المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في مناهج المحدثين



عماد أحمد الزبن
10-07-2007, 20:57
بسم الله الرحمن الرحيم

في مناهج المحدثين
(التفرد نموذجا )
دراسة تحليلية تأصيلية إجرائية
بقلم أبي المنذر عماد أحمد الزبن

( حقيقة المتقدم والمتأخر ) :

إن المتتبع للأجواء العلمية التي سادت في عصر الرواية وما بعدها ، يدرك تماما أن ثمة اختلافا منهجيا واضحا ؛ يزداد اتساعا مع جريان العصور ، أدى فيما بعد إلى ظهور منهج مغاير للمنهج الأول ، يعنى بالمسائل النظرية وتقعيد التطبيقات السالفة ، الأمر الذي يدعونا إلى ضرورة تحسس التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين ، والوقوف على الخصائص المميزة لكل مرحلة علمية .

والخلاف ههنا منهجي يتعلق بطبيعة الأجواء العلمية ، وطرائق تلقي الأحاديث ونقلها، ومعيار قبولها وردها، وليس مجرد اختلاف زمني أو اختلاف صوري، إذ الزمن في هذا التتبع يعد تأريخا لبداية الاختلاف المنهجي بين المرحلتين، وليس أساسا في هذا الاختلاف، وإن كان ثم من جعل الزمن معيارا للتفريق بين المتقدمين والمتأخرين؛ فلاعتبار آخر غير ما ذكرنا، قال الذهبي : " فالحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاثمائة " . وجلي جدا أن الذهبي يبني تفريقه على أساس فضل القرون الأولى، قال أستاذنا حمزة المليباري :" وهذا ، كما ترى، تحديد زمني قائم على أساس الفضل والشرف للقرون الأولى، فلا يعتبر ذلك إلا في مجال التفضيل والتشريف، أما في المجالات العلمية والمنهجية ، كعلوم الحديث، فلا؛ إذ إن حفاظ القرن الرابع بل النصف الأول من القرن الخامس أيضا يشتركون مع سلفهم في الأعراف العلمية، والمناهج التعليمية، والأساليب النقدية " .

فهو بهذا الاستظهار يعتبر الأعراف العلمية، ولا يعتبر التقسيم الزمني، ولكنه مع ذلك حاول أن يؤرخ لامتداد هذه الأعراف فقال عن مرحلة الرواية : " فأما الأولى فيمكن تسميتها بمرحلة الرواية، وهي ممتدة من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الخامس الهجري تقريبا " وهذا الشيخ ملا علي القاري، يعدّ الحاكم وأبا نعيم من المتقدمين . بمعنى أن الأساليب النقدية والمناهج العلمية المتعلقة بعلم الحديث، سيطرت على المناخ العلمي العام السائد في هذه الحقبة، ثم بدأ الانحراف عن هذه الأجواء النقدية، مارا بمرحلة انعطاف امتزجت فيها المناهج، بحيث تجد شيئا من الأساليب النقدية التي سادت مرحلة المتقدمين؛ وسط ميل واضح إلى مناهج المتأخرين وأعرافهم العلمية؛ وذك بالاعتماد على الكتب و الرواية المباشرة، وقد تلمح هذا في قول ملا القاري عن الخطيب : " فهو أول المتأخرين وآخر المتقدمين "


( ثمرة التفريق بين المتقدمين والمتأخرين ) :

من المعلوم أنه متى وجد اختلاف في السمات العلمية،وتمخض عنه تباين في الرؤى والمناهج وتعدد في الأصول، لزم التفريق بين هذه المناهج، وتحديد خصائصها وسماتها، لا سيما في مجال نقد الأحاديث، وما يبنى عليه من قبول أو رد؛ لأن الاختلاف في المناهج مع ترك التمحيص والبحث والفصل، أو مع محاولة الخروج بصيغة مشتركة من خلال خلط هذه المناهج القائمة على حدود علمية متباينة؛ يؤدي إلى خلط في آلية التثبت، وخبط فاضح في النقد؛ وهذا يوسع دائرة الخلاف، ويذكي ضرام الجدل، ويزيد من الوقوع في الزلل، بل يفتح باب علوم الحديث على مصراعيه ليلج من شاء بما شاء ، فتتعاهده عقول قاصرة من متأخرة المتأخرة، يسوّدون فيه تواليف يتمدد فيها العراء بمقدار ما يتضاءل الغطاء، ثم يسترطون جهلهم ليقعوا أفكارا ضحلة يتطاولون فيها على النقدة الحفاظ، ومن ثم يبنون لهم فقها خاصا بناء على تصحيحهم وتضعيفهم ، ولن ينسوا أن يسموه بفقه السنة، وإذا راجعتهم قالوا : لنا أصولنا التي نحكم بها على نصوص الحديث ، ولهم أصولهم .
وليس في هذا الطرح ما يحجر على العالم المتأخر، أو يمنعه من نقد الحديث، لكن مطلق المخالفة للناقد المتقدم على وفق منهج مخالف لتطبيقاته يثير حفيظتنا؛ لأنه مخالفة علمية صارخة، وسيكون تطبيق المتقدمين في التفرد ، وهو من أركان الاعتبار عندهم، موضحا لهذا الاستظهار، إن شاء الله تعالى .

