المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أركان الفقه المدني



حسين القسنطيني
21-07-2007, 15:19
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه ، أما بعد:
فأما الفقه المدني فنسبة للمدينة المنورة دار الهجرة ارتضاها ربنا موطنا لرسوله و جعل أهلها أنصارا لله و رسوله و دينه، و زاد الله حب الرسول لها على ما كان منه لمكة و جعل الأنصار شعارا و الناس دثارا و لولا الهجرة لكان صلى الله عليه و سلم امرأ من الأنصار ، و لو سلك الناس واديا و شعبا لسلكنا كلنا إن شاء الله تعالى وادي الأنصار و شعبهم تأسيا برسول الله صلى الله عليه و سلم، كما ننقل عن الشيخ بوساق، و أما الأركان فالقصد العلماء الذين بني عليهم هذا الفقه و بقوا في مدينة رسول الله مستوطنين بها و عددهم يزيد عن الخمسين و مئة، مما لم يتوفر في مصر من الأمصار، و لكننا بحول الله نأتي على التعريف بمن آل إليهم هذا الفضل و العلم من مشاهيرهم، و على رأسهم أبو بكر و عمر و علي و ابن مسعود و زيد بن ثابت و أبو موسى الأشعري رضي الله عنهم جميعا، قال الشعبي "كان العلم يؤخذ عن ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، فكان عمر و عبد الله و زيد بن ثابت يشبه علمهم بعضهم بعضا، و كان يقتبس بعضهم من بعض، و كان علي و أبي بن كعب و الأشعري يشبه علمهم بعضهم بعضا و كان يقتبس بعضهم من بعض'.
و لعل الشيخ بوساق ذكر أبا بكر و لم يفَصل في تبيين دعامته في الفقه المدني لقلة زمن خلافته لرسول الله و انشغالهم بحروب الردة، و لكن لا يخفى على أحد فضل سيدنا أبي بكر و علمه و سيره على سنة نبيه صلى الله عليه و سلم بغير خروج عن السكة و لو قيد أنملة، و كذلك لتقارب عهد النبوة و بقاء الصحابة في المدينة حينها على ما تركهم رسول الله صلى الله عليه و سلم.
وأما عمر الفاروق رضي الله عنه فلو وضع علم أحياؤ العرب في كفة و علم عمر في كفة لرجح بهم علم عمر كما نقل ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه و قوله أيضا عنه: إنا كنا لنحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم" و يكفيه قول رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه:"إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به"، فكان هو إمام المدرسة في عصر الصحابة و باني قواعدها، فسار على ما أصل الصحابة و التابعون، و استقوا المنهج و استنبطوا الفتاوي و فرعوا الفروع عليها.
و أما زيد بن ثابت رضي الله عنه فهو إمام الناس كلهم يستخلفه عمر في كل سفر يسافره، بل و حتى عندما فرق الناس في البلدان أبقى سيدنا زيدا إلى جانبه فإذا كثر الخصوم على سيدنا عمر صرفهم إلى زيد بن ثابت و إذا جاءه من يريد أن يسأل عن الفرائض بعثه إلى زيد. و هذا عبد الله بن عباس أخذ مرة لزيد بن ثابت الركاب ليمتطي فلما قال له تنح يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: هكذا نفعل بعلمائنا و كبرائنا. و كان سعيد لن المسيب رحمه الله تأتيه الأحاديث و العلم فيقول "فأين زيد بن ثابت من هذا؟... ما رأيت أحدا من الناس يعمل بها و لا من هو بين ظهرانيهم." فكان رضي الله عليه أحد أكبر أركان هذه المدرسة و أساتذتها و نقشوا أصولها.
و أما عبد الله بن عمر فقال الإمام مالك رحمه الله عنه: كان إمام الناس بالمدينة بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر.
