المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال في الاصول



محمد موسى البيطار
15-05-2004, 12:41
بسم الله الرحمن الرحيم


هل الاصل في الامر الشرعي افادة الوجوب والالزام .... ؟


وبارك الله بكم

جلال علي الجهاني
15-05-2004, 12:53
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الكريم ..

هذه المسألة من المسائل المشهورة في الأصول، وكنت قد كتبت فيها تعليقاً على رأي الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله بعض الورقات، أضعها لك وللأخوة الكرام هنا .. لعل يكون فيها بعض الفائدة:

[ الأمر في اللغة : الشأن، وجمعه أمور، ومصدر أمرته: إذا كلفته أن يفعل شيئاً.
وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها ، وعلى ذلك قوله تعالى: ((إليه يرجع الأمر كله)) [هود/123]، وقال: ((قل: إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك، يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء)) [آل عمران/154]، ((أمره إلى الله)) [البقرة/275] ويقال للإبداع: أمر، نحو: ((ألا له الخلق والأمر)) [الأعراف/54]، ويختص ذلك بالله تعالى دون الخلائق وقد حمل على ذلك قوله تعالى: ((وأوحى في كل سماء أمرها)) [فصلت/12] وعلى ذلك حمل الحكماء قوله: ((قل: الروح من أمر ربي)) [الإسراء/85] أي: من إبداعه، وقوله: ((إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)) [النحل/40] فإشارة إلى إبداعه، وعبر عنه بأقصر لفظة، وأبلغ ما يتقدم فيه فيما بيننا بفعل الشيء، وعلى ذلك قوله: ((وما أمرنا إلا واحدة)) [القمر/50]، فعبر عن سرعة إيجاد بأسرع ما يدركه وهمنا.
وفي الاصطلاح: اختلف في تحديده اصطلاحاً، وأدقُّ التعريفات له هو ما عرفه به التاج السبكي في جمع الجوامع بقوله: "وحدُّه اقتضَاءُ فِعْلٍ، غَيْرِ كَفٍّ، مَدْلُولٍ عليه بِغَيرِ (كُفَّ)" .
ومعنى الاقتضاء الطلب، ويقصد به طلبُ الفعل، لا طلب الترك، ودخل فيه الطلب الجازم الذي هو الوجوب، والطلب غير الجازم الذي هو الندب.
وخرج بقوله: (غير كف) النهي، فهو طلب أيضاً، لكنه طلب لترك الفعل، لا لإيجاد الفعل.
وقوله: (مدلولٍ عليه بغير كُفَّ) صفة لـ(كَفٍّ)، والمراد إخراج مدلول كف، لأنه أمر، فقوله: (لا تفعل) نهيٌ لا أمر، وقوله: (اترك) أمر، وإن كان أمر ترك، لكنه أمر في الصيغة لا نهي، فمدلولهما واحد، ولكن اختلفت الصيغة بينهما.
واختلف الأصوليون في شرط العلو والاستعلاء في الأمر، والصحيح أنه لا يشترط فيه ذلك، لوروده في لسان العرب بدونهما.
دلالة صيغة الأمر:
دلت صيغة الأمر في الشرع على أكثر من عشرين معنى تفصيلياً، وذلك باختلاف القرينة المصاحبة للأمر.
وقد ذكر الإمام الآمدي خمسة عشر وجهاً، وأوصلها التاج السبكي في جمع الجوامع إلى أربعة وعشرين معنى هي:
الوجوب كقوله تعالى: ((أقيموا الصلاة))، والندب كقوله تعالى: ((فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً))، والإباحة كقوله تعالى: ((كلوا من الطيبات))، والتهديد كقوله تعالى: ((اعملوا ما شئتم))، والإرشاد كقوله تعالى: ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم))، وإرادة الامتثال كقول العطشان: اسقني ماءً، والإذن كقول صاحب الدار لمن طرق الباب: ادخل، والتأديب كقوله عليه الصلاة والسلام لعمر بن أبي سلمة وهو دون البلوغ: ((كل مما يليك))، والإنذار كقوله تعالى: ((قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار))، والإكرام كقوله تعالى: ((ادخلوها بسلام آمنين))، والتسخير كقوله تعالى: ((كونوا قردة خاسئين))، والتكوين كقوله تعالى: ((كن فيكون))، والتعجيز كقوله تعالى: ((فأتوا بسورة من مثله))، والإهانة كقوله تعالى: ((ذق إنك أنت العزيز الكريم))، والتسوية كقوله تعالى: ((فاصبروا أو لا تصبروا))، والدعاء كقوله تعالى: ((ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق))، والتمني كقول الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي، والاحتقار كقوله تعالى: ((ألقوا ما أنتم ملقون))، والخبر كقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت))، والإنعام كقوله تعالى: ((كلوا من طيبات ما رزقناكم))، والتفويض كقوله تعالى: ((فاقض ما أنت قاض))، والتعجب كقوله تعالى: ((انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا))، والتكذيب كقوله تعالى: ((فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين))، والمشورة كقوله تعالى: ((فانظر ماذا ترى)) .
كل هذه المعاني تحددت بالقرينة.
فإذا لم تكن هناك قرينة، وجاء الأمر مطلقاً، فعلى أي معنى من المعاني يجب حمله؟
اختلف في ذلك على أقوال:
الأول: مذهب الجمهور، وهو أن الأمر يدل على الوجوب عند انتفاء القرينة، ولا ينصرف إلى غير الوجوب إلا بقرينة صارفة.
الثاني: مذهب الإمام الغزالي والقاضي الباقلاني واختاره الآمدي، أنه يتوقف فيه، ولا يدل على الوجوب أو الندب إلا بقرينة.
الثالث: مذهب بعض الفقهاء وبعض المعتزلة، أنه يحمل على الندب، حتى تصرفه القرينة إلى غير الندب.
الرابع: أنه مشترك بين الوجوب والندب.
الخامس: أن الأمر وضع للقدر المشترك بينهما.
وهناك أقوال أخرى لا تثبت نسبتها لأصحابها على وجه التحديد.
وقد استدل الجمهور على أنه للوجوب بعدة أدلة :
الأول: قوله تعالى: ((ما منعك أن تسجد إذ أمرتك))، فقد ذم الله إبليس بترك المأمور، فيكون الأمر للوجوب، لأن المندوب لا يترتب على تركه ذم.
