المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تنبيه السـادة المـالكية ببيان شذوذ الالبـاني شيخ الوهابية



هلال بن عبد الله بن عمر
18-06-2007, 00:48
السلام عليكم
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي الحبيب الكريم وبعد
فهذا مقال ألفيته بأحد المواقع فآثرت نشره ليتذكر العالم ولعلم الجاهل فاليكموه
تنبيه السـادة المـالكية ببيان شذوذ الالبـاني شيخ الوهابية
إنكار الألباني تأويل البخاري ‏
أنكر الألباني(1) تأويل البخاري لقوله تعالى:{ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }(88)[سورة ‏القصص] أي إلا ملكه فقال الألباني(2) أيضا عن هذا التأويل:{ هذا لا يقوله ‏مسلم مؤمن} اهـ, وذكر أنه ليس في البخاري مثل هذا التأويل الذي هو عين ‏التعطيل ثم قال ما نصه(3):{ ننزه الإمام البخاري أن يؤول هذه الآية وهو إمام ‏في الحديث وفي الصفات وهو سلفي العقيدة والحمد لله}. اهـ. ‏
‏ الرد: الألباني بهذا يكون كفّر من أوّل هذه الآية بهذا التأويل فإذن البخاري ‏عنده كافر لأن نسخ البخاري كلها متفقة على هذا ولا يستطيع الألباني أن يُثبت ‏نسخة خالية عن هذا التأويل لكنه يُكابر هربا مما يتوقعه, فمثله كمثل من أراد ‏أن يغطي الشمس بكفه في يوم صحو رابعة النهار. ثم ليس هذا التأويل مما انفرد ‏به البخاري بل أوّل(4) سفيان الثوري رضي الله عنه هذه الآية:{ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ‏‏}(88) بقوله:{ ما أريد به وجهه}. ‏
ثم إن تأويل البخاري لهذه الآية ثابت عنه, فقد قال في أول سورة القصص ما نصه:{ ‏كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }(88)[سورة القصص] إلا ملكه, ويقال: إلا ما أُريد به وجه الله} ‏انتهى بحروفه. فإنكار الألباني لذلك دليل جهله فكيف يدعي أصحابه بأنه حافظ ‏محدث, سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم. ‏
‏ أما قوله بأن هذا التأويل لا يقوله مسلم مؤمن لأنه على زعمه يكون من أهل ‏التعطيل الضالين, فماذا يقول عن البخاري بعد ثبوت ذلك عنه, هل يرميه ‏بالتعطيل(5)؟
--------------------------------------------------
‏(1)و(2)و(3)- فتاوى الألباني (ص/523).‏
‏(4)- تفسير القرءان (ص/194).‏
‏(5)- و قد حصل من شخص وهابي لما قيل له: البخاري أول فقال في صحيحه في تفسير قوله ‏تعالى:{كل شىء هالك إلا وجهه(88)}: إلا ملكه، فقال الوهابي: البخاري في إيمانه شك. فبعد هذا ‏يظهر للمتأمل شدة بغض الوهابية لأهل الحق أهل السنة و الجماعة وازدرائهم بالأئمة الكبار.‏الفصل الثالث عشر شذوذ الألباني عن المذاهب الاربعة
لا شك أن أهل السنة و الجماعة أجمعوا على فضل أصحاب المذاهب الأربعة أبي حنيفة النعمان، و مالك بن أنس، و الشافعي، و أحمد بن حنبل رضوان الله عليهم.
أما الألباني الذي يهوى الشذوذ فله رأي ءاخر حيث يقول: بأن عيسى لما ينزل لا يحكم بالنصرانية و لا باليهودية و لا بالفقه الحنفي (1).
فانظروا كيف يتكلم عن هذا العالم الجليل الذي فسر به حديث:" لو كان العلم بالثُّريا لتناوله ناس من أبناء فارس " (2).
فكيف يقول عن أبي حنيفة النعمان هذا و قد أخذ علمه عن التابعين و التقى بانس بن مالك لما دخل الكوفة، و مشايخه كثر أمثال عطاء بن ابي رباح و الشَّعبي و نافع مولى ابن عمر (3)، و محمد بن المنكدر و ابن شهاب الزهري و محمد الباقر و عبد الرحمن بن هرمز الأعرج و حماد بن أبي سليمان و جميعهم من اكابر التابعين.
و روى عنه خلق كثير، و درس على يديه أكابر العلماء مثل محمد بن الحسن شيخ الشافعي و أبي يوسف القاضي و وكيع شيخ الشافعي و عبد الله بن المبارك و زفر بن هذيل التميمي و داود الطائي و حماد بن أبي حنيفة و غيرهم، حتى قال عنه الشافعي:" الناس عيال على فقه أبي حنيفة "، و قال عنه يحيى بن معين أحد نقاد الرجال:" كان أبو حنيفة لا يدرّس إلا من حفظه ". فلأي سبب تطعن بمثل هذا الإمام أيها الألباني، و أي شىء جعلك تطعن بالشافعي و الحافظ البغدادي يروي عنه (4) بالإسناد الصحيح أنه قال:" إني لأتبرك بأبي حنيفة و أجيء إلى قبره كل يوم فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين و جئت إلى قبره و سألت الله الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى ".
فماذا تقول بعد هذا البيان أيها الألباني! هل ترجع عن قولك هذا أم تناطح رجلاً كالشافعي فُسر به حديث النبي صلى الله عليه و سلم:" عالم من قريش يملأ طباق الأرض علمًا " (5)، أم تراك تغير على هذا الحديث بالتضعيف لتهشم الشافعي و ترفع من قدر نفسك لجهلك بمعنى الحديث الذي رواه الحاكم(6) و فيه:" من أقام بمسلم مقام سمعة أقامه الله يوم القيامة مقام سمعة و رياء ".
و حسبنا حكمًا بيننا و بينك قول أفضل البشر و خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم :" ليس من أمتي من لم يجلّ كبيرنا و يرحم صغيرنا و يعرف لعالمنا حقّه " رواه أحمد و غيرُه (7).
فمن أي باب يا الألباني تذم الإمام أبا حنيفة و الشافعي و أنت بلغ جهلك مبلغه، و لأي سبب تحمل على أئمة السلف و أنت مفلس من العلم و الفقه، لقد صدق سيدنا علي رضي الله عنه حين قال:" و الجاهلون لأهل العلم اعداء" قد ءان لك أيها الألباني أن تسكت و تكف لسانك عن هؤلاء الشرفاء الأطهار الذين رفعوا راية محمد و حفظوا السنة.
-------------------------------------
(1)- انظر كتابه المسمى " صحيح الترغيب و الترهيب ": باب نزول عيسى.
(2)- مسند أحمد (2/420).
(3)- و هو أثبت الناس بحديث ابن عمر.
(4)- تاريخ بغداد (1/123).
(5)- رواه البيهقي في مناقب الشافعي (1/54).
(6)- المستدرك (4/128).
(7)- مسند أحمد (5/323)، و عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (1/127) للطبراني في المعجم الكبير
شذوذ الألباني في العقيدة ‏
ينقل(1) ناصر الدين الألباني عن بعض المشبهة ومقرا له بأن من قال عن الله ‏‏"ويُرى لا في جهة " فليُراجع عقله. وقال الالباني(2) "إن اريد بالجهة امر عدمي ‏وهو ما فوق العالم فليس هناك الا الله وحده". اهــ. ‏
‏ الرد: قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في العقيدة التي ألفها لبيان عقيدة أهل ‏السنة والجماعة:{ لا تحويه – أي الله – الجهات الست كسائر المبتدعات}اهـ, أي أن ‏الله تعالى منزه عن الجهة لان في ذلك نسبة المكان والحد لله وتوابعهما من‏
الحركة والسكون ونحو ذلك مما هي من صفات المخلوقين. فالألباني بكلامه الاول يكون ‏اتّهَم أهل السنة والجماعة بأنهم لا عقل لهم وحكم على نفسه أنه شذ عن مذهبهم ‏والرسول صلى الله عليه وسلم قال:{ عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان ‏مع الواحد وهو من الاثنين أبعد فمن أراد بُحبوحة الجنة فليلزم الجماعة} رواه ‏الترمذي(3). وقال {ثلاثة لا يُغل عليهن قلب مسلم: اخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة ‏الأمر، ولزوم الجماعة ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم} رواه ابن حبان وصححه(4)، ‏والحافظ ابن حجر في الامالي وحسنه، ثم هو لا يرتدع بكلام الطحاوي ولا بكلام أهل ‏السنة قاطبة ولا يرده إجماع الأمة فيدّعي مغرورا بجهله أن الله فوق العرش بذاته. ‏
‏ ومما انفرد به في العقيدة حيث شبه الله تعالى أنه محيط بالعالم من جميع الجهات ‏كما أن الحقّة تحيط بما في ضمنها ولم يسبقه بهذا أحد لا من أهل السنة ولا من ‏المشبهة, وقد ذكر ذلك في كتابه المسمى صحيح الترغيب والترهيب (5), فكيف جمع بين ‏هذا وبين قوله إن الله بذاته فوق العرش؟! وفي هذا تناقض لا يخفى, وهذا ضد عقيدة ‏طائفته الوهابية المشبهة المجسمة "أن الله فوق العرش فقط", فهذه من مفرداته التي ‏انفرد بها عن طائفته, وهذا نشأ من سوء فهمه بقوله تعالى:{ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ ‏مُّحِيطًا }(126) [ سورة النساء]. ومعنى الآية أن الله محيط بكل شيء علما, فهذا ‏الرجل من شدة تهوره يناقض نفسه وهو لا يدري, فماذا تقول فيه طائفته وقد أثبت ‏عقيدة ضد عقيدتهم هل تتبرأ منه؟؟ أم تسكت له مداهنة؟ لان طائفته الوهابية ‏تعتبره قدوة لهم وزعيما كبيرا بل تعتبره مجدد العصر لهم، فقد شبه الالباني الله ‏بالحقة التي تحيط بما فيها من جميع الجهات كما ذكر في كتابه المسمى "صحيح الترغيب ‏والترهيب", فجعله تحت العالم وفوق العالم وعن شمال العالم وعن يمين العالم وامام ‏العالم وخلف العالم, ولم يقل بذلك قط مسلم ولا كافر قبله, هذا ما شهر عنه, وقد ‏ذكر في بعض مؤلفاته في أكثر من موضع أن الله متحيز فوق العرش بذاته, فها هو ذا ‏ينتقل من ضلال إلى ضلال ليس له مستقر في فساده في العقيدة والأحكام. ‏
‏ ‏فائدة: قال الألباني: اعلم أن قوله في هذا الحديث فإن الله قبل وجهه وفي الحديث ‏الذي قبله فإن الله عز وجل بين أيديكم في صلاتكم لا ينافي كونه تعالى على عرشه فوق ‏مخلوقاته كلها كما تواترت فيه نصوص الكتاب والسنة وءاثار الصحابة والسلف ‏الصالح رضي الله عنهم ورزقنا الاقتداء بهم فإنه تعالى مع ذلك واسع محيط بالعالم ‏كله, وقد أخبر أنه حيثما توجه العبد فإنه مستقبل وجه الله عز وجل بل هذا شأن ‏مخلوقاته المحيط بما دونه فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط فإنه يستقبل وجه ‏المحيط ويواجهه وإذا كان عالي المخلوقات يستقبل سافلها المحاط بها بوجهه من جميع ‏الجهات والجوانب فكيف بشأن من هو بكل شيء محيط وهو محيط ولا يُحاط به}. اهـ. ‏
هذه عبارته حتى يتأكد المطالع أنه قال إن الله يحيط بالعالم من جميع الجهات بالذات ‏لا يعني بالعلم كما هو معتقد المسلمين, وهي صريحة في أنه أراد إحاطة الله بالعالم ‏بذاته لا بالعلم والقدرة كما هو معتقد المسلمين سلفهم و خلفهم, وهذه المقالة ‏التي قالها لم تقل بها فرقته غير أن شابا دمشقياً من المنتسبين إليه صرّح بذلك يوما ‏وشبّه ذلك بضم كفه إلى الأخرى. ‏
أما زعمه أنه ليس فوق العرش شيء من المخلوقات فهذا دليل جهله بالحديث وعلومه ‏رغم ادِعائه انه اشتغل بهذا العلم سنين عديدة, فقد روى البخاري ومسلم (6) عن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:{ لمَّا قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده ‏فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي}, وفي رواية عند مسلم(7){ فهو موضوع عنده}, وفي ‏رواية عند ابن حبان(8) بلفظ:{ وهو مرفوع فوق العرش} وقد ذكر الحافظ ابن حجر ‏عند شرحه(9) لهذا الحديث أنه لا مانع من أن يكون فوق العرش مكان, وروى ‏النسائي في سننه الكبرى(10):{ فهو عنده على العرش} وهذا صريح في أن فوقية هذا ‏الكتاب هي الفوقية المتبادرة فاندفع ما يقال إن "فوق" في حديث البخاري بمعنى ‏تحت, ويبطل هذه الدعوى قول بعض أهل الأثر إن اللوح المحفوظ فوق العرش مقابل ‏قول الآخرين إنه تحت العرش. وهذا الحديث فيه الرد على الألباني وعلى كل من ‏ينفي وجود مخلوق فوق العرش, وفيه أيضا دليل على أن فوق العرش مكان, فلو كان ‏الله متحيزا في جهة فوق العرش لكان له أمثال وأبعاد وطول وعرض وعمق ومن كان ‏كذلك كان محدثا محتاجا لمن حدّه بذلك الطول وبذلك العرض والعمق. ‏
ويكفي في الرد عليه قول الله تعالى:{ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} (8)[سورة الرعد] ومعناه أن ‏الله خلق كل شيء على مقدار أي على كمية وكيفية مخصوصة, فالعرش له كمية وحبة ‏الخردل لها كمية, فالمعنى المفهوم من هذه الآية أن الله الذي خلق كل شيء على كمية ‏‏– أي حجم وشكل مخصوص – لا يجوز أن يكون ذا حجم لا حجم كبير ولا حجم صغير, ومعلوم ‏أن الجالس على شيء له حجم إما بقدر ما جلس عليه أو أقل منه أو أوسع منه, فلا ‏يجوز على الله الجلوس, والموجود المتحيز في مكان له مقدار, والمقدار صفة المخلوق ‏فالإنسان له مقدار أي حجم وشكل مخصوص والملائكة كذلك, والعرش والشمس وكل فرد ‏من أفراد النجوم كذلك, وكذلك الحجم الصغير كحجم حبة الخردل, فالله تعالى هو الذي ‏خصّص هذه الأشياء بحجم وشكل مخصوص, وقد أفهمنا بقوله:{ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} ‏أن هذا وصف الخلق وهو سبحانه الخالق لا يجوز أن يتصف بصفات المخلوقين, فلا يجوز ‏على الله التحيز في مكان, ولا يجوز وصفه بالحركة ولا السكون, ولا الهيئة ولا الصورة, ‏ولا التغيّر, هذا الدليل من القرءان.‏
أما الدليل من الحديث فما رواه البخاري وابن جارود والبيهقي بالإسناد الصحيح ‏‏(11) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{ كان الله ولم يكن شيء غيره}. ‏
وقال الحافظ البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" ما نصه (12):{ استدل بعض أصحابنا في ‏نفي المكان عنه تعالى بقول النبي صلى الله عليه وسلم:{ أنت الظاهر فليس فوقك ‏شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء}, وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في ‏مكان}. انتهى, وهذا الحديث فيه أيضا الرد على القائلين بالجهة في حقه تعالى. . ‏
وقال الإمام علي رضي الله عنه(13):{ كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه ‏كان}. ‏
وأما رفع الأيدي عند الدعاء إلى السماء فلا يدل على أن الله متحيز في جهة فوق ‏كما أن حديث مسلم (14)عن أنس بن مالك رضي الله عنه:{ أن النبي صلى الله عليه ‏وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء} لا يدل على أن الله في جهة تحت, فلا حجة ‏في هذا ولا في هذا لإثبات جهة تحت أو فوق لله تعالى بل الله تعالى منزه عن الجهات ‏كلها. ‏
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي رضي الله عنه في عقيدته التي ذكر أنها عقيدة أهل ‏السنة والجماعة:{ تعالى – يعني الله – عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء ‏والأدوات ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات}. ! ‏
