المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما الفرق بين الإمام الغزالي والفيلسوف إيمانويل كانت



سعيد فودة
17-06-2007, 18:10
بما أنه قد سئل عن الفرق بين الإمام الغزالي وديفيد هيوم، فأنا أسأل ها هنا عن الفرق بين الإمام الغزالي والفيلسوف إيمانويل كانت في قول كلٍّ منهما في الزمان والمكان.....
فمن يجيب ؟

طارق العبادي
21-06-2007, 13:51
السلام عليكم، وعذرًا على التأخر.

يرى الفيلسوف عمانوئيل كانت أنَّ الزمان والمكان محلهما العقل وليس الوجود الموضوعي، وهما أعراض، والأعراض كلها لا واقع لها خارج الذات العارفة، وهي تتلاشى بتوقف الإحساس، فمحلها العقل فقط، ولا يمكننا معرفة العلاقة الحقيقية بين الموجودات أبدًا.

أضف إلى ذلك أنه يرى أنَّ الزمان والمكان فكرتان سَبْقيتان، بمعنى أنهما لا ينتجان عن التجربة، بل هما سابقان لها، وهما آلة الإدراك في العقل، فالعقل عند كانت آلة نشطة، وليست سلبية مُستقبِلة فقط، والنظام العامل فيه هو الأفكار السَّبْقية (الزمان والمكان)، فالتجربة ناتجة عن معالجة الأفكار السبقية للإحساس، وطالما لا يُمكن إحساس شيء بلا زمان ولا مكان، فإنَّ إدراك الله مستحيل عنده، لأن الإدراك مبني على التجربة، والتجربة متعلقة بالتحيز في المحل وبجريان الزمان.

هذه فكرته عن الزمان والمكان باختصار شديد، أما الإمام الغزالي رحمه الله فلم يتيسر لي كتابه "تهافت الفلاسفة" لأطالعه، ولم أرغب في التأخر أكثر، لذا أرجو أن يُوضع تصوره عن الزمان والمكان لنقارن.

والسلام عليكم.

سعيد فودة
21-06-2007, 20:11
كلامك على قول إيمانويل كانت صحيح فيما يتعلق بالزمان والمكان من أنهما ثابتان في العقل، أو هما آلتان ضروريتان لإدراك الصور الحسية.
ولكن إيمانويل كانت زعم أن العقل المحض لا يمكن به الوصول إلى إثبات وجود الله تعالى، وأحال في ذلك إلى ما أسماه بالعقل العملي أي الأخلاق كما هو معلوم.
وماذا تقصد بأنه يقول إن الزمان والمكان أعراض؟

أما بالنسبة للغزالي فأرجو منك أن تراجع قوله في الزمان والمكان في الاقتصاد في الاعتقاد وقد ذكره أيضا في غير كتاب من كتبه، وهو لا يختلف عن رأي غيره من متكلمي أهل السنة فيمكنك أن تذكر التحقيق في الزمان والمكان عند أهل السنة فيكون هو عين قول الغزالي رحمه الله.
بانتظار الجواب....

هاني علي الرضا
23-06-2007, 00:03
عذرا عن التدخل .. ولكني أحببت المشاركة طمعا في استدراك الأخطاء

جوهر فلسفة (إيمانويل كانت) : أن إدراك الوجود الخارجي هو مقتضى موقع وحركة المُدرِك .
ولفهم قوله بخصوص الزمان والمكان يحسن بنا أن نعود باختصار شديد إلى جذور فلسفته :
مصادر الإدراك البشري عند كانت هما العقل والحس .
وللعقل عنده معلومات أولية فطرية يسميها الإدراكات الحدسية sensible intuition يربط بها العقل الحسيات الواردة إليه ليكوّن منها مدركات عقلية مركبة ، وأهم هذه الإدراكات الحدسية عنده : الزمان والمكان والسببية .
والعقل باستخدام الحسيات كمواد أولية والإدراكات الفطرية كآلات بناء يستطيع أن يصل إلى أحكام أولية عقلية إنشائية Synthetic a priori لا تعتمد على الحس والتجربة وبالتالي فإنها سالمة من الشك الملازم للإدراك المستفاد من التجربة ، ولكنها في ذات الوقت ذات محتوى عملي يخرجها عن دائرة الأحكام العقلية المجردة والمعممة .

