحلم بالتملك لا الملكية هو محرك الآلة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي. وقدكان فقدان الحلم بالتملك لا فقدان الملكية هو سبب فقدان الأمل ومن ثم سبب اندحار النظام الشيوعي. وبذلك نميز بين الملكية التي يمكن أن تكون علامة على الكفاءة في إدارة الرزق بدلالتها على كيفية تحصيله الدالة عليها. والملكية التي يمكن أن تكون علامة على الدناءة في اختلاس الأرزاق بدلالة كيفية تحصيله عليها تحصيلا لا يراعي قيما تجعل بعض الجماعات تحكم مثل هذا الحكم حتى لا نعمم لعلمنا أن الملكية صارت في بعض المجتمعات جوهرها اغتصابا وسرقة: وفي كلتا الحالتين فإن الملكية لا تحدد المنزلة الوجودية والمنزلة الوجودية لا يترتب عليها القانون المحدد لمقادير الملكية. لكن من يمدني بمن يلتفت إلى هذا المنطق وبعائد الأمور قل أن يراها الباحثون في المسكوت عنه وهم يتجاهلون المنطوق به تسليما جدليا بأنهم لا يجهلونه !
أما لو صح الجواب الإيجابي عن السؤال الثاني فإن المنزلة الوجودية تصبح منزلة وجودية غير ذاتية لصاحبها بل هي بالأولى لمن يمده بما سيرثه. فتكون منزلته منزلة مستعارة ممن يهبه إياها خلال وهبه ما يورثه إياه أو يتفضل عليه به: وهذا بحد ذاته نفي لمفهوم التصور الذي يفاد بالمنزلة الوجودية إلا عند القائلين بوحدة الوجود حيث يكون كون الشيء ما هو مجرد كونه حالا من أحوال غيره أعني الجوهر الكلي الذي تكون الجواهر العينية سلوبا في قيامه الكلي موضوعا لها. فتكون منزلة المرأة والرجل الوارثين على حد سواء منزلة مستعارة من المالك الذي أمدهم بالكثافة الوجودية التي تتضمنها المقادير المالية الموروثة عنه ولا يكون ذا منزلة وجوديه ذاتيه له إلا هو. وعندئذ فمنزلة الرجل أو المرأة تتحدد بغيرها فلا يحددها إلا من يوصي لهم بفتات ثروته وهي تكون عدما حتى لو أوصى لهما بها كلها وبالتساوي. لذلك جاءت الآية لتحديد هذا السلطان بالحد من تحكم المالك في الوصية وفي تقسيم رزقه بحسب ما يظنه من فائدة ممن سيوزع عليهم ملكه وليست في تحديد منزلة من سيصبح ورثة: واعتبرت الآية ذلك فريضة من الله أعني جزءا من العبادات وليست من المعاملات لأنها حد توقيفي من أحد مقومات الملكية أعني حرية التصرف في الوصية.
لذلك فإنه ينبغي أن نضيف ملاحظة جوهرية تحدد أمرا وسيطا بين الملكية والمنزلة الوجودية دون أن تجعلهما في صلة التحديد المتبادل قصدت ما يترتب على معنى الحرية التي هي مقوم جوهري من مقومات المنزلة الوجودية ومن مقومات الملكية بإطلاق من حيث هي أحد مجالات ممارسة الحرية وأدوات تحقيقها وليس بمقدارها. فهذا المعنى جوهري لأنه من مقومات المنزلة الوجودية ومن مقومات الملكية فيكون من ثم أمرا واصلا بينهما وصل الغاية بالوسيلة بشرط أن نفهم أن الحرية وسيلة المنزلة والمال وسيلة الحرية فيكون المال وسيلة الوسيلة وهو من ثم أبعد ما يكون عن التعلق المباشر بالمنزلة الوجودية: وتلك هي العلة التي تجعله لا يكون مصدرا لها إلا عند اللئام في حين أنها دائما مصدره عند الكرام.
من يفهم هذه المعاني ينبغي أن يسأل: هل عامل التشريع الإسلامي المرأة معاملة الرجل في مسألة حرية التصرف في الملكية مهما كان مقدارها أم لا ؟ وهل ضبطت حرية تصرف المرأة في ما تملك بنفس الحدود التي ضبطت بها حرية الرجل أم لا ؟ ذلك أن حرية التصرف في الملكية هي الوجه الوحيد من الملكية الوجه الوحيد الذي يمكن أن يعد ذا صلة بمنزلة الإنسان الوجودية بخلاف مقدارها: حرية التصرف في الملكية تالية عن الحرية التي هي مقوم جوهري للمنزلة الوجودية. وتلوها عنها هو الذي أوجب الحد من حرية تصرف المالك في التوريث لئلا يكون المال من حيث هو أحد مصادر السلطان دولة بين الأغنياء.
إن حرية التصرف في الملكية التي يتساوى فيها الرجل والمرأة في الشرع الإسلامي هي الأمر الوحيد من الملكية الأمر الوحيد الذي يمكن أن يعتبر ذا صلة وثيقة بالمنزلة الوجودية لأنه يعني أن صاحبه يسلم له الشرع بالرشد وينفى عنه السفاهة بنفس المعايير سواء كان رجلا أو امرأة: كلاهما مثل الآخر من حيث حرية التصرف في ما يملك لأنهما يشتركان بالتساوي في أحد مقومات المنزلة الوجودية أعني أحد صفات الملكية أو حرية التصرف. أما مقدار الملكية فهو متغير بحكم حوالة الأسواق فضلا عن تحكم شروط أخرى سنرى بعضها خلال البحث في معاني ما بدا للباحثة دالا على ظلم وقسمة ضيزى استثارتها إلى حد مقارنتها لغير صالحها مع إرث ابن الزنا.
وكان على حداثيينا العجلين أن يسألوا السؤال الذي يلهيهم عنه هوسهم العلماني بالعاجل والفاني: ماذا يعني تحديد المنزلة الوجودية بمقدار الملكية خلقيا ووجوديا وما دلالته الفلسفية؟ ولن أجادلهم في حق الرد بالسؤال على السؤال معاجزين بالقول: ما الذي يحدد المنزلة الوجودية إذا لم تكن الملكية فضلا عن مقدارها سواء كانت آتية من عمل صاحبها أو مما يرثه من آبائه أو أبنائه ؟
أجاب القرآن الكريم عن هذين السؤالين في نصوص أخرى ليس لها صلة بمقدار الملكية لأن المنزلة الوجودية لا صلة لها بها حتى وإن كان للأمرين صلة بالحرية التي هي وسيلة للمنزلة وغاية للمال فيكون المال وسيلة الوسيلة:
وجواب السؤال الأول رهن جواب السؤال الثاني. فالمنزلة الوجودية يحددها القرآن بأمرين يجعلانها مطلقة التساوي بين البشر كلهم فضلا عن الجنسين. ولا علاقة للأمرين بالملكية فضلا عن مقدارها ولا بالجنس لأنهما يتعلقان بمعنى الوجود (être) لا بمعنى المال (avoir) أو بجنس مالكه. والأمر الأول هو وحدة المصدر بالنسبة إلى صاحب المنزلة (خلقا من نفس واحدة ومنها زوجها). والأمر الثاني هو وحدة الفضيلة بالمعنى العميق أو الوظيفة بالمعنى السطحي بالنسبة إليه كذلك (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم). فالمنزلة الوجودية لم تحدد هنا بالجنس ولا بالثروة بل حددت بالمنزلة عند الله ومعيارها حدد بالتقوى في التعارف أي في مداري العمران (الذوق والرزق اللذين يمكن أن يكونا سببا للتعارف أو للتناكر) وفي ما يترتب عليهما من سلطان (وبهما يحصل نظام التعارف أو التناكر) ووحدة الكل (أعني الكيان المادي الروحي أو الجماعة).
ولما كان الظاهر من معيار التقوى هو ما يرمز إليه عادة بالعبادات فإن هذا الرمز هو الذي يحدد طبيعة المنزلة الوجودية في دين من الأديان: فهل يوجد في القرآن الكريم ما يميز الرجل عن المرأة في العبادات ؟ أما لو حددت المنزلة الوجودية بالملكية عامة أو بمقدارها خاصة فإن النتيجة تكون نفي هذين المحددين الوجوديين: فلا يكون الناس متساوين في البداية ولا في الغاية وإنما هم رهن ما يملكون. وعندئذ تصبح المنزلة الوجودية هي عين الأمر الواقع من الظلم والكفران الناتجين عن تناكر التغالب من أجل الرزق بدل الحلم والعرفان الناتجين عن تعارف التحابب من أجل الذوق وتكون منزلة نسبية إلى أدوات القوة وليس منزلة تقاس بمعيار القيم التي يكون بها الإنسان إنسانا: فالرزق أداة في التعارف ويصبح غاية في التناكر والذوق غاية في التعارف ويصبح أداة في التناكر.
ولو صح ذلك لامتنع أن تكون المعاملات هي بدورها يمتاز فيها الواجب عن الواقع: لكن الواجب في المعاملات يمتاز عن الواقع ومن ثم فالحقوق لا تقاس بالملكية بل بالمنزلة الوجودية. ولو صح أن الوارث له حق في ما سيرث غير الحق الذي يحدده الشرع أو وصية المالك لكان كلام الباحثة ذا فائدة: فالملكية هي لصاحب ما سيصبح تركة وهو الوحيد الذي يمكن أن يحمل عليه حق الملكية في هذه الحالة حتى بعد الوفاة. أما الوارث فإنه لن يصبح ذا حق إلا بإرادة المالك (الوصية) أو بإرادة الشارع (تحديد انتقال الملكية بعد وفاة المالك بتشريع يحدد من مطلق الحق أي مما كان ينبغي أن ينتقل بالوصية إذا سلما أن الميت يبقى ذا حق على ما بقي من ملكيته من بعده).
