المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منثورات عماد الزبــن ، حوار مع صديقي النحوي ( الليلة الأولى )



عماد أحمد الزبن
06-05-2007, 19:30
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يوشح ذكره كل كلام ، وتعمر به قلوب الأنام ، والصلاة على نبينا العظيم والسلام ؛ ما استطار برق في أرجاء سحابه ،، واضطرب بحر بآذيّــه وعبابه ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى أصحابه أجمعين ، وعلى زوجاته الطاهرات ، أمهات المؤمنين والمؤمنات .
أمّــــا بعد :

فهذه جملة من المنثورات اللغوية ، تجمعت عندي منذ زمن ؛ واحتوتها كراريسي ، وهي ما استفدته من شيوخي
الأعلام ، وما قرأته في كتب العلماء، وما تجمع من مقروء ثقافي ونقاشات علمية وأبحاث لغوية ، إلا أنها كثيرة جدا ؛ لذلك سأقتصر ههنا على القليل منها ؛ روما للاختصار ، وسأنثيها لا على ترتيب معيّــن ، على وفق أسلوب التراكم المعرفي ، والآن أبدأ بالمقصود .

الليلة الأولى :

حد الاسم :

قال أبو بكر ابن السرج ( ت 316هــ ) : الاسم ما دلّ على معنى مفرد ، وذلك المعنى يكون شخصا وغير شخص . وعرفه أيضا بأنه : ما دل على معنى غير مقترن بزمان محصل ، ويعني بالمحصل : الماضي والحاضر والمستقبل .
قال عماد : وهذا حد غير مانع ؛ إذ يدخل فيه الحرف ، فالحرف يدلّ على معنى مفرد ، وغير مقترن بزمان محصل ، والحقّ أنّ ابن فضال ( ت 479هـ ) كان أقعد في تعريف الاسم ؛ إذ زاد على تعريف ابن السراج ما يطّرد معه الحد فقال :
الاسم : ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان محصل . وعرفه بعض النحاة بأنه : المستحقّ للإعراب ، وهذا حدّ غير مانع أيضا ؛ لدخول الفعل المضارع فيه ، وهذا عدم اطراد ؛ فإنه يوجد المعرف ( بكسر الراء ) ولا يوجد المعرف ( بفتح الراء ) .


قال صاحبي النحوي : فإن زدنا على التعريف السابق عبارة ( بالذات ) فيصير حد الاسم : المستحقّ للإعراب بالذات ، هل يكون مطردا منعكسا ؟
قال عماد : نعم ، يطرد وينعكس ؛ لأنه احترز باستحقاق الإعراب عن الحرف والفعل الماضي وفعل الأمر ، وبالذات عن الفعل المضارع ، لكنه لا يسلم من ثلمة الخفاء ؛ فتعريف الشيء بما هو أخفى منه ممنوع ، وتضييع لغرض الحد ،والخفاء هنا ، أننا ما لم نعرف أن الكلمة اسم ، لا نعرف أنها تستحق الإعراب بالذات .
وعرف الإمام ابن مالك ( 672هــ ) الاسم في ( التسهيل) بقوله : كلمة يسند ما لمعناها إلى نفسها أو نظيرها . قلتُ : هذا التعريف من باب الرسم .

أقسام الكلام :


قال صاحبي : لم زعمتم أن الكلام ثلاثة أقسام فقط ؟
قلت : لقد استقرى العلماء جميع الأشياء فوجدوها لا تخلو أن تكون ذاتا أو حدثا للذات أو واسطة بينهما ، فالاسم عبارة عن الذات ، