المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقوبات الاسلامية .... للبوطي



محمد عوض عبد الله
13-07-2007, 22:05
العقوبات الإسلامية
وعقدة التناقض بينها وبين ما يسمى بطبيعة العصر الحديث]]من المعلوم أن العقوبات في الشريعة الإسلامية تنقسم إلى نوعين :
عقوبات مقدرة بنصوص من الكتاب أو السنة ، لا تدع مجالاً لتغييرها، مهما تطورت الأزمنة واختلفت الأمكنة.
وعقوبات فوض الشارع تقديرها إلى بصيرة الحاكم المسلم، على ألا تتجاوز حدوداً معينة.
فأما النوع الأول منهما ، فيتعلق بجرائم أساسية هي في الحقيقة أمهات الجرائم والانحرافات المختلفة التي قد تشيع في المجتمع ، وهي لا تخلو من أن تكون انتهاكاً لكلي من حقوق الله عز وجل، أو لكلي من الحقوق الإنسانية، أو انتهاكاً لقيم أخلاقية ذات خطورة اجتماعية وآثار هامة.
وبتعبير آخر : هي الجرائم التي تعد انتهاكاً مباشراً للضروريات المتعلقة بكليات المصالح الخمس ، التي قامت شرعة الإسلام لتحقيقها وحمايتها.
وهي : الدين ، والحياة ، والعقل ، والنسل ، والمال.
فكان من مقتضى خطورتها هذه أن أناط الشارع بها عقوبات محددة بنصوص صريحة واضحة ، وأن لا يدع أمر النظر فيها عائداً إلى إجتهادات العلماء والحاكمين ، تحسباً للأخطاء الاجتهادية فيها من جانب، وسداً لسبل التهاون في أمرها من جانب آخر.
وهي : قتل المرتد . وقد شرعه الله حفظاً للدين.
- والقصاص . وقد شرعه الله حفظاً للحياة .
- وحد الشرب ، وقد شرعه الله تعالى حفظاً للعقول.
- وحد الزنى والقذف ، وقد شرعهما الله تعالى حفظاً للأنساب والحرمات.
- وحد السرقة ، وقطع الطريق ، وقد شرعهما الله تعالى حفظاً للأموال.
فهذه هي الحدود. وقد ذهبنا مذهب من يرى عد القصاص من الحدود.
وأعلى درجاتها القتل ، ثم القطع ، ثم الضرب أو الضرب مع النفي والتغريب.
وأما النوع الثاني منهما ، فيتعلق بجرائم وإنحرافات فرعية ، لا بد أن يمت كل منهما بنسب إلى واحدة من تلك الجرائم الأساسية التي حدد الشارع عقوباتها ، ولكنها لا تعدو أن تكون مقدمة إليهما ، أو ذيلاً من ذيولها ، أو نوعاً من التهييج نحوها والدعوة إليها.
فلئن كانت الجرائم الأساسية التي نص الشارع عل عقوباتها إهداراً لما هو ضروري لتحقيق المصالح الخمس التي ذكرناها، فإن سائر الجرائم الأخرى تعد إهداراً لما هو حاجيّ أو تحسينيّ من أجل تحقيق تلك المصالح ذاتها.
فمن أجل ذلك عهد الشارع إلى وليّ الأمر برسم العقوبة التي يراها مناسبة لكل انحراف أو جريمة من هذه الجرائم الفرعية ، على أن تراعي في ذلك شروط وقيود معينة لا مجال للحديث عنها في هذا المقام. وتلك هي التعازير.
وإذا كان حديثنا في هذا الصدد عن النوع الأول ، وهو ما يسمى بالحدود، فإنى لأعتقد أن أهم عقدة تبرز في هذا الموضوع وتحتاج إلى المعالجة والنقاش في عصرنا هذا ، هو التناقضات القائمة في أذهان كثير من الناس ، بين هذه الحدود وطبيعة العصر الذي نحن فيه.
بل إننى لا أتصور أن يقوم أي عائق في طريق تنفيذ الحدود وتطبيقها في أي مجتمع من المجتمعات اليوم، إلا إذا كان ثمرة لهذه التناقضات.
فما هي هذه التناقضات ؟
وما مصدرها وقيمتها في ضوء العلم ؟
ثم ما هو سبيل القضاء عليها ؟
على هذا الترتيب سنسير في معالجة بحثنا هذا إن شاء الله.
أولاً : ما هي حقيقة هذه التناقضات ؟
إن الباحث قد يخيل إليه أن مظاهر هذه التناقضات كثيرة متعددة الجوانب، غير أني أعتقد أنها تنتهي على مظهرين اثنين لا ثالث لهما ، وسأشرح كلاً منهما بشئ من النظر والتفصيل.
المظهر الأول : هذا الثبات الذي تتسم به الحدود في الشريعة الإسلامية .. فقد اجتازت أربعة عشر قرناً من الزمن، بما تحمله هذه القرون من طوارئ العادات والظروف والمدنيات ، وهي : لم تتطور ولم تتبدل ، لم تعل إلى مزيد من الشدة، ولا تدانت إلى شئ من اللين والخفة !
والنفس الإنسانية . أينما كانت ، تعاني من عقدة ضد القديم.
