المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تلخيصات نقدية لبعض كتب المعاصرين



سعيد فودة
10-05-2007, 16:28
كتاب إسلامية المعرفة، تأليف الدكتور محمد عمارة
يمكنني أن أصنف الكتاب بعبارة وصفية واحدة، وهي إن الكتاب أحادي الفكرة، نهج فيه منهجا أقرب إلى ‏الوعظي والخطابي منه إلى العلمي التقريري، أو النقدي. ‏
ويكثر في الكتاب التكرار، بحيث يمكننا أن نلخصه في حجم أقل بكثير مما هو عليه مع الحفاظ على ‏الأفكار الأساسية أو الفكرة الأساسية التي اشتمل عليها، وهو في الحقيقة يدور حول فكرة واحدة بدأ بها ‏وانتهى بها تدور حول توضيح مفهوم إسلامية المعرفة، ومجملها كما قال في ص16:"وإذا كانت العلوم ‏والمعارف الإلهية – الشرعية إسلامية الموضوع والكليات وفيها من المدني اجتهادات المجتهدين وفقه ‏الفقهاء في الفروع والجزئيات وفي التقعيد، فإن علوم الكون ومعارفه بشرية – مدنية الموضوع والكليات ‏والمنطلقات، وإسلاميتها إنما تعني إيجاب علاقة بينها وبين السنن والإلهية التي جاء بها الوحي في الكون ‏والإنسان والاجتماع وكذلك توظيف هذه العلوم والمعارف عن طريق أسمة فلسفتها لتحقيق المقاصد ‏والغايات الشرعية التي حددها الوحي "حكمة" لخلق الله سبحانه وتعالى الكون والإنسان"اهـ
فأنا أستطيع أن أقول بكل ثقة إن أساس الكتاب كله يتلخص في هذه الفكرة، وكل ما سوَّد به الصفحات بعد ‏ذلك ما هو إلا إعادة وشرح وتكرار أو تمثيل للفكرة. ‏
نعم لقد ذكر بعض الملاحظات التي بها يؤيد أو يقرب ما يذهب إليه، كالقول بأن الحسَّ ليس السبب الوحيد ‏للمعرفة، وأكد غير مرة على أن الوحي سبب للمعرفة وأساس لها أيضا ولا يجوز إهماله، ولكن خطابه ‏هذا لا يصح أن يتوجه به إلى غير المسلمين، بل لا يمكن توجيهه إلا إلى من يؤمن بالإسلام فقط، لأنه لم ‏يذكر عليه من الأدلة العقلية المستقلة ما يكون به مقنع للمنكرين للدين!وهذا في نظري نقص ظاهر في ‏الكتاب. ‏
وفي كلامه السابق الذي نقلته نقص وقصور، بيان ذلك: أنه قال إن إسلامية المعرفة معناه إيجاد علاقة بين ‏العلوم الكونية وبين السنن الإلهية الموحى بها، وهذا يستلزم أن المعرفة الكونية تبقى معرفة على ما هي ‏ليه، إلا أن النقص فيها عدم وجود علاقة بينها وبين العلوم الإلهية والأحكام الدينية، ولكن هذا المعنى لا ‏يصح أن يطلق عليه بعد ذلك بأن المعرفة صارت إسلامية، فالإسلامي ما هو إلا التزام المخلوقات ‏بالأحكام الدينية، وذلك بالانقياد لها والدوران في محيطها، أما مجرد إثبات نسبة فهل هذا يكفي للقول بأنها ‏صارت إسلامية؟ ‏
فعلم الاقتصاد مثلا يمكن أن يكون مبنيا على أسس علمانية أو شيوعية، أو غير ذلك، وذلك العلم لا يكون ‏إسلاميا بمجرد إيجاد نسبة بينه وبين الإسلام، ولكن كونه إسلاميا يستلزم أن يعاد بناؤه على أسس وقواعد ‏مأخوذة ومستمدة من الإسلام نفسه، ولا يجوز الاقتصار على الغاية منه فقط بل يجب الاهتمام بطريقة ‏بنائه والقواعد التي تحكمه. ‏
وأما العلوم المحضة كالطب والهندسة ونحوها، فلا معنى لكونها إسلامية إلا على معنى أنها جائزة أو ‏واجبة أو مستحبة، أما وصفها بأنها إسلامية بملاحظة عمل الناس بها لخدمة الدين أو نحوها، فأنا أرى أنه ‏لا معنى لهذا الوصف، فإنه يستلزم وصفها بأنها غير إسلامية إذا عمل بها على خلاف الدين وأحكام ‏الدين، وهذا اللازم باطل لا محالة!‏