أعلم أن الباحثة ستقول: يكفينا مثاليات حدثنا عن الواقع. وهنا يجابهنا الصنم الأكبر في فكر التحديثيين الذين يغلب عليهم عدم فهم ما يقولون. فالكلام على المنزلة الوجودية لا معنى له عند من لا يميز بين الواجب والواقع إذ هو عندئذ يجعل الواقع مثالا ويستعمله في وظيفة الواجب: ذلك أن الباحثة هي التي فسرت قواعد الإرث بالمنزلة الوجودية ولم تفسر المنزلة الوجودية بقواعد الإرث إلا عكسا غير واع لما انطلقت منه أعني من قيس المنزلة الوجودية بالثروة الاقتصادية. وهذا العكس غير الواعي الذي قلب وجهة كلامها حال دونها واختيار التناسق في خطابها: كان ينبغي حتى لا يتناقض قولها أن يكون الواقع الاقتصادي ومنه قانون الإرث هو الذي يعلل المنزلة الوجودية وليست المنزلة الوجودية هي التي تعلله. لكنها تتكلم عن شريعة هذا واقع تشريعها في الإرث وهذا نص تحديدها للمنزلة الوجودية. ولما كانا من طبيعتين مختلفتين اضطرت الباحثة إلى استنتاج المنزلة الوجودية التي تزعمها علة من نصيب المرأة في الإرث ثم عكست فنسبت إليها دور تحديد النصيب في الإرث.
لكن هذه العلة ليس لها وجود في القرآن. لذلك استبدلت المنزلة الوجودية القرآنية التي لم تطلبها في بحثها بالمنزلة الوجودية التي تخيلتها علة لأحكام الإرث وطلبتها مما سمته أسباب النزول وتاريخ الإرث عند العرب. فذهبت إلى حد قيس دوافع الصحابيات في طلبهن الجهاد بدوافع من تعبر عن مطالبهن في نسخ آية الإرث: فهن عندها قد طالبن بالجهاد للحصول على المساواة في الملكية والإرث وليس لأنهن مؤمنات بقيمة الجهاد لذاته أو استكمالا لثمرات المبايعة التي طولبن بها خلال مرحلة التأسيس ! العزائم لا تأتي فحسب على قدر أهل العزم بل هي تقوم بنفس المعيار: فالصَغار يُغفل الصغار فلا يرون إلا الصغائر !
ولما كانت الباحثة تعتبر ما في النص القرآني المحدد للمنزلة الوجودية من المثاليات وكانت المثاليات عندها من الأوهام سعت إلى بديل منه في أسباب النزول وتاريخ الملكية عند العرب لتفسر ما ورد في النص القرآني المحدد لنصيب الإرث بمنزلة وجودية واقعية تناسب ما اعتبرته من ترابط بين المنزلتين: الوجودية والاقتصادية كما تتبين في مقادير النصيب من الإرث. لكن الفكر المجرد والمتجرد كان ينبغي أن يحلل المسألة منطقيا ليدرك أن أمر العلاقة بين النصين نص المنزلة الوجودية ونص الإرث لا يخلو من أن يكون منتسبا إلى إحدى الحالتين المضاعفتين التاليتين:
فإما أن النص المحدد للمنزلة الوجودية له علاقة بالنص المحدد للنصيب في الإرث فيكون الحال إما أن النصين بينهما تناقض أو أن المسلمين قد طبقوا النص الثاني وأهملوا النص الأول.
أو أن النص الأول لا علاقة له بالنص الثاني فتكون الباحثة قد ربطت بينهما بغير دليل ولم ينحرف المسلمون في التطبيق وينبغي البحث عن فهم آخر لحكم الإرث في غير المنزلة الوجودية.

صهيب منير يوسف
24-07-2007, 15:30
المسألة الثانية

وهنا نصل إلى جوهر التناقض الذي يتصف به موقف المطالبين بالمساواة في الإرث من غير فهم شرطه: إلغاء حرية المالك في الوصية. لم يسأل أحد من المساواتيين عن المساواة فيم تكون ؟ هل يمكن أن يوجد قانون يفرض مساواة منزلة الوارثين المحتملين منزلتهم العاطفية لا الوجودية –إذ هذه المنزلة ليست نسبية إلى الغير- في قلب صاحب الملك عندما يكتب وصيته ؟ وهل يمكن للقانون أن يزيل بإطلاق حق المالك في هذا التعيير العاطفي والمصلحي الذي تترتب عليه بنود الوصية المحددة للنصيب من الإرث ولا أقول الفرائض لما في هذه الكلمة من الجلال الذي لا يفهمه من لم يدرك معنى تحويل الحد من حرية الوصية المطلقة إلى فريضة أو عبادة ؟ أليس المتكلمون في الأمر لا يعلمون فيم يتكلمون: فهل لمن لم يصبح بعد وارثا قبل وفاة المالك حق في ما سيرث بعد أن يصبح ؟ حق الوارث أمر يتجدد بعد أن لم يكن. فقبل وفاة المالك لا يتعلق الأمر بحق الوارث في المساواة بل بحق المالك في التصرف الحر في ملكه بالوصية إذ بقي له منه قدر معلوم. لذلك فالحكم الوارد في الآية لا يتعلق بحق الورثة - إذ لا حق لهم – بل هو يتعلق يضبط حق المالك في التصرف في ما يملك بعد وفاته أعني حق الوصية لئلا يضر بهذا الحق فلا يلغيه بمقتضيات أمرين ذوي دور بعيد سنحللها في المسألة الموالية:
أولهما خلقي واقتصادي هو كيف يبقى المشرع قدر المستطاع على وحدة الملكية القاعدية التي هي شرط العمران الإنساني السوي أعني العمران الذي لا يتحول إلى مجرد أرقام في اقتصاد خفي الاسم.
والثاني خلقي بايولوجي هو كيف يحرر المشرع حركة تبادل النساء من حركة تبادل المال تشجيعا للتزاوج الخارجي وتقليلا من التزاوج الداخلي الذي كان يمكن أن ينجر عن خروج إرث المرأة بقدر يجعل الأسرة تبقى عليها للإبقاء عليه.
لا أظن الأستاذة قرأت الآية الحادية عشرة من النساء الآية التي تحللها قراءة كاملة فهي تقف من نصها قبل غايته التي تحدد المبدأ الأساسي الذي يدور عليه الكلام ولا يتصل بأحكام الإرث إلا بصورة عرضية. ذلك أنها لو فعلت لفهمت أن الأمر لا يتعلق بالإرث أو بمنزلة الورثة عند الله بل بتعديل منزلتهم عند صاحب الملكية عند التفكير في توزيعها بين أقربائه لئلا يبني وصيته على ظنونه: " ...آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما" (النساء غاية الآية 11 منها)
من كان يبحث عن فهم هذه الآية في صلتها بأحكام الإرث فعليه أن يفهم موضوعها أولا والمبدأ الذي تضعه ثانيا: عليه أن يبدأ بالمنطوق قبل العجلة التي أجاءته إلى المسكوت عنه. فالمعلوم أن المالك له صلة بما يملك وبمن سيوصي له مما يملك. والصلة الأولى هي حق الملكية أعني حرية التصرف في ثمرة عمله. والصلة الثانية هي صلته بمن يمكن أن يفيده بما يملك حسب ظنه أو علمه المظنون بما أفاده به في حياته أو بما سيفيده به بعدها: وهو جزء من حق التصرف في الملكية ويسمى حق الوصية. لكن الوارث لا صلة له بالملكية ذاتها بل صلته بمالكها فحسب خاصة إذا لم تكن الملكية ثمرة لعمل كل أفراد الأسرة وخاصة للرجال منهم في النظام القديم: وهي صلة قرابة أو صداقة ولا علاقة لها بالملكية إلا إذا كان شريكا. لذلك فلا حق للوارث في ما يملك المالك ما دام حيا: الإرث حق بعد الوفاة بمقتضى إرادة المالك (الوصية) أو إرادة المشرع (الحد من حق حرية التصرف في الوصية) وهو حق لا وجود له قبلها.
لذلك فمحدد الحسم في المسألة أمران لا يتصلان بحق الوارث: الأول هو علاقة المالك بما يملك والثاني هو علاقته بمن سيختاره لينقل إليه ما يملك. والعلاقة الثانية هي التي تحدد عملية النقلة وهي التي انطلق منها نص الآية في تحديد الفرائض. أما العلاقة الأولى فهي بمنأى تام عن المنقول إليه. وموضوع الآية هو إذن محاولة تخليص هذه العلاقة من تحكم المالك الذي يبنى تفضيله لوارث على وارث يبنيه عادة على العلاقات العاطفية وعلى الظنون المتصلة بنوايا من يمكن أن يحتاره المالك ليرث ملكه. الكلام يدور إذن حول محددات إرادة المالك في توزيع ملكه: هل يكفي لتحديدها علم المالك بعلاقة من يمكن أن يورثهم ملكه بحسب ما يدركه مما يتصوره من نفع يحصل له منهم ؟
أحكام هذه الآية تتصل بمسألة الإرث من هذا الوجه لا غير وهي تريد أن تؤطر إرادة المالك أو حرية تصرفه بالوصية في ما يملك حتى لا تكون مطلقة الحرية بمجرد الاعتماد على الظن: إنها إذن حد من حرية المالك في الوصية وليست تحديدا لحقوق الورثة إذ ليس للورثة حق بل ليس لهم وجود قبل أن يحددهم نص قانوني (يحد من حرية تصرف المالك في الوصية) أو وصية المالك. لذلك فلا حق لمن سيصبح وريثا ما لم تحدده وصية أو شرع يحد من الحرية المطلقة في الوصية. وبهذا الحد تختلف التشريعات في أحكام الإرث: فالتشريعات الحديثة (الفرنسية على وجه الخصوص لكون الأستاذة اختارت منها حكم ابن الزنا وللناس في ما يختارون من الصور أسرار) تكاد تلغي هذا الحق بأن تجعل للجماعة فيها الحق الأول بتوسط الضريبة على نقل الملكية وهو ما لا يقره الشرع الإسلامي.. والنص القرآني لا يحدد حقوق الورثة بل يحد من حق المالك في الوصية لئلا يحرم البعض لمجرد الظن. الفريضة التي تشير إليها الآية هي إذن فريضة الحد من حرية المالك المطلقة في المفاضلة بين أبنائه وآبائه عند تقسيم ما بقي من ماله قبل الوفاة. ويؤيد هذا الفهم الحد من حرية الوصية في التشريع الإسلامي عند ضم الحديث للقرآن: فالوصية للورثة ممنوعة والوصية لغير الورثة لا تتجاوز ثلث ما سيصبح تركة.