فهي تتبرم من القديم وتعافه ، إذ يخيل إليها أن الزمن استحلب خيراته واعتصر كل ما قد كان فيه من نفع وجدوى ! .. وهي تحفل بكل جديد وتتشوق إليه. إذ يخيل إليها أنه قد يكون مليئاً بما لم يكتشفه الزمن من النفع والخير بعد !...
خذ أحدث قانون اجتمعت على وضعه لجنة من خيرة علماء القانون ، يلبي سائر حاجات العصر وينسجم مع مختلف ظروفه وأحواله، ثم قدمه إلى سواد الناس على أنه مجموع أحكام قديمة تعود إلى عهد جستنيان، ثم انظر كيف يعافه أكثر هؤلاء الناس ، وتأمل كيف يختلقون فيه نقيصه تلو أخرى !
ثم انظر إلى أي قانون مدني يطبق اليوم في أي قطر من الأقطار العربية.
إن قيام أكثر من نصف مواده على أحكام الشريعة الإسلامية في المذاهب المختلفة، لم يحل دون قبول الناس له وإقبالهم عليه، ذلك لأن تاريخ ميلاده الذي سجل عليه واستقبله الناس به تاريخ حديث، ولأنه إنما قدم إلى الناس على أنه إبداع جديد، لا على أن نصفه أو أكثره منتزع من أحكام قديمة هي أحكام الشريعة الإسلامية.
ولا يستثنى من التأثر بهذه العقدة النفسية : عقدة القديم والحديث، إلا أولئك الذي بذلوا كل ما لديهم من جهد في سبيل أن يعتقوا عقولهم من الأوهام، وأن يحرروها من غوائل النفس والأهواء .
على أنهم لم يستطيعوا أن يعتقوا عقولهم من هذه العقدة النفسية ، إلا بعد أن استعانوا بمفتاح لا بد منه ، سنتحدث عنه ، عندما يحين البحث في سبيل القضاء على هذه التناقضات.
إن قصة القديم والجديد . تشكل ( ويا للأسف ) المحور الأول للمشكلات المتعلقة بحياتنا الأخلاقية والتشريعية العامة. وإنه ليشتد الأسف عندما نعلم أنه محور نفسي مجرد، لا شأن له بحكم العقل وتحليله إطلاقاً.
أي فنحن مسوقون فيما نقبله ونرفضه من النظم والتشريعات والقيم الأخلاقية ، بمقتضى إيحاءات نفسية ، لا بموجب أحكام عقلية.
فهذا المظهر الأول ، من أهم الأسباب في رفض من يرفضون تطبيق الحدود الشرعية في مجتمعاتنا الإسلامية، إنهم يشمئزون نفسياً من أن تعود اللوحة القديمة ذاتها ، بعد أن ركنت حيناً من الدهر في مخزن التاريخ، فتصبح واقعاً يفرض نفسه في المجتمع ، وإذا الزاني يجلد أو يرجم ، والسارق يقطع ، والشارب يجلد!
المظهر الثاني : ما تتسم به حدود الشريعة الإسلامية أو أكثرها، في نظر سواد كبير من الناس، من القسوة التي تبعث على الاشمئزاز في نفوسهم .
كثيرون هم أؤلئك الذين يقولون : إن الحكم بقطع يد السارق أو رجم الزاني ، ينطوي على قسوة ترفضها إنسانية القرن العشرين ! .. ذلك لأن النظرة الإنسانية الحديثة ، تعد المجتمع مشتركاً لسبب أو لآخر مع المجرم فيما قد أقدم عليه ، فكان من العدالة أن يتقاسم معه المسؤولية .
ومن العجيب أن عصرنا هذا ينادي بشعارات تنتمي إلى نقيض ما هو ثابت فيه !..
إنه يهتف بالحرية ، وما رئيت الحرية الحقيقة للفكر والبحث أضعف منها في هذا العصر !..
وهو ينادي بالعدل والحق ، وما رئي العدل والحق ميتمين ضائعين ، كما يتما وضعياً في هذا العصر !..
وهو ينادي بالإنسانية والرفق . وما رئيت إنسانية أهون منها أمام أي غاية من الغايات في هذا العصر !..
ومع هذا فإنك لتجد الكثير ممن يخجل أن يذعين لأحكام الحدود في الشيعة الإسلامية ، أمام ما يسميه : إنسانية القرن العشرين . كأن قانون السحل والمقصلة ليس من أبرز ما يمتاز به القرن العشرون.
فهذان المظهران ، إليهما مرد كل عامل من عوامل الاشمئزاز من الحدود الشرعية وتطبيقها، عند طائفة من الناس.
مصدر هذا التناقص وتقويمه على ضوء العلم :
والآن ، يجدر بنا أن نتساءل : ما هو مصدر كل من هذين المظهرين وبمعثهما ؟ وما هي قيمتهما الحقيقية في ميزان النظر العلمي الذي يجب أن نحتكم إليه ؟ ويتمثل الجواب على هذا التساؤل في النقاط التالية :
أولاً :- لا يشك أي باحث في أن مبعث كل من هذين المظهرين اللذين تحدثنا عنهما إنما هو مركز الوهم في النفس. لا وحي المنطق والعقل.