والخلاصة أن علم الطب إذا اشتغل به طبيب مسلم والتزم بالأحكام الإسلامية، فالموصوف بأنه إسلامي ‏هنا ليس نفس علمه بالطب، بل عمله بذلك العلم.‏
ولذلك فأنا أرى أنه لا معنى لتعريف المؤلف ووصف المعرفة بأنها إسلامية من الجهة التي ذكرها.‏
ولا بدَّ أن نذكر حسنة ظاهرة من حسنات محمد عمارة وهي الإشارة العابرة التي ذكرها في آخر كتابه، ‏من أن المنهج الإسلامي يعتبر كلا من الحس والعقل والنقل أو الوحي، ولا يقتصر على الحسِّ وحده. ‏ولكنه لم يكمل هذه الحسنة، فلميله إلى المذهب الاعتزالي اكتفى بأن ينصَّ على أنَّ القائلين بذلك هم ‏المعتزلة (واصل بن عطاء) مع العلم بأن هذا القول ليس من الأمور التي يختص بها المعتزلة، وذلك حينما ‏ذكر مناظرة الجهم مع السُّمَنية وعدم تمكنه من إلزامهم ورجوعه بعد ذلك إلى واصل بن عطاء حيث فهمه ‏كيف يستدل عليهم[انظر ص75 وما بعدها].‏
ومن حسناته أيضا الإشارة إلى تأثر العديد من الفلاسفة الغربيين في فلسفاتهم بالكنيسة وسياستها التي كانت ‏تمارسها على الأوروبيين آنذاك، فكانت فلسفاتهم في أغلبها عبارة عن ردات فعل على ذلك الموقف. ‏
ولكن هذه الفكرة ليست ميزة لهذا الكتاب، بل إنها صارت مشهورة في كتابات الناقدين للفسلفة الغربية، من ‏الغربيين والشرقيين[انظر ص85-86]. ‏
وأشار أيضا إلى بطلان نظرية المراحل الثلاث التي جاء بها فيلسوف المذهب الوضعي أوجست كونت ‏لتفسير تطول المعرفة الإنسانية [انظر ص89وما بعدها]. ‏
ونقد هذا المذهب مشهور معروف أيضا!‏
وأشار إلى أن أغلب المذاهب الفلسفية الغربية تميل إلى الأساس الحسي الدهري، وهذا كما لا يخفى وصف ‏عام لا يصدق على الأغلب بل ربما يصدق على الغالب من المذاهب في فترات دون أخرى.‏
وأخيرا لا أملك إلا أن أقول: إن الكتاب لا يتسم بالعمق، ولا بدقة التحليل، ولا بشمول الفكرة، وهو مجرد ‏لمحات ربما طرأت في فكر الكاتب، فألف الكتاب بناء عليها! وهذه جهة نقص أخرى. ‏

سعيد فودة
12-05-2007, 23:10
كتاب (نظرية المعرفة) للدكتور زكي نجيب محمود
هذا الكتاب في رأيي نافع جدا كمقرر دراسي لهذا الموضوع، مع بعض التكميلات اللازمة التي لا يخلو ‏منها كتاب. ‏
وصف عام للكتاب ومنهجه
فقد أبدع المؤلف في وصف كل مذهب من المذاهب المعرفية التي بينها، كالواقعية والبراجماتية والمثالية، ‏فقد ذكر خلاصة كافية لكل مذهب منها في فصل خاص، ولم ينس أن يبين في آخر كل فصل بعض ‏الانتقادات التي وجهت لكل واحد منها. ‏
وكان أسلوبه في ذلك تقريريا مباشرا، مختصرا اختصارا غير مخلٍّ، وليس مطولا بحيث يسأم المرء من ‏قراءته، وفيه معلومات مفيدة بلا شك. ‏
وقد حدد المؤلف غايته من كتابة الكتاب والتزم بهذه الغاية، فقد ذكر أن الكتاب كتبه ليكون مقررا دراسيا ‏لمستوى معين. ‏
وبين أن منهجه ليس تاريخيا، وأنه لن يستقصي ذكر الآراء والتفاصيل التي تعيق الفهم. ‏
وأنا أرى أن تبيين المنهج المتبع ميزة من ميزات أي كتاب، والميزة الأخرى هي الالتزام بذلك المنهج، ‏وميزة ثالثة كون المنهج مناسبا لمن وُجِّه إليهم الكتاب. ‏
وفي رأيي فقد تحققت هذه الميزات الثلاث في الكتاب. ‏
موضوع الكتاب:‏