وهنا نصل إلى بيت القصيد في النظام التشريعي الإسلامي بعيد الغور النظام الذي يتجرأ عليه بعض المتفلسفين بأفقر أدوات الفكر لو كانوا يعلمون. وحتى نفهم بعد الغور فيه فلنطرح سؤالين جوهريين لكل عمران سوي:
1- ما النظام الاقتصادي الذي نريده؟ هل نريد مجتمع الشركات العامة التي تجعل الناس أرقاما فاقدين للذوق هدف الحياة الأول أم مجتمع الوحدات التآنسية التي يتحرر فيها الذوق قدر المستطاع من سلطان أسباب الحياة القاهر ؟
2- وما طبيعة الحياة العاطفية المحددة للانتخاب العضوي بمعاييره السوية طبيعتها التي نريد ؟ فالتزاوج الداخلي الذي يصبح القاعدة بمؤثرات العامل الاقتصادي يؤدي إلى الأمراض البايولوجية لفرط تأثير دافع الحفاظ على الملكية الدافع الذي لا ينكره إلى متعام.
فالتزاوج الخارجي الذي يمكن من تحقيق شروط الصحة العضوية هو التزاوج الذي يكون المحدد الأول فيه الذوق لا الرزق. ولا يتحقق ذلك إذا كان الطمع في إرث المرأة حائلا دون تحريرها من التزاوج الداخلي من أجل الحفاظ على الملكية ومن ثم مانعا لطلبها من الخارج لقوة الدافع المالي فلا يبقى إلا طلبها الداخلي. ولو انتبهت النخب العجلى إلى هذه البعائد لترددت كثيرا في الجرأة على كل شيء مع الجهل بأدنى شروط الفهم العميق لمقاصد الشرائع في حياة العمران. فحتى لو سلمنا لهم بأن الشرائع كلها من جنس الشرائع الوضعية فإن الأوضاع ليست متساوية للتمايز بين عقول الواضعين. فمنهم من يرى البعائد ويسميهم اليونان حكماء. ومنهم من لا يرى أبعد من ذبابة أنفه ويسميهم العرب سفهاء. فما أشقى المرأة التي يختارها المغازلون لمالها ! ولعل الباحثة بمقتضى الجنس والخبرة أدرى مني بالمفاضلة بين المرأة تُختار حبا لذاتها وجمالها أو تُصطاد طمعا في ما عندها ومالها !
والسؤال الآن هو لم كان الحد القرآني من حرية تصرف المالك في الوصية بهذه الصورة التي جعلت بعض المعاملات من العبادات دون أن تحافظ على مبدأ العبادات الأساسي أعني المساواة بين البشر من حيث منزلتهم عند الله إلا بالتقوى أو العمل الخلقي في التعارف كما حددت ذلك آية التعارف ؟ أي لماذا لم يفرض الله الحد بصورة تجعله يساوي بين الذكور والإناث في هذه الفريضة رغم كونها فريضة أي عبادة وليست معاملة ؟ وهذا السؤال كان يمكن أن يكون مفهوما لو طرحته الباحثة بعد أن تكون قد برهنت على فهم معنى الآية بالقصد الأول. ذلك أن تحديد مقادير الإرث هو معناها بالقصد الثاني. وهذا القصد الثاني لا يمكن أن يفهمه من غاب عنه القصد الأول. فإذا كان الشارح لم يفهم أن الآية تتعلق بالحد من حرية المالك في التوريث بحسب ظنونه فإنه لا يمكنه أن يفهم القصد من المقادير التي اختيرت حدا بمعنى ما لا يمكن النزول دونه. ذلك أن ما فوقه يبقى ممكنا بعدة طرق لم يتأخر بعض المالكين والفقهاء عن تصورها وتطبيقها بل هم تحيلوا في الاتجاه المقابل للهبوط دون هذا الحد الأدنى وحتى لحرمان المرأة من الإرث أصلا اتباعا لما نبهت إليه الآية وحذرت منه لعلم الله بأن الغالب على البشر بالجبلة تفضيل الذكور على الإناث: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا. والجواب هنا مضاعف ويفهم بفرضيتين:
1- فلو فعل نص الآية فحقق المساواة في توزيع الإرث لكان ذلك معارضة مطلقة لحرية المالك في التفضيل أعني في حرية الوصية. والحد من حرية المالك في الوصية يفقد معناه إذا لم يكن مشروطا بدواعي الحاجة إلى الحد منها: إنها في النص القرآني المعيار المتحكم في إرادة المالك إرادته التي تعبر عنها وصيته والتي يفهم منها قيس المالك لمقدار الموصى به بنفع الموصى إليه له. ومن هذا القاعدة العامة التي تكاد تكون كلية تنتج قاعدة تفضيل الذكور على الإناث فهي أمر شبه كوني في المجتمعات البشرية. لكن الحد القرآني الذي يعترف بهذه الظاهرة اقتصر على وضع مبدأ الحد الأدنى (حظ الذكر مثل حظ الأنثيين) ولم يمنع حق الهبة للبنات لمن كان من الآباء لا يقول بهذا الأمر شبه الكوني. والهبة غير الوصية لأنها تتم في حياة المالك وليست بعد وفاته: والهبات يمكن أن تأخذ شكل البيع بسعر تفضيلي ورمزي تجنبا للمماحكات القانونية بعد الوفاة.
لكن هذا الفهم رغم اختلافه عن تعليل إخوان الصفاء الذي هزأت منه الباحثة دون عميق فهم لا يقدم من المسألة إلا علتها السطحية وهي علة رغم وجاهتها أقل أهمية من العلة العميقة ذات الغور البعيد والتي لا يدركها من يسارع لطلب المسكوت عنه ويهمل المنطوق به أعني بعائد المعرفة العلمية بقوانين العمران. وهزء الباحثة من تعليل إخوان الصفاء لا يستحق الذكر لو لم يكن مشفوعا ببشاعة لا يقبلها حتى الحداثي لأنها مناقضة لما يعتمد عليه من حجج: فإذا كان الصداق أجرا للاستمتاع يعني المتعة الجنسية كما فهمت الأستاذة فهو أذن أجر لما لا يستحق الأجر إذ الاستمتاع بهذا المعنى متبادل فلم ينبغي أن يدفع الرجل أجرا وكلا الجنسين يستمتع بالعلاقة الجنسية ؟ لكن القرآن لم يقصد بالاستمتاع ما فهمت الباحثة. فلو كان ذلك هو القصد لما وجد فرق بين الزواج وزواج المتعة. أفتكون منازل الأسر مجرد مواخير خاصة عند الباحثة والصداق بمقدمه دفعة أولى مقابل جملة عمليات الجماع ثم يصفى الحساب بالمؤخر منه؟! وهل يستغرب مثل هذا التصور ممن يقيس المنزلة الوجودية بمقدار الإرث ؟
2- ولو فعل نص الآية ما تطلبه الشاكيات مما سمينه بجرح التفضيل الإلهي لفقدت الملكية دوريها المقومين لتوازن القوى بين وحدات العمران الإنساني الدنيا اقتصاديا وبايولوجيا. فالمعلوم أن العمران البشري كله يدور مباشرة حول موضوعين وردا في سورة النساء ويدور بصورة غير مباشرة حول نوعي السلطان الناتجين عنهما في العمران. ويعبر عن الأمرين المباشرين في الأنثروبولوجيا بمادتي التبادل الأساسيتين وموضوعي التواصلين المصاحبين لهما موضوعيه الجوهريين إما لعلمه (مصدر السلطان الرمزي) أو للعمل به (مصدر السلطان الفعلي).
فالعمران كما يمكن أن يستنتج من نظرية ابن خلدون ومن تفسير سورة يوسف عليه السلام ليس هو إلا الحل الذي تمكن الإنسان من وضعه خلال تاريخه المتعثر لعلاج هذين التبادلين والسلطانين المترتبين عليهما من أجل تحقيق الوحدة المتعالية عليها أربعتها بوصفها الوجود المادي والروحي للجماعة البشرية:
فالتبادلان المقومان للعمران هما:
1- التساكن للتآنس ويدور حول معنى الذوق وأصله الحب عامة والحب المؤسس للوحدة الدنيا للقيام الإنساني أو الأسرة 2- والتعاون للتعايش ويدور حول معنى الرزق.
وكلا التبادلين مصحوب بتواصلين هما بالجوهر علم وعمل لما يقتضيانه من نظام يزع المتبادلين ويضبط الحقوق والواجبات:
3- فالأول نظامه ووازعه خلقي روحي ومهمته الوزع الداخلي والأمن الخارجي في المستوى الرمزي من وجود الإنسان 4- والثاني نظامه ووازعه سياسي زماني ومهمته الوزع الداخلي والأمن الخارجي في المستوى الفعلي من وجود الإنسان.
ولا يتحقق التلاحم بين المستويين المضاعفين من العمران من دون مبدأ موحد:
5- ثم مبدأ عام يوحد الكل في الجماعة ذات الهوية شبه الواعية بكونها ذات منفصلة عما عداها من الجماعات بكيان جغرافي تاريخي معين يمكن أن نسميه أمة.
فأما التبادل الأول فهو التبادل الذوقي عامة وأهم شيء فيه هو الحب والتواصل العاطفي الذي تنبني عليه الحياة التآنسية والتواصل بين وحدات إنتاج الإنسان نفسه في المجتمع: الأسر سواء في أضيق مستوياتها (الخلية الأسرية الدنيا) أو في أوسعها (القبيلة).
وأما التبادل الثاني فهو التبادل الرزقي عامة وأهم شيء فيه هو الملكية والتواصل المصلحي الذي تبني عليه الحياة الاقتصادية والتواصل بين وحدات إنتاج أسباب عيش الإنسان في المجتمع.