وممن نقل إجماع المسلمين سلفهم وخلفهم على أن الله موجود بلا مكان الإمام النحرير ‏أبو منصور البغدادي الذي قال في كتابه "الفرق بين الفرق" (15) ما نصه:{ ‏وأجمعوا – أي أهل السنة والجماعة – على أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه ‏زمان}. انتهى بحروفه. ‏
وقال إمام الحرمين عبد الملك الجويني في كتابه "الإرشاد"(16) ما نصه:{ مذهب أهل الحق ‏قاطبة أن الله يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات} انتهى. ‏
فكما صح وجود الله تعالى بلا جهة قبل خلق الأماكن والجهات فكذلك يصح وجوده بعد ‏خلق الأماكن بلا مكان وجهة وهذا لا يكون نفيا لوجوده تعالى. ‏
قال القشيري(17):{ والذي يدحض شبههم – أي شبه المشبهة – أن يقال لهم قبل أن ‏يخلق العالم أو المكان هل كان موجودا أم لا؟ فمن ضرورة العقل أن يقولوا: بلى, ‏فيلزمه لو صح قوله لا يُعلم موجود إلا في مكان أحد أمرين إما ان يقول المكان ‏والعرش والعالم قديم – يعني لا بداية لوجودها – وإما أن يقول أن الرب محدَث وهذا ‏مآل الجهلة الحشوية, ليس القديم بالمحدَث والمُحدَث بالقديم}. انتهى. ‏
وقد قال الحافظ النووي الشافعي في شرح صحيح مسلم(18) ما نصه:{ قال القاضي ‏عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدّثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن ‏الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى:{ءأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}(16)[سورة ‏الملك] ونحوه ليس على ظاهرها بل متأوّلة عند جميعهم}. انتهى, يعني تأويلا إجماليّا ‏أو تأويلا تفصيليّا. ‏
وكذا قال المفسرون من أهل السنة كالإمام فخر الدين الرازي في تفسيره(19) وأبي ‏حيان الأندلسي في تفسيره (20) وأبي السعود في تفسيره (21) والقرطبي في تفسيره ‏‏(22) وغيرهم. وعبارة القرطبي: { ءأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } قال ابن عباس "ءامنتم ‏عذاب من في السماء ان عصيتموه" ثم قال "وقيل هو اشارة الى الملائكة، وقيل الى ‏جبريل وهو الملك الموكل بالعذاب. قلت : ويحتمل ان يكون المعنى "ءأمنتم خالق من في ‏السماء ان يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون". اهـ
‏ فبَعد هذا يُقال لهذا المجسم أعني الألباني وجماعته: أنتم تعتقدون أن الله جسم ‏متحيّز فوق العرش له مقدار عندكم وهو أنه بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر على ما ‏قال زعيمكم ابن تيمية في بعض مؤلفاته وفي بعض إنه بقدر بالعرش ويزيد, ولو ‏قال لكم عابد الشمس: كيف تقولون معبودي الذي هو الشمس لا يجوز أن يكون إلـها ‏مع أنه موجود مشاهد لنا ولكم وكثير النفع ينفع البشر والشجر والنبات والهواء ‏ويُطيّب الماء, وضَوْؤه يعُمُّ نفعُه البشر, وأما معبودكم الذي هو جسم تخيلتموه فوق ‏العرش لم تشاهدوه ولا نحن شاهدناه ولا شاهدنا له منفعة, فغاية ما تحتجّون به ‏إيراد بعض الآيات كقوله:{ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ } (16) [سورة الرعد] فيقول لكم عابد ‏الشمس:{ أنا لا أؤمن بكتابكم أعطوني دليلا عقليا}. فهل عندكم من جواب يقطعه ‏كلا, أما نحن أهل السنة الأشاعرة والماتريدية نقول لعابد الشمس: معبودك هذا له ‏حجم وشكل مخصوص فهو محتاج لمن أوجده على هذا الحجم وعلى هذا الشكل, ومعبودنا ‏موجود ليس ذا حجم ولا شكل فلا يحتاج لمن خصّصه بحجم وشكل بخلاف الشمس, فهو الذي ‏أوجد الشمس على حجمها وشكلها المخصوص وهو الذي يستحق أن يكون إله العالم لأنه ‏لا يشبه شيئا من العالم, ويقال أيضا: أنواع العالم العلوي والسفلي له حجم ‏وشكل مخصوص فعلى قولكم الله له أمثال لا تحصى, فتبين أنكم مخالفون لقوله تعالى:{ ‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ } (11) [سورة الشورى], فكلمة شيء تشمل كل ما دخل في الوجود من ‏علوي أو سفلي وكثيف ولطيف, فالآية نصٌّ على أن الله تعالى لا يشبه شيئا من هؤلاء ‏أي لا يكون مثل العالم حجما كثيفا ولا حجما لطيفا ولا متحيزا في جهة من الجهات, ‏ولم يقل الله تعالى ليس كمثله البشر ولا قال ليس كمثله الملائكة ولا قال ليس كمثله ‏الشمس, بل عَمَّم فقال:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ }, قال شيخنا العلامة المحدث عبد الله الهرري ‏المعروف بالحبشي ما نصه:{ والنَّكِرَةُ عند أهل اللغة إذا وقعت في حيِّز النفي فهي ‏للعموم, فمعنى الآية ليس كمثله تعالى شيء من الأشياء على الإطلاق بلا ‏استثناء}اهـ. أما أنتم فقد جعلتموه حجما في جهة فوق تلي العرش وجعلتم له ‏أعضاء فقد شبهتموه بخلقه, فلم يبق لكم إلا أن تقولوا إنه إنسان, تعالى الله عن ‏ذلك علوا كبيرا.