( السمات العلمية للمرحلتين )

مرحلة الرواية :

تتسم مرحلة الرواية بخصائص من أبرزها : تلقي الأحاديث ونقلها بوساطة الأسانيد، فالاعتماد ههنا على الإسناد، قال الإمام عبد الله بن المبارك : " الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء "، ومن خصائص هذه المرحلة استيعاب الأحاديث ونقدها؛ الأمر الذي ما أتيح بعد للمتأخرين، قال الإمام البيهقي : " توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، ووجه ذلك أن الأحاديث التي صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب على بعضهم؛ لضمان صاحب الشريعة حفظها "
ومن سمات هذه المرحلة تجرد علوم الحديث من غيرها من العلوم التي أدلت بدلوها في صياغة قواعد التحديث في مرحلة ما بعد الرواية، كعلم المنطق مثلا، فالأصول التي تحكم النقد في هذه المرحلة واحدة لا تتباين، بخلاف ما ظهر في مرحلة ما بعد الرواية؛ فقد ساهمت العلوم المختلفة في وضع الضوابط وتقعيد القواعد ، وصوغ المصطلحات التي من مجموعها ابتني منهج المتأخرين .

مرحلة ما بعد الرواية :

أما مرحلة ما بعد الرواية، فهي مرحلة التقليد ، في الغالب، لذا تجد كتب المتأخرين تعتمد في النقل على ما جمعه المتقدمون، ويقتصر أكثر عملهم على تدقيق النسخ وتحصيل الإجازات وتثبيت السماعات، الأمر الذي أضفى على المتأخرين صفة التقليد، وجعل من المتقدمين مرحلة الثوابت والمرجعية، وقد زالت هنا بعض المظاهر العلمية التي كانت شائعة في مرحلة حفاظ الرواية، كالاعتماد على الأسانيد والرواية المباشرة .
بعد ذلك؛ فمن العجب أن تجد بعض المتأخرين يقيد أحكام المتقدمين ومسائلهم وتطبيقاتهم، بما قعده من اصطلاح أو عناصر منهجية، بناء على استقراء عمل المتقدمين، والأنكى من ذلك أن يستدرك المتأخر على المتقدم فيعترض نقده بنظرة محدودة، كاللجوء إلى نقد الرواي، أو ادعاء وجود متابعات وشواهد في ظل حكم الناقد بالتفرد، أو غير ذلك.

ومنهج المتأخرين، كما قدمنا، مزيج من علوم شتى، من فقه وأصول فقه ومنطق غيرها، كلها أسهمت في تشكيل هذا المنهج، بعد أن انفصلت هذه العلوم، واستقلّ كل منها بأصول خاصة، ثم صارت الموازنة عند هؤلاء بين الفقهاء والمحدثين فيما يقبل ويرد، فيقال: هذا يقبل بمقتضى نظر الفقهاء، ولا يقبل بمقتضى نظر المحدثين، وهذه ليست علة معتبرة عند الفقهاء، وإن كانت معتبرة عند المحدثين، قال الحافظ : " فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث بل غالبهم، جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا،... أما أئمة الفقه والأصول فإنهم جعلوا إسناد الحديث ورفعه كالزيادة في متنه " وجاء في الكفاية " قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث : وزيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها ... وقال ابن دقيق العيد في ( الاقتراح ):" فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون لا تجري على أصول الفقهاء" وقال في ( شرح الإلمام ) : " إن لكل من أئمة الفقه والحديث طريقا غير طريق الآخر " وقال صاحب ( التدريب ) :" فالجرح مقدم ولو زاد عدد المعدل، هذا هو الأصح عند الفقهـــاء والأصوليين " ، وجاء في ( توضيح الأفكار ) : " فزيادة ( القادحة ) في وصف العلة زيادة قادحة في صحة الرسم على أصلهم، فحذف ابن الصلاح لها هو الصواب، وإثبات الشيخ زين الدين لها صير رسمه على اصطلاح الفقهاء، وهو بصدد بيان اصطلاح المحدثين " فأنت تلمس هنا اختلافا واضحا بين المحدثين من جهة والفقهاء والأصوليين من جهة أخرى، وعليه فقد نشأ اختلاف في الاصطلاح وطرائق التثبت واعتبار القوادح وغيرها، وهذا أمر لا تلمسه عند حفاظ مرحلة الرواية، مع كونهم أئمة فقه وحفاظ حديث، إلا أن أصولهم ثابتة.
والفقيه إذا جمع علوم الحديث إلى جانب الفقه؛ سلّم لهؤلاء النقاد نقدهم، وشاركهم في قبولهم وردهم، ولم ينكر عليهم صنيعهم، فهو بحكم اطلاعه على علوم الحديث، قد عاين سبرهم، واعتاد نهجهم، قال الإمام السخاوي : " وهو كما قال غيره أمر يهجم على قلبهم، ولا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر، لا ينكر عليهم بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه والأصولي العاري عن الحديث بالأدلة "، وهذا يعني أن المهمة الجلى تكمن في توضيح منهج المتقدمين وتجليته، وعدم الاسترواح إلى مجرد كتب المصطلح عند المتأخرين، في التعاطي مع أصول علم الحديث ، وهذا أمر يعوزه مقام مستقل. إذن، فليس هذا الاستظهار من باب البحث في شرعية تعدد هذه المناهج، وإنما لتأصيل هذا التعدد، والبحث في ملامح مناهج النقدة المتقدمين حسب.