والمعلوم أن السلطان على محددات التواصل الأول والسلطان على محددات التواصل الثاني ينسحب كل منهما على الآخر. وغالبا ما يصبح العامل الثاني المحدد الأساسي للعامل الأول: أي إن الزيجات تكون في الأغلب مصلحية فلا يكون الذوق هو المحدد بل الرزق هو الذي يعود إليه التحديد في المقام الأول إذ يدخل في الاعتبار عامل الملكية والإرث المتوقع قبل عامل الذوق وخاصة في المستويات التي تصبح فيها الملكية ذات دلالة سلطانية أي تمكن من سلطان ما يقاس بالمنزلة في السلم الاجتماعي إلخ..
لذلك فإن تحرير المبدأ الأول (سلطان الذوق) من المبدأ الثاني (سلطان الرزق) ييسر التبادل الذوقي أو بلغة سطحية يجعل تبادل النساء متحررا ما أمكن التحرر من تأثير تبادل الرزق. وذلك هو الشرط الضروري ولعله الكافي كذلك لتشجيع التزاوج الخارجي والعزوف عن التزاوج الداخلي فيحصل التبادلان بأفضل طريقة للفصل بينهما ما أمكن أعني بالحد من تأثير الثاني في الأول: التبادل الذوقي والتبادل الرزقي. ثم إن هذا الشرط لا يقتصر على تشجيع التزاوج الخارجي بل هو أيضا يحافظ على معنى التقابل بين الداخل والخارج بمعيار موضوعي فيمكن من تمتين التلاحم الداخلي في الوحدات الدنيا ومن توطيد التواصل الخارجي بينها: فالثبات النسبي لملكية الأرض أو رأس المال مثلا في الأسرة يجعل الملكية تنمو ويقلل من انفراط الوحدات الدنيا للعمران أعني وحدات التساكن للتآنس.
ومن له دراية بعلم الاقتصاد يدرك أن الاقتصاد العالمي اليوم يقوم على أساسين ليس منهما بد: احداهما محررة للإنسان والثانية مستعبدة له. فالوحدات الاقتصادية ذوات الاسم الخفي تزيل الحدود بين الوحدات الدنيا (الأسر والشركات الأسرية) بل وحتى بين الوحدات القصوى (مثل الأمم والدول) فتزيل النسيج الاجتماعي عامة سواء كان وطنيا أو دوليا ويصبح الجميع أرقاما في آلة جهنمية هي بالذات مجتمع الحداثة التي يكون فيها الإنسان لولبا من لوالب السوق أو برغيا من براغيه. والشركات المتوسطة والصغرى-وهي في الأغلب أسرية-لا تقتصر على المحافظة على الملكية وحدها بل هي تحافظ في نفس الوقت على النسيج الإنساني الذي هو المطلوب الأول والأخير للحياة البشرية إلا عند من يفضل الأرقام على البشر. ثم إن دورها التنموي لا يقل عن دور الأولى بل إن دورها التنموي أهم بكثير لأنها هي التي تمثل أهم مغذ لسوق الشغل إذ إن الشركات الكبرى تستعيض بالآلة عن العمال والشركات الصغرى ليس لها القدرة على كلفة الآلات فتبقى مصدرا مهما للعمل الإنساني.
بل إن الشركات ذات الاسم الخفي بخلاف ما يظن من ليس له علم بالاقتصاد الحديث لا تستمد قوتها الاقتصادية إلا من هذه الشركات ذات الاسم العلني الذي هو في الغالب اسم أسرة: إنها في الحقيقة ليست وحدات إنتاج بل هي وحدات تسيير للإنتاج الذي لا يتحقق حقا إلى في الشرطات الصغرى والمتوسطة وهي إذن من جنس تغول السلطان الرزقي الذي يلغي الذوق لكي لا يبقي إلا على سلطان السوق. وذلك هو المعنى الحقيقي لمصطلح الاستمداد الخارجي الانجليزي Outsourcing الذي لجأ له الاقتصاد الحديث للجمع بين الشكلين من عمل الملكية من حيث هي أداة إنتاج اقتصادي ويماثله انتقال وحدات الإنتاج إلى البلاد النامية بالمصطلح الفرنسي Délocalisation حيث لا يزال العمل جاريا في وحدات صغرى تحافظ على التساكن من أجل التآنس حيث لا يزال لهاتين الكلمتين معنى عند أهل البلاد التي تنتقل إليها الصناعات الفرعية المغذية للشركات الأم: وهنا ينبغي التذكير بمعنى الاستمتاع القرآني الذي ظنته الاستاذه تحويلا للأسر إلى مواخير في حين أن القصد هو التآنس والتساكن حيث يكون للمرأة الدور الأكبر في كل المجتمعات أيا كانت مزاعم التقدميين.

صهيب منير يوسف
24-07-2007, 15:33
المسألة الثالثة

وحاصل القول مما سبق أن النخب العربية التي تدعي التفلسف بقراءة كتاب أو بلغة تونسية خالصة النخب التي "من زبيبة تسكر" لا يمكن الاعتماد عليها في اكتشاف المسكوت عنه من النصوص الدينية وأولى خطاهم القفز على المنطوق به فيها حتى لو سلمنا لهم بحق معاملتها معاملة النصوص الأدبية. فمن شروط فهم أي نص العلم بالظاهرة التي يعالجها في ذاتها وبالقصد الأول. وهي هنا ظاهرة مضاعفة:
1- اقتصادية في علاقتها بقانون الملكية وحق التصرف فيها بالوصية والتوريث تحديدا لدوري الملكية المقومين لجوهرها: دورها الدال على القدرة المحققة للإرادة عند الشخص الإنساني من حيث هو ذات مدنية لها حقوق وعليها واجبات ودورها الدال على النسيج الرزقي المحقق للتعاون من أجل القيام المادي لحياة الفرد والجماعة.
2- وبايولوجية في علاقتها بما يترتب عليها في تبادل النساء في العمران تبادلهن الذي ينبغي تحريره من تأثير العامل الاقتصادي حتى لا يلغي كل إمكانية للتزاوج الخارجي إذا كان خروج المرأة سيؤدي إلى تهديم الرصيد الرزقي.
وهكذا فهذا النص القرآني لا يعالج قضية المساواة بين المرأة والرجل ولا مسألة المنزلة الوجودية للإنسان ذكرا كان أو أنثى بل هو يعالج مسألتين ليس من علاجهما بد لتحقيق أفضل شروط القيام الاقتصادي والبايولوجي للجماعة:
الحد من حرية المالك في التصرف في ملكه بصورة تحول دونه والتحول إلى طاغية فيكون في تصرفه وكأنه رب وينسى أن علمه بعلاقة غيره به محدود فضلا عن علمه بأثر الملكية والعواطف في السلطان المستمد منهما على الحياة البشرية الجماعية.
الحد من دور الرزق في الذوق لتحرير تبادل النساء من سلطان المال فلا يكون ما يعود إليها من مال الأسرة حائلا دونها والخروج منها إلى أسرة أخرى فيمتنع التبادل الخارجي ويصبح المجتمع أسرا منفصلة تمام الانفصال ويصبح المجتمع ارخبيل قبائل فضلا عما يؤدي إليه ذلك من فساد بايولوجي بسبب التزاوج الداخلي إذ إن ما حصل من فصل بين القبائل سيحصل بين أفخاذ القبيلة الواحدة وهكذا إلى أن نعود إلى زواج الأخ من أخته أو إلى حرمانها من الإرث أصلا وفرض العنوسة عليها.
وتلك هي وظيفة القانون: التوفيق بين عدة عوامل لتحقق التوازنات الأساسية لقيام العمران ذوقا ورزقا وسلطان ذوق (السلطان الروحي) وسلطان رزق (السلطان الزماني) ووحدة الكل في الجماعة المتجانسة في حياة لا تقتصر على تحديد المنازل بالرزق بل يكون فيها للذوق المنزلة الأولى. ليست وظيفة القانون تحديد المنازل الوجودية بل حمايتها بهذا التوازن الذي ذكرنا. أما تحديدها فهو مادة لضرب آخر من النصوص كما سنرى في هذه المسألة الثالثة.
بينا أن الملكية لا تحدد المنزلة الوجودية لا بذاتها ولا بمقدارها إلا عند من لا يدرك المقصود بالمنزلة الوجودية حصرا إياها في الأمر الواقع لعلاقات القوة الاقتصادية وبينا مقومات المنزلة الوجودية وبقي أن نسأل عن مدلول التفضيل الإلهي وهل هو لصالح الرجل أم لصالح المرأة في القرآن الكريم. ولن يفهم هذا التحليل إلا من كان متحررا ما أمكن مما ربي عليه من أحكام مسبقة استبدلت الصور المشوهة لما انحط من حضارة المسلمين بالمعاني العميقة للقرآن الكريم سواء كانت هذه الصور المشوهة موجودة فعلا أو من وقع الأدبيات الاستشراقية بكل أجيالها.
ولنبدأ بمدلول التفضيل الإلهي: فهو قضية أساسية في نظرية العدل أو التنزيه ويشار إليها عادة بمصطلح مركب من كلمتين يونانيتين تفيدان العدل الإلهي Théodicée. لو كان التفضيل الإلهي تفضيلا بمعنى الاجتباء التحكمي غير المعلل لكان ظلما إلهيا. وهذا هو قصد الجرح الذي تتكلم عليه الأستاذة. وكلامها يكون صحيحا سواء صح التفضيل لصالح الرجل أو المرأة أو أي كائن آخر لو كان القصد به هذا الفهم من التحكم الإلهي. فالتفضيل الوارد في القرآن له خمسة معان: 1- تفضيل آدم وبنيه على الملائكة باستخلافهم 2- وتفضيل بني أسرائيل على العالمين باصطفاء الكثير من الأنبياء منهم قبل نقض العهد 3- وتفضيل المؤمنين على الكفار بتوريثهم الأرض. وقبل هذه الثلاثة الصريحة نجد تفضيلين مضمرين هما: 4- تفضيل الوجود على العدم قبل النشأة الأولى 5- ونجد بعدها تفضيل البعث على العدم بعد النشأة الثانية.
