المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قطوف الجنّة من تأويلات أهل السنّة



هاني علي الرضا
09-07-2007, 09:49
قطوف الجنّة من "تأويلات أهل السنّة (تفسير الماتريدي)"

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وآله ومن والاه .

وبعد ،

فهذه فوائد منتخبة ، اخترتها أثناء قراءتي في كتاب (تأويلات أهل السنة) أو (تفسير الإمام الماتريدي) رحمه الله ، وهو تفسير عظيم الشأن جليل القدر بديع الأسلوب رغم عدم معرفة الكثيرين به ومؤلفه هو الإمام الماتريدي الذي ينتسب إليه السادة الماتريدية الذين يشكلون مع إخوتهم السادة الأشاعرة مجموع أهل السنة والجماعة أهل الحق .

وقد أحببت أن أفرد هذه المنتخبات وأعلق على بعضها تعليقا لطيفا رجاء نشر بعض درر هذا التفسير والمدارسة مع الإخوة الكرام والتعريف بالسفر ، والله الموفق .

هاني علي الرضا
09-07-2007, 09:50
قوله تعالى : { الحمد لله رب العالمين } الفاتحة (2) .

• القطف الأول – لايصح حمل الرب على السيد :

يقول الإمام الماتريدي :
[ قوله : { رب العالمين}
روي عن ابن عباس – رضي الله عنه – أنه قال : (سيد العالمين). والعالم : كل من دب على وجه الأرض.
وقد يتوجه (الربّ) إلى الربوبية لا إلى السؤدد ، إذ يستقيم القول برب كل شيء من بني آدم وغيره ، نحو رب السماوات والأرضين ، ورب العرش ونحوه ، وغير مستقيم القول بسيد السماوات ونحوه .
وقد يتوجه اسم (الرب) إلى المالك ، إذ كل من يُنسب إليه الملك يسمى أنه مالكه ، ولا يسمّى أنه سيد إلا في بني آدم خاصةً.] آ.هـ

الرواية عن ابن عباس لم أجد لها تخريجا ولا عزوا، والمروي عنه في تفسير الطبري أنه يفسر الرب بالمالك .

فالإمام يورد ما نُسب عن ابن عباس في تفسير الرب ثم هو يرجح غيره بناءً على الفرق اللغوي إذ لا يُسوّدُ إلا على بني آدم فلا يدخل فيه ما سواهم من العالم وهو مشكل مع تفسير العالم بأنه كل ما سوى الله تعالى من الخلق .

وقد نهج نهج الإمام العلامة الراغب الأصفهاني رحمه الله إذ قال في مفرداته :
[ والسيّد المتولي للسواد أي الجماعة الكثيرة ، وينسب إلى ذلك فيقال : سيّدُ القوم ولا يُقال سيد الثوب وسيّد الفرس، ويقال ساد القوم يسودهم . ولما كان من شرط المتولي للجماعة أن يكون مهذب النفس قيل لكل من كان فاضلا في نفسه سيدٌ ] آ.هـ

______________


• القطف الثاني – استنباط دليل على الوَحدانية من الآية :

يقول الإمام الماتريدي :
[ وفي ذلك – أي عموم معنى العالم لكل الخلق – أن الله عز وجل ادعى لنفسه : رب العالمين كلهم ، من تقدم وتأخر ، ومن كان ويكون ، ولم يقدر أحد أن ينطق بالتكذيب ويدّعي شيئا من ذلك لنفسه ، فدلّ ذلك على أن لا رب غيره ولا خالق لشيء من ذلك سواه ، إذ لا يجوز أن يكون حكيم أو إله ينشئ ويبدع ولا يدعيه ، ولا يفصل ما كان منه عن ما كان لغيره ، وبنفسه قام ذلك لا بغيره . وعلى ذلك معنى قوله تعالى : { وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق } . فهذا - مع ما في اتساق التدبير واجتماع التضاد وتعلّق حوائج بعضٍ ببعض وقيام منافع بعض ببعض ، على تباعد بعضٍ من بعضٍ وتضادها – دليل واضح على أن مدبر ذلك كله واحد ، وأنه لا يجوز كون مثل ذلك من غير مدبر عليم والله المستعان ] آ.هـ