وضح المؤلف المسائل المبحوثة في كتابه، بعبارة بينة كما ذكرها في ص10، فقال(‏1 ‏):"وأهم المسائل التي ‏يحاول الفيلسوف أن يعالجها في مشكلة المعرفة يمكن حصرها في هذه المسائل الثلاث. ‏
‏1-‏ ما طبيعة المعرفة بصفة عامة...‏
‏2-‏ ما هو المصدر الذي يستقي منه الإنسان معرفته. ‏
‏3-‏ هل في مستطاع الإنسان أن يتناول بمعرفته كل شيء... أي ما هي حدود المعرفة."اهـ
ثم أدار الكتاب على هذه الأبواب. ‏
فشرح في القسم الأول (طبيعة المعرفة) وشرح فيه المذاهب الفلسفية:‏
‏ فلخص الواقعية إلى ‏
أ- واقعية ساذجة تقول بأن الصورة الذهنية مطابقة للخارج، ولتكثر العالم الخارجي فوسيلة معرفته هو ‏التحليل، ولا دور زائد للعقل، واعترض عليه بأن الصورة الحاصلة غير مضبوطة فهي تختلف باختلاف ‏الآلات المتوسطة، كما نرى السطح ملسا بالعين المجردة وخشنا بالميكروسكوب، وصفات الشيء بعضها ‏تختلف باختلاف موضع الرائي، ولو كانت مطابقة لما اختلفت وبعضها لا تختلف.‏
ب- واقعية نقدية:يمثلها جون لوك، قسم الصفات المدركة إلى أولية كالشكل وهي لا تتغير وهي مطابقة ‏للواقع، وثانوية كاللون وهي تتكون داخلنا فلا تكون مطابقة للواقع، والصورة العامة تأتي نتيجة المقارنة ‏بين مجموعة الأفراد، فالخلاصة عند لوك أن الأفكار إما بسيطة حسية وهي التي تأتي عن طريق الحس ‏كاللون، أو أفكار مركبة يركبها العقل بفاعليته من تلك الأفكار البسيطة وهي إما تكون فكرة عن الشيء في ‏صفاته العارضة أو جوهره الثابت أو العلاقات التي تربط شيئا بشيء. والمعرفة باختلاف أنواعها إما ‏مطابقة للخارج أو مجرد دالٍّ عليها. ‏
وأما البراجماتية: فالفرق بينها وبين الواقعية أن معيار الصدق عندها هو فائدة المعرفة لا مجرد مطابقتها، ‏وذلك لأنهم قالوا المعرفة فعل والفعل له غاية هي الفائدة كغيرها من الأفعال. ومنهم وليم جيمس، والحكم ‏بالتناقض عندهم لا يكون بالنظر إلى أصل الفكرة بل إلى نتيجتها، فما لا فائدة منه فهو كلام فارغ، فهم ‏يجعلون المعرفة علاقة سلوكية. ‏
والنقد الموجه إليهم أن بعض المعارف تكون معارف وإن لم تترتب عليها فائدة عملية تذكر كالعلم ‏بالحوادث التاريخية أنها حصلت في ذلك التاريخ مثلا، فلا شك في أنها معرفة.‏
وأما المثاليون: فإنهم لا يعترفون بالوجود الخارجي، خلافا للبراجماتية والواقعية، بل يقولون لا وجود ‏للمصباح المدرَك مثلا إلا في ذهني فقط، فوجوده هو إدراكه، فإن لم أدركه فلا يلزم انعدامه لإمكان إدراكه ‏من غيري، وإن لم يدركه واحد من البشر، فهو مدرك من قبل الله. فكل واحد يعيش في عالم هو مدركاته ‏فقط، ‏
ومن النقد الموجه إليهم أنه إن صحَّ أن لكل واحد عالما خاصا، فكيف يمكن أن يتفق شخصان اثنان على ‏أمر واحد، ويجيب بعض المثاليين بأن العقول المتعددة أجزاء من عقل واحد كليٍّ، ومن المثاليين ‏باركلي(مثالية ذاتية)، وهيجل (مثالية موضوعية).‏
والمهمة الرئيسة للمعرفة هي تفسير العالم، والتفسير نسبة الشيء إلى حقيقة أعمَّ منه تشمله.والجزئيات لا ‏تفسر نفسها، فالصفات الحسية الجزئية لكي توجد لا بد أن توجد الصفات الكلية، فقبل وجود هذا اللون ‏الأزرق، يجب وجود اللون الكلي، والكليات لا توجد إلا في الذهن،فالفكر سابق للأشياء، ومعرفة الجزئي ‏مستحيلة. ‏
والمعاني الكلية شرط كل معرفة، وهي نوعان:
أ- معان قوامها صفات يمكن إدراكها بالحس، كاللون.