وكل هذه الضروب من التفضيل معللة. ولا أعلم تفضيلا آخر ورد في القرآن بهذا الوضوح. لذلك فالكلام على تفضيل الرجال على النساء في آيات الإرث والنشاز ليست بالأمر البين كما يتصور العجلون. لأن الآية الوحيدة التي ورد فيها ذكر التفضيل عند الكلام على العلاقة بين الرجل والمرأة لم يعين الفاضل فيها ولا المفضول. ذلك أنها نسبت ما يتصوره البعض علة القوامة الأولى أو الإنفاق إلى الرجال لكنها لم تنسب الفضل إليهم بل بقي الضمير والتبعيض (فضل بعضهم على بعض) شاملا لكلا الجنسين عند من يحسن القراءة. فإذا لم تفهم القوامة بمعنى السلطان-وهو احد الفهوم لكنه هو الذي طغى- بل فهمت بمعنى الرعاية بات المفضل في هذه الحالة هم النساء لأن القيم يكون في خدمة ما هو قيم عليه. فيكون الرجال قيمين على النساء لأنهن أفضل ومن هذه القوامة الإنفاق.
وتعليل هذا الفهم هو بالذات المنزلة الوجودية التي أكثرت الباحثة الكلام عليها دون فهم معناها للجهل بالفرق بين المقوم والعرضي. فإذا قيست المنزلة الوجودية بما تقاس به في الفكر القديم والوسيط (بمنطق القائلين بتاريخية النصوص والباحثة منهم) كان المعيار في تحديد المنزلة الوجودية هو معيار التراتب بين المادة والصورة الذي هو غير الترتيب بينهما. ومعنى ذلك أن السابق شرط اللاحق ماديا واللاحق شرط السابق غائيا: فما صنع من شيء يكون وجوديا أسمى منه وجوديا لأنه يكون صورة بالقياس إليه مادة. ولما كان المعتقد السائد عندئذ أن المرأة خلقت بعد الرجل وهي منه حتى لو صدقنا أنها من ضلع فقط فإن معنى كون الرجل مادة صنعت منه المرأة يجعله في نسبة المادة إلى الصورة فيكون بالقياس إليها أقل تطور في سلم التصوير الوجودي أعني دونها منزلة وجودية.
ذلك أنه لو كان الرجل أرقى وجوديا لكانت المرأة مادة وجوده لا العكس ولكان هو الصورة والغاية وهي المادة والبداية. الرجل هو الشرط المادي لوجود المرأة وهي الشرط الغائي لوجوده لها ما عنده مع ما أضيف إليها لتكون غيره ولا يختلف عنها إلا ما ينقصه بالقياس إليها. لذلك فهو يكون قائما بها وليس قائما عليها فحسب: قيامه عليها سببه قيامه بها لأن المرء لا يحفظ إلا ما يعز وقد يفسد إدراك ذلك في التعامل المرضي. لكنه يبقى لا يتحول في التعامل السوي: فالسلطان الفعلي بيدها حتى وإن بدا السلطان الوهمي بيده بل هو لا يجد في سلطانه معنى إلا بما تلاعبه به من قبول هذا السلطان القبول الطوعي.
وهذا قانون كلي: فهو يشمل كل الكائنات الحية ويدركه كل ذي بصيرة. وبهذا المعنى فإن الرجل مقدم في السلطان على الرزق أعني السلطان الزماني أي سلطان الأدوات والمرأة مقدمة في السلطان على الذوق أعني السلطان الروحاني أي سلطان الغايات: والسلطان الروحاني يبدو تابعا للسلطان الزماني لكن التبعية في العمق هي للروحاني على الزماني دائما. فالذوق هو الحكم في الغاية لذلك كان صاحب السلطان الزماني تابعا دائما لصاحب السلطان الروحاني. وفي الحقيقة فإن التبعيتين موجودتان. لكن تبعية الروحاني للزماني هي تبعية المبدأ الصوري للمبدأ المادي أي إنه يحتاج إليه حاجة طالب المبنى للمبنى وتبعية الزماني للروحاني هي تبعية المبدأ المادي للمبدأ الصوري أي إنه يصبو إليه صبو طالب المعنى للمعنى لكأن المرأة هي المدلول والرجل هو الدال ووحدتهما هي عين الدلالة في ما يسمى سلطانا من حيث هو عبارة المنزلة الوجودية التي يسميها ابن خلدون: حب التأله أي الحرية المطلقة.
ولما كان الرجل ممثلا للعلة المادية بالنسبة إلى المرأة فإن ما يعني المرأة منه هو ما فيه مما يهم الصورة في فعل التصوير: أن يكون أمرا بحاجة إلى صقل هو عين عمل التصوير. وما يحتاج إلى الصقل هو هذا العصيان المادي والصبو إلى الغلبة خلال التعبير عن الانغلاب: لذلك كان الحب لطيفا بما فيه من بقايا الوحشية التي لو خلا منها لفضل عليه الجنسان العلاقة المثلية دون سواها. وهو ما بدأ يغلب في العمران الذي خلا مما وصفنا. لكن الدليل الموجب على ما نقول هو ما يحصل فعلا وليس بمجرد الفرض: فالمرأة التي تدعي رفض هذا التشخيص لا ترفضه إلا في العلاقة الزوجية لكنها تطبقه في العلاقة الغرامية: فهي فيها تطلب الذكر الأقوى فتخضع خضوعا ليس له مثيل إلا ما نراه عند الأنثى في جميع الكائنات الحية بعد لعبة الإغراء لاختيار الذكر المناسب. وكذلك يفعل الرجل: فهو يقبل كل التضحيات لكأنه من فوارس الجاهلية العربية في مثل هذه العلاقة دون أي شعور بأن رجولته في الميزان مهما كان هشا وبشا.
فيكون غرض الشارع أن يجعل ذلك ممكنا في العلاقة الشرعية بين الزوجين إذ يصبح من بنود عقد الزواج: أن يتصرف الزوجان وكأنهما عشيقان وهو المقصود بأن العلاقة تكاد تكون علاقة عبادة من المرأة للرجل وعلاقة تقديس من الرجل للمرأة دون أن يكون في ذلك حاجة لتطبيق الآية التي سخرت منها أعني آية التدرج في حفظ العلاقة الغرامية بين الرجل والمرأة (بشرط أن يكونا مسلمين أي يطبقان على أنفسهما ما يطالبان به غيرهما: إذ لا يحق لمن لا تتوفر فيه شروط الإيمان بأصل الحكم أن يطبق ما له ويتنكر لما عليه منه) حفظا قد يؤدي إلى مراحل العقاب الثلاث عند حصول النشاز (من قبل المرأة لأن للنشار من قبل الرجل له حكمه المناظر المحدد لطبيعة المسألة في الحالتين لكن الناس لا ينتبهون إليه لفساد طرقهم في القراءة والفهم) مع عدم التسريح بالمعروف بسبب صمود العلاقة الغرامية بين الزوجين. ذلك أنه لو لم تكن الآية تتعلق بهذا النوع من العلاقة لما كان الحكم بحاجة إلى هذا التدرج ولكان الحل البديل المغني عن جميع الدرجات هو حل التسريح بالمعروف.
لكن السلطانين الزماني (الذي يغلب عليه دور الرزق) والروحاني (الذي غلب عليه دور الذوق) أصبحا لا اسميين في العمران الذي باتت فيه المنزلة الوجودية تقدر بالمنزلة الاقتصادية أعني أنهما أصبحا فكرتين مجردتين فاقدتين لكل تعيين رغم أنهما في الحياة غير الشرعية الموازية للحياة الشرعية هما الفاعلان حقا بل هما المهربان من هذه الآلية الجهنمية كما بينا في العلاقات الغرامية غير الشرعية التي صارت بديلا من الزواج الذي بات مجرد شركة اقتصادية لا غير: ولسوء الحظ فالعلاقات الغرامية نفسها قد يكون أفسدها استغلال السلطان الأكاديمي في توزيعه العناوين الجامعية! إن الآلية العمياء لفكر التحديثيين الذين فقدوا كل ذوق جعلت المساواة الرياضية العمياء أو الرقمية التامة مثال المنزلة الوجودية مثالها الأعلى. وكان ينبغي عندئذ أن يعترفوا بأنهم لا يعترفون إلا بنوع واحد من المنازل: منازل الأرقام اللااسمية في سوق السوقة أعني البضاعة التي يحدد منزلتها السوقية عرض المتسوقة وطلبهم.


المسألة الرابعة
لم أفهم لجوء الاستاذة إلى قياس الإرث المخول للمرأة في الشرع الإسلامي بالإرث المخول لابن الزنى في القانون الفرنسي. فهل وحدة المقدار بمجردها كافية لتكون مبررا للقياس؟ ومع ذلك فلست ممن ينفي حرية الباحثة في اختيار نموذج الصوغ النظري الذي ترتئيه: فلها كامل الحق في ذلك. اختارت الباحثة إذن أن تقيس هذين الأمرين ربما بسبب ما فيه من التبشيع المقصود إذ قد بينا ما يجعل القياس خاليا من الدور المأمول في عملية معرفية تعتمد على ترجمة من هذا الجنس وهو فيها لا يكون مطلوبا إلا لهذه الغاية. فأصبحت الترجمة مجرد حيلة خطابية توحي للقارئ بسؤال استنكاري قد يكون نصه قريبا من: كيف يمكن لشريعة يزعمها أصحابها سماوية أن تكون نظرتها إلى المرأة دون نظرة شريعة وضعية لابن الزنا ثم يواصل المؤمنون بها اعتبارها مقدسة ؟!
وهذا أيضا مما لا أناقش فيه. فهو أمر مشروع عند من يميل إلى الكتابة الخطابية رغم بدائيته لخلوه-ليس بالذات-بل عند الباحثة من حذق الخداع الذي يرغب فيه الخطباء: فالاستبشاع من أدوات التأثير في الإقناع الخطابي بشرط أن يكون خفي الخيوط وبارع الحياكة فلا تبرز مخارزه للعين المجردة فيفتضح صاحبه ويحصل الوقع المقابل. أما منطقيا فقياس الباحثة بين الحالتين المقيسة والمقيس عليها لا يستقيم إلا إذا سلمنا لها بما بنت عليه علاجها: سلمت أن العلاقة بين مقدار الإرث دالة المنزلة الوجودية للوارث دالة بالمعنى الرياضي للكلمةfunction (in a mathematical meaning) ومن ثم فالتساوي في مقداره دليل على التساوي في مقدارها (بل هي ذهبت إلى أكثر من ذلك إذ الحل الإسلامي بات عندها مفضولا والحل الفرنسي فاضلا لأن ابن زنا في هذا أكبر حظا من البنت في ذاك). وقد عالجنا مسألة العلاقة بين المنزلة الوجودية والملكية والإرث عالجناها آنفا في ثانية المسائل الموضوعية فبينا سخف هذا الحكم فضلا عن كونها تسلمته ولم تعتبره بحاجة إلى دليل.