وجملته الأولى رحمه الله فيها فيها تشابه كبير في النسق والسياق مع دليل " القديس أنسلم " على وجود الله تعالى والمعروف بالدليل الأنطولوجي ، وهو يقوم على مقولة مفادها أن (الله) يفهم على أنه ( ذلك الذي لا يمكن تصوّر شيء أعظم منه ) ، وأنسلم يزعم أن هذا المعنى هو الذي يقوم في قرار كل نفس عند ذكر (الله) في حضرتها ، وبناءً عليه فإن هذا الكائن الذي لا يمكن تصور شيء أعظم منه موجود في خارج الذهن ولا بد وإلا أمكن تصوّر شيء أعظم منه وتحديدا شيء يماثله غير أنه ذو وجود حقيقي ، فهو يفوقه بالوجود وهذا كاف في اعتباره أعظم منه ، ولكن الفرض أن لا أعظم مما تدل عليه مفردة (الله) فدل ذلك على وجود الله الخارجي فعلا .

فـ "القديس أنسِلم Anselm of Canterbury" يبني دليله على وجود الله على مفهوم (الله) الذي يقوم في نفس كل شخص عند ذكر المولى وإن لم يكن ذلك الشخص مؤمنا بوجوده حقيقة فإن نفسه لا تملك إلا أن تستحضر ذلك المفهوم ، فهو مفهوم مطلق مركوز في النفس .
بينما نجد الإمام الماتريدي يبني على جملة (رب العالمين) - مع فهم العالم بأنه كل ما سوى الله تعالى – دليلا على وحدانية الله تعالى إذ يقوم في النفس معنى يخضع كل العالم لقدرة الله تعالى وتصرفه عند ذكر هذه الجملة ، ولا يقدر أحد على دفع ذلك عن نفسه أو ادعاءه لنفسه فدل ذلك على تفرده تعالى بالألوهية إذ لو كان له شريك لكان دفع ذلك المعنى وتلك الدعوى ممكنا ، ويؤيد ذلك اقرار المشركين بأن الخالق واحد وإن أشركوا معه غيره في التصرف في الكون والعبادة .

وبين الطريقتين تشابه لا يخفى وإن اختلفتا في الغاية والبداية .

وهذه إشارة فقط للتشابه دون خوض في فحوى كل برهان ومدى حقيته وقوته من عدمهما ، والمشهور أن الدليل الأنطولوجي ضعيف وقامت عليه اعتراضات عدة ، ومن أراد التفصيل فعليه بمظان ذلك من كتب الكلام والفسلفة .

ولعل أنسلم استفاد دليله من الماتريدي أو غيره من علماء المسلمين وفلاسفتهم خاصة مع وجود فرق أربعة قرون بينهما ، وقد درج الأوروبيون على الأخذ عن علماء الإسلام وفلاسفته دون الإشارة .

ولنا لقاء إن شاء الله .

والله الموفق .

هاني علي الرضا
10-07-2007, 21:47
قوله تعالى : {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} الفاتحة (4)

• القطفُ – لم يزل الله مالكا ليوم الدين :

يقول الإمام الماتريدي رحمه الله :
[ في الآية دلالة وصف الرب بملكِ ما ليس بموجود لوقتِ الوصف بملكه وهو يوم القيامة .
ثبت أن الله بجميع ما يستحق الوصف به يستحقه بنفسه لا بغيره .
ولذلك قلنا نحن : هو خالق لم يزلْ ، ورحيم لم يزل ، وجوّاد لم يزل ، وسميع لم يزل – وإن كان ما عليه وقعُ ذلك لم يكن !!
وكذلك نقول : هو ربُّ كلِّ شيء ، وإله كل شيء في الأزل – وإن كانت الأشياء حادثة – كما قال : {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وإن كان اليوم بعدُ غيرُ حادثٍ . وبالله التوفيق . ] آ.هـ تفسير الماتريدي 1/362 طـ دار الكتب العلمية .

ههنا استنباط بديع من الإمام قدس الله سره يستدل به على عقيدة محورية لأهل السنة والجماعة وهي عقيدة غنى الله تعالى المطلق واتصافه بجميع صفاته وكماله في الأزل قبل خلق العالم ، ويتضمن ذلك عدم طروء التغير والتبدل والحوادث عليه سبحانه وتعالى .

فالله تعالى خالق قبل أن يكون هناك خلق !!
وهو ربّ الخلق ولا خلق !!
تماما كما أنه مالك اليوم الدين ولا يوم دين !!
وهكذا بقية صفاته وأوصافه السنية سبحانه .