الثاني: قوله تعالى: ((وإذا قيل لهم: اركعوا لا يركعون)).
الثالث: أن تارك الأمر مخالف له، كما أن الآتي به موافق، والمخالف على صدد من العذاب لقوله تعالى: ((فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)).
الرابع: أن تارك الأمر عاص، لقوله تعالى: ((أفعصيت أمري))، ((لا يعصون الله ما أمرهم))، والعاصي يستحق النار لقوله تعالى: ((ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً)).
وغير ذلك من أدلة أضعف في الاحتجاج من هذه المذكورة.
ومذهب الإمام الغزالي الوقف في القول بالوجوب أو الندب، على القرينة.
وبعبارة أخرى: فإن مذهب الإمام الغزالي، هو أن الأمر يفيد مطلق الطلب، دون تحديد لنوع الطلب بالوجوب أو الندب إلا عن طريق القرينة.
قال رحمه الله في المستصفى: " والمختار أنه متوقف فيه".
واعتمد في قوله هذا على عدم وجود الدليل القاطع من حيث الدلالة والثبوت في إفادة الوجوب من مطلق صيغة الأمر، كما هو في الأدلة السابقة في قول الجمهور.
فقد قال عقب اختياره السابق ما نصه: "والدليل القاطع فيه أن كونه موضوعاً لواحد من الأقسام لا يخلو: إما أن يعرف عن عقل أو نقل: ونظر العقل: إما ضروري أو نظري.
ولا مجال للعقل في اللغات.
والنقل: إما متواتر أو آحاد: ولا حجة في الآحاد.
والتواتر في النقل لا يعدو أربعة أقسام: فإنه إما أن ينقل عن أهل اللغة عند وضعهم أنهم صرحوا بأنا وضعناه لكذا أو أقروا به بعد الوضع.
وإما أن ينقل عن الشارع الإخبار عن أهل اللغة بذلك، أو تصديق من ادعى ذلك.
وإما أن ينقل عن أهل الإجماع.
وإما أن يذكر بين يدي جماعة يمتنع عليهم السكوت على الباطل.
فهذه الوجوه الأربعة هي وجوه تصحيح النقل.
ودعوى شيء من ذلك في قوله (افعل) أو في قوله: (أمرتك بكذا) أو قول الصحابي (أمرنا بكذا) لا يمكن، فوجب التوقف فيه" .
فمبنى الخلاف إذاً يعود بالدرجة الأولى إلى عدم وجود القاطع في نظر الإمام الغزالي، لا من اللغة ولا من الشرع.
قال العلامة الأصولي شرف الدين ابن التلمساني في شرح المعالم في أصول الفقه للإمام الفخر الرازي بعد أن ذكر أوجه الدلالة في آيات القرآن على أن الأمر للوجوب، وهو الرأي الذي نصره الإمام الرازي، وبعد أن أورد عليه الإيرادات المشهورة، ما نصه: "وممَّا ينبه له: أن المحتج بهذه الحجة وما بعدها إن كان مطلوبه القطع، فمجرد هذه الاحتمالات قادح وكافٍ في ردها، ولا يغنيه الاعتذار بأنه خلاف الظاهر، وميل القاضي وأكثر الأصوليين إلى أن المطلوب منها القطع.
وإن كان المطلوب منها الظن فهي كافية، وإليه ميل المصنف ؛ لأن مآلها إلى العمل، والعمل يكفي فيه غلبة الظن" .
وقد وافق الإمامَ الغزاليَّ بعضُ الأصوليين، مثل القاضي أبي بكر بن العربي المالكي، حيث قال في كتابه: المحصول في علم الأصول ما نصه: "وأما أهل الحق من المتكلمين فصاروا إلى أن لفظة (افعل) محتملة للأمر وضده، وهو النهي، ولخلافه، وقد وردت في الشريعة على نحو من خمسة عشر وجهاً، فإذا جاءت مطلقة وجب التوقف فيها حتى يقوم الدليل على تعيين معنى من معانيها" .
وقال أيضاً: "المسألة الثالثة في مطلق لفظة (افعل)، قال بعض الناس هي محمولة على الإباحة؛ لأنه متيقن، وغير ذلك مشكوك فيه، وقال آخرون: محملها الوجوب؛ لأنه هو الظاهر منه، وقال أهل الحق: يتوقف فيه، أو لا يصح دعوى بشيء فيه" .
ووافق الغزاليَّ أيضاً الإمامُ سيف الدين الآمدي، حيث قال في الإحكام في أصول الأحكام ما نصه: "ومنهم من توقف ، وهو مذهب الأشعري رحمه الله، ومن تابعه من أصحابه كالقاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما، وهو الأصح، وذلك لأن وضعه مشتركاً أو حقيقة في البعض مجازاً في البعض إما أن يكون مدركه عقلياً أو نقلياً: والأول محال إذ العقول لا مدخل لها في المنقول، لا ضرورة ولا نظراً، والثاني: فإما أن يكون قطعياً أو ظنياً: والقطعي غير متحقق فيما نحن فيه، والظني إنما ينفع أن لو كان إثبات مثل هذه المسألة مما يقنع فيه بالظن، وهو غير مسلم، فلم يبق غير التوقف" .
والراجح في نظر العبد الضعيف والله تعالى أعلم: هو مذهب الجمهور، لأن الأدلة الظنية كافية في هذا الباب، وهي ظاهرة في الدلالة على أن الأمر إذا أطلق للوجوب، دون الندب، وتبقى القرينة هي المخرجة لهذه الدلالة إلى الندب أو غيره من المعاني.
وقد ذهب الإمام شهاب الدين القرافي إلى أن دلالة الأمر على الوجوب ثابتة بالقطع عن طريق التواتر المعنوي، "فإن المعلوم من حال الصحابة رضوان الله عليهم المبادرة لحمله على الوجوب، كقوله عليه الصلاة والسلام: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" لمَّا رواه عبد الرحمن بن عوف، ولم يتوقفوا في حمله على الوجوب، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "خذوا عني مناسككم" و"صلوا كما رأيتموني أصلي"، وغير ذلك من أوامره عليه الصلاة والسلام، وقال تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه". وأما قول القاضي: لو علم بالتواتر لحصل العلم، فمسلم، قوله: وارتفع الخلاف ممنوع، فإن التواتر لا يلزم عمومه لجميع الناس، فقد تتواتر قضية في الجامع يوم الجمعة بأن المؤذن سقط من أعلى المنار، ولا يعلم بقية أهل البلد ذلك، فضلاً عن البلاد النائية، وإذا لم يعلم أمكن الخلاف ممن لم يبلغه التواتر" .
والله أعلم.