ب- ‏وصفات لا بد من فرضها فهي تدرك بالعقل، وهي كالقوانين الكلية كعدم التناقض مثلا، وهي المقولات.
‏وهيجل يقول بالعقل الكلي الموضوعي. ‏
والشيء المعين عبارة عن مجموعة مركزة من مجموعة معان كلية. ‏
ولذلك فمنطق الفكر هو منطق الأشياء.‏
وأما بالنسبة إلى مصادر المعرفة: ‏
فهي عند التجريبيين (ديفيد هيوم) الخبرة ووسيلتها الحس وأرجع الكل إلى ما أسماه بالتداعي والترابط ‏العادي، في الأفكار والأشياء الخارجية، والعلة مجرد ارتباط، والضرورة اطراد. ‏
ومن النقد الوراد عليه، أن جوهر الأشياء الذي تقوم به الألوان مثلا، لم تنطبع صورته في أي حاسة ومع ‏ذلك فنحن نقول به،وكذلك ذات الإنسان، لا تدرك بحسٍّ ومع ذلك نعتقد بوجودها. والحواس قد تنخدع.‏
وأما عند العقليين: ومنهم ديكارت، ففرقوا بين نوعين من المعارف الأول المعارف التجريبية، فقالوا بعدم ‏ضرورتها وبتوقفها على الخبرة والحس، والضرورية كالقوانين العامة فهي تسبق الخبرة والحس ‏والتجربة. والمعرفة الحسية تنقصها إمكان التعميم، ولكنا نعمم(كما في الرياضيات والعلوم الفيزيائية)، ‏فذلك لا يكون إلا بأمر آخر غير الحس.‏
وقال ديكارت بأن كل شيء ندركه بعقولنا إدراكا في غاية الوضوح فهو صواب،والحواس لا تعطينا إلا ‏انطباعات مفردة، والمدرك المجموعي للتفاحة مثلا لا يكون إلا بالعقل، فأنا أدركها إذن بالعقل لا بالحس، ‏والأفكار إما فطرية فينا، أو تأتي من خارج أنفسنا [وهذا الذي يعرض الخطأ عليه]، أو أفكار نخلقها نحن. ‏
وسبيل الجزم بصحة ما يأتيني من الخارج هو الاعتقاد بإله خير لا يكذب.‏
وأما عند النقديين: (مقدَّمهم إيمانويل كانت)والمقصود بالنقد تحليل الأفكار بحيث تؤول إلى الأصول ‏الصورية التي لا بد من افتراضها لكي نطلق أحكاما.‏
فالقضايا عنده إما إخبارية وهي التي تضيف خبرا جديدا عن الموضوع، أو تكرارية وهي التي يكون فيها ‏المحمول جزءا من الموضوع.