---------------------------------------
‏(1)- كتابه المسمى العقيدة الطحاوية شرح و تعليق الألباني (ص/27).‏
‏(2)- كتابه المسمى مختصر العلو (ص/72).‏
‏(3)- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الفتن: باب ما جاء في لزوم الجماعة.‏
‏(4)- انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (2/35).‏
‏(5)- انظر كتابه المسمى " صحيح الترغيب و الترهيب" (1/116).‏
‏(6)- أخرجه البخاري في صحيحه: أول كتاب بدء الخلق، و كتاب التوحيد: باب و كان عرشه على ‏الماء، و باب قوله تعالى { و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171)} و باب قوله تعالى { بل هو ‏قرءان مجيد في لوح محفوظ} و أخرجه مسلم في صحيحه: باب التوبة: باب في سعة رحمة الله تعالى و أنها ‏سبقت غضبه.‏
‏(7)- المرجع السابق.‏
‏(8)- انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (8/5).‏
‏(9)- فتح الباري (6/291).‏
‏(10)- السنن الكبرى (6/240).‏
‏(11)- أخرجه البخاري في صحيحه: أول كتاب بدء الخلق، و البيهقي في الأسماء و الصفات ‏‏(ص/375).‏
‏(12)- الأسماء و الصفات (ص/400).‏
‏(13)- رواه الإمام أبو منصور البغدادي في الفرق بين الفرق (ص/333).‏
‏(14)- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة الإستسقاء: باب رفع اليدين بالدعاء في الإستسقاء.‏
‏(15)- الفرق بين الفرق (ص/333).‏
‏(16)- الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (58).‏
‏(17)- إتحاف السادة المتقين (2/109).‏
‏(18)- شرح صحيح مسلم (5/24).‏
‏(19)- تفسير الرازي (30/99).‏
‏(20)- البحر المحيط (10/ 226).‏
‏(21)- تفسير أبي السعود (9/7).‏
‏(22)- الجامع لأحكام القرءان (18/215).‏

هلال بن عبد الله بن عمر
18-06-2007, 00:51
تنبيه السـادة المـالكية ببيان شذوذ الالبـاني شيخ الوهابية
تتميم
وهذا الجز الاخر
بيان شذوذ الألباني في مسألة كلام الله ‏

‏ ها هو الألباني يصرح باعتقاد ليس له سلف فيه إلا الكرامية والمشبهة وهما ‏فرقتان من الفرق الضالة الذين انحرفوا عن عقيدة أهل السنة والجماعة, فيقول في ‏كتابه المسمى "مختصر العلو"(1), بأن الله متكلم بصوت وحرف, وما هذا الكلام إلا ‏امتداد لعقيدة التشبيه التي يحملها وينسبها زورا وبهتانا إلى أئمة الحديث وإلى ‏أهل السنة والجماعة, وهم بريئون منه ومن عقيدته الكفرية, شأنه في ذلك شأن ‏متبوعه أحمد بن تيمية الحراني, ثم نقل في شرحه على الطحاوية(2) ‏عن بعض المجسمة ما نصه:{ وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما, وهذا ‏المأثور عن أئمة الحديث والسنة}اهـ. ‏

‏ الرد: لا يستطيع هذا المجسم ولا أحد من الوهابية أن يثبتوا نقلا صحيحا عن أحد ‏أئمة الحديث والسنة المعتبرين ما زعمه الألباني, بل هذه عقيدة ابتدعها ابن ‏تيمية, فإن عقيدة السلف كما قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر رضي الله عنه ‏عن كلام الله:{ ويتكلم لا ككلامنا, نحن نتكلم بالآلات والحروف والله تعالى يتكلم بلا ‏آلة ولا حرف} انتهى بحروفه. ‏
وقال العز بن عبد السلام(3) ما نصه:{ فالله متكلم بكلام قديم أزلي ليس بحروف ولا ‏صوت, ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا في الألواح والأوراق شكلا ترمقه العيون ‏والأحداق كما زعم أهل الحشو والنفاق, بل الكتابة من أفعال العباد ولا يتصور ‏من أفعالهم أن تكون قديمة, ويجب احترامها لدلالتها على كلامه كما يجب احترام أسمائه ‏لدلالتها على ذاته}, إلى أن قال:{ فويل لمن زعم أن كلام الله القديم شيء من ألفاظ ‏العباد أو رسم من أشكال المداد}. انتهى, وهذا هو عين الرد على الألباني ‏وجماعته الوهابية المجسمة لأنهم قالوا إن الله يتكلم بالحروف التي يتكلم بها البشر, ‏أي على زعمهم عندما قال الله في القرءان الكريم سورة مريم:{ كهيعص }(1) فالله ‏عندهم متكلم بالكاف والهاء والياء والعين والصاد وهذا عين كلام البشر, فما ‏جوابكم عن ذلك؟!اهـ. ‏