وذلك أن الله تعالى له الكمال المطلق بل هو الكمال الذي لا يحده حد ، وهو كذلك قبل أن يخلق الخلق وبعد أن خلقهم وبعد أن يفنيهم ، فهو لم يزل متصفا بصفاته وأوصافه قبلهم ومعهم وبعدهم سبحانه !!

ولو أننا قلنا أن الله تعالى لا يكون خالقا إلا بخلقه الخلق فإنا إذا نزعم أنه استفاد من خلقه الخلق وصفا لم يكن له قبلُ ، وهذا الوصف إما أن يكون وصف نقص أو كمال ، فإن كان وصف نقص فقد نسبنا إليه تعالى النقص وهو كفرٌ ، وإن كان وصف كمال فقد زعمنا أنه لم يكن كاملا ثم بخلقه الخلق صار كاملا فيكون قد احتاج إلى خلقه ليكمل وهو كفرٌ أيضا لمنافاته عقيدة غنى الله تعالى ولإستلزامه كونه تعالى ناقصا قبل أن يخلق الخلق !!

وقد زلّ في هذا المقام أقوام وضل فيه فئام(*) لم يستطيعوا أن يتصوروا وصفه تعالى بالخلق ولا خلقٌ وظنوا أن القول بأن الله خلق الخلق بعد أن لم يكونوا فيه تعطيلٌ عن وصف الله تعالى بالخالق ، فكان الحلّ في فهمهم أن يقولوا بأن المخلوقات لا أول لها وأنها لم تزل مع الله تعالى منذ الأزل حتى لا يكون مجردا عن وصف الخالق ، ولم يفهموا أن في ذلك نفي لخلق الله لها فالأزلي الذي لا أول لوجوده لا يكون مخلوقا ، ففروا من وهم قام في أذهانهم ليقعوا في الضلال والخسران المحقق !!

فافهم هذا وتنبه ولا يستزلك الشيطان إلى مسالك الردى وعقائد الضلال ، واعتقد يقينا جازما أن كل ما سوى الله تعالى حادث مخلوق كائن بعد أن لم يكن وأنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( كان الله ولم يكن شيء غيره ) صحيح البخاري.

وما استنبطه وقرره الإمام الماتريدي قدس الله سره موافق بالتمام لما نص عليه الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت 322هـ) في عقيدته المشهورة والتي تلقاها كل أهل السنة بالقَبول وارتضوا ما فيها على أنه يمثل عقيدة السلف الصالح والصحابة ، فقد قال رحمه الله في عقيدته :

[ ما زال بصفاته قديما قبل خلقه . لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته.
وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا.
ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري . له معنى الربوبية ولا مربوب ، ومعنى الخالق ولا مخلوق . وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم ذلك بأنه على كل شيء قدير ، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير.
لا يحتاج إلى شيء { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ] آ.هـ العقيدة الطحاوية

والله الموفق إلى سبيل الرشاد والمنجي من ظلمات الضلال .


_________________

(*) منهم ابن تيمية الحراني وكثير من أتباعه - ونحن لا نكفر أحدا بعينه فالتكفير حكم شرعي له ضوابط وشروط وموانع ، وإنما نقول أن قوله قول كفري ومقتض للكفر دون حكم على ذاته - وأتباع فلاسفة اليونان ، وراجع في ذلك الكاشف الصغير عن عقائد بان تيمية لأبي الفداء سعيد فودة وتهافت الفلاسفة لحجة الإسلام الإمام الغزالي .

هاني علي الرضا
16-07-2007, 12:20
قوله تعالى : { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } البقرة (10).

• القِطْفُ – وجه وصف المنافقين بمرض القلب :

يقول الإمام الماتريدي رضي الله عنه :
[ وقوله : { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } .

يقال : شكٌ ونفاقٌ .

سمى عز وجلّ المنافقين مرضى لاضطرابهم في الدين ، لأنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين بالقول ، ويضمرون الخلاف لهم بالقلب .

فكان حالهم كحال المريض الذي هو مضطرب بين الموت والحياة ، إذ المريض يُشرف – ربما – على الموت ، ويرجو الإقبال عليه منه ثانياً ، فهو مضطرب بين ذلك ، فكذلك هم لمّا كانوا مضطربين في دينهم سماهم مرضى .

وأما سائر الكفرة فإنهم لم يضطربوا في الدين ، بل أظهروا بالقول ما أضمروا بالقلب ، فسمّاهم موتى ، لما لم ينتفعوا بحياتهم ولم يكتسبوا الحياة الدائمة .