وللشرح بمثال مختصر فإنا نأخذ على سبيل المثال معرفتنا بأن (2+3=5) ، وبأن مجموع الزوايا الداخلية للمثلث ينتج خطاً مستقيما .
هذه الحقائق الرياضية والهندسية – والتي هي أحكام إنشائية – تؤثر بشكل كبير في إدراكنا للعالم ، ولو لاحظنا أن ( مجموع زوايا المثلث ) كمعنى مدرك غير مضمن في معنى (المثلث) ، وبالرغم من ذلك فإن العقل لا يستطيع أن يدفعه عنه ولا يستطيع إلا أن يدركه عند ذكر المثلث وكذا الناتج في مثال (2+3=5) ، فإنا نصل إلى أن هذين المعنيين هما ضروريا الإدراك ، وهما ينطبقان تماما على كل ما يمر بنا من تجارب ومشاهدات من غير أن يكونا ناتجين عن تلك التجارب والمشاهدات .
والآن السؤال المهم – بحسب كانت – كيف وصل العقل إلى أن (2+3=5) ولابد ، وأن مجموع زويا المثلث تعطي خطا مستقيما ، مع الانتباه إلى أن الخمسة ومجموع الزوايا كلاهما أحكام إنشائية !!
كيف وصلنا إلى هذه المعرفة ؟؟ التجربة وحدها لا توصلنا إلى هذه المعرفة ولا توفر لنا الربط المناسب بين المعطيات الاولية لينتج لنا الناتج الذي لا مناص عنه !!
هنا يوفر كانت الجواب بأننا نفعل ذلك باستخدام الإدراكات الحدسية الأولية كقوانين حاكمة وآلآت بناء للربط بين المعاني المعطاة الأولية ، وأنه لولا وجود هذه القوانين الفطرية المركوزة فينا لما تمكنا من الوصول إلى هذه المعرفة .

وهو يعمم الأمر فيذكر أن التوافق مع هذه القوانين والإدراكات الحدسية المركوزة الفطرية أمر لا بد منه لتتم عملية الإدراك والربط ، وأن أي شيء في تجربتنا خارج نطاق هذا التوافق لا يمكننا إدراكه ومعرفته ، فهذه القوانين الفطرية هي الوسائط التي يتمكن العقل عبرها من إدراك الوجود والكون عبر بوابات الحس .
وهو في هذا يقول أن المكان والزمان والسببية هي القوانين الفطرية المركوزة الأساسية التي عبرها ندرك الوجود .

وبهذا الإعتبار فإن كانت وفر حلا وسطا في فهم الزمان والمكان بين مدرستي العقلانيين والتجريبيين في الفكر الغربي ، فبينما قال العقلانيون – كـ (لايبنز) - أن الزمان والمكان لا وجود خارجي لهما وأنهما فقط نتاج عقلي – وهو يقارب قول جمهور الأشاعرة أن الزمان مفهوم اعتباري انتزاعي وأن المكان موهوم - ، قال التجريبيون – كـ (نيوتن) – أن الزمان والمكان لا شك في وجودهما وأنهما مطلقان ثابتان .
وبين هؤلاء وهؤلاء خرج كانت فقال أن الزمان والمكان ثابتان ولكنهما في نفس الوقت ناتجان عن العقل .

فأنت ترى صور الموجودات فقط لا أكثر وهذا غاية ما يوفره الحس ، أما الترتيب بين تلك الموجودات وإيجاد العلاقات بينها وفهم أوضاعها المكانية والزمانية والسببية فهي كلها نسبٌ عقلية بحتة لا وجود لها خارجي يدركه الحس ومع ذلك لا يستطيع العقل الانفكاك عنه ، ولولا وجود مفهوم الزمان والمكان والسببية مسبقا لدى العقل قبل ورود المعطيات الحسية لما استطاع أن يفهم العلاقات القائمة بين الموجودات .

مثلا : لو نظرنا إلى الرقم (2) والرقم (3) ، ثم فكرنا في (جمعهما) ، ثم فكرنا في (ضربهما) فإن النتيجة في كل غير الأخرى ، ولو كان الإدراك عن طريق الحس فقط كما يزعم هيوم وغيره لما اختلفت النتيجة لأن بصرنا لم ينقل إلينا سوى صورة الرقمين وهي ذاتها لم تتغير ، ولكن العقل يحكم بالضرورة باختلافهما .