‏ وفي كتاب "نجم المهتدي ورجم المعتدي" للفخر بن المعلم القرشي الفتاوى التي ‏تبطل عقيدة هؤلاء المشبهة, فمن أراد مزيد التأكد فليرجع إليه. ‏
‏ وعلى هذا علماء الإسلام كالحافظ البيهقي الأشعري وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم ‏من الشافعية, وأبي المعين النسفي والقونوي وغيرهما من الحنفية, ومحمد بن يوسف ‏السنوسي والعز بن عبد السلام وغيرهما من المالكية, والحافظ ابن الجوزي وغيره من ‏فضلاء الحنابلة. ‏

‏ فليُعلم أن هؤلاء المشبهة يعتقدون أن الله متكلم بكلام هو حروف وأصوات متعددة ‏يحدث في ذاته ثم ينقطع, ثم يحدث ثم ينقطع والعياذ بالله تعالى, وهذا ضلال مبين مخالف ‏لقوله تعالى :{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ }(11)[سورة الشورى].‏
‏ فاعلم أن كلام الله الذي هو صفة ذاته ليس حرفا وصوتا ولغة, فالله تعالى موجود ‏متكلم سميع بصير قادر عالم قبل وجود الخلق فهو موصوف بصفة الكلام قبل وجود الحرف ‏والصوت واللغات. ‏
‏ والقرءان الكريم له إطلاقان يطلق ويراد به صفة الله القائمة بذاته أي ‏الثابتة له فهو على هذا المعنى ليس حرفا ولا صوتا وليس بمبتدإ ولا مختتم, فالحروف ‏متعاقبة, فحين يقول القارئ بسم الله الرحمن الرحيم نطق بالباء ثم السين وهكذا, ‏ولا شك أن هذا الناطق ونطقه بالحروف المتعاقبة كلٌّ مخلوق ولا يجوز ذلك على الله. ‏
‏ ويطلق القرءان ويراد به اللفظ المنزل على سيدنا محمد فهذا اللفظ المكتوب في ‏المصاحف المقروء بالألسنة المحفوظ في الصدور الذي هو باللغة العربية لا يشك عاقل ‏أنه مخلوق, ومع ذلك فهو ليس من تأليف مَلَك ولا بشر. ومن الدليل على أن اللفظ ‏المنزل مخلوق قول الله تعالى:{ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ }(19)[سورة التكوير] أي أن هذا ‏القرءان لمقروء رسول كريم هو جبريل عليه السلام, ولا يجوز أن تكون قراءة جبريل ‏أزلية, وكذلك قوله تعالى:{ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ }(6)[سورة ‏التوبة] يدل على أن كلام الله يُطلق ويراد به اللفظ المنزل المخلوق لأن الكافر في ‏الدنيا لا يسمع كلام الله الذي هو الصفة القائمة بذات الله. ‏
‏ ولا يطلق القول بأن القرءان مخلوق ولو مع إرادة اللفظ المنزل حتى لا يُتوهم من ‏ذلك أن كلام الله الذي هو صفة ذاته مخلوق, بل يقال في مقام التعليم: القرءان إن ‏أريد به اللفظ المنزل فهو مخلوق, وإن أريد به الكلام الذاتي فهو أزلي ليس بحرف ‏ولا صوت. ‏
‏ ومن أصرح الأدلة على أن كلام الله بمعنى الصفة القائمة بذات الله ليس حرفا ولا ‏صوتا ولا لغة قوله صلى الله عليه وسلم:{ ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس ‏بينه وبينه ترجمان} رواه البخاري(24), فالله تعالى هو يحاسب جميع الخلق بنفسه ‏فيُسمع الكافر والمؤمن كلامه الذاتي فيفهم العباد منه السؤال عن نياتهم ‏وأفعالهم وأقوالهم, والله قال في القرءان:{ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ‏‏}(62)[سورة الأنعام]. فلو كان حساب الله تعالى لعباده بتكليمه لهم بحرف وصوت ‏ولغة لأخذ الحساب وقتا طويلا ولما كان الله أسرع الحاسبين كما قال, بل كان أبطأ ‏الحاسبين لأن الخلق كثير وإبليس وحده عاش ءالافا من السنين والله أعلم كم سيعيش ‏بعد, ويأجوج ومأجوج الكفار ورد في الحديث أن كل البشر بالنسبة لهم كواحد من ‏ألف فلو كان حساب هؤلاء بالسؤال بالحرف والصوت لكان حساب العبد يحتاج لوقت ‏طويل, والله يفرغ من حساب العباد في لحظة قصيرة في جزء من موقف من مواقف القيامة ‏الخمسين, فتبين للعاقل أن كلام الله الذي هو صفة ذاته ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة. ‏

--------------------------------------------------------
‏(1)- مختصر العلو (ص/7 و 156 و 285 ).‏
‏(2)- انظر كتابه المسمى العقيدة الطحاوية شرح و تعليق الألباني (ص/25).‏
‏(3)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد: باب قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ‏ناظرة}.