وسمى المؤمنين أحياءً لما انتفعوا بحياتهم ، واكتسبوا الحياة الدائمة ، لموافقتهم باللسان والقلب جميعا لدين الله عز وجل والله اعلم . ] آ.هـ

فالمنافق إذا مريض القلب لما أن قلبه متردد بين الإيمان والكفر كما أن مريض الجسد متردد بين الحياة والموت .
فالكفر موت والإيمان حياة ، وبهذا الإعتبار سمي الكافر ميتاً والمؤمن حياً .

وهذا التوجيه اللطيف لوجه المشابهة والسبب في التسمية لم أجد أحدا قاله قبل أو بعد الإمام الماتريدي من المفسرين كافةً القدماء منهم أو المعاصرين إلا السمرقندي (ت 375هـ) في تفسيره (بحر العلوم) إذ قال :

[ قوله تعالى : { فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } يعني شكاً ونفاقاً وظلمة وضعفاً ، لأن المريض فيه فترة ووهن ، والشاك أيضاً في أمره فترة وضعف . فعبَّر بالمرض عن الشك ، لأن المنافقين فيهم ضعف ووهن ........... ويقال : إن المريض تعرض للهلاك ، فسمي النفاق مرضاً ، لأن النفاق قد يهلك صاحبه ، لأن الخلق على مراتب ثلاث ، ميت في الأحوال كلها كالكافر ، وحي في الأحوال كلها كالمؤمن لقوله تعالى : { أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ، ومريض كالمنافق . ] آ.هـ بحر العلوم للسمرقندي .

والذي يظهر أن السمرقندي استفاده من الإمام الماتريدي خاصة مع تجاورهما – كلاهما من سمرقند – وتأخر وفاته عن الإمام الماتريدي ( الماتريدي ت 333هـ والسمرقندي ت 375هـ ) . ولم يتيسر لي التأكد إن كان أبو الليث السمرقندي قد أخذ وتتلمذ فعلا على الإمام أم لا ، وعلى فرض عدم تتلمذه فلا يبعد أن يكون أخذه من تفسيره مباشرة .

والله الموفق .

هاني علي الرضا
21-07-2007, 00:59
قوله تعالى : { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ } البقرة (13)

• القِطْفُ – لا يُقالُ أنّ الله تعالى يشتم :

يقول إمام الهدى رضي الله عنه :
[ قوله {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ} .
يقول بعض المتكلمين : إنّ هذا شتمٌ من الله لهم جواباً عن المؤمنين ، ويستجيزون ذلك على الجواب وإنْ لم يجزْ على الإبتداء ، كالمكر والكيد والاستهزاء والخداع ونحوه ، فعلى ذلك هذا .

وأما عندنا فهو غير جائز ، لأن من يَشتِمُ آخرَ يُذمُ عليه ، وهو عملُ السفهاء .
فأخبر عز وجل : أنهم هم الذين يعملون بالجهل على علمهم أنّ دينهم الذي يدينون به باطلٌ وأنّ الدين الذي يدين به المؤمنون حقٌ ] آ.هـ تفسير الماتريدي 1/386.

فالشتمُ عند الإمام الماتريدي مذموم ونقص مطلقا سواء أَوقعَ ابتداءً أوجواباً وعليه فإن الله تعالى منزهٌ عنه ، وما وقع في هذه الآية ليس شتماً وإنما هو ذمٌ لهم هم على ما وقع منهم من شتمٍ للمؤمنين وإخبارٌ بحقيقة حالهم وأنهم في الواقع هم الأحق بوصف السفه لعملهم بالجهل والباطل مع علمهم بكونه جهلاً وباطلاً وهو عين السفه في الحقيقة .

فهو إذا "إخبارٌ" عن واقع حال من الله تعالى لا شتمٌ وجوابٌ لما بدر منهم من بذاءة مذمومة كما ذهب إليه البعض.

