المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور اللغة في الكشف عن وجوه الإعجاز في القرآن الكريم



قتيبة بن محمود الفارس
24-06-2007, 14:57
صلة الحروف والألفاظ بالمعاني في القرآن الكريم

إن حروف اللغة وألفاظها في القرآن الكريم تحذو حذو المعاني إلى حدّ لا يمكن أن يكون في غير هذا الكتاب العزيز، فهو في القرآن الكريم كامل ومطرد لأنه كلام الله : {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (42) سورة فصلت. وسأكتفي بقليل من الأمثلة التي تشير ولا تستقصي في الحرف والكلمة في القرآن الكريم لنرى من خلال الأمثلة مدى حاجة طالب الشريعة إلى معرفة هذه اللغة التي لا يكشف عن بعض إعجاز القرآن إلا بها.
أولا: لفظ الجلالة في النداء.
لنبدأ باللفظ الكريم لفظ الجلالة -الله- في النداء والدعاء، في القرآن الكريم: لم يرد لفظ الجلالة في النداء والدعاء مجردا من حرف الميم في آخره . ولكنه ورد خمس مرات متصلا به حرف الميم في الدعاء ليصبح "اللهم" كقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (26) سورة آل عمران.
ولا يستعمل هذا اللفظ إلا في الدعاء والطلب فلايقال : اللهم غفور رحيم، بل يقال: اللهم اغفر وارحم، والأصل "الله" ثم زيد حرف الميم على لفظ الجلالة ليصبح -اللهم- والآن نسأل أنفسنا: ما السر في زيادة حرف الميم على لفظ الجلالة؟ وما أثره في المعنى والدلالة ياترى؟
يجيب علماء النحو عن هذا التساؤل بأن الميم تزاد على لفظ الجلالة دون سواه من الأسماء الحسنى في الدعاء والطلب، عوضا عن حرف النداء-يا- ولذلك لا يجيزون الجمع بين الميم في آخر لفظ الجلالة في الدعاء وهو حرف العوض. وبين ياء النداء قبل لفظ الجلالة وهو المعوض عنه، لأنه جمع بين العوض والمعوض عنه، وهذا لا يأتي إلا في الشاذ أو النادر، وعلى هذه الندرة أو الشذوذ جاء قول أمية ابن أبي الصلت:
إني إذا ما حدث ألما=أقول ياللهم ياللهم
وعلى هذا جاء قول ابن مالك في ألفيته:

والأكثر- اللهم - بالتعويض=وشذ - يا اللهم - في قريض
ويسمى ما كان من هذا الضرب عوضا لأنه في غير محل المحذوف، وأما الضمة التي على الهاء فهي ضمة الاسم المنادى في المفرد، وأما فتحة الميم مشددة فلسكونها وسكون الميم التي قبلها، وهذا من خصائص هذا الاسم وهو اسم الجلالة، فلا تأتي هذه الميم المشددة عوضا عن حرف النداء في غيره من أسماء الله الحسنى.
ولنعد للتساؤل من جديد: لماذا زيدت الميم المشددة عوضا عن حرف النداء؟ ولماذا اللجوء إلى الحذف والتعويض، والحرف المحذوف هو أشهر حروف النداء-يا-؟
بل لماذا التعويض والحذف جائز في حروف النداء من غير تعويض وهو كثير في كتاب الله تعالى: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ} (193) سورة آل عمران.
فقوله تعالى في أول الآية الكريمة: - ربنا - منادى بحرف نداء محذوف والتقدير يا ربنا.
لماذا كان التعويض بحرف الميم بالذات؟ وما أثر ذلك في المعنى والدلالة؟
يجيبنا عن ذلك كله علماء التفسير واللغة وعلى رأسهم الإمام ابن القيم في تفسيره القيم المسمى - التفسير القيم - ما خلاصته:
إن الميم حرف شفهي يجمع الناطق به شفتيه لذلك جعله العرب علما على الجمع فقالوا للواحد: أنت، فإذا أرادوا الجمع قالوا: أنتم.
وهكذا لو تأملنا كثير من الألفاظ التي فيها الميم لوجدنا الجمع معقودا بها مثل: لمّ الشيء -أي جمعه-، وتمّ الشء - أي اكتمل واجتمع له كامل الصفات.
ولذلك فإن إلحاق الميم في اسم الجلالة - اللهم - الذي يسأل العبد به ربه في كل حال يؤذن بجمع القلب عند التوجه إلى الله بالسؤال والدعاء، وبهذا التوجه الذي يجمع كل شتات النفس يصبح الداعي من عباد الله الذين أضافهم إلى نفسه، والذين يستجيب لهم إذا دعوه لأنهم من عباده الذين وعدهم بالإجابة، مصداقا لقوله جل من قائل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (186) سورة البقرة.
كما أن إلحاق الميم عند الدعاء يؤذن بجمع أسماء الله تعالى وصفاته، فإذا قال السائل: اللهم إني أدعوك، فكأنه قال: أدعو الله الذي جمعت له الأسماء والصفات الحسنى، لأن الإتيان بالميم في آخر اسم الجلالة يذكّر الداعي باستحضار أسماء الله وصفاته عند الدعاء ، فلفظ - الله - يدل على الذات والميم دالة على الصفات.

سطام بن نهار بن جديع
25-06-2007, 08:30
جميل يا أخ قتيبة , وبارك الله فيك , و نسألك المواصلة على هذا النحو الطيب .

قتيبة بن محمود الفارس
25-06-2007, 12:11
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي سطام الجمال جمال العقل فعقلك واسعة مداركه
وأرجو أن أظفر وإياكم بحسن القبول عند الله
ومن ثم أقدم اعتذارا حارا إلى شيخي العزيز
أبي المنذر عماد بن أحمد الزبن
وأرجو أن يعذرني عن تلكم الفترة الماضية