المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من جاء بعرش بلقيس



فوزي سليم منصور
31-05-2007, 11:06
قال الإمام الفخر الرازي في كتابه اسرار التنزيل وأنوار التأويل
أما المقام الثاني له عليه السلام في تقرير دلائل النبوة فهو قوله تعالى حكاية عنه : ( قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ) الى قوله ( ءأشكر أم أكفر) واعلم أن كثيرا من الناس قالوا : ذلك الشخص الذي قال ( أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) هو غير سليمان وظنوا أن الكاف في قوله "آتيك" خطاب مع سليمان عليه السلام وعلى هذا التقرير لابد وأن يكون ذلك القائل غير سليمان عليه السلام إلا أن هذا ضعيف بل الصحيح عندنا أن الآتي بذلك العرش هو سليمان وذلك لأنه عليه السلام إنما قال (آيكم يأتيني بعرشها) على سبيل التحدي فقال العفريت ( أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) فقال سليمان عليه السلام للعفريت ( أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) فهذا الكلام قاله سليمان للعفريت تقريرا للتحدي به الذي ذكره أولا وكسرا للعفريت وإظهارا للعجز والذي يدل عليه وجه:
الأول ) أن سليمان عليه السلام قد ذكر دلائل التوحيد أولا فافتقر بعد ذلك إلى تقرير دلائل النبوة مع بلقيس فإن سليمان عليه السلام قد كفلها للإقرار بالتوحيد والنبوة فلما ذكر دلائل التوحيد وجب عليه أن يذكر بعد ذلك النبوة وهذا معجز دال على النبوة فوجب جعله معجزا لسليمان حتى يتم الدليل.
الثاني ) أن لفظة الذي موضوعة في اللغة للإشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفه بقصة معلومة والشخص المعروف بأن عنده علم الكتاب هو سليمان كان أعرف به من آصف لأن الرسول أعرف بكلام الله من غيره فكان صرف هذا اللفظ إلى سليمان أولى.
الثالث ) أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية فلو حصل لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك تفضيل آصف على سليمان وذلك غير جائز.
الرابع ) أن سليمان لو افتقر في هذا العرض إلى آصف لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق.
الخامس ) أن سليمان قال ( هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر) وظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهلاه الله بدعاء سليمان فهذا ما يتعلق باشتغال سليمان عليه السلام بتقرير التوحيد والنبوة والله أعلم.

هاني علي الرضا
01-06-2007, 07:24
جزاك الله خيرا سيدي فوزي على هذه الفائدة

وحقيقة فإن هذا الأمر لا يتم على التعيين والتحديد ، وقد أبهمه الله تعالى فلا سبيل إلى تحقيقه إلا بخبر المعصوم ولا هنا فلا سبيل .

غير أن جمهور المفسرين على أن {الذي عنده علم من الكتاب} هو رجل إنسي ولي صالح من أولياء الله تعالى من بني إسرائيل ممن كانوا في حاشية سيدنا سليمان عليه السلام ، وهم يوردون القول القائل بأنه نفسه سليمان إيراد التضعيف والإستبعاد ، وهذا متجه ومتسق مع ظاهر السياق ، فإن إبهام {الذي عنده علم من الكتاب} مع التصريح بـ(سليمان) وَ (العفريت) قبل ذكره مشعرٌ بأن ثمةَ طرف ثالث في هذه الحوارية بين سليمان والعفريت استجاب لطلب سليمان الأول بـ{أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين} ، وعليه خاطب سليمان أنه لديه من الحكمة والعلم ما يفوق ما لدى العفريت من القوة والقدرة المادية ، وفي ذلك تفضيل للعلم على القوة وردٌ للأمور جميعها إلى الله تعالى وإبانة أن لا فاعل في الكون غيره ودحض لتوهم الجني العفريت في نفسه أنه {قوي أمين} من ذات نفسه .

وتفسير {الذي عنده علم من الكتاب} بأنه سيدنا سليمان عليه السلام إنما شهره واعتمده المعتزلة ابتغاء نصرة مذهبهم في منع الكرامات وعدم جواز وقوعها وليراجع في ذلك ( الكشّاف) للزمخشري .

