المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جواب حول فائدة الدعاء



نزار بن علي
10-06-2007, 23:01
الحمد لله
هذا جواب جمعته منذ سنة من كتب أهل الحق لأخ في الدين حول فائدة الدعاء على فرض كون المقدر كائن لا محالة..


بسم الله الرحمن الرحيم

الدعاء: هو رفع الحاجات إلى رافع الدرجات.

ويقال: إظهار العجز والمسكنة بلسان التضرع.

ويقال: هو الطلب على سبيل التضرع.

والدعاء ينفع الأحياء والأموات، فيقضي الله سبحانه باستجابته ـ تفضلا وإحسانا ـ الحاجات، ويدفع البليات ويكشف الملمات ويعظم العطيات ويرفع الدرجات.

ما ورد من الآيات والأحاديث في طلب الدعاء والحث عليه:

اعلم أخي الكريم أن القرآن ندب إلى الدعاء، والسنة حثّت عليه؛ فمما جاء في طلب الدعاء قوله تعالى:

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴾ [الأعراف: 55]

﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر:60] ،

﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة:186]،

ومما جاء في بيان الثمرة المترتبة عليه من الاستجابة ومن دفع البلاء قوله تعالى:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ [الفرقان:77]،

﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ﴾ [الأنعام:43]،

أما في السنة، فقة أخرج الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « الدعاء مخ العبادة »،

وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ « لَيْسَ شَىْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ »،

وفي المسند عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: « لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللَّهِ ».

وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا يَرُدّ القَدَر إلاّ الدُّعَاءُ ولاَ يَزِيدُ في العُمر إلاّ البِرّ وإنّ العَبدَ ليُحرَمُ الرِّزقَ بالذَّنْبِ يُصيبه ».

وفي سنن الترمذي: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ وَلاَ يَزِيدُ فِى الْعُمُرِ إِلاَّ الْبِرُّ ».

وفي سنن الترمذي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ»، إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة، مع أدعيته صلى الله عليه وسلم المأثورة، مع أدعية الأنبياء قبله فيما حكى الله عنهم مما لا يُنكَر لشهرته وكثرته.

وقد أجمع على الدعاء السلف والخلف، وقد دعا صلى الله عليه وسلم للكثيرين من أصحابه، وعلى كثير من أعدائه، وكذلك أمر به، وحض عليه، وذلك كله أعدل شاهد وأوضح برهان على نفعه.

الأحكام الشرعية المتعلقة الدعاء:

إذا علمت هذا، ففي هذا المطلوب ـ وهو الدعاء ـ حُكم الندب على الإطلاق، وذلك لاشتماله على خضوع العبد لربه وإظهاره ذلته وافتقاره إلى مولاه. ولا شك أن هذا ونحوه مأمور به في الجملة. وقد يعرض له من متعلقاته ما يفيد وجوبه أو حرمته أو كراهته، والمحرم قد ينتهي للكفر وقد لا ينتهي. وبالجملة قد تعتري الدعاء الأحكام الأربع:

فالأول: الوجوب. فقد يجب الدعاء، كما في صلاة الجنازة.

والثاني: الحرمة. إذ قد قد يكون الدعاء حراما. وفي هذا مرتبتان كما تقدم:
ـ ما ينتهي إلى الكفر.
ـ وما لا ينتهي.
فالأول: كطلب نفي ما دلّ القاطع على وجوبه. نحو: اللهم لا تعذب من مات كافرا، ولا تثب هذا وإن مات مسلما. ومنه: اللهم ابن فلان لا يموت أبدا، وغيره من الطرق المكفرة التي لا تحصى.
والثاني: وهو وما لا يتناهى إلى الكفر، فذلك كطلب خرق العوائد. ومن هذا القبيل في الحرمة الدعاء بمأثم أو قطيعة رحم.