و يروى عنه كذلك تتبعه و حرصه الشديد على آثار رسول الله صلى الله عليه و سلم و سنته حسا و معنى و عدم الميل إلى الرأي حتى قال نافع رضي الله عنه"إن عبد الله بن عمر تبع أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم و آثاره و أفعاله حتى كأنه خيف على عقله" و يروي عنه سيدنا مجاهد رضي الله عنه أنه كان في سفر مع ابن عمر رضي الله عنه فمر بمكان فحاد عنه، فسئل لم فعلت؟ قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم فعل هذا ففعلت". ثم إن طول حياة هذا الصحابي الجليل مكنه من أن يؤسس للمدرسة المدنية و يؤثر فيها أكثر من تأثير سيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنهم جميعا، و كان بعيدا عن الخلافات السياسية مشتغلا بالعلم و الفقه، فكان الناس أشد احتياجا إليه و إلى علمه من الماء، فحرصوا على الإنتفاع بعلمه، فأخذ عنه كبار التابعين علوم الإسلام، و من أشهرهم الفقهاء السبعة الذين آلت إليهم علوم الإسلام.
و أما أمنا الفاضلة الطاهرة الحبيبة الغالية عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها و أمنا أم سلمة فكانتا أكثر حفظا لسنة النبي صلى الله عليه و سلم من بين أزواجه رضي الله عنهن أجمعين و تفردت أمنا عائشة بالفقه فكانت تفتي في عهد عمر و عثمان و بعدهما حت توفيت رحمها الله كفان خلفاء رسول الله يسألونها عن السنن، و كان مشيخة أصحاب رسول الله يسألونها عن الفرائض، قال عروة بن الزبير رضي الله عنهم جميعا: ما جالست أحدا قط أعلم بقضاء و لا بحديث بالجاهلية، و لا أروى للشعر و لا أعلم بفريضة و لا طب من عائشة". و كان من تلامذتها اثنين من كبار الفقهاء السبعة لا يكادون يتجاوزون قولها -القاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها و ابن أختها سيدنا عروة بن الزبير.
ثم جاء الفقهاء السبعة الذين هم أشهرمن عرف في المدينة من الفقهاء و أعلم مؤسسي المدرسة المدنية، إذ كانوامن بين سبعين و مشة من التابعين بالمدينة نشروا العلم و أسسوا لهذه المدرسة المباركة، فكان هؤلاء السبعة هم الذين انتهى إليهم علم الصحابة جميعا و صارت إليهم الرياسة في الحديث و الفقه و الفتوى بعد صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم رضوان الله عليهم، و هم: سعيد بن المسيب و عروة بن الزبير و القسام بن محمد و خارجة بن زيد و أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام و سليمان بن يسار و عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، و وقع اختلاف يسير فمن العلماء من يذكر سالم بن عبد الله بن عمر أو سلمة بن عبد الرحمان بدلا من أبي بكر بن عبد الرحمان.
و كان كذلك من نظراء هؤلاء جمع طيب مبارك عالم فقيه لا يقلون عن الفقهاء السبعة إلا باليسير اليسير منهم أسيادنا قبيصة بن ذؤيب و أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم و علقمة بن وقاص و عبد الملك بن مروان و عمر بن عبد العزيز.
قال ابن المديني:كان أصحاب زيد بن ثابت الذين يذهبون مذهبه في الفقه و يقولون بقوله اثني عشر رجلا منهم من لقيه و منهم من لم يلقه و كان أعلم أهل المدينة بهؤلاء الإثني عشر و مذهبهم و طريقتهم ابن شهاب الزهري و يحيى بن سعيد و أبو الزناد ثم كان بعد هؤلاء يذهب هذا المذهب و يقوم بهذا الأمر مالك بن أنس و معه آخرون.
و كان كذلك من الذين أخذ عليهم الإمام مالك رضي الله عنه و عمن أخذ عنهم من أقران الزهري نافع بن سرجس و ربيعة الرأي (الذي قال فيه الماجشون لأهل العراق: تقولون ربيعة الرأي؟ لا والله ما رأيت أحدا أحوط لسنة منه" و قال يحيى بن سعيد: ما رأيت أحدا أفطن من ربيعة، هو صاحب معضلاتنا و عالمنا و فاضلنا. و قال الإمام مالك "ذهبت حلاوة الفقه لما مات ربيعة. ) و زيد بن أسلم
اقتباس: المسائل التي بناه الإمام مالك على عمل أهل المدينة للدكتور بو ساق.