مثال إجرائي على التباين المنهجي بين المرحلتين :

حديث " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء "
أخرجه : البخاري في ( التاريخ الكبير ) 7/229 ، وأبو داود ( برقم 4841 )،وأحمد: 2/343
وابن راهويه في ( المسند ) : 1/290 ، وابن حبان : 7/36 ، وابن أبي شيبة: 5/339
وأبو نعيم في الحلية :9/43، والبيهقي في ( السنن الكبير ) 3/209 .
كلهم من طريق : عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا .
ورواه الإمام الترمذي ( برقم 1106 ) من طريق أبي هشام الرفاعي، ثنا محمد بن فضيل، عن عاصم به مرفوعا .
موقف الإمام المتقدم :

أعل الإمام مسلم الحديث بتفرد عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب ، فقال : " لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن كليب إلا عبد الواحد بن زياد " .

موقف المتأخر :

صحح بعض المتأخرين الحديث، وعمدتهم في هذا التصحيح وصف الراوي المنفرد بالثقة، وسنناقش هذا من خلال ما قاله الإمام البيهقي، وما فصله الشيخ الألباني .

قال الإمام البيهقي : " عبد الواحد بن زياد من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به " .
قال الألباني : " وهو ، أي عبد الواحد بن زياد ، ثقة . في حديثه عن الأعمش وحده مقال، وقد احتجّ به الشيخان، فليس هذا من روايته عن الأعمش؛ فهو حجة، وبقية رجال الإسناد ثقات؛ فالسند صحيح" .

تذنيب ونقاش :

أقول : فأنت ترى أن الاعتبار عند المتأخرين مرتبط بحال الراوي؛ بغض النظر عن القرائن التي تظهر الخطأ في روايته، والإمام مسلم إنما أشار إلى علة الحديث بنظرة الناقد المتفحص، وهو بذا أقعد بالحال؛ إذ لاحظ أن عبد الواحد تفرد في طبقة من شأن الحديث فيها أن ينتشر بين أصحاب عاصم بن كليب الأثبات، مثل : شعبة، وزائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وغيرهم. والرواية عن عاصم بن كليب، معروفة مشهورة بين هؤلاء، وهم أعلم وأثبت من
عبد الواحد بن زياد بمرويات عاصم بن كليب، ومن المعلوم أن الذي يستقل بالفرائد، إنما يتصف بكثرة الملازمة وزيادة التثبت والحفظ ، وهذا ليس متحققا في عبد الواحد بن زياد من جهة روايته عن عاصم، وإن كان ثقة؛ ولمثل هذا قال الذهبي عنه :" قد يروي المناكير" فاستقلال عبد الواحد بالرواية عن عاصم دون مشاركة أصحاب عاصم الأثبات الحفاظ، المقدمين بجمع فرائده، يوجب عند الناقد المتقدم تعليل الحديث ، كما ترى ، وهذه القرائن يعتمد عليها الناقد المتقدم، ويقدمها في الاعتبار على حال الراوي، لذلك سئل شعبة : من الذي يترك حديثه، قال : الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فاكثر طرح حديثه " بل إنهم يعدون هذا الأمر طريقة لسبر الرواية ومعرفة حال الراوي؛ لذلك فإنه إذا كثر هذا في حديثه ترك، جاء في ترجمة نعيم بن حماد في ( تهذيب التهذيب ) : " قال أبو علي النيسابوري : سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حماد وتقدمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه، فقال : قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة؛ فصار في حد من لا يحتج به " اهــ .

وعليه، فإن قول البيهقي عن عبد الواحد " من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به " ، ليس على إطلاقه، ومردود بتعليل الإمام مسلم، الذي هو أعلم بحال عبد الواحد، والحق أن تفرد الثقة دائر على القرائن ، قبولا وردا .