الثالث: الكراهة. كالدعاء في الكنائس والحمامات ومواضع اللهو، والاستعمال في الكلام اتكاء عليه لا قصدا إلى حصول مضمونه، ومنه ما يقع بين الساعين في الأسواق والسماسرة وغيره.
وقد يكون مندوبا، وهو بقية الباقي بعد ما استثني ما تقرر.

وهذا الدعاء المندوب اختلفت الآراء فيه؛

فزعم من أنكر فائدته أنه ليس بمطلوب أصلاً، فأحرى أن يترتب على تركه إثم، فهو أمر كالمعدوم، بل ربما يحرم لأنّ المقدَّر كائنٌ لا محالة، لا يزيد الدعاء فيه ولا ينقص، وربما استدلوا على ذلك بما جاء في البخاري في باب جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ عن النَّبِىّ - صلى الله عليه وسلم – قال لأبي هريرة: « جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لاَقٍ » . وفي مسند أحمد: « قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ » فحمل أصحاب هذا الرأي الآيات الدالة على الدعاء على العبادة، وحملوا الاستجابة الواردة مثلا في قوله تعالى: ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر:60] على الإثابة. وحملوا الأحاديث التي لا تقبل التأويل على ما يقبلها فيما ثبت، وما بقي على المعارضة خرّجوه على قاعدة: خبر الآحاد لا يعارِض القاطع، يعني أنهم أوّلوا الدعاء الوارد في القرآن على العبادة، لا على طلب قضاء الحاجة، وعملوا بنصه فيما لا يقبل التأويل، مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ﴾ [المنافقون:11] وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ [التوبة: 51] إلى غير ذلك، وقرروا بعد ذلك أن ما جاء في الأحاديث من الدعاء برَدِّ القضاء لا يعارض تلك النصوص لأنها أخبار آحاد.

وقال من أثبت فائدة للدعاء: إن ذلك حَملٌ فاسد لبُعدِه عن الصواب وضعف الدليل عليه؛ فإنه لا يجوز العدول عن الظاهر إلا لمانعٍ قطعيٍّ من الحمل عليه، أو دليل يدل على خلافه، والتأويل في الظواهر لا دليل عليه هنا، وخبر الآحاد إنما يندفع الاحتجاجُ به مع القاطع ما دام لم يصل إلى رتبته، أما إذا تواتر في نفسه أو في أفراد كثيرة فمجموعها يحصِّل القطعَ، فكان خارجا بذلك عن رتبة الآحاد. من ذلك الآيات والأحاديث الدالة على مطلوبية الدعاء وفائدته؛ ومن القواعد الأصولية أنّ تكاثر الظواهر يفيد القطع، فأحرى النصوص إذا تكاثرت، فكيف والله تعالى يقول: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [الرعد: 39]. و لفظ ﴿ما يشاء﴾ هنا عام عندنا يشمل كل ما يشاؤه الله تعالى، ومعرفة ذلك تفصيلا غيب عنا لا تصل إليه الأدلة العقلية ولم ترد فيه الأخبار المأثورة إلا القليل، ولعل من المحو والإثبات ما هو موقوفٌ بمشيئة الله تعالى على دعاء العبد، كتوقف سائر المسببات على الأسباب والمشروطات على الشرائط كما سيأتي.

وقد اجتهد أصحاب هذا الرأي الثاني في الجمع بين ما ورد من إفادة الدعاء وعدمها، وذلك من خلال تقسيم المُقدَّر إلى قسمين:
ـ مُبرَم.
ـ ومعلَّق.

فأمّا المُبرَم فلا يُرفَع ولا يُدفَع، إمّا بأن لا يُلهَم العبدُ الدعاءَ فيه، أو لا يُقبَل رَفعُه، لكن يثاب على ذلك الدعاء، وينزل اللطف بالداعي، فهو عبادة لها أثرٌ حاصل ولا بدّ.

وأمّا المعلَّق، فلا استحالة في رفعه؛ ضرورة وجوب ترتُّب المشروط على شرطه، والمسبَّب على سببه.

وقد سئل العز ابن عبد السلام في الفتاوى الموصلية: هل يعص من يقول: لا حاجة بنا إلى الدعاء لأنه لا يردّ ما قُدِّر وقضي.