فإن فرار الإنسان من القديم واحتفاله بالجديد، ليس إلا أثراً من آثار طبيعة الملل في النفس الإنسانية ، فإن أردت أن تفلسف هذا العامل وتبحث له عن المصطلحات المعروفة عند علماء النفس فهو ليس إلا أثراً من آثار ما يسمونه برد الفعل الشرطي في النفس : رأت النفس أن التمزق والاستهلاك نتيجتان لبعض ما يتقادم عليه العهد من الأشياء ، فتوهمت أن كل ما قد أخذ طابع القدم، لابد أن يلازمه التمزق والاستهلاك، وسيطر هذا المثير الوهمي على النفس فغرس فيها الاشمئزاز من التعامل مع كل ما هو قديم !...
ولكن ، أفإن كان هذا القانون النفسي سلاح الممخرقين والخادعين من الناس في هذه الحياة ، لصرف خصومهم عن الحق والتلبيس عليهم ما أمكن ، أفيصح في مقياس المنطق والعقل أن نستعمل نحن أيضاً هذا السلاح لنلبس به على أنفسنا ونخادع به عقولنا ، فتتخذ منه عذراً في طي جانب من أخطر الجوانب التشريعية عن حياتنا الإسلامية اليوم ؟
لئن كانت النفس البشرية تخيل إلى صاحبها أن القديم قد زال منه نفعه، وجنيت منه ثماره، فإن العقل البشري يقرر أن قيمة كل قديم وجديد بجدواه وآثاره ... ورب جديد كان مبعث شقاء ودمار على الإنسان . ورب قديم شهدت الدنيا كلها أنه كان ولا يزال ينبوع سعادة وخير له.
ولقد علم كل إنسان أن مقومات الحياة في هذه الدنيا لا تزال تنبع من معينها القديم الذي عرفه فجر الحياة فوق هذه الأرض : شمس وماء وأرض وهواء ، وزرع وضرع ...لم يختلف شئ من ذلك منذ أقدم العصور الإنسانية إلى اليوم.
فهل قاطع أصحاب النفوس التي تشمئز من القديم هذه المقومات الأساسية للحياة لقدمها ؟ وهل تحولوا ساعة عن التعامل معها ؟
ألا ، إن المحاور الثابتة في بنية هذا النظام الكوني ، تحتاج بلا شك ، إلى محاور ثابتة تقابلها في بنية المبادئ والقيم الإنسانية ، وليست عملية التربية والتعليم إلا تحريراً للنفس الإنسانية من سجن أوهامها ، وتصعيداً لها إلى مستوى الانسجام مع هذه الحقيقة التي لا مرية فيها.
وما كانت شرعة العقوبات في نظام الشريعة الإسلامية إلا تطبيقاً لهذا القانون ذاته فقد عمدت إلى الجرائم التي لا يتبدل وجه أو درجة المفسدة فيها ما بين عصر وآخر، مهما تطورت الحياة والنظم ، فقرنت بها عقوبات ثابتة ثبات معنى الإجرام فيها ... ثم أحالت سائر الجرائم والجنح والانحرافات الأخرى، وهي التي قد تتفاوت درجة الخطورة والمفسدة فيها من عصر إلى آخر ، إلى بصيرة الحاكم المسلم المخلص لدين الله والمتبصر بمصلحة الأمة ، يقرر لها من العقوبات ما يرى أنه الخير والمصلحة.

محمد عوض عبد الله
13-07-2007, 22:07
ثانياً : هذا الذي نقرره فيما يتعلق بعقدة القديم والجديد ، هو الذي نقرره أيضاً فيما يتعلق بالمظهر الثاني ، وهو تخيل أن الحدود التي فرضتها الشريعة الإسلامية تتسم بالقسوى التي لم تعد تتناسب وعقلية هذا العصر.
إننا نقول : كان المفضل ألا توجد في المجتمع عقوبات أصلاً، وأن يكون الناس كلهم أحراراً في كل ما قد يفعلون ويذرون ، ولكن طبيعة النظام الاجتماعي أوجبت نوعاً من الالتزام . وتفاوت الناس في تقديرهم لمقتضيات هذا النظام أوجب نوعاً من الرقابة ، واقتضى وضع مؤيدات جزائية تحذر وتردع ، ولا ردع ولا تحذير بدون قسوة ولا إيلام .
وإذا كان هذا الكلام منطقياً إلى هذا الحد ، فلنتساءل بعد ذلك عن الميزان الذي يجب أن يحتكم إليه في معرفة الشدة والقسوة المناسبتين ، واللتين يجب أن تقف عند حدودهما شرعة المؤيدات الجزائية . على الاختلافها ؟
من المعلوم أن شرع عقوبة ، من حيث ذاتها ، ليس إلا فرعاً عن النظرة المعينة إلى الجريمة التي استوجبتها .. فما تشتد العقوبة أو تلين إلا تبعاً لتقويم الجريمة التي اقتضتها وللإيمان بمدى خطورتها . وبناء على هذه الحقيقة الواضحة ، كان توجيه النقد إلى العقوبة بحد ذاتها ، مفصولة عن النظر في خطورة الفعل الذي استوجبها ، غباء عجيباً ، وذهولاً عن أوضح النظم العامة التي يقوم عليها شرع العقوبات.