ولو أنك نظرت إلى كرسي وسرير فأنت لا تدرك بحسك غير الكرسي والسرير ، أم المجاورة بينهما أو المباعدة أو كون السرير يمين الكرسي أو هو فوقه أو قدر المساحة بينهما إلى آخر ما هنالك من نسب هندسية ، أقول أن كل ذلك غير محسوس وإنما هي نسب عقلية يرتبها الذهن ويفهم منها أبعاد المكان الذي يوجد فيه كل من السرير والكرسي ولا يستطيع أن يدرك وجود الكرسي أو السرير دون هذه النسب بينهما ، وغير جائز عند كانت أن يكون إدراك هذه النسب والأبعاد متأخرا عن وجود السرير والكرسي لما أنه بدونها لا يستطيع العقل أن يدرك وجود الكرسي والسرير أصلا .
فلولا فكرة المكان المركوزة فطريا في العقل لما تمكن العقل من فهم وإدراك شيء من الموجودات الخارجية ، ونفس الشيء يقال عن الزمان والسببية .
ثم إن كانت ذهب إلى أن المبادئ الرياضية والهندسية هي مبادئ عقلية فطرية لما أنها عبارة عن نسب تتعلق بالمكان والزمان ، وأسس على ذلك القول بصحتها مطلقا وبضرورتها ومنع الشك فيها البتة أو فرض عكسها ، فنحن لا يمكن أن نعقل أبدا أن (2+3) لا تساوي (5) ، وهذا بخلاف المعرفة المستفادة من التجربة والعادة ، فإنا يمكن أن نتصور أن الماء لا يطفئ النار أو أن النار لا تحرق .

من ههنا يمكننا فهم الفرق بين الإمام الغزالي قدس الله سره وبين إيمانويل كانت في قول كل منهما بالزمان .
فالزمان عند الغزالي – كما عند جمهور الأشاعرة – هو مفهوم انتزاعي يعتبره العقل من ملاحظة تغيرات تقوم بمتغير معلوم ، وهم يعبرون عنه فيقولون : ( هو مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم) ، وعليه فإن الزمان عنده لاحق لملاحظة :
1/ شيئين.
2/ تغيرين أو تجددين يقومان بالشيئين .
3/ أن تغير أحد الشيئن وتجدده موهوم بينما الآخر معلوم
4/ مقارنة المتجدد الموهوم بالمتجدد المعلوم .

فالزمان إذا عند الغزالي نتيجة عملية فكرية تأملية في كل ما سبق أعلاه ، فهو لاحق ناتج عما يلاحظه الحس والحاكم به هو العقل بعد أن يلاحظ النسبة والعلاقة بين المتجددين

بينما مما سبق نجده عند كانت سابق لملاحظة الحس للموجودات الخارجية موجود بالأصالة كمعنى عقلي فطري حاكم على الموجودات ومرتب لوجودها ووسيط في إدراكها بين الحس والعقل .

فهو عند الغزالي ناتج لاحق ونسبة منتزعة بين موجودين محسوسين خارجيين ولولا وجودهما لما وجد ولذا لا زمان قبل خلق العالم .

بينما هو عند كانت منتج سابق موجد للنسب بين الموجودات الخارجية المحسوسة ولولا وجوده هو لما أُدرك الوجود الخارجي المحسوس ولما فُهم .

ولكنهما يشتركان في القول بأن لا وجود خارجي للزمان .

هذا ما قام في ذهني جوابا عن سؤال الشيخ الفاضل سعيد فودة وهو حسب فهمي المتواضع لفلسفة كانت ، وأعتذر مسبقا عن أية أخطاء في المصطلحات فقد قرأت كانت بالإنجليزية ونقل معاني المصطلحات التي استعملها بدقة أمر صعب ولا أدري إن كان ثمة توافق بين المترجمين العرب على مصطلحات معينة في هذا الخصوص .

ولكم الود

طارق العبادي
25-06-2007, 11:19
بارك الله بك أخ هاني، وشكرًا على ردك المفيد.

بالنسبة لقول أنَّ الزمان والمكان أعراض، فهي بمعنى أنها ليست من حقيقة الأشياء.

لا أعرف إن كان الشيخ سعيد يود أن يضيف شيئًا أم لا.

حسين العراقي
25-06-2007, 16:57
كتاب الغزالي وآراؤه الكلامية تناول في فصله الأخير الفرق بين الغزالي وبين عدد من الفلاسفة الغربيين ومنهم كانت . للإفادة .