وقد وافق الإمام الطبري الإمام الماتريدي فيما ذهب إليه من توجيه لهذه الآية ، فقال :
[ وهذا خبر من الله تعالى عن المنافقين الذين تقدم نعته لهم ووصْفُه إياهم بما وصفهم به من الشك والتكذيب، أنهم هم الجهال في أديانهم، الضعفاء الآراء في اعتقاداتهم واختياراتهم التي اختاروها لأنفسهم من الشك والريب في أمر الله وأمر رسوله وأمر نبوّته، وفيما جاء به من عند الله، وأمر البعث، لإساءتهم إلى أنفسهم بما أتوا من ذلك، وهم يحسبون أنهم إليها يحسنون. وذلك هو عين السفه، لأن السفيه إنما يفسد من حيث يرى أنه يصلح ويضيع من حيث يرى أنه يحفظ. فكذلك المنافق يعصي ربه من حيث يرى أنه يطيعه، ويكفر به من حيث يرى أنه يؤمن به، ويسيء إلى نفسه من حيث يحسب أنه يحسن إليها ] آ.هـ

وممن قال بالقول الذي أنكره الإمام الماتريدي من كون هذه الآية مقابلة من الله لما بدر منهم من شتم العلامة الشيخ ابن عاشور رحمه الله إذ يقول في تفسيره :
[ { ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون }
أتى بما يقابل جفاء طبعهم انتصارا للمؤمنين، ولولا جفاء قولهم { أنؤمن كما آمن السفهاء } لما تصدى القرآن لسبابهم مع أن عادته الإعراض عن الجاهلين ولكنهم كانوا مضرب المثل ( قلتَ فأوجبتَ ) ، ولأنه مقام بيان الحق من الباطل فتحسن فيه الصراحة والصرامة كما تقرر في آداب الخطابة، وأعلن ذلك بكلمة ألا المؤذنة بالتنبيه للخبر] آ.هـ التحرير والتنوير .

وفي الحقيقة فإن القول بأنَ الله قابل شتمهم للمؤمنين وأجاب عنه بما يشاكله ويماثله كما ذهب إليه العلامة ابن عاشور يُشكل عليه قوله تعالى { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } ، إذ وقع فيه الوصف بالسفه لبعض الناس ابتداءً من غير توجه شتم منهم إلى المؤمنين ليكون وصفهم بالسفه شتم واقعٌ موقع الجواب عن المؤمنين كما في الآية الأولى ، وعليه فالأولى حمل الوصف بالسفه في الآيتين على أنه إخبار عن حال ومطابقة واقع وألا يطلق القول بأن الله شتم هؤلاء أو أؤلئك.

على أنّ في قوله تعالى { سيقول السفهاء من الناس } يحتمل الإخبار عن أمر سيأتي في المستقبل ولما يقع بعد – كما هو أحد تفاسير الآية – وبناء على وقوعه يقع الوصف بالسفه من عدمه ، فعليه لا يكون ثمة توجيه خطاب لأناس بعينهم دع عنك شتم لهم ، بل غاية الامر أن الله تعالى أخبر أن البعض سيعترض على تحويل القبلة ، ووصف الله من سيعترض بأنه سفيه ، فمطابقة هذا الوصف معتمدة على صدور الإعتراض من عدمه ، فمن صدر عنه الإعتراض فقد عرض نفسه بنفسه للوصف وأدخل نفسه في نطاقه ومن لا فلا ، فلا شتم هنا أصلا لما أنه وصف عام أطلقه فمن شاء أدخل نفسه فيه ومن شاء فلا وهذا على التفسير بأنه في المستقبل ولم يقع حين نزلت هذه الآية .

والله الموفق .

هاني علي الرضا
07-08-2007, 20:41
قوله تعالى : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } البقرة (22) .

• القِطْفُ – ارتباط السماء والأرض دالٌ على وحدةِ الخالق :

يقول الإمام الماتريدي رحمه الله :

[ في الآية دلالة أنّ المقصود في خلق السماء والأرض ، وإنزال الماء منها ، وإخراج هذه الثمرات وأنواع المنافع : بنو آدم . وهم الممتحنون فيها ، بدلالة قوله : {جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَآءً} ، وما ذكرَ من المُخرَجِ والمُنزَلِ منها ، وما ذكر في آية أخرى : {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} ، ومنهُ : { وَسَخَّرَ لَكُمُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ} ، { وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ } مما يكثر من الآيات .

أضاف ذلك كله إلينا ، ثم جعلَ – عز وجلّ – بلطفه منافع السماء متصلة بمنافع الأرض - على بُعدِ ما بينهما من المسافة – حتى لا تُخرجُ الأرض شيئاً إلاّ بما ينزل من السماء من الماء ، ليعلم ان منشئ السماءِ هو منشئ الأرضِ ، لأنّه لو كان منشئ هذا غير منشئ الآخر لكان لا معنى لاتصال منافع هذا بمنافع الآخر لى بُعدِ ما بينهما ، ولتوهم كون الإختلاف من احدهما للآخر .
فإذا كان كذلك دلّ على أن منشئهما واحدٌ لا شريك له ولا ند ] تأويلات أهل السنة 1/ 400.