رب كلمة واحدة لا نرى لها عندنا شأناً ، يتفوه بها فرد من رعايا دولة مجاورة ، تواجهه بسببها عقوبة الإعدام ، ورب فاحشة عظمة نرى وجوب مكافحتها أكثر مما يكافح داء وبيل، تشيع بين رعايا تلك الدولة ، فلا يؤبه بها ولا يلتفت إليها بأي نقد أو استنكار ، ولقد كان قدماء الرومان يغمسون أولادهم في الساعات الأولى من ولادتهم في مياه غامرة أو نبيذ أو نحوه ، حتى إذا عجز أحدهم عن مقاومة أسباب الاختناق فمات، مات غير مأسوف عليه ! ... دون أن ينظر القضاء إلى هذا العمل بأي استهجان أو استنكار ، ولو فعل ذلك أحد من الناس اليوم لعوقب عليه عقاباً قد يصل به إلى الموت ! ...
وواضح – مع هذا كله – أن أحداً ممن يحترم عقله ، لا يشغل فكره بالتعجب من مفارقات هذه العقوبات بين أمة وأخرى أو عصر وآخر.
لأنه يعلم ما قد يعلمه كل عاقل أن شرع العقوبات في أي أمة إنما يترتب على ما اقتنعت به من فلسفة للقيم ونظرة إلى الحياة ، وإنما الشرط القانوني والإنساني العام لسلامة العقوبة ، أن تنسجم مع فلسفة الأمة التي أخذت بها ، لا أن تنقاد لرأي من لم يكن له من شأن بها أو التفات إليها.
وإذا كان الناس يرون أن لكل أمة أن تقيم نظام الروادع فيما بينها على أساس ما انتهت إليه من نظرة إلى الحياة وقيمتها ، فإن الشريعة الإسلامية يجب ان تملك- على فرض أدنى الاعتبارات – هذا الحق نفسه . فتشرع من العقوبات ما يتلاءم مع الموازين التي وضعتها للكون والإنسان والحياة.
وإذا ما أراد أحد أن يوجه إليها أي نقد يتعلق بنظام ما فيها من روادع ، فإن عليه أن يتجه قبل ذلك بالنقد إلى تقويمها الأساسي للحياة ، لا أن يحصر نظره فيما تفرع عن ذلك بسائق الضرورة من المقتضيات والأحكام ، وعندما يتجه بالنقد إلى تقويمها الأساسي للحياة يأخذ الحديث عندئذ مجرى آخر في البحث والنقاش.
ومع أن هذا الكلام الذي أقوله ، ليس ألا ترديداً لحقيقة واضحة ، لا يمكن أن تغيب عن بال واحد من علماء الفكر والقانون ، فإن خصوم الشريعة الإسلامية ينصرفون عنها، بصدد نقدهم لأحكام الحدود فيها ، كما لو كانوا على جهل تام بهذه الحقيقة !...
يعذرون دولة ما من دول العالم اليوم، في أن تزهق روحاً إنسانية كريمة، من أجل كلمة واحدة ، ويدافعون عنها بحجة أن لها ذاتيتها المعينة التي جعلتها صاحبة حق في أن تنظر نظراتها الخاصة إلى المصالح والقيم .. ثم لا يعذرون شرعة الإسلام ( ولنفرض أنها من وضع دولة وليست من وضع الخالق جل جلاله ) في أن تحكم بقطع يد السارق وقتل الزاني ، بناء على ما لها من ذاتية مستقلة أعطتها هي الأخرى الحق في أن تنظر نظراتها الخاصة إلى القيم والمصالح.
وإنما تنظر الشريعة الإسلامية إلى الجنايات التي شرعت في حقها الحدود، على أنها أمهات المفاسد التي من شأنها أن تقضي على جوهر المصالح الخمس التي يدور عليها سائر ما قد شرعه الله لعباده من الأحكام.
فالزنى مثلاً ، مدمر لمصلحة ( النسل ) تدميراً جوهرياً مباشراً.
واليد التي تذوق طعم السرقة ، تستحيل إلى جرثومة فتاكة تدمر مصلحة المال تدميراً جوهرياً مباشراً. ويجب أن نلاحظ هنا ، أن الإسلام لا يصنف جريمة السرقة مع الأخطاء والانزلاقات العفوية العابرة ، بل هو يعدها مرضاً خطيراً تصاب به اليد التي اعتادت على السرقة وذاقت طعمها ، فهي تغدو بذلك آفة من الآفات الاجتماعية التي لا يكاد يعثر العلماء والمربون على مخلص منها ( وقد دلت الدراسات النفسية على هذه الحقيقة ).
فمن أراد أن ينتقد شيئاً من الحدود ، فإن عليه أن يبدأ بنقد هذه المنطلقات ، وليس له أن يقفز فوقها ، ثم يقف عند النتيجة الطبيعية هنا ، ينتقدها ويصفها بالشدة والقسوة.
وعندما تتجه الأنظار إلى نقد هذه المنطلقات ذاتها، فإن علينا أن نهئ لها مجالات مستقلة أخرى ، نناقش فيها مدى خطورة هذه الجنايات بعيداً عن هذا الذي نخوض في الحديث عنه الآن.
ثالثاً :- بالإضافة إلى هذا الذي ذكرناه ، نقول :
إن إدعاء القسوة والشدة في حدود الشريعة الإسلامية ، مظهر من مظاهر السطحية في فهمها ، بل الجهل العجيب بطبيعتها وأنظمتها وقيودها.