فأجاب: من زعم أن لا حاجة لنا بالدعاء فقد كذب وعصى، ويلزم هذا الأحمق أن يقول: لا حاجة لنا بالإيمان والطاعة لأنّ ما قضاه الله من الثواب والعقاب واقع لا محالة، ولا يدري هذا الأحمق أنّ الله تعالى رتّب مصالح الدنيا والآخرة على الأسباب، فإن ترَكها بناءً على أن ما سبق به القضاء لا يُغيَّر، لزِمَه أن لا يأكل إذا جاع، ولا يشرب إذا عطش، ولا يلبس إذا برد، ولا يتداوى إذا مرض، وأن يلقى الكفار بلا سلاح، ويقول: ما قدَّره الله واقع. انتهى

فلا مانع من ربط الأسباب بالمسببات إلا الجهل والعناد، والتعليق لا ينافي القدر كما في الحديث عند الترمذي أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ :« هِىَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ». ولا شك أن ذلك مع العلم بأن المُقدَّر كائن، لكن حقيقتُه مخفيّة، فيحتمل أنّ هذا من المعلَّق على الدعاء، فندعو ليُرفع، ويحتمل أنه من المبرم فندعو لنثاب لأنّ الثمرة حاصة والإجابة واصلة.

وليس معنى الإجابة حصول المطلوب بعينه، بل هو أعمّ، مثلا إذا سألت من السلطان السراح من السجن، فأخّرك إلى عام، ثم بدا لك أنه لو سرحك في ذلك الزمن لظفر بك عدوك وقتلك فأخّرك حتى مات عدوّك لاستحسنت بهذا الغاية وحمدت هذا التأخير، وعرفت أنه أجابك بما هو أتم وأعظم، ولو طلبت منه درهما مرتبا كل يوم فلم يعطيك، ثم بعد مدة سافرت إلى بلد لا زاد معك، فكنت أحوج ما يكون، فوجدته مخبأ لك أضعاف ما طلبت تعجيله وأنه جمعه لك هناك لتأخذه وقت الحاجة لرأيت هذا أكمل نوع في الإجابة، فالإجابة حاصلة لا محالة في القضاء المُبرَم والمُعلَّق، لكن الفرق في حصول المطلوب بعينه في الحال أو غيره. والله تعالى أعلم.

نزار بن علي
25-06-2007, 11:38
للرفع... والله الهادي إلى الصراط المستقيم...

عبدالعزيز الحسيني الهاشمي
25-06-2007, 21:59
جزاكم الله خيراً، ونفع بعلمكم.

عمر تهامي أحمد
13-08-2007, 16:44
يرفع لأهميته

عمر تهامي أحمد
13-08-2007, 17:18
قال الخطابي: "فأما من ذهب إلى إبطال الدعاء، فمذهبه فاسد... ومن أبطل الدعاء فقد أنكر القرآن ورده، ولا خفاء بفساد قوله، وسقوط مذهبه" - شأن الدعاء (ص8-9).

قال الشوكاني: "إنه سبحانه وتعالى أمر عباده أن يدعوه، ثم قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى} [غافر:60]، فأفاد ذلك أن الدعاء عبادة, وأن ترك دعاء الرب سبحانه استكبار, ولا أقبح من هذا الاستكبار" - تحفة الذاكرين (ص 28).


وقال المباركفوري: "لأن ترك السؤال تكبر واستغناء وهذا لا يجوز للعبد"، ونقل عن الطيبي قوله: "وذلك لأن الله يحب أن يسأل من فضله، فمن لم يسأل الله يبغضه, والمبغوض مغضوب عليه لا محالة" - تحفة الأحوذي (9/221).

وقال الشوكاني: "في الحديث دليل على أن الدعاء من العبد لربه من أهم الواجبات, وأعظم المفروضات؛ لأن تجنب ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبه" - تحفة الذاكرين (ص31) بتصرف يسير.