وذكر الألباني متابعة لحديث عبد الواحد بن زياد ، وهي عند الترمذي، من حديث أبي هشام الرفاعي عن محمد بن فضيل به مرفوعا .
قال في الصحيحة : " على أن متابعة أبي هشام الرفاعي ، واسمه محمد بن يزيد بن محمد الكوفي ، لا بأس بها؛ فإن أبا هشام ، وإن ضعفه بعض الأئمة، فليس من أجل تهمة فيه، وقد أخرجه عنه الترمذي ( 1/206 ) ، وقال : حديث حسن صحيح غريب " انتهى كلام الألباني.
تذنيب ونقاش :

أقول : هذا الكلام فيه نظر من وجوه :
الأول : أن الحديث معروف من طريق عبد الواحد بن زياد، كذا رواه عنه جماعة من الأثبات مثل: مسدد والمغيرة بن سلمة و موسى بن إسماعيل و حبان بن هلال وحامد بن عمر .
وطريق أبي هشام هذه لا تعرف، ولم يتابعه في الرواية عن محمد بن فضيل أحد، وأبو هشام لا يتحمل مثل هذا التفرد، لا سيما وأن فيه مقالا معروفا؛ لذلك لم يعتبر الإمام مسلم هذه المتابعة عندما سئل عنها وقال : " إنما تكلم يحيى بن معين في أبي هشام بهذا الذي رواه عن ابن فضيل" فتأمــــل .
قلت: والذي يلوح لي الآن ، أن أبا هشام سرق هذا الحديث، ثم رواه عن ابن فضيل، قال محمد بن عبد الله الحضرمي : " ألقيت على ابن نمير حديثا فقال : ألقه على أهل الكوفة كلهم، ولا تلقه على أبي هشام فيسرقه " ، وقال الحسين بن إدريس : ثم سألت عثمان عن أبي هشـــام فقال : لا تخبــر هؤلاء أنه يســــرق حديــــث غيـــره فيرويه " ؛ فهذه المتابعة لا يلتفت إليها بمرة؛ لذلك فإن البيهقي نفسه لم يعتد بهذه المتابعة عند قوله : " عبد الواحد بن زياد من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به " ، فهو يقرر التفرد، ولا يعتبر هذه المتابعة ، ثم يسعى إلى نفي العلة الناشئة عن هذا التفرد . والله تعالى أعلم .
الثاني : قول الألباني : " و إن ضعفه بعض الأئمة فليس من أجل تهمة فيه " لا يستقيم مع قول الإمام البخاري : رأيتهم مجتمعين على ضعفه ، ثم إن الألباني يحاول أن يثبت صلوح طريق أبي هشام الرفاعي للمتابعة لكون الراوي ليس متهما، وهذا أيضا مثال للتباين المنهجي بين نظرة المتأخر وطريقة الناقد المتقدم، فقد ثبت عند الناقد المتقدم ، أن رواية أبي هشام خطأ، وإنما وقع الخطأ في نقطة المتابعة المراد الاعتضاد بها؛ لذا لم يعتد الناقد المتقدم بهذه المتابعة بغض النظر عن كون الراوي متهما أو لا ، لكن المتأخر لا يلتفت إلى هذه القرائن، إنما يقوم عمود رأيه على حال الراوي المجردة ، فهي الاعتبار عنده .
الثالث : وقع في نسخة الترمذي المطبوعة قوله : " حسن صحيح غريب " والذي ذكره الحافظ المزي في التحفة 10/299" عن الترمذي قوله " حسن غريب " ، وكذا نقله أبو الطيب في عون المعبود 13/127 عن المنذري قال : وأخرجه الترمذي وقال : حسن غريب " قلت : وهذا أشبه ؛ لأنه يجري مع تعليل الإمام مسلم للحديث ، وعدم اعتبار المتابعة .
وفي هذا القدر كفاية ، ويمكن النظر في كتب شيخنا أبي محمد حمزة المليباري، لمزيد من الأمثلة .

عماد أحمد الزبن
10-07-2007, 21:05
مفهوم التفرد :

أصل الفرد في اللغة : الذي لا نظير له . والجمع أفراد ، وحقيقة التفرد عند المحدثين : أن ينفرد الراوي برواية حديث دون مشاركة الآخرين ، وقد يسمونه الغريب ، وينقسم الغريب على صحيح وغير صحيح وهذا الغالب .

موقف الأئمة من الغرائب :

لم يكن الأئمة المتقدمون يرغبون في مثل هذا النوع من الحديث، بل يذمونه ويحثون طلاب الحديث على عدم صرف الهمة في تطلابه والعناية به، وكانوا يعتنون بالمشهور ويمدحونه، قال ابن المبارك : العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا، يعني المشهور ، وقال الإمام مالك : شر العلم الغريب ، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس ، وقال إبراهيم : كانوا يكرهون غريب الحديث وغريب الكلام ، وقال أبو يوسف : من طلب غرائب الحديث كذّب وقال الإمام أحمد : شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها، ولا يعتمد عليها ، وكان يقول : لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب؛ فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء .

أنواع التفرد :

يقسم العلماء الحديث الغريب قسمين :
( أ) الغريب المطلق
(ب) الغريب النسبي

( أ ) الغريب المطلق :

قال ابن الصلاح : المطلق ما ينفرد به واحد عن كل واحد ، وعرف الحافظ الغريب المطلق بأنه ما كانت الغرابة فيه في أصل السند، أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي ، وهذا يعني أن الحديث لا يعرف من رواية ذلك المدار الذي ترجع إليه طرق الحديث، وهذا النوع أكثر ما يطلقون عليه كلمة الفرد .
ويمثلون عليه بحديث " نهى النبيّ عن بيع الولاء وعن هبته " رواه الشيخان ، تفرد به عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ لذلك قال الإمام مسلم : الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث .

( ب ) الغريب النسبي :

قال ابن الصــلاح : وأما الثاني وهو فرد بالنسبة ، فمثل ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة ، وقوله: عن كل ثقة، أي دون الثقات ، كما تلقيناه عن الشيوخ .
وقال الحافظ : سمي نسبيا لكون التفرد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين، وإن كان الحديث في نفسه مشهورا ، اهـ . وهذا يشير إلى أنهم حكموا بالتفرد بالنظر إلى جهة أخرى، وهذه الجهة إما أن تكون شخصا، أو وصفا ، أو بلدا ، أو غير ذلك، كما هو مفصل في كتب المصطلح. وهذا أكثر ما يطلقون عليه لفظ ( الغريب ) .
ومثال عليه : حديث ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي واقد الليثي ، أن النبيّ كان يقرأ في الأضحى والفطر بقاف ، واقتربت الساعة ، تفرد به ضمرة ، ولم يروه أحد من الثقات غيره، وإلا فقد رواه ابن لهيعة وهو ضعيف . فالتفرد هنا نسبي، وهو تفرد الثقة دون الثقات.

مراتب التفرد :

1ـ تفرد في الطبقات المتقدمة .
2ـ تفرد في الطبقات المتأخرة .

التفرد في الطبقات المتقدمة :

إن الناظر بإمعان إلى صنيع الأئمة المتقدمين؛ يلحظ أنهم يفرقون في الحكم على التفرد بين كونه وقع في الطبقات المتقدمة أو في الطبقات المتأخرة، ذلك لأن لكل طبقة سمات علمية خاصة وأجواء متباينة، دعت إلى ضرورة التفريق بين هذه المدارس تبعا للتباين المذكور.
والتفرد في هذه الطبقات المتقدمة لا يدعو الناقد إلى التوقف، ولا يثير الريبة لديه؛ وذلك لوجود تساوق بين الجو العلمي السائد في هذه الطبقات ووقوع التفرد، فانحصار إمكانات التنقل والتلاقي ، وتبادل المرويات، وقصر الأسانيد ومحدوديتها يجعل الناقد ينظر بطمأنينة إلى الأحاديث التي لم تشتهر، أو التي لم تتعدد رواياتها، يقول شيخنا الأستاذ حمزة المليباري : إذا تفرد الراوي بحديث في طبقة من شأنها عدم شهرته وعدم تعدد رواياته في الغالب؛ لعامل ظرفي يتمثل في انعدام إمكانية التنقل بين البلدان الإسلامية على نطاق واسع، الذي يعطي للمحدثين فرصا عديدة للتلاقي وتبادل المرويات بينهم، مثل طبقة الصحابة والتابعين؛ فهذا النوع من التفرد مقبول محتج به، بشرط أن يكون الراوي ثقة معروفا اهــ .
ومثال ذلك حديث " إنما الأعمال بالنيات " فهذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب. فأنت ترى أنه لم يروه عن سيدنا عمر إلا علقمة ؛ مع أن سيدنا عمر ذكره على المنبر، واستمر التفرد حتى طبقة يحيى بن سعيد ، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي : وليس له طريق تصح غير هذه الطريق ، ولكن هذا التفرد في هذه الطبقات المتقدمة، لم يحفظ النقدة، فأخرجوا هذا الحديث في معرض التصحيح والقبول، كما هو الحال عند البخاري ومسلم . ويحسن أن نلاحظ هنا أن هذا الحديث قد رواه عن يحيى بن سعيد الجم الغفير ، حتى رواه عنه أكثر من مئتي راو .

التفرد في الطبقات المتأخرة :

أما في هذه الطبقات ، فقد تعددت المدارس الحديثية ، وكثرت مخارج الأحاديث، وتداخلت الأسانيد نتيجة لاتساع إمكانات التلاقي والتنقل، وأصبح من شأن هذه الطبقات أن تشتهر فيها الأحاديث ، التي يشترك في نقلها جماعة كبيرة من مختلف البلاد لبالغ حرصهم على جمعها من مخارجها الأصلية ، وعليه فالتفرد هنا يثير عند الناقد سؤالا عن أسبابه، ومدى ضبط الراوي المنفرد لحديثه، ثم يبني الناقد المتقدم حكمه بناء على جملة من المرجحات التي تحيط بهذا التفرد .