يعلم كل دارس للشريعة الإسلامية وعقوباتها أن ما يبدو في حدودها من القسوة، لا يعدو أن يكون قسوة تلويح وتهديد، فهو أسلوب تربوي وقائي أكثر من أن يكون عملاً انتقامياً أو علاجاً بعد الوقوع. وهي بهذا تنطلق من أدق الأسس التربوية السليمة للمجتمع .
ومع أن كشف الستر عن هذه الحقيقة أمام جماهير الناس، يتنافي مع المعنى التربوي الذي تستهدفه شريعة العقوبات في الإسلام، فإن الضرورة تدعو إلى إبراز هذه الحقيقة والتبصير بها ، ما دمنا في مرحلة الدراسة لهذه الشريعة من شتى جوانبها، وما دمنا نحاول تثبيت القناعة بضرورة الأخذ بها في حياتنا القانونية.
وتبرز هذه الحقيقة إذا لا حظنا الأمور التالية :
أولاً :- لقد أعلنت الشريعة أن عقوبة الزاني المحصن هي الرجم.
وهو إعلان مخيف ، وتلويح بسلاح رهيب ولا شك ، ولكنها شرطت لإيقاع هذه العقوبة أحد الشرطين : الاعتراف القاطع الصريح، أو شهادة أربعة شهود برؤية الفعل على حقيقته ، ويشترط جمهور من الفقهاء ألا تتخالف شهاداتهم.
فأما الإقرار، فشئ نادر لا يقام عليه أي اعتبار. وعندما يقع هذا الشئ النادر ، فإن على القاضي أن يبادر فيقطع سبيل الإقرار على الزاني، قبل أن يتفوه بالاعتراف القاطع الصريح، وأن ينصحه بالتوبة والستر.
وأما الشهادة، فإن علينا أن نلاحظ أن ثلاثة أرباع الشهادة التامة فيها، تنقلب ردعاً للشاهد وزجراً له عن التفوه بالشهادة ، كي يظل المتهم في حماية من الستر ونجوة من العقاب، وحسبك أن تعلم أن عدد الشهود ما لم يتكاملوا أربعاً ، يعدون آثمين متلبسين بجريمة القذف ، وتغدو شهاداتهم سبباً لإنزال العقوبة عليهم بدلاً من أن تكون موجباً لأخذ المتهم بجريمة الزنى.
فإذا ما تكامل الشهود أربعاً ، فإن العقوبة تتحول عندئذ إلى المشهود عليه، حيث يستحق عقوبة الزنى، ولكن مناط العقوبة ليس كما قد يتصور : مجرد فعل الفاحشة، وإنما المناط هو ما أقدم عليه هذا المجرم من تلويث صفحة المجتمع ، بإشاعة الفاحشة فيه، فإنه لم يقترف جريمته هذه بحيث رآه متلبساً بها أربعة من الرجال الثقات العدول ، إلا وهو مستعلن بعمله في الناس، مستهين بكرامة الأمة وسمعة المجتمع، وتصرف من هذا القبيل من شأنه أن ينشر وباء الفاحشة فيه كما تنتشر النار في الهشيم.
لا جرم ، أن فاحشة ترتكب بهذا الشكل تستدعي عقوبة صارمة تحقق الغاية المرجوة منها ، وهي العبرة والردع.
ثانياً : لقد أعلنت الشريعة الإسلامية أن الحدود تدرأ بالشبهات . وهي ، كما تعلم ، قاعدة فقهية كبرى ، أجمع على الأخذ بها جماهير الأئمة والفقهاء ، وهي قبل أن تكون قاعدة فقهية ، حديث مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد بصيغ متقاربة ، مرفوعاً وموقوفاً ، والصيغة المرقوفة مروية عن عائشة رضي الله عنها بلفظ : ( ادرؤوا الحدود عن المسلمين بالشبهات ، فإن وجدتم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة).
ولئن كان في بعض طرق هذا الحديث مقال، فإنه على كل حال من الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول بدءاً من عصر الصحابة فما بعد ، أن فمضمونة حكم مجمع عليه مكتسب بذلك درجة اليقين والقطع.
ومعنى القاعدة أو الحديث أن أي احتمال لعدم تكامل شروط إقامة الحد يطوف بالمتهم أو بالظرف الذي تمت فيه الجريمة ، يسقط الحد ويلغي ثبوته، وعلى الحاكم أن يستعيض عنه بما يراه من أنواع العقوبات التعزيرية الأخرى.
وإنا لنتأمل ، فنجد أن هذه الاحتمالات كثيرة متنوعة ، لا تكاد تتناهى.
وننظر ، فنجد لها التطبيقات الكثيرة والمختلفة في عهد الصحابة والتابعين، كما تجد لها التطبيقات الكثيرة المتنوعة في تخريجات الفقهاء وفتاواهم .
من ذلك ما رواه ابن القيم أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد اتهمت بالزنى، فسألها عن ذلك ، فقالت : نعم يا أمير المؤمنين ، وأعادت ذلك وأيدته ، فقال علي رضي الله عنه: إنها لتستهل به استهلال من لا يعلم أنه حرام. فدرأ عنها الحد.