وأما ما نصر الفخر الرازي قدس الله سره به هذا القول فغير ظاهر ولا مُرّجح له على قول الجمهور ورده كالآتي :

1/ أما أنّ سليمان عليه السلام رام بذلك التدليل على نبوته بإقامة المعجزة –
فإنما يتم إن وقعت مباشرة الإتيان أمام ناظري بلقيس لتقوم عليها الحجة وتظهر المعجزة ويتضح التحدي ، أما والحال أنه قد وقع وبلقيس لما تأت سليمان بعد فأين اقامة الحجة عليها والإشهاد به على نبوته ويمكنها أن تقول له إنما جاءك به أحد خدمك من الجن ، فلولا معاينة الإتيان بالنفس لا تقوم الحجة ، ولا يكفي في ذلك إخبارها به ، فنحن اليوم لو أُخبرنا أن ثمة مدع للنبوة في أقصى القطب الشمالي وآيته أنه يقلب الثلج نارا لما قامت علينا الحجة ولا أُعجزنا إلا بمعاينة ذلك بأنفسنا .
على أنه إن تزلنا وقبلنا فإن اقامة الحجة عليها تكون أبلغ لو جاء الإتيان بعرشها من قبل أحد حاشية سليمان ، فما ظنك بمن يكون في حاشيته مثل هذا ، وهل استفاده الولي إلا من اتباعه سليمان وإيمانه به وهو نبي الزمان ، وعلى هذا قالوا كل كرامة لولي فهي شهادة بحقية النبي !!

2/ ما ذكره من أن صرف لفظ {الذي} إلى سليمان أولى لأن له علما بالكتاب أكثر من آصف –
غير لازم ، وذلك أن هذا الشخص المشار إليه بـ (الذي) إنما ظهر فضله بما أن عنده علم من الكتاب فاق به قدرة الجني العفريت التي توهمها في نفسه ، فالحادثة وأهميتها كلها تكمن في وتقوم على إظهار أن العلم أفضل وأعلى ، ولولا خصوصية وصفه بالعلم لما كان للحادثة معنى ، إذ لو كان سليمان عليه السلام فإنه ملعوم لدى الجميع بما فيهم العفريت وكل الحضور أنه نبي الله تعالى وأن دعوته مستجابة ، فما يفيد تنزله لإظهار عجز العفريت من شيء !!؟؟ وللعفريت أن يقول له : وما عني ذلك وأنت نبي الله وهو يستجيب دعاءك لا محالة والله على كل شيء قدير لا شك وأي أفضلية عندها لك علي !! وكذا سيقول من حضر الحادثة من الجند والحاشية ، فإتيانه بالعرش عندها مستفاد من وصف النبوة لا من خصوص وصف العلم ، وإنما يكون حاله عندها كحال رجل مكتمل الرجولة قوية البنية يصارع وينازل طفلا صغيرا فيهزمه ويكسره وليس فيه إظهار لفضله ولا قوته ، فكان الأنسب صرف (الذي) إلى رجل عادي من حاشية سليمان امتاز بعلمه وتغلب به على قوة العفريت ، وليس في اللغة ما يرجح رد الذي إلى سليمان بل ظاهر السياق مشعر بأنه غير سليمان كما عليه الجمهور .

3/ كون إحضار العرش فيه تفضيل لآصف على سليمان –
غير لازم ، بل على العكس فيه إظهار لفضل سليمان وحقية نبوته وعظيم مكانه كما سبق وقلنا ، فإن آصف ما استفاد علمه إلا من نبي الزمان ، ولولا إيمانه به حقا ما بلغ تلك الدرجة من الولاية ، فظهور الخارق على يده وهو من أفراد أمة سليمان دال على صدق سليمان وعظيم قدره ، على أن فيه تفخيم وتعظيم لسليمان عليه السلام إذ الملوك لا تباشر أعمالها بنفسها ، وإذا كان من هو في حاشية الملك قادر على مثل ذا فما ظنكم بالملك !!

4/ كون ذلك مقتضيا لقصور سليمان في أعين الخلق –
غير لازم أيضا وقد سبق جوابه ، فما استفاد آصف ذلك إلا من سليمان ومن إيمانه به . وقد علمنا وقوع كرامات لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأفراد أمته من بعده لم تقع له عليه الصلاة والسلام ، بل وقعت لمن قبله من الرسل معجزات عظام كإحياء الموتى وانفلاق البحر ومع ذلك فإنا نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشرف الخلق وأعظمهم وأكملهم ونعلم أن كل ذلك إنما هو على وصف البوصيري في بردته الشريفة :


وكل آى أتى الرسل الكرام بها ** فإنما اتصلت من نوره بهم

5/ أن قول سليمان عليه السلام { ذلك من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر} مقتض أن الخارق وقع على يديه هو –
غير لازم بل ولا ظاهر ، بل ظاهره أن جهة التفضل والإنعام الإلهي تواردت عليه من جهة شخص آخر فردها هو إلى أصلها واعترف بالفضل لله وحده ، وفي الاتيان بالعرش له على تلك الصورة على يد أحد اتباعه فضل من الله عليه عظيم وإظهار لملكه وعظيم شأنه أبلغ من مباشرته الأمر بنفسه ، فعلى كلا الحالين هو تفضل من الله عليه وفي حال وقوعه على يد غيره ممن هو تحته ودونه له إظهار أعظم لفضل الله عليه .

والله الموفق .