الحكم على التفرد :

لقد درج المصنفون في المصطلح من المتأخرين على اعتبار أحوال الرواة المجردة ، وعدها أساس الحكم على التفرد، فإذا تفرد الثقة فلا يضر تفرده ، وإذا انفرد الضعيف رد حديثه، ويحسنون حديث من بينهما، وعن هذا يقول ابن الصلاح : إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط ، كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره ، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد ، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه ؛ قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه ... وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به ؛ كان انفراده خارما له مزحزحا له عن حيز الصحيح، ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك، ولم يحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك ؛ رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر اهــ .
أما الناقد المتأخر فله اعتبار مغاير، إذ يلجأ إلى القرائن التي تحف الحديث ، وبها يخضعه للنقد والنظر، وكأن كل حديث ، بما يحفه من قرائن، حالة مستقلة لها ظروفها وعناصر القبول والردّ ، وسيزداد الأمر وضوحا بالأمثلة الإجرائية.

نوع التفرد الذي يطلقه الإمام :

بناء على التقسيم السابق للتفرد ( مطلق ، نسبي )، فلا بد من مراعاة هذا التقسيم قبل إطلاق الاعتراض على الأئمة المتقدمين، ورفض أحكامهم، وقبل الاسترواح إلى نفي اطلاع الأئمة على المتابعات التي اهتدى إليها هؤلاء المتأخرون؛ لأن الإمام المتقدم قد يطلق لفظ التفرد ويريد به التفرد النسبي، وهو بهذا الإطلاق لا ينفي وجود متابعة، بل إنك تجد في عبارات المتقدمين إطلاق التفرد والمتابعة في الحكم الواحد، جاء في ( علل الحديث ) لابن أبي حاتم ، عند الكلام على حديث " إذا كانت منية أحدكم بأرض قيضت له الحاجة فيعمد إليها " قال : " قال أبي : الكوفيون لا يرفعونه، قال أبو محمد : هذا الحديث معروف بعمر بن علي بن مقدم، تفرد به عن إسماعيل بن أبي خالد ، وتابعه على روايته محمد بن خالد الوهبي " فهذا من حيث الأصل يدل على أن من عادتهم إطلاق التفرد مع علمهم بالمتابعة؛ لاعتبارات وأعراف علمية تحكم طريقتهم ، ومحاكمة تطبيقات المتقدمين بما استقر عليه اصطلاح المتأخرين في جميع الأحوال؛ يؤدي إلى خبط واضح في فهم مناهج النقدة ، بل لا بد من الأخذ باعتباراتهم .

ومن هذه الاعتبارات، ما نحن بصدد الحديث عنه من تمييزهم بين التفرد المطلق والنسبي، ونحن قلنا إن التفرد النسبي يكون بالنظر إلى جهة معينة، كانفراد الثقة عن الثقات، أو انفراد أهل بلد بحديث ، إلى آخر هذه الاعتبارات التي قد يصعب حصرها، وتضمها كلمة جامعة ، أعني : التفرد بالنسبة إلى جهة معينة .

والذي يدخل الخلط على العلماء المتأخرين بله طلاب العلم ، حملهم كلام الأئمة المتقدمين على مصطلحهم في كل حال، ومحاكمة أحكام النقدة بناء على ذلك؛ معتقدين أن الإمام إذا أطلق لفظ التفرد؛ فهو بالضرورة ينفي المتابعة، أو يريد التفرد المطلق، وذلك لأنهم صنفوا كلام النقاد على وفق جداولهم الاصطلاحية، فنشأ عن ذلك تغاير في المنهج ، وسوء فهم لأحكام الأئمة النقدة؛ الأمر الذي أغرى هؤلاء المتأخرين بالإغارة على أحكام نقدة الحديث، حتى إنني وجدت في هذا الزمان العجيب، بعض كتبة الحديث يتطاولون بجهلهم على الأئمة النقدة، فقد قرأت كتابا للمدعو ( أبو إسحاق الحويني المصري )، بعنوان " تنبيه الهاجد إلى ما وقع من النظر في كتب الأماجد " ولا أدري كيف قفز هذا الحويني لينداح في دوائر المحدثين، ولم يحظ من شيخه الألباني إلا ببضع جلسات حديثية في سيارته ، فسبحان من حوله إلى محدث مفلق بهذه الجلسات التي لا يبعد أن الألباني حظي فيها ببعض المخالفات المرورية ، ثم إذا أراد هذا الحويني أن ينقذ الألباني ، وهيهات ، مما وقع فيه من طامات وتناقضات، فليس السبيل إلى ذلك اتهام الأئمة النقدة ، الذين لو كان الألباني في زمانهم ما عدوه طالب علم ، وصدق من قال : إنك لن تستطيع تقوية الضعيف بإضعاف القوي .