وتقسم أيضا إلى قبلية (قبل الخبرة) ، وهذه مصدرها العقل، وبعدية ‏‏(بعدها) وهي الخبرية والتجريبية وهذه مصدرها الخارج من الحس والتجربة. فالتكرارية تكون قبلية، ‏والإخبارية بعدية. ‏
والمشكلة تكمن عند كانت في الجمل الإخبارية القبلية التي فيها تعميم يجعله إخباريا وقبليا معا. وحلُّ هذه ‏الإشكالية عنده بأن الجزئيات كالملمس ولطعم المعين يأتي من الحس، والجمع بينها بالعقل بالاستعانة ‏بمقولة الزمان والمكان وهما وسيلتا الإدراك الحسي الفطري في العقل، لا بطريقة التداعي الآلية كما كان ‏يقول ديفيد هيوم، وكذلك مقولة العلية. ‏
وسبب يقينية الرياضيات أنها كلها قبلية لا تتوقف على الحس والتجربة.‏
والعقل عنده القدرة على التجريد أي ملاحظة الأمور المشتركة، ولكن هذه وحدها ليست بمعرفة، لأن ‏المعرفة إنما تكون في الأحكام التي تطلقها على الأشياء.‏
وهذه المدركات العقلية الفطرية القبلية هي المقولات عند كانت. ومنها مقولة الجوهر، بينما كان الأمر عند ‏ديفيد هيوم مجرد تتابع لمدركات حسية متعاقبة.‏
وليس للعالم الطبيعي قواني يسير عليها غير القوانين العقلية، فإذا أمكن أن نصيغ وصفا للخارج يكون ‏إخباريا وقبليا معا، فإنا نحصل على المعرفة اليقينية.‏
وأما مصدر المعرفة عند المتصوفة: فهو الحدس أو الإلهام أو الفيض (بحسب الأصول الفلسفية للمذهب الصوفي). وظواهر الكون ليست حقيقته بل هي ما وراء ‏ذلك، وهي واحدة لا تعدد فيها. وسبيل المعرفة رياضة النفس. ‏
ومن الاعتراضات على مؤلف الكتاب أنه ضرب الإمام الغزالي مثالا على القائلين بهذه الطريقة في ‏المعرفة، والمعلوم أنه أقرب إلى العقليين الواقعيين منه إلى الصوفية، بل التصوف عنده وسيلة عمل ‏بالعلم، وتصفية نفسه للحصول على إدراكات ذوقية ليست من جنس المعارف العلمية المتنازع فيها. ‏
ويؤخذ عليه عدم التمييز بين التصوف الفلسفي والتصوف العملي.‏
إمكان المعرفة وحدودها: ‏
الاعتقاديون: وهو الموقف الذي يتخذ فيه الإنسان لعلمه نقطة ابتداء يسير بعدها دون أن يتناولها هي بالنقد ‏والتحليل، وهم[العقليون والتجريبيون]، فالعقليون لا يناقشون فكرة العقل نفسها، والتجريبيون لا يناقشون ‏فرضهم بأن المعرفة مستحيلة خارج التجربة. ‏
وهم عموما يرون أنه لا حد للمعرفة تتوقف عنده. ‏
والشكاك على خلافهم (مثالهم بروتاغوراس)، وهم يرون أن المعرفة نسبية ومحدودة، ولذلك توجد علاقة ‏بينهم وبين البراجماتية.‏
وديكارت استخدم الشك كمنهج للمعرفة، وليس مندرجا في الشكاك أنفسهم.‏
وأما حدود المعرفة: ‏فالعقليون والتجريبيون، لا يرون لإمكان المعرفة حدا، وأما بالنسبة للنقدية فالمعرفة محدودة بحدود ‏الخبرة، ولا تتجاوز الظواهر، ولا تنال الشيء في ذاته، وكذلك يرى أوجست كونت صاحب المذهب ‏الوضعي بوجوب الوقوف على الظواهر المشاهدة والمجربة، وبعض الوضعيين يرون المحدودية من ‏جانب قصور اللغة عن الدلالة على المعارف أيضا، فهم (النقدية والوضعية] يرفضون النظر فيما هو من ‏قبيل العلة والمعلول لأنها ليست خارجية، وأما القائلون بقصور اللغة فيرفضونها لأنها لا معنى لها. ‏
والخلاصة أن زكي نجيب محمود يميل إلى هذا المذهب كما هو معروف عنه في وكما هو ظاهر في ‏سكوته عن النقد الصارم الموجه ضدَّ هذا المذهب، وكما يظهر في تأليفاته المتعددة في الفلسفة الوضعية. ‏

ملاحظة ختامية
‏ كتاب د. زكي نجيب محمود مقرر دراسي يعتمد المنهج التحليلي المتدرج من الكليات إلى الجزئيات، ولا ‏مدخلية له بالنظر في المعرفة في نظر الإسلام، وقد قصَّر فلم يذكر المنهج المعرفي وحقيقة المعرفة في ‏نظر متكلمي الإسلام، وربما يعود ذلك إلى اتجاهه العلماني الوضعي لمعروف، وكان الواجب أن يهتم بهم ‏لأنهم لا يقلون في تحقيق الآراء والأفكار عن الفلاسفة الغربيين الذين اهتم بهم اهتماما بالغا.‏

سليم حمودة الحداد
13-05-2007, 03:21
سيدي بارك الله لنا فيكم .. تعجبني كتابات د.زكي نجيب محمود لجمعه بين العمق الفكري و جمال الصياغة العربية، و لكن خلفيته الفكرية المتأثرة بالمنهج الغربي المعاصر تجعله لا يرى الأفكار و التيارات الفلسفية و نقدها إلا بمنظار ذلك المنهج الغالب على أهله و المتأثرين به، و إن كان في الغربيين من يشذ عنهم في ذلك كالتوماويين الجدد كالفيلسوف الفرنسي الكبير جاك ماريتان و كذلك الفرنسي اتيان جلسون و جوليفي و فيرنو و غيرهم. و على منوال الأخيرين - و هم مسيحيون كاثوليك متمسكون بتراث فيلسوف المسيحية القديس توما الأكويني- نسج يوسف كرم الفيلسوف المسيحي المصري ذي الاتجاه التوماوي، و لكن بروح عربية مستمدة من ابن سينا و ابن رشد. و كتابات يوسف كرم أفضل و أقعد و أقوى حجة و عرضا و نقدا للفلسفات و التيارات المختلفة القديمة والحديثة. و كتابه "العقل و الوجود" أفضل كتاب في نظرية المعرفة و موقف التيارات الفكرية المختلفة منها مع نقد علمي قاطع، رغم مخالفته لساداتنا المتكلمين في بعض الأمور غير المنهجية.