لكن إذا كانت الباحثة قد اعتمدت طريقة الترجمة فمعنى ذلك أن الظاهرة المترجم إليها تبدو لها ذات شفيف كاشف للبنية النظرية التي أرادت استخراجها لشرح سطح الظاهرة بعمقها أعني بالنموذج المحدد لقوانينها بالمعنى الرياضي للكلمة. وليس بعزيز أن تجد في حديث المتحدثات عن الحداثة من يفهمن هذه الأحداث البديهية لأن حظهن من العلم ينبغي ألا يقل عن حظ ابن الزنا حتى في القانون الفرنسي قبل تعديله الأخير إرثا عن أصحاب الحداثة قيسا لقيمها على قيم الملكية في مثالنا. فعندما نترجم معطيات مشكل رياضي بلغة الجبر لحله فنصوغ معطياته بمعادلة جبرية يكون المقصود بالترجمة الانتقال من الصوغ الذي ينطق بمعجم اللغة الطبيعية ونحوها إلى الصوغ الذي ينطق بمفردات الجبر وقوانينه. عندئذ تصح الترجمة الصوغية: إذ النقلة تغير مستوى الصوغ فتيسر إجراءات العلاج لكونها تبين الخفي من البنية الباطنة للظاهرة المدروسة. وهي لا تكون كذلك إلا بافتراض شرطين يصعب أن يتوفرا في مثال الأستاذة متراتبين على النحو التالي:
فالشرط الأول هو أن يكون الانتقال ضروريا للعلاج علما وأن فعل الانتقال من الصوغ الذي لا يقبل العلاج العلمي (إرث البنت في الإسلام) إلى الصوغ الثاني (إرث ابن الزنا) الذي يقبله ذا قواعد معلومة لأهل الاختصاص ومتفق عليها: شرط وحدة السياق بين الظاهرتين أعني عدم أخذهما بمعزل عنه وهو هنا روح القانون العامة.
والشرط الثاني هو شرط الشرط الأول وهو أن يكون بين الصوغين تشاكل بنيوي يبرزه الصوغ الثاني ويخفيه الصوغ الأول وهو عينه ما يمكن من العلاج. فالصوغ الثاني ليس هو العلاج بل هو كما في مثال الصوغ الجبري يمثل منطلق العلاج المؤدي إلى الحل تحليلا أو تركيبا: شرط التشاكل البنيوي بين نظامي الملكية والوصية.
فهل الحكم القانوني الذي يحدد الإرث عند ابن الزنا في القانون الفرنسي الذي تشير إليه الباحثة يشترك مع النظام الذي يحدد الإرث عند البنت في الشرع الإسلامي في غير المقدار ؟ وهل اعتبار انتقال الملكية بالإرث حقا للوارث يقتضي المساواة بين الورثة يبقي لمفهوم الحرية في التصرف في الملكية معنى خاصة إذا لم نجد أدنى مبرر لحصر هذا المبدأ في الأخوة ؟ وهل الاشتراك في المقدار وحده كاف للقول بالتشاكل البنيوي بين الظاهرتين الموصوفتين أم إنه يستوجب الاشتراك في العلة العميقة التي بموجبها يحدد المقدار أيا كان كما علل القرآن سبب نهي المالك من تفضيل من سيوصي له بما يظنه علما بمن هو أكثر نفعا له من بينهم ؟ والعلة إن وجدت ألا ينبغي أن تكون هي عينها جوهر المبدأ الوجودي الذي يستند إليه التشاكل البنيوي العميق تحت سطح الظاهرتين؟ والتشاكل المبني على المقدار حتى عند التسليم بقابليته للاستعمال في الكلام على الإرث معدوم في هذه الحالة بسبب الخلل في حدود المعادلة. فالمقارنة كان يمكن أن تكون مفيدة لو لم يكن أحد الحدود الأربعة مختلفا: فمقدارا الإرث متجانسان (النصف في الحالتين) لكن الوارثين من جنسين مختلفين (ذكر وأنثى) إلا إذا كان مدلول ابن الزنا يعني الجنسين عند الباحثة. لذلك فالتشاكل حتى لو قبلناه لن يكون وجوديا بل رياضي لا غير بمعنى انتسابه إلى طبيعة طريقنا إلى علمه وليس إلى طبيعته هو طبيعته التي لا ندري ما هي دراية تمكننا من زعم الكلام على المنزلة الوجودية لمن تنسب إليهم الحقوق.
فعلاقة الطبيعتين إحداهما بالأخرى منعدمة أعني أن الوجود (معين المنازل الوجودية) والمال (معين مقادير الملكية الموروثة) ليس بينهما علاقة مباشرة. ومن يدرس العلاقة يجدها تمر بتوسط الحقوق التي تضبط أمرا يكون مشتركا بينهما له شيء من طبيعة حدي التوسط. فمن المنزلة الوجودية تنبع الحرية شرط إرادة الفعل في المجال الإنساني. ومن المال تنبع القدرة عليه في المجال الإنساني. فتكون العلاقة بين الملكية من حيث هي أداة الفعل والحرية من حيث هي علته وغايته أو العلاقة بين الإرادة وإحدى أدوات القدرة موضوع الحقوق التي تصل القانون الذاتي بالقانون الموضوعي ومن ثم تصل الذات من حيث أحد أبعاد منزلتها الوجودية بالملكية من حيث أحد أبعاد دورها في تحقيق أحد شروط الإرادة النافذة أي القدرة: فيكون الأمر كله متعلقا بحق تملك المال وبحرية التصرف فيه دون وصاية أيا كان مقداره وفي ذلك تتساوى المرأة والرجل في الشرع الإسلامي ولا أظن الأمر كذلك في أصل الشرع الذي أخذت الباحثة منه مثالها المحبب. ولن يختلف الأمر حتى لو كان كذلك إذ يكون التعلق بحرية التصرف وليس بمقدار المتصرف فيه.
أما تساوي المقدارين وحده فهو غير كاف ليكون في المقيس عليه دلالة أوضح مما في المقيس في هذه الحالة على القانون العام الذي يشتركان فيه أعني في التشاكل البنيوي المطلوب المعلل للنقلة من أحدهما إلى الآخر ومن ثم الممكن من العلاج. ولا أظن الكاتبة تستعوص مثل هذا الكلام فهو واضح حتى للمبتدئين في فنون العلاج الرياضي فكيف بالمتجاسرين على تفسير القرآن بمثل هذه الأقيسة العجيبة ؟
وظني-والله أعلم- أن علة نصف الإرث عند ابن الزنا غير علة نصف الإرث عند البنت في الإسلام رغم علمي أن هذا النصف الأخير ليس معللا في أي نص قرآني اللهم إلا إذا حملنا محمل الجد ما استنتجته الكاتبة بتأويلاتها لتاريخ خصومة الإرث عند العرب في الجاهلية وفجر الإسلام. فكل هذه التأويلات أقل ما يقال فيها إنها ليست مبنية على قواعد سليمة كما سنرى في المسألة المنهجية الموالية. فعلة مقدار الإرث ينبغي أن تكون من جنس الموروث أعني أنها ينبغي أن تكون من خصائص الملكية الكمية وليس من كونها ملكية ولا من كونها دالة على الحرية التي هي مقوم من مقومات المنزلة الوجودية: فحرية التصرف في المال لا تقدر بمقدار المال بل بمقدار التصرف. ولا شك أن مدى فاعلية الحرية يمكن أن تقاس بمقدار المال في المجتمع الإنساني لتقدير المنازل الاجتماعية بمقداره وخاصة في المجتمعات الأليغارشية كالتي يحلم بها حداثيونا ويسمونها ديموقراطية: يصعب أن يفهموا التشريع المعد لمجتمع ذي قيم ارستوقراطية تشمل الجميع مجتمع للفضيلة فيه معنى وبها تحدد المنازل لأن معيارها التقوى في التعارف وليس التقية في التناكر.
وفي هذه الحالة تكون علة النصف في إرث ابن الزنى -والله أعلم- تقليد موروث عن العرف الفرنسي قبل الثورة بقي في لاوعي المشرع الفرنسي. فهو ابن من أم لم تدفع لأبيه ما يقابل الصداق عندنا لأنه لم يتزوجها قانونيا-كما هو الشأن في عرفهم المشار إليه ولا ننسى أننا نتكلم على من عندهم ما يورث ولهم القدرة على الزنا المعلن والاعتراف بالأبناء الطبيعيين بالمصطلح غير الديني ما دمت أتكلم بلغة الأكاديميين المتحررين من هذه المفردات غير المحايدة فلا معنى لوصف العلاقة بالزنا عندهم !- فلا يكون له من الإرث إلا نصف حق الابن الشرعي الذي يرث من الثروة بكاملها - أعني من ثروة الأب وفيها ثروة الأم التي انضمت إلى ثروته والتي يعد الصداق جزءها الأهم-وليس من نصفها. وهذا يبين أن النصف هنا عادل بإطلاق. لكن مثل هذا التعليل منعدم في الحالة الإسلامية: ليس للأب مبرر لحرمان البنت من النصف الذي خصم من حقها الكامل بمنطق الباحثة إذ حتى هذه الحجة التي وجدناها لنصف ابن الزنا ليس لها وجود لبنت الحلال ! إنه حرمان تحكمي مائة في المائة: ليس من مبرر قابل للتصور من أصل الملكية نفسها كما في حالة ابن الزنا.