ومثل ذلك قصة المرأة التي رفعت إلى عمر بن الخطاب أيضاً وقد أقرت بالزنى ، فلما أراد أن يأمر برجمها ، قال علي رضي الله عنه : لعل بها عذراً ، ثم قال لها : ما حملك على الزنى ؟ فقالت كان لي خليط ، وفي إبله ماء ولبن ، ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن ، فظمئت فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي، فأبيت عليه ثلاثاً ، فلما ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج ، أعطيته الذي أراد، فسقاني فقال علي : الله أكبر ، ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) البقرة : 173
وتطبيقاً لهذه القاعدة الفقهية ، بل الحديث النبوي ، ذهب جماهير الفقهاء من الشافعية والحنفية والحنابلة إلى أن السارق لا يقام عليه حد القطع ، إذا سرق من شريك له ، أو سرق من مال أصله أو فرعه ، أو سرق أحد الزوجين من مال الآخر، أو سرق من بيت مال المسلمين إذا كان له فيه نصيب، أو سرق أثناء غلاء أو مجاعة عامة ، على تفصيل في ذلك.
روي ابن ماجة بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عبداً من رقيق الخمس، سرق من الخمس، فدفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه، وقال : مال الله سرق بعضه بعضاً. وقد سأل ابن مسعود عمر رضي الله عنهما عمن سرق من بيت المال ، فقال : أرسله ، فما من أحد إلا وله في هذا المال حق.
بل ذهب الشافعي في تطبيق هذه القاعدة إلى أبعد من هذا، فقرر أن السارق إذا ادعى ملكيته لما سرق، وأمكن أن يكون صادقاً في دعواه، بنظر الحاكم، سقط عنه الحد.
ثالثاً – إن حد كل من القصاص والقذف ، إنما يستقر بعد مطالبة صاحب الق به، وهو المقذوف وولي الدم، فإن عفا المقذوف سقط الحد عن القاذف ، وهو مذهب الشافعية والحنابلة وأبي ثور وجمع من الأئمة.
وإن عفا ولي الدم عن القصاص سقط القصاص، ووجبت الدية إن طالب بها ، ولا يبقى على الجاني بعد عفو صاحب الحق إلا تعزير قد يراه الحاكم.
وهكذا ، فإن قسوة الحد في هاتين الجريمتين ، على فرض التسليم بهما، تختفي وتزول نهائياً بكلمة ينطق بها صاحب الحق نفسه، وإن من أدب القضاء الإسلامي أن يحمله عليها القاضي بكل السبل الممكنة.
رابعـا :- أما حد المرتد ، وهو القتل ( ومثله المصر على ترك الصلاة ) فإن أمر إسقاطه رهن بمن استوجبه واستحقه ، أي إن سبيل انعتاقه من ذلك الحد عائد إليه هو، وذلك بإعلانه التوبة والرجوع إلى الحق ، واستغفاره مما استوجب ارتداده وكفره، فإن ركب رأسه وأبى التوبة والإنابة إلى الله تعالى ، رغم تكرير النصح والتحذير له ، فإنما هو وحده الظالم لنفسه والشديد عليها، وإن في عناده واستكباره على الحق الذي لا يكلفه أكثر من كلمة ينطق بها ، مستهيناً بكل عقوبة يهدد بها ، ما يستوجب إغلاق أي سبيل إلى الرحمة به والإشفاق عليه . ذلك لأنه لا يوجد أي معنى لرحمة القانون بمن يرفض أن يرحم هو نفسه.
فإذا ما ألغي الحد لشبهة مما قد أوضحنا ، فإن الجاني لا يؤخذ عندئذ إلا بمسؤوليتين اثنتين :-
أولاهما : التسوية الحقوقية ، إذا كانت الجناية مما يستلزم ذلك ، كالسرقة وقطع الطريق ، حيث يجب أن يغرم السارق ما قد سرقه بذاته أو بمثله أو قيمته ، وهو خطاب وضعي يواجه به حتى من لم يكن أهلاً للتكليف.
الثانية : عقوبة التعزير ، ويتخير الحاكم في نوعها وكيفيتها وكميتها ، حسب ما تقضي به المصلحة ، ويحقق الغاية من شرع العقوبات ، ضمن قيود وتفصيلات لا مجال لبحثها في هذا المقام.
فتلك هي قصة القسوة التي ينعت بها بعض الناس حدود الشريعة الإسلامية ، وإنه لنعت ظالم باطل، يندفع إليه من لا يريد لهذه الأمة أن ترتقي إلى شئ من الإلتزام بمنهج الفضيلة والخلق الإنساني القويم، ويشفق على وباء الإباحية الذي تسفيه علينا رياح الغرب والشرق أن ينقطع سيله أو تسكن ريحه.
وإنه لشئ مثير للعجب حقاً ، أن يضخم أناس ، بأسلوب ( درامي ) من مظهر هذه القسوة الخيالية التي عرفنا حقيقتها ، في غيبوبة من التأمل العقلي، ثم لا يلتفتوا بأي نظرة إلى النتائج الإنسانية الحميدة ، التي تنبسط في ساحة المجتمع كله لدى اتخاذ قرار جاد بتطبيق هذه الحدود .