و من أجل ذكر شيخنا لإدراج زكي نجيب محمود لحجة الإسلام ضمن القائلين بنظرية المعرفة الصوفية ( و هو ناتج من عدم فهم كلام الإمام في المنقذ من الضلال )، رأيت أن أذكر في المقابل - للمقارنة- كلام يوسف كرم حول تجربة الشك عند الإمام و معنى النور الذي قذفه الله في صدره.
قال يوسف كرم في الكتاب ص60:
{المنهج القويم في الفلسفة يبدأ إذن من اليقين الطبيعي بالبديهيات. و في الفلسفة الإسلامية تجربة جديرة بالذكر في هذا المضمار هي تجربة الغزالي؛ فقد حكى في المنقذ من الضلال أنه عانى الشك في نفسه لما رأى من اختلاف الملل و كثرة الشبه و أقواها هذه الشبهة: (( ان المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكام فيكذبه حاكم العقل، فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر إذا تجلى يكذّب العقل في حكمه، و عدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته)) الى أن قال: ((فحاولت لذلك علاجا فلم يتيسر إذ لم يمكن دفعه إلا بدليل، و لم يمكن نصب دليل إلا من تركيب المبادئ الأولية، فإذا لم تكن مسلّمة لم يمكن تركيب دليل، فأعضل هذا الداء و دام قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة، حتى شفى الله تعالى ذلك المرض و رجعت الضرورات العقلية مقبولة موثوقا بها إذ أن الأوليات غير مطلوبة و إنما هي حاضرة لا يشك فيها. و لم يكن كل ذلك بنظم دليل و ترتيب كلام بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر)). يعني نور الحدس الذي به يدرك العقل الأوليات دفعة دون حاجة الى برهان، و سواء كانت هذه الحكاية صادقة أم مركبة للتشويق و التفهيم فإن الحل الذي تنتهي إليه هو الحل الصحيح.} اهـ
هذا تعليق يوسف كرم على تجربة الإمام. ثم يمضي في نقده للشكاك و للشك المنهجي الديكارتي بأقوى ردّ و أحسنه.
فأنا أنصح إخواني بكتب يوسف كرم فإن فيها من العرض الدقيق و الموضوعي و الأمين للفلسفات و التيارات الفكرية و بأجمل عبارة و أرقاها و أقربها ما لا تجده عند غيره أبدا، مع قربه الفكري من منطلقاتنا الفكرية عامة.
فليقارن من شاء بين عرض يوسف كرم و نقده لأي تيار أو فلسفة قديمة أو حديثة و بين غيره كزكي نجيب محمود أو عبد الرحمن بدوي أو محمود فهمي زيدان بله من هو دونهم ثم ليخبرنا بالنتيجة.
و ليسامحني سيدي على تدخلي في موضوعه. نفعنا الله و المسلمين به و أدام علينا من بركاته و علمه و حلمه آمين..
و الله الموفق لا رب سواه و لا معبود إلا هو..

سعيد فودة
13-05-2007, 07:27
بارك الله بك يا سليم، وكلامك لطيف مفيد، وسيأتي تعليق على كتابات أخرى لزكي نجيب محمود ، ويوسف كرم وغيرهم من الكتاب إن شاء الله تعالى، ولا بأس أيها العزيز أن تشارك فما نشرت الموضوع إلا ليشارك فيه ويقرأه أهل الفضل وطلاب العلم.