لكن الباحثة استعاضت عن العلة التي حددها الشرع الإسلامي بعلة استنبطتها بعملية تأويلية غير مشروعة منطقيا وفلسفيا سنأتي إليها لاحقا. فالعلة عندها ليست إلا مجرد تحيل ينصف به الشارع المفضول للمحافضة على منزلته الدونية أو مفضوليته. وهو عندها لن يتحرر إلا بالعدل الذي هو عندها المساواة وهي في عرفها فوق الإنصاف. وكنت في الحقيقة أظن الإنصاف أبلغ من العدل لأنه يتجاوزه إلى الإحسان فإذا بي أجده قد أصبح حائلا دون العدل والمساواة. فلا العدل هو أن تعطي المرء ما يستوجبه مقامه ولا الإنصاف هو أن تقسم معه مناصفة دون اعتبار للمنازل بل العكس هو الصحيح عند فيلسوفة الحقوق في فقه اللغة الحداثية: ربي زدني علما.
والمشكل الأهم في هذه الترجمة العجيبة أن الأستاذة لم تبحث في تعليل مناصفة ابن الزنا أصلا فضلا عن عدم الوعي بعدم تعليل مناصفة الإناث في الشرع الإسلامي. لكنها حاولت طلب التعليل من خارج النص واللجوء إلى أسباب النزول بدون رابط بين الآية وسبب نزولها كما حاولت طلبه من غير الآية إما في السنة أو في تاريخ الجاهلية. وهذا خروج عن مفهوم سبب النزول من أصله تسليما جدليا منا بأن سبب النزول يصلح تفسيرا لكون النصوص هي على ما هي عليه فيتجاوز كونه من دوافع إيجاد النص المعلومة وليس علة كونه على ما هو عليه.
وحاصل القول إن الترجمة لم تكن بهدف صوغ المعادلة التي تساعد في العلاج بل هي من جنس حيل الخطابة التي تعتمد على الاستشناع الخطابي من أجل الاستفظاع الدرامي المؤدي إلى إقناع المخاطب برأي الخطيب الذي أعيته الحجة بمقومات ما يصفه بخطابه. ولعله من فساد الذوق أن يقارن المرء شرعا مقدسا عند شعبه حتى وإن لم يكن المقدس ذا معنى عنده بمدنس حتى في الشرع الوضعي الذي اعتمده رغم كونه يجهل منه العلل والأسباب: فتكون الشريعة الإسلامية في مسألة إرث البنت أشنع من الشريعة الفرنسية في إرث ابن الزنا. ولما كانت ثروة الأب ليست له وحده في نظام الملكية التي أخذ منها مثال إرث ابن الزنا بل هي ثروة الوالدين كان من المعقول جدا ألا يحصل ابن الزنا إلا على نصف ما يحصل عليه الابن الشرعي. ولما كانت الباحثة قد تكلمت عن ابن الزنى دون بنت الزنا فإننا لن ندلي برأي حتى تفعل على ألا ننسى المساواة بين حظ الزواني والزناة حظهم من العلوم التي تقيس المنازل الخالدات بالفاني من الممتلكات.

صهيب منير يوسف
24-07-2007, 15:36
المسألة الأخيرة
لعل فهوم الحداثيين لا تزال دون إدراك الفرق بين السبب والعلة. لعلهم لا يدركون أن السبب لا يعدو أن يكون الحدث العارض الذي يمكن أن ينبه الإنسان إلى أمر. لكن علة الأمر غير سبب إدراكه. فالأمران ينتسبان إلى سلسلتين من الأحداث مختلفتان تمام الاختلاف:
أولاهما متصلة بأثر وقعه يجري في مستوى الأحداث النفسيه (=صغائر التاريخ).
والثانية لها تعلق بترابط الأحداث التاريخية (=عظائم التاريخ) الذي انتبه إليها الإدراك.
وهذا الأمر مقوماته ذات ترابط وجودي لا يُعلم إلا بما يكونه العقل من ترابط بين حدود منطقية مشاكلة للحدود الوجودية ويُجهل إذا ظنت علله راجعة إلى الأحداث النفسية. ولنضرب مثالا مشهورا حتى يفهم من يدعي الفهم من دون أسبابه: فلو صحت نظرية مفسري التشريع الإسلامي بأسباب نزول القرآن لكانت خرافة التفاحة التي سقطت على رأس نيوتن تفسيرا لبنية قانون الجاذبية!
لافائدة من التذكير بدلالة المطلع الشهير لأشهر قصائد المتنبي. فتفسير جلائل التاريخ بصغائر أحداثه هو الأصل في الأهمية التي يوليها من يخلط بين أسباب النزول وعلل كون النازل هو على ما نزل عليه. ويذكرني هذا بموقف ابن خلدون ممن يفسر نكبة البرامكة بالعلاقة الغرامية بين العباسة والبرمكي وليس بالصراع السياسي بين العصبيتين العربية والفارسية. فعندي أن كل محاولات فهم التشريع القرآني بأسباب النزول-حتى لو توفرت وكانت العلاقة بين النص والأسباب ثابتة-لا تعدو أن تكون تفسيرا للتاريخ الكبير بالتاريخ الحقير: لذلك ترى كل الحداثيين يسترقون السمح لما يجري في بلاطات بلادهم لتفسير التاريخ بمقاسهم ماضيه كحاضره وجليله كذليله.
سأستسمح القارئ باستطراد مشروع في مثل هذه الحالات التي يكون فيها علاج المسائل البنيوية سانحة لعلاج المسائل الظرفية. فقبل الكلام على هذه المسألة العويصة أشير إلى مأساة-ملهاة ركحها أقسام العربية في الجامعة التونسية. فعلوم العربية التي هي أسمى علوم الأمة ماتت وعوضها شبه من التفلسف مربع قل أن تجد له مثيلا في الجامعات التي جعلها النقد الذاتي تتحرر من سلطان الدجل:
فبعض المختصين فيها أصبحوا فلاسفة تاريخ.
وبعضهم أضحوا فلاسفة حضارة.
وبعضهم أمسوا فلاسفة نقد.
وهم جميعا باتوا فلاسفة تشريع.
ولم يبق أحد في أقسام العربية مختصا في علوم العربية إذا أضفنا إلى هذا الرابوع الرطن بما يسمى اللسانيات بين قوم لا يكاد أغلبهم يجيد اللسان العربي حتى وإن صندق قواعده فضلا عن غياب تعدد الألسن الضروري لمثل هذه المهام. ووهم تفسير التشريع الإسلامي بأسباب النزول بدأها زعيم فلسفة التاريخ رغم كونه ينتسب إلى اختصاص العربية وتابعها زعيم فلسفة الحضارة رغم نفس الانتساب وأتمتها زعيمة فلسفة النقد رغم نفس الانتساب فصار عندهم الكلام في الفلسفة جزافا دون حساب: إذ كلهم يشتركون في جرأة التطفل على ما ليسوا مطالبين بعلمه جرأة لا يساويها إلا الجرأة على إهمال ما هم مطالبون بعلمه.
فهل الآداب العربية تعد إلى فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة وفلسفة النقد إعدادا يؤهل أصحابها إلى الخوض في فلسفة التأويل والشرائع والأديان خوض العلماء؟ أم إن المنتسبين إليها يعبرون عن مواقف شخصية في حدود ما يضمنه حق التعبير الحر للمواطن بخصوص التشريعات التي تنتظم بها حياة الجماعة ؟ لن أجادل إلا في الخلية الأولى من هذا الخيار. أما الخلية الثانية فلا جدال فيها. فحق المواطن حتى الغر حق مستقر له أن يقف ما اختار من المواقف. لكن أن يزعم البعض موقفه علما وأن يقدمه على أنه ليس موقفا شخصيا بل تأسيس لنظريات في فهم التشريع الإسلامي وتأويل مضموناته فيجعله مادة للتدريس الجامعي دون فهم لمعنى الفصل بين مجال النقاش العمومي بين المفكرين ومجاله الخصوصي لتدريس المضمونات العلمية في الجامعات فذلك هو ما أعتبره مأساة-ملهاة تجري على ركح أقسام العربية في جامعاتنا.
ولنستأنف البحث في قضية العلاقة بين أسباب النزول والنصوص النازلة. وحتى نعالج القضية بأكبر قدر ممكن من الحياد سنفردها فنجردها من بعديها التشريعي عامة والتشريعي الديني خاصة. لن نهتم بأسباب التشريع عامة (وضع القوانين) ولا بأسباب النزول (التشريع الديني) بل سنهتم بوقوع التقنين وأسبابه سواء كان الأمر متعلقا بوضع التشريعات (في مجال المعايير القانونية) أو بوضع النظريات (في النظريات العلمية).
فلنبدأ بالنظريات العلمية إذ هي أيسر على الفهم من التشريعات القانونية رغم كونها تقنين وإن كانت من جنس مختلف بمقدار ما فيها من محدد ينتسب إلى الموضوع يغلب على المحدد الذاتي. وهي أيسر على الفهم لأن هذا الترابط مع الموضوع رغم وجوده ليس ما يبدو منه سببا في وقوع التقنين علة في كون التقنين على الحال التي يكون عليها في النظرية العلمية. فلا شك أن بعض التجريبيين يتصور المعاينات التجريبيبة من أسباب وضع النظريات العلمية. لكني لم أسمع بواحد منهم-مهما طغت عليه النزعة التجريبية- ذهبت إلى أن يصير غفلا فيعتبر المعاينات علل كون القوانين العلمية هي ما هي رغم تسليمه بأنها أسباب وقوع التقنين. فالقوانين العلمية تخضع لمنطقين متعامدين:
1- أحدهما منطقي خالص هو تناسق النظريات في تواليها التاريخي (تاريخ بناء علم الفيزياء مثلا هو الذي يحدد المشاكل الفيزيائية وحلولها ومن ثم النظريات من حيث هي لبنة في جسم علم الفيزياء) وفي تساوقها الفني (التناسق مع فروع علم الفيزياء والعلوم الشارطة كالرياضيات والمشروطة كالكيمياء)
2- والثاني اقتصادي خالص هو النسق الأبسط والأقل مفروضات لعلاج أكبر عدد مممكن من القضايا التي يطرحها المجال الموضوع للعلم في تواليها التاريخي (التقليل من الشذوذ التجريبي في ظاهرات الموضوع) وتساوقها الفني (الاستفادة من تقدم العلوم الشارطة والعلوم المشروطة).