إذن ، فيجب الانتباه قبل الحكم ، لا سيما إذا أطلق الإمام الناقد لفظ التفرد في حكمه ، قال ابن دقيق العيد : " إنه إذا قيل في حديث : تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفردا مطلقا، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعين خاصة، ويكون مرويا عن غير ذلك المعين، فلينتبه لذلك؛ فإنه قد يقع فيه المؤاخذة على قوم من المتكلمين على الأحاديث، ويكون له وجه كما ذكرناه الآن " ، فلا بد من مراعاة نوع التفرد الذي يريده الإمام عند إطلاقه لفظ التفرد، ثم نحكم بعد ذلك : هل يريد الناقد بهذا الإطلاق نفي المتابعة أو لا ؛ حتى لا نقع في المؤاخذة بوجه غير سليم . ويزداد الأمر وضوحا بالأمثلة :

المثال الإجرائي الأول :

حديث " الشهر تسع وعشرون ، فلا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه،
فإن غم عليكم فاقدروا له "
هذا الحديث متفق على صحته وقد رواه إمام الملة الشافعي ( رضي الله عنه ) عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ( رضي الله عنهما ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) وذكره وفيه: " فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين "
وقد أشار الإمام البيهقي إلى تفرد الإمام الشافعي بهذا اللفظ ، فتعقبه الحافظ ابن حجر بأن الإمام الشافعي لم يتفرد بهذا اللفظ، قال الحافظ : " فإن الحديث المذكور في جميع الموطآت عن مالك بهذا الإسناد بلفظ " فإن غم عليكم فاقدروا له" فأشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ عن مالك، فنظرنا فإذا البخاري قد روى الحديث في صحيحه فقال : حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ، فساقه باللفظ الذي ذكره الشافعي سواء، فهذه متابعة تامة في غاية الصحة لرواية الشافعي ، والعجب من البيهقي كيف خفيت عليه" اهـــ .

أقول : أنا على ذكر من أنك تتساءل عن حال البيهقي ، هل يعد من المتقدمين أو المتأخرين. الحق أن البيهقي من الطبقة التي مزجت بين المذهبين؛ لذلك تجد عنده تطبيقات النقدة المتقدمين، وتجد عنده ما يمثل مناهج المتأخرين، وهذا يصحح التمثيل به على الوجهين.

وفي المثال السابق، أنت ترى أن الحافظ ( المتأخر ) يرد حكم البيهقي بالتفرد بدعوى وجود متابعة تامة عند البخاري، والذي يثير عجب الحافظ خفاء هذه المتابعة عن إمام كالبيهقي، لا سيما وهي عند البخاري.

ثم وجدت من المتأخرين من رد تعقب الحافظ ردا محكما يقوم على فهم دقيق لمناهج الأئمة النقدة، وهو الصنعاني ، قال ( توضيح الأفكار ) بعد أن تعقب الحافظ : " لا عجب من البيهقي؛ لأنه إنما ذكر أن الشافعي تفرد بذلك اللفظ عن رواية الموطآت ، وهذا صحيح ، وليس في كلامه أنه لا متابع له، بل القول بأن رواية البخاري متابعة تامة دليل تقرير كلام البيهقي في تفرد الشافعي " .
قلت : فالتفرد ههنا نسبي وليس مطلقا، فلا يستدرك على البيهقي بوجود متابعة؛ لأن التفرد الذي يريده البيهقي تفرد بالنظر إلى جهة معينة، وهي هنا رواية الموطآت، فيصح التعقب على البيهقي بوجود متابعة في الموطآت، وليس من خارجها، وإيراد متابعة من خارجها ، لا ينفي تفرد الإمام الشافعي من هذه الجهة؛ إذ ليس التفرد هنا تفردا مطلقا.

قلت : والذي يؤكد تفسيرنا لحكم البيهقي، أن رواية البخاري لم تخف على البيهقي، وكيف تخفى ، فقد ذكرها في كتابه ( بيان خطأ من أخطأ على الشافعي ) فقال : " هكذا رواه الربيع عن الشافعي ، وكذلك رواه المزني عنه ، وكذلك وجدته في نسختي عن محمد بن إسماعيل البخاري، عن القعنبي عن مالك، وكذلك وجدته في نسخ لكتاب البخاري، فقويت بروايته عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك ، رواية المزني والربيع عن الشافعي، عن مالك " ، فالعجب من الحافظ ، كيف خفي عليه هذا الأمر .

المثال الإجرائي الثاني :

حديث : " إذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين ، فإن قام وإلا ينفذ له "
أخرجه : الدارمي ( 1/452) ، و الروياني في مسنده ( 1/420 ) وابن خزيمة ( 2/159 ) ،
والطحاوي في شرح معاني الآثار ( 1/341 ) ، والطبراني ( 2/92 ) والدارقطني
( 2/36 ) : من طريق معاوية بن صالح عن شريح بن عبيد عن عبد الرحمن بن جبيربن نفير عن أبيه عن ثوبان، مرفوعا .
وأخرجه : ابن حبان في الصحيح ( 6/315 ) ، والبيهقي ( 3/33 ) : من طريق معاوية بن صالح أيضا ، إلا أنهما قالا : عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن ثوبان ، دون ذكر أبيه.
وأخرجه : الطبراني في الأوسط ( برقم 6439 ) : من طريق ابن وهب ، ثني معاوية بن صالح ثني أبو الزاهرية ، ثني جبير بن نفير، ثني ثوبان، مرفوعا .