وأعجب من هذا ا، يعبروا عن مشاعر الرحمة في نفوسهم ، بصدد ما يتخيلونه من قسوة الحدود ، ثم لا يستشعروا أي رحمة بالمجتمعات التي تشيع فيها القرصنة وينتشر الإجرام، وتزهق فيها الأرواح رخيصة طمعاً في تمزيق عرض أو الوصول إلى مال !.. ولكم سمعنا وقرأنا قصص أسر طاف بها الموت في جوف الليالي المظلمة ، خنقاً أو تذبيحاً ابتغاء اقتناص ثروة من المال.
كل هذه الشراسة المتوحشة لا تحرك قلوب أولئك الذين يمثلون الرحمة والرحماء ، حتى إذا ما أقبلت الشريعة الإسلامية ، تلوح بعصى التأديب التي لا بديل عنها لتقي المجتمع من هذه الفوضى والوحشية المرعبة ، وتغرس في مكانهما الأمن والنظام والرحمة ، استشعروا القسوة فجأة وتذكروا الرحمة على حين غرة !..
ولقد تبني من خلال ما ذكرنه ، أن الشريعة الإسلامية، إذ ترسم أحكامها لمعاقبة الجانحين والمجرمين، لا تنطلق في ذلك من حصر المسؤوليات فيهم، وتحميلهم وحدهم عاقبة ما أقدموا عليه أو انزلقوا فيه ، بل هي تحمل المجتمع قسطاً كبيراً من السبب والمسؤولية . وقاعدة درء الحدود بالشبهات أبلغ تجسيد لهذه الحقيقة ، وأوضح برهان عليها.
هل يكفي هذا البيان في القضاء على هذا التناقض الموهوم ؟
وبعد فهل يكفي كل ما قد ذكرناه للقضاء على التناقض الموهوم بين أحكام الحدود وروح العصر وطبيعته؟
إن كل ما قد ذكرته ، لا يغير من الأمر شيئاً ، ولا يحل عقدة ، ولا بقضي على الوهم الذي يسمونه التناقض .
ستظل طبيعة الاشمئزاز من القديم ، أياً كان مضمونه ، هي المتغلبة.
وسيظل هواة الجديد ينزعون إلى التطوير والتغيير مهما حدثتهم عن فضائل القديم وتفاهة الجديد ، وسيظلون ينعتون هذه الأحكام بالقسوة والشدة ، مهما كان الكلام الذي ذكرناه واضحاً ومقبولاً على صعيد البحث والمنطق النظري.
وباختصار ، فإن أي انصراف إلى تزويق الشريعة الإسلامية وتجميلها ، أو إلى التفنن في عرضها وتيسير السبيل إلى التبصير بمزاياها وصلاحيتها وعظيم فوائدها وآثارها- لن يبدل من نظرة الخصوم تجاهها، لذا فإنه لن يقوى على حل شئ من هذه العقد ، مهما أثبتنا بالبرهان أنها عقدة خيال ووهم.
إذاً ، فما السبيل للقضاء عليها أو على إزالة هذا الذي يقولون عنه : التناقض؟
السبيل هو أن نعود بهؤلاء الناس إلى أساس العقيدة الإسلامية ، التي اتجه بها القرآن إلى الناس يغرسها في نفوسهم وينبه إليها عقولهم ثلاثة عشر عاماً ، دون أن يخاطبهم طوال تلك المدة بكلمة واحدة في التشريع.
السبيل أن نقنع هؤلاء الناس قناعة فكرية ووجدانية تامة، بأن التشريع الإسلامي ( والحدود جزء منه ) إنما هو حكم الله عز وجل ، لم ينبع من أرض عربية ولا اقتبس من أمة أعجمية ولا أخترعته ( كما تصور بعض المستشرقين) أدمغة قانونية .
وإنما تنزل وحياً من الله عز وجل على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليبلغه الناس، وليحملهم تبعة تطبيقه والعمل به.
وقد يبدو لنا أن هؤلاء الناس مقتنعون بهذا كله، لأنهم مسلمون. ولكن الواقع ليس كذلك ، ما أكثر الذين ينعتون أنفسهم بالإسلام والإيمان. ثم يعلنون مع ذلك بملء أفواهم أن الشريعة الإسلامية غير صالحة للتطبيق اليوم.
إني لأذكر جيداً صورة من هذا الازدواج الغريب، وقد بدا واضحاً في كلمة عجيبة قالها واحد من الذين اشتركوا في حوار مفتوح مع أحد الرؤساء ، في ندوة نظمتها جريدة معروفة ، فقد كان هذا الرجل ماضياً في معارضته للقول بصلاحية الشريعة الإسلامية للحكم ، بكل ما يملك . ولكنه استدرك بعد ذلك قائلاً : غير أنني مسلم وق حججت والدتي وأختي على حسابي مرتين !..
إن علينا ألا نخدع بهذا النوع من الإسلام ، إسلام المظاهر والقشور . وما أكثره من صفوف عامة الناس اليوم، وإني لأعتقد أن العمل على إقامة أحكام الشريعة الإسلامية من حدود وغيرها، في مجتمع أكثر المسلمين فيه من هذا القبيل، ودون التفات إلى إصلاح حالهم هذه – يشبه نثر البذار في أرض مستحجرة لم تمسها سكة حرث ولا طاقت بها يد إصلاح !..