بيان شذوذ الألباني عن أهل السنة و الجماعة
لقد سلك المدعو الألباني طريقًا شائكًا لنصرة معتقده و للفت الأنظار إليه و التمويه على العوام فتهجم على أهل السنة ‏و الجماعة و رماهم بالكفر، فقد ذكر (شريط بصوته يوزع في مدينة فاس و غيرها) أن الأشاعرة اليوم كلهم كفار و أغلب الماتريدية إن لم يكونوا كلهم، و ‏من راجع فتاويه وجد الطعن في أكثر من موضع بالأشاعرة و الماتريدية.‏
فنسأل الألباني: هل تعرف الفرق بين الأشاعرة و الماتريدية من جهة و بين المعتزلة من جهة أخرى؟
ألم تسمع أن الحافظ ابن عساكر أخرج في كتاب " تبيين كذب المفتري" و الحاكم في " المستدرك" أنه لما نزل قول ‏الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ‏أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ ‏عَلِيمٌ (54)} [ سورة المائدة ] أشار النبي إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فقال:" هم قوم هذا".‏
قال القشيري: فأتباع أبي الحسن الأشعري من قومه لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع، قاله ‏القرطبي (1) و قال الحافظ البيهقي: و ذلك لما وجد فيه من الفضيلة الجليلة و المرتبة الشريفة للإمام ابي الحسن ‏الأشعري رضي الله عنه فهو من قوم أبي موسى و أولاده الذين أوتوا العلم و رزقوا الفهم مخصوصًا من بينهم لتقوية ‏السنة و قمع البدعة بإظهار الحجة و رد الشُّبَه، ذكره ابن عساكر (2). و روى البخاري (3) أن النبي صلى الله عليه ‏و سلم قال عن أبي موسى الأشعري و قومه:" هم مني و أنا منهم "، و نحن نحمد الله تعالى على هذه العقيدة السُّنية ‏التي نحن عليها و النبي كان عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه و من تبعهم بإحسان و التي مدح ‏الرسول صلى الله عليه و سلم معتنقها، فقد روى الإمام أحمد و الحاكم (4) بسند صحيح:" لتفتحن القسطنطينية ‏فلنعم الأمير أميرها و لنعم الجيش ذلك الجيش "، و لقد فتحت القسطنطينية بعد ثمانمائة عام فتحها السلطان محمد ‏الفاتح رحمه الله، و كان سنيًّا ماتريديًّا أشعريًّا يعتقد أن الله موجود بلا مكان و يحب الصوفية الصادقين و يتوسل ‏بالنبي صلى الله عليه و سلم ‏
و بالأولياء و كان له شيخ صوفي من المحققين بالتصوف كان يتوجه بإشاراته، و جيشه شمله تزكية الرسول لهم و ‏كانوا كذلك أشاعرة ماتريدية، و على هذا الاعتقاد مئات الملايين من المسلمين سلفًا و خلفًا في الشرق و الغرب ‏تدريسًا و تعليمًا و يشهد بذلك الواقع المشاهد، و يكفي لبيان حقيَّة هذا كون الصحابة و التابعين و من تبعهم ‏بإحسان على هذه العقيدة، فممن تبعهم بإحسان هؤلاء الحفاظ أبو بكر الإسماعيلي صاحب المستخرج على البخاري، ‏ثم الحافظ العلم المشهور أبو بكر البيهقي، ثم الحافظ الذي وصف بأنه أفضل المحدثين بالشام في زمانه ابن عساكر، ‏كان كل واحد من هؤلاء عَلَمًا في الحديث في زمانه، ثم جاء من هو على منهجهم الحافظ الموصوف بأنه أمير المؤمنين ‏في الحديث أحمد بن حجر العسقلاني، فمن حقق عرف أن الأشاعرة فرسان ميادين العلم و الحديث و فرسان ميادين ‏الجهاد. و يكفي أن منهم مجدد القرن الرابع الهجري الإمام أبا الطيب سهل بن محمد، و أبا الحسن الباهلي، و ابا بكر ‏بن فورك و هو أحد شيوخ البيهقي في الحديث، و أبا بكر الباقلاني، و أبا اسحق الإسفراييني، و الحافظ أبا نعيم ‏الصبهاني، و القاضي عبد الوهاب المالكي، و الشيخ أبا محمد الجويني، و ابنه أبا المعالي إمام الحرمين، و الحافظ ‏الدارقطني، و الحافظ الخطيب البغدادي، و الأستاذ العالم المحدّث أبا القاسم القشيري، و ابنه أبا نصر، و الشيخ أبا ‏إسحق الشيرازي، و نصرًا المقدسي، و الغزالي، و الفراوي، و أبا الوفاء بن عقيل الحنبلي، و الحافظ الفقيه الحنفي عبد ‏الرزاق الطُّبْسي، و قاضي القضاة الدامغاني الحنفي، و ابا الوليد الباجي المالكي، و ابن الدبيثي، و الإمام المحدث المفسّر ‏الفقيه الصوفي عَلَم الزهاد السيد أحمد الرفاعي، و الحافظ ابن السمعاني، و الحافظ القاضي عياضًا، و الحافظ السّلفي، ‏و الحافظ الفقيه النووي، و الفقيه المفسّر الأصولي فخر الدين الرازي، و العز بن عبد السلام، و أبا عمرو بن الحاجب ‏المالكي، و الحافظ ابن دقيق العيد، و علاء الدين الباجي، و الحافظ الفقيه اللغوي المجتهد علي بن عبد الكافي السبكي ‏الذي قال فيه الذهبي:‏
شيوخ العصر أحفظهم جميعًا و أخطبهم و أقضاهم عليُّ