ثم قال : " لا يروى هذا الحديث عن ثوبان إلا بهذا الإسناد ، تفرد به ابن وهب " .

اعترض الحافظ ابن حجر في كتابه ( كشف الستر عن حكم الصلاة بعد الوتر ) ، على حكم الإمام الناقد الطبراني ، وقال متعقبا : " وعليه في هذا الحصر مؤاخذة، فقد أخرجه هو في مسند الشاميين، عن بكر بن سهل، عن عبد الله بن صالح، مثل رواية الجماعة ، فالذي يظهر أنه لما ساقه في الأوسط ، لم يستحضر الأخرى التي في مسند الشاميين " انتهى .

قلت : هذا الاعتراض من الحافظ فيه نظر عندي؛ لأن الرواية التي أغربها الإمام الطبراني، من طريق ابن وهب، وفيها : أبو الزاهرية ثني جبير بن نفير ، ولم يرو أحد هذا الحديث بهذا السياق غير ابن وهب، وليس في حكم الإمام الطبراني نفي ورود الحديث من طريق أخرى عند التأمل، والطريق الذي اعترض بها الحافظ لا تمثل متابعة تامة معتبرة لما ذكره ابن وهب أعني ( أبو الزاهرية عن جبير .. ) ، وأنت ترى أن الحديث معروف من طريق عبد الرحمن بن جبير وليس من طريق أبي الزاهرية، إذن، فالإمام يحكم على رواية ابن وهب بالتفرد النسبي ، كما علمت، والتفرد النسبي لا يعني نفي ورود الحديث من طريق أخرى .

ثم رأيت الحويني في كتابه ( تنبيه الهاجد ) يقلد الحافظ ويصنع الشيء ذاته، فيتعقب الإمام الطبراني بما لا طائل فيه ، قائلا : " فقد وجدت له طريقا آخر عن جبير بن نفير " ثم ذكر طريق : عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن ثوبان، مرفوعا، وصنيع هذا الذي يحاول أن يتسم بميسم العلماء ، يدل على أنه ما فهم مراد الطبراني ، ولا وقف على مقصده،
إذ ظن أن الطبراني يريد التفرد المطلق، فتعقبه بالرواية عن ثوبان من طريق مختلفة، وكان الواجب عليه أن يأتي بالطريق ذاتها أعني : عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير ، بما يمثل متابعة تامة معتبرة لابن وهب ، ولم يفعل .
كما أن الحويني ذكر من أخرج هذا الحديث ، ثم ذكر سند الحديث، في ص ( 130 ) فأوهم أنهم كلهم أخرجوه بالسياق ذاته، وليس كذلك ، فقد أخرجه البيهقي ، كما رأيت ، من طريق :عبد الرحمن بن جبير عن ثوبان دون ذكر أبيه ، كما في باقي الروايات ، ولكنها العجلة.
وأكتفي بهذه الإطلالة ، وأرجو أن يوفق المولى جل ذكره، لمزيد توضيح لمناهج الأئمة النقدة، بما ييسر فهم مناهجهم ، ويحمل طلاب العلم على ضرورة الاحتراز من الاعتراض عليهم من غير علم ودراية وبصيرة، والله تعالى الهادي إلى كل خير .

حسين القسنطيني
10-07-2007, 23:20
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه أما بعد، فقد حرصت على أن اشكرك على هذا الجهد شيخنا الفاضل و أعترف بما حصل لي من فائدة من ذلك، فبارك الله بك و لا حرمنا من الإنتفاع بكم في هذا المنتدى الطيب، و كنت أحب لو أنك تزيد في تفصيل منهج القبول و الردو النقد عند المتقدمين و المتأخرين و المعاصرين من أهل هذا الفن و ممن حاولوا تزعم الفن بحق و بغير حق

سالم أحمد خالد
11-07-2007, 02:11
بارك الله فيكم شيخنا الكريم

سؤال لو تكرمتم


، ويمكن النظر في كتب شيخنا أبي محمد حمزة المليباري، لمزيد من الأمثلة .


هل الشيخ المليباري وهابي ؟؟ أم انه تشابه أسماء ؟ - لأنني اسمع عن احد شيوخهم في الحديث و اسمه : المليباري -

عماد أحمد الزبن
11-07-2007, 15:57
أخي الكريم حسين ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكرك على موفور أدبك ، وأسأل الله تعالى أن ينفع بعلمك وأدبك وتواضعك
ولا زلت بالخير موصولا ...

سالم أحمد خالد
11-07-2007, 23:43
الشيخ الكريم عماد الزبن :

لم تجب على سؤالي