جمال حسني الشرباتي
15-05-2004, 17:42
السلام عليكم
1- انا ملتزم بان الامر في النصوص الشرعية يفيد مجرد الطلب وان القرينة هي التي تحدد ان كان فرضا او ندبا او اباحة
2-اذا كان لديكم نصا فيه امر دون قرينة فافيدونا بارك الله بكم وافهمونا كيف استفدتم منه الوجوب بصيغته المجردة من القرائن

محمد موسى البيطار
16-05-2004, 15:07
اشكرك اخي جلال على هذه المشاركة ، وان كنت اميل لرأي الامام الغزالي في المسألة ،

والسلام عليكم ورحمة الله

محمد صادق الحجازي
17-05-2004, 14:31
الأخ جمال الشرباتي
تابعت بعض ما تكتب وهو مشوق ولكني أراك وكذلك بعض الإخوة يقول أنا أختار كذا أو رأي كذا دون أن يذكر لنا ما هو سند رأيه هذا وهنا أيضاً أراك تقول أنا ملتزم بأنه للطلب ...الخ فهلا تقيم على ذلك الأدلة والمسألة ليست بالتشهي كما تعرف بل هي معركة كبيرة كما تلاحظها في كتب الأصول الكبار وما ذكره الأخ جلال هو اختصار ولذلك لتبقي لهذا المنتدى علميته فأنا أطلب من نفسي وغيري أن لا يتكلم مختاراً لشيء إلا بدليل فالمسألة ليست لعباً أو تخميناً كما يفعل أدعياء السلفية اليوم وشكراً

جمال حسني الشرباتي
17-05-2004, 18:23
الاخ حجازي
السلام عليكم
انا عمري 48 عاما قضيتها متنقلا بين الافكار الاسلامية ونظرا لان القارىء يمل عادة من التطويل فاني لا اميل اليه في المنتديات
وموضوع ان الامر لمجرد طلب الفعل وان النهي لمجرد طلب الترك والقرينة التي تحدداخذته بعد بحث.
ولكني مستعد للتغيير اذا اقنعني حاذق