و الحافظ العلائي، و الحافظ زين الدين العراقي و ابنه الحافظ ولي الدين، و الشيخ زكريا النصاري، و ابن الملقن، و ‏القاضي الجليل ابن فرحون المالكي، و أبا الفتح الشهرستاني، و الإمام أبا بكر الشاشي القفال، و ابا علي الدقاق ‏النيسابوري، و الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك، و خاتمة الحفاظ الحافظ اللغوي السيد محمد مرتضى الزبيدي، ‏و من أهل القرن المنصرم الحافظ أحمد الغماري، و غيرهم من أئمة الدين كثير لا يحصيهم إلا الله و منهم الوزير ‏المشهور نظام الملك و السلطان العادل العالم المجاهد صلاح الدين الأيوبي طارد الصليبيين من القدس رحمه الله فإنه أمر ‏أن تذاع أصول العقيدة على حسب عبارات الأشعري على المنائر قبل أذان الفجر، و أن تُعلَّم المنظومة في العقيدة ‏الأشعرية التي ألفها له ابن هبة المكي للأطفال في الكتاتيب و منها هذان البيتان:‏
و صانع العالم لا يحويه قطر تعالى الله عن تشبيه
قد كان موجودًا و لا مكانا و حكمه الأن على ما كان‏
و ليس مرادنا بما ذكرناه إحصاء الأشاعرة فمن يحصي عدد نجوم السماء أو يحيط علمًا بعدد رمال الصحراء؟ و مثلهم ‏في العقيدة الحقة الماتريدية أتباع إمام أهل السنة أبي منصور الماتريدي رضي الله عنه.‏
فالأشاعرة و الماتريدية هم أهل السنة و الجماعة الفرقة الناجية، و الفريقان متفقان في أصول العقيدة لا اختلاف بينهم ‏و إنما اختلفوا في بعض الفروع التي لا تؤدي إلى التبديع و التضليل و قد حصل ذلك بين بعض الصحابة فإن عائشة و ‏ابن مسعود كانا ينفيان رؤية الرسول صلى الله عليه و سلم لربه ليلة المعراج، و أنس و ابن عباس كانا يثبتان، و لم ‏يمنع ذلك كون كلّ منهم على سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم.‏
ففي الفريقين الأشاعرة و الماتريدية تحقق حديث رسول الله:" سألت ربي لأمتي أربعًا فأعطاني ثلاثًا و منعني واحدة، ‏سألته أن لا يكفر أمتي جملة فأعطانيها" رواه الحافظ ابن أبي حاتم كما قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري (5)، ‏فيستحيل أن يضلّ جمهور أمة محمد و إنما الضلال فيمن خالفهم كفرقتكم المشبهة، و بأي فضيلة يشهد لكم التاريخ ‏يا مشبهة، أنتم الفرقة الذين قال الرسول فيهم:" يقتلون أهل الإسلام و يدعون أهل الأوثان " و هو من جملة ‏أحاديث البخاري (6)، و هذا الوصف هو الذي يشهد به التاريخ عليكم.‏
و يكفي الأشاعرة فضلاً أن أغلب حفاظ الحديث هم أشاعرة، و يعلم ذلك من تتبع طبقات الحفاظ.‏
-----------------------------------------

‏(1)- الجامع لأحكام القرءان (6/220).‏
‏(2)- تبيين كذب المفتري (ص/50).‏
‏(3)- صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب قدوم الأشعريين و أهل اليمن.‏
‏(4) مسند أحمد (4/335)، المستدرك للحاكم (4/424).‏
‏(5)- فتح الباري (8/293).‏
‏(6)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء: باب قول الله تعالى:{ و إلى عادٍ أخاهم هودًا (65)}.‏
فــائدة
كائنة الحنابلة مع الطبري

في ترجمة : الإمام محمد بن جرير الطبري , شيخ المفسرين المتوفى سنة ( 310 هـ ) – رحمه الله عالى – ذكر ياقوت – ت سنة 626 هـ - في تاريخه " معجم الأدباء " وابن الأثير في " تاريخه : الكامل " 6/171 , وابن السبكي – ت سنة 771 هـ - في " الطبقات " 3/124 – 125 , وابن كثير – ت سنة 774 – في " تاريخه " 11/145 : كائنة الحنابلة مع الطبري ( فلما قدم – أي الطبري – إلى بغداد من طبرستان بعد رجوعه إليها : نعصب عليه أبو عبدالله الجصاص , وجعفر بن عرفة , والبياضي , وقصده الحنابلة فسألوه عن أحمد بن حنبل في الجامع يوم الجمعة وعن حديث الجلوس على العرش , فقال أبو جعفر : أما أحمد بن حنبل فلا يعد خلافه , فقالوا له : فقد ذكره العلماء في الاختلاف , فقال : ما رأيته رُوي عنه ولا رأيت له أصحاباً يُعول عليهم , وأما حديث الجلوس على العرش فمحال , ثم أنشد :
سبحان من ليس له أنيس *** ولا له في عرشه جليس

فلما سمع ذلك الحنابلة منه , وأصحاب الحديث , وثبوا ورموه بمحابرهم , وقيل : كانت أُلوفاً , فقام أبوجعفر بنفسه ودخل داره فرموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتل العظيم , وركب نازوك صاحب الشرطة في عشرات ألوف من الجند يمنع عنه العامة ووقف على بابه يوماً إلى الليل وأمر برفع الحجارة عنه , وكان قد كتب على بابه :
سبحان من ليس له أنيس *** ولا له في عرشه جليس

فأمر نازوك بمحو ذلك وكتب مكانه بعض أصحاب الحديث
لأحمد منزل لا شك عامل *** إذا وافى إلى الرحمن واد
فَيُدنيهِ ويُقْعِدهُ كرسماً *** على رغم لهم في أنف حاسد

فخلا في داره وعمل كتابه المشهور في الاعتذار إليهم , وذكر مذهبه , واعتقاده , وجرح من ظن فيه غير ذلك , وقرأ الكتاب عليهم , وفيه فضل أحمد بن حنبل , وذكر مذهبه وتصويب اعتقاده , ولم يزل في ذكره إلى أن مات ولم يخرج كنابه في الاختلاف حتى مات , فوجدوه مدفوناً في التراب فأخرجوه ونسخوه , أعني " اختلاف الفقهاء " انتهى .