فالإقرار إذا بربوبية الله وخلقه للسماء مستلزم للإقرار بخلقه للأرض والعكس صحيح للإرتباط الوثيق بينهما والتناسق البديع في تداخلهما وتفاعلهما بما يجلب النفع على الخلق ويدفع الشر ، ولو كان رب هذه غير رب تلك لوقع الإختلاف وفسد الأمر . وإن تقرر ذلك عُلم استحالة تعدد الآلهة ولزوم تفّردِ إله واحد بالخلق والقهر والألوهية ، إذ الكون المشاهد لنا سماء وأرض وبينهما ارتباط وتناسق وتناغم ، وهذه صفة ما مصدره وصانعه واحد ولا بد .



- تذكرة :

قال الإمام القرطبي في ثنايا تفسيره لهذه الآية :

[ قال علماء الصوفية :
أعلمَ الله عز وجل في هذه الآية سبيل الفقرِ؛ وهو أن تجعل الأرض وِطاء والسماء غِطاء، والماء طيبا والكلأ طعاماً؛ ولا تعبد أحداً في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا، فإن الله عزّ وجلّ قد أتاح لك ما لا بدّ لك منه، من غير مِنَةٍ فيه لأحد عليك.
وقال نَوْف البِكَالي: رأيت عليّ بن أبي طالب خرج فنظر إلى النجوم فقال: يا نَوْف، أراقِد أنت أم رامق؟
قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين.
قال: طُوبَى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة؛ أولئك قوم ٱتخذوا الأرض بساطاً، وتُرابها فِراشاً، وماءها طِيبا، والقرآن والدعاء دِثارا وشِعارا؛ فرفضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام. ] تفسير القرطبي.

والله الموفق .

جمال حسني الشرباتي
07-08-2007, 21:35
السلام عليكم

أخي هاني

كلام الإمام على جلال قدره لم يرق لي --

قال (لأنّه لو كان منشئ هذا غير منشئ الآخر لكان لا معنى لاتصال منافع هذا بمنافع الآخر لى بُعدِ ما بينهما ، ولتوهم كون الإختلاف من احدهما للآخر .)--

ولا أظنّ بوجود دين أو عقيدة تفرق بين منشىء السماء ومنشىء الأرض ليضطر الإمام إلى إيراد الأدلّة _كاتصال منافعهما _على كون منشؤهما واحد

هاني علي الرضا
14-02-2008, 15:05
قوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } البقرة (26)

• القِطفُ : اللطيف الدقيق من الأجسام فيه من دلائل الوحدانية والربوبية والألوهية أكثر مما في العظيم الضخم منها :

يقول الإمام الماتريدي رحمه الله :

[ وقوله : {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}

كأن هذا – والله أعلم – يخرج جواباً على أثر قول قاله الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – على ما ذكره بعض اهل التأويل – فقالوا : ما يستحي ربك أن يذكر البعوض والذباب ونحوها مما يصغر في نفسه ، وملوك الأرض لا يذكرون ذلك ويستحيون ؟

فقال عز وجلّ جوابا لقولهم : { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي ...} الآية .

لأن ملوك الأرض إنما ينظرون إلى هذه الأشياء بالاستحقار لها والاستذلال فيستحيون ذكرها على الإنكاف والأنفة .
والله - عز وجل – لا يستحيي عن ذلك ، لأن الأعجوبة في الدلالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته في خلق الصغير من الجثة والجسم أكبر من الكبار منها والعظام ، لأن الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب وتركيب ما يحتاج إليه من الفم والانف والرجل واليد والمدخل والمخرج - ما قدروا ، ولعلهم يقدرون على ذلك في العظام من الأجسام والكبار منها .
فأؤلئك لم ينظروا إليها لما فيها من الاعجوبة واللطافة ، ولكن نظروا للحقارة والخساسة أنفاً منهم وإنكافاً .] آ.هـ تأويلات أهل السنة 1/407

وهذا المعنى الذي ذهب إليه الإمام في الفهم لطيف دقيق ولم أجده عند غيره من المفسرين فيما اطلعت عليه ، فعليك به وترحم على الإمام .