مرة أخرى أقول : لن يطبق الإسلام بدون مسلمين !..
تلك حقيقة هامة ما ينبغي أن نجهلها . فإذا أردنا تطبيق العقوبات الإسلامية. أو غيرها من أحكام الإسلام، فلنهئ القاعدة الإسلامية ونحن نسعى سعينا لهذا الأمر.
وما أشبه من يغفل عن السعي إلى تبصير المسلمين بإسلامهم ، وإدخال محبة الله ورسوله، والخوف من اليوم الآخر في قلوبهم ، ثم يحصر اهتمامه في إقامة هذه المعالم، وبسط هذه المظاهر، زاعماً عند نفسه أنه ينشئ بذلك وحده المجتمع الإسلامي : أقول : ما أشبه من يفعل ذلك ، بمن يترك محله التجاري فارغاً مهملاً ، ثم يبالغ في تزويق واجتهه بنماذج المعروضات !.. فلو كان في تلك الواجهة ومعروضاتها ما يقدم لصاحبها ربحاً أو يغني عنه غناء ، لكان في إقامة تلك المعالم وحدها ، وستر واقع المسلمين بتلك المظاهر ، ما يقوم لهم اعوجاجاً ، ويصلح لهم حالاً، ويجعلهم عند الله من الذين صدقوا في إسلامهم وأخلصوا له في أعمالهم وعباداتهم !..
ولكن من ذا الذي يكون ذا وعي ورشد ، ثم ينساق في سبيل هذا الوهم ؟
هل في الناس مسلم أخلص لله في إسلامه، لا يعلم أن سائر المعالم الإسلامية التي تبرز خفاقة في المجتمع ، وأن سائر النظم والأحكام الإسلامية التي تنبسط في جنباه وأنحائه ، إنما تثبت وتستقر عندما تكون ثماراً لغراس القلوب وصلاح النفوس، وأثراً للرغبة في مثوبة الله والرهبة من عقابه إذ تأخذان بمجامع الألباب؟ . وهل في الناس عاقل لا يدري أن الأشجار التي تقام مثبتة على ظاهر الأرض، مالها أن تتهاوى هنا وهناك عند هبوب أول عاصفة ، ثم أن تذبل فتيبس وتتحول حطباً للحريق ؟..
إن كان المقصد من التشريعات الإسلامية العامة ذواتها وأعيانها، فها هي ذي أمريكا قط طبقت بعض هذه التشريعات ، يوما ما ، فحرمت الخمرة ، ورسمت لمعاقرتها العقوبات الرادعة ، ولكن لا هي استفادت بذلك قرباً على الله ، ولا ذلك التشريع الذي اتجهت إليه عن رضى وطواعية ، بقي مستمراً في ربوعها.
وفي ألمانيا يفكر بعض الاقتصاديين اليوم في وسيلة للتخلص من الربا، وتزداد قناعتهم يوماً بعد يوم ، بضرورة تخليص الحركة الاقتصادية من أخطبوط الفائدة الربوية ، فماذا يفيدهم في ميزان مرضاة الله أن لو فعلوا ذلك؟ بل هل من ضمانة بانهم إن ساروا في طريق التنفيذ لهذا الحكم الشرعي، لن يتململوا ثم يرتدوا على أعقابهم ، ويعرضوا عما اقتنعت به عقولهم ، تحت وطأة الرعونات النفسية والشهوات العارمة؟
إن السر في الأمر ، أن هذه التشريعات الإسلامية العامة، مهما كانت صالحة في حقيقتها ، ومهما كانت ضرورية لإسعاد الأمة ، لا يصلح أن يخضع لها الناس إلا من خلال خضوعهم لسلطان الله وأمره ، ومن خلال يقينهم المطلق بأنهم عبيد مملوكون لهذا المشرع العظيم ، فلا يسعهم الخوج عن أمره ولا الابتعاد عن صراطه.
وإنما يتم السعي إلى هذا اليقين والخضوع ، بسلوك طريق طويل ، يعتمد جله على تطهير النفوس من رعوناتها، وتخليص القلوب من آفاتها ، ثم ربطها بوحدانية الألوهية والربوبية لله عز وج ل، وتلك هي مهمة الدعوة الإسلامية التي ألزم الله عباده المسلمين بها، وذلك هو الدور العظيم الذي تؤديه وظائف هذه الدعوة ، عندما تكون قائمة على أصولها ماضية في سننها الصحيحة.
ومع ذلك ، فلا بد أن أعود إلى التأكيد بأن هذا البيان لا يعني إرجاء النظر في تصحيح القوانين والتشريعات، وإخضاعها لأحكام الله عز وجل ، وإنما يعني أن يعلم المهتمون والمتحرقون على تصحيح طريقاً، لا بد من سلوكه . فإن هم ضلوا الطريق أو تجاهلوه، باء جميع اهتماماتهم بالخيبة والخسران ، ولم تتحقق أي قيمة للسعي والإسراع إلى إقامة التشريعات الإسلامية العامة . وما قيمة أن تستعجل في تنفيذ الحق الذي تطمح إليه ، إذا كان استعجالك هذا لا يقربك منه شيئاً ، أو لا يحقق منه إلا صوراً وأشكالاً لا يكتب لها البقاء؟