أما ما يسمى بأسباب الوقوع أو التجارب التي بموجبها يضطر العالم إلى مراجعة نظرياته أو وضع نظريات جديدة فهي من جنس المنبة الذي يوجه انتباه العالم وليست من جنس علة العلم الذي يصل إليه العالم لعلاج الأمر الذي نبهته إليه الأسباب. إنها تنبهه إلى أمر ينبغي أخذه في الحسبان دون أن تحدد كيفية أخذه في الحسبان: وكيفية الأخذ في الحسبان هي الإدراج في النص القانوني. فهذه الكيفية ينبغي أن تخضع للمنطقين المتعامدين اللذين أشرنا إليهما أي المحدد المنطقي أو ما يمكن أن يعتبر جوهر الأكسيومية التي هي صورة العلم والمحدد الاقتصادي الخالص أي ما يمكن أن يعتبر جوهر الفاعلية التي هي وظيفة العلم من حيث هو صورة علمية عن العالم من إبداع عقول العلماء وأداة فعل فيه لنفاذ القوانين إلى البنى الباطنة التي غالبا ما تكون الأسباب الظاهرة حاجبة لها لا كاشفة.
ولنأت الآن إلى التشريع. فهو يقبل القيس على ما يتصف به العلم من حيث هذين المحددين المؤثرين في كونه ما هو وتحرره من سبب الوقوع. فلا وجود لتشريع يتجدد في كل لحظة بمقتضى المنبهات الخارجية التي تمثلها أسباب النزول في حالة التشريع المنزل وأسباب الوقوع في حالة التشريع الوضعي: ويذكرني هذا الموقف بموقف فقهاء "عقاب زمان" الذين يتصورون الفقه لا يتطور إلا بالمنبهات الخارجية المنبهات التي يسمون الانتباه إليها فقه الواقع وهو في الحقيقة البديل من علم الواقع العلم الحقيقي فيكون فقه الواقع عين الجهل بطبيعة التشريع والواقع معا. فكل قانون جديد لا يتصل به سبب النزول أو الوقوع إلا بتوقيت التشريع وظرفه. لكن التشريع الذي سينتج بعد هذا التنبيه لن يكون محكوما إلا بالمحدد المنطقي والمحدد الاقتصادي بالمعنيين اللذين أشرنا إليهما في حالة القانون العلمي على الأقل من حيث صورته القانونية.
لا شك أن الكثيرين سيحتجون بأن القانون التشريعي عامل التأثير فيه الخفي أهم من هذين العاملين المحددين لصورته القانونية دون مضمونه القانوني: وهذا العامل هو علاقات القوة في المجتمع لأن القانون هو في الأغلب ترجمة لعلاقات القوة السياسية في الجماعة. وهم يحتجون هذا النوع من الاحتجاج لظنهم القانون العلمي خاليا من أثر علاقات القوة في المجتمع. فخيار الحلول في الحالتين خاضع للتناسق مع النسق العام للحضارة التي يقع فيها التشريع بحسب مجالاته الثقافية. الفرق الوحيد أن المحدد الذي من هذا الجنس في القوانين العلمية هو علاقات القوة في وسط الثقافة العلمية أو في الجماعة العلمية. فخيارات الحلول النظرية محكومة بعلاقات قوى بين مذاهب فكرية أو فلسفات يحكمها في الغاية خيارات عملية تعود إلى جنس الخيارات التي تحكم أخلاق الجماعة العامة ما كان منها واعيا أو غير واع أعني ما يسمى ب »المعروف والمنكر في ذلك المجال » Sittlichkeit. وهي في التشريع علاقات القوة التي يبدو فيها هذا الطابع بأكثر وضوح لأنها تحدث في وسط الثقافة السياسية أو الجماعة السياسية التي مدارها الأخلاق العامة لجماعة من الجماعات.
وفي كل الأحوال فليس سبب النزول أو سبب الوقوع إلا المنبه أو ما يسمى بالفرنسية La cause occasionnelle ليس هو العلة الذاتية لما سيكون عليه القانون سواء كان علميا أو شرعيا بل هو المناسبة التي يأتي القانون لعلاجها بمنطقه الخاص وليس بما ورد في السبب من منبهات تعد السانحة التي وجهت الذهن إلى عرض من أعراض ما سيعالجه التشريع. فكل ما قاله طالبو التفسير بأسباب النزول يمكن أن يكون صحيحا من حيث التنبيه إلى ضرورة علاج المسألة التي يريدون تفسيرها. لكن تلك الأسباب لا تفسر كون ما يريدون تفسيره على ما كان عليه بل هي قد تفسر توقيت وقوعه وظرفه لا غير. لذلك فليس لما قالته الباحثة حول الإرث عند العرب وفي لحظة نزول الآية علاقة بما تم في آية الحد من حرية التصرف في الوصية. ولا يطلب المحدد إلى من مصدرين:
الأول هو ما ورد في الآية نفسها وهو ما حللناه في المسائل الموضوعية الثلاث.
الثاني هو روح التشريع الذي دلنا إلى المقصد الأول من التحديد الوارد في النص.


الخاتمة
كيف نفهم عدم الفهم عند من لا يميز بين سبب نزول النص (أو وقوعه في القانون الوضعي) وعلة ما نص عليه؟ وكيف ندرك عدم إدراك من يتصور الترجمة أداة تحليل كيفما اتفق فينتهي إلى التطفل على غير اختصاصه بمعان ثلاث؟ فمسألة المساواة في الإرث بين الرجال والنساء وإن كانت ذات صلة بقضية الجناسة والحركة النسوية-فتفهم دافعا للاندفاع وعدم الروية- فإنها لا تقتصر عليها بل تتعداها إلى ثلاثة وجوه يحق لأي إنسان أن يقف منها الموقف الذي يلائمه دون أن يزعم موقفه مستندا إلى معرفة علمية بل هو مجرد رأي. ليس يحق له أن يقدم مبررات موقفه وكأنها علوم بأسانيد فيها شبه من البحث الأكاديمي بما يرد فيها من مصطلحات رنانة تزعم عقلية (مثل المنزلة الوجودية ومنهج الترجمة طلبا للنبية العميقة والمسكوت عنه زعما باسمتعمال الهرمينوطيقا إلخ..) وتشخيصات تبدو انثروبولوجية في ما وراء أسباب النزول. فلا بد من علم متين في ثلاث اختصاصات ليس لمن اختصاصه العربية حتى وإن زعم التفلسف في التاريخ أو في الحضارة أو في النقد الأدبي مقومات الكلام العلمي فيها خاصة إذا أصبح هذا التطفل حائلا دونه والتمكن من العلوم الأدوات ليخوض في العلوم الغايات:
أولها حقوقي وقانوني
والثاني منطقي وفلسفي
والثالث عقدي وديني.
ولما كان الاختصاص الأخير أقل الثلاثة بعدا عن الالتزامات التي يصعب ألا يقع فيها الخلط بين الموقف والعلم بات التطفل عليها داء دويا وخاصة في المتطفلين على فلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة وفلسفة النقد فإني ركزت على الأولين ولم أجادل في الأخير رغم علمي بأن أكثر الناس هوسا بالهاجس الديني هم من يزعمون وقوف مواقف العلمانية: فلو اعتبرنا كثرة الكلام في المسائل الدينية حتى سلبا مقياسا لمعرفة الهواجس التي تدور في خلدهم لكانوا أكثر معاناة للمسألة الدينية ممن يزعمون إسلاميين في الحركات المتحمسة للفعل المباشر واستبدال النظريات الفلسفية بالثرثرات الإيديولوجية.
وحتى يتأكد من الحداثة الكاذبة في فكر الحداثيين العرب يكفي أن تسأل عن طبيعة الشرعية التي يستند إليها التشريع الوضعي الذي يريدون. فمن المفروض أن يكون البديل الوحيد من شرعية التشريع الذي تقول به أخلاق الجماعة التي ينتسبون إليها الشرعية الديموقراطية أعني إرادة الجماعة التي يريدون أن يفرضوا عليها آراءهم التشريعية. فهل يقبلون مثلا أن يعرض مقترحهم بالحد من حرية المالك في الوصية إلى غاية تتحقق فيها المساواة بين المرأة والرجل في الإرث على الاستفتاء الشعبي ؟ طبعا سيكون ردهم: لكن الشعب جاهل ولا يفهم ما يفهمون. فيثبت من ثم أنهم ليسوا علمانيين بل قائلون بكنيسة العقلانيين الاستبداديين الذي يشرعون للشعب بديلا من الكهنوت الذي ينسبون إليه ما يعتقد الشعب أنه إرادة الله.
إنهم يقدمون أنفسهم على أنهم تحرروا من سلطان الكهنوت الزائف باسم إله وهمي حسب رأيهم بسلطان كهنوت أكثر زيفي باسم إله هو عين التزييف: العقل الذي لا يمتاز عن الرأي وعبادة الهوى إلا بالادعاء. أما خصومهم فيجمعون بين الشرعيتين: شرعية ما تؤمن به أغلبية الجماعة وشرعية ما تريده الجماعة شرعا لها لو استفتيت في تشريعاتها. لذلك فإنه لم يبق لهؤلاء غير شرعية الاستبداد الذين هم حلفاؤه موضوعيا وذاتيا مع "رفاه" المعارضة الصالونية التي لم تعد تنطلي على أحد وخاصة منذ أن تبين للجميع حلف أغلبهم مع رأس الطاغوت الروحي (إسرائيل أو/والفاتيكان) والمادي (فرنسا أو/والولايات المتحدة) في الحرب على حصانة الأمة الروحية بالعمالة الفاقدة لكل روح والعابثة بكل القيم باسم عقلانية قاصرة على أدنى شروط علوم العقل والنقل.

http://www.almultaka.net/makalat.php?subaction=showfull&id=1174852736&archive=&start_from=&ucat=3&

صهيب منير يوسف
24-07-2007, 15:39
رابط المقالة التي نقضها الأستاذ الدكتور أبو يعرب المرزوقي

http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=90253

http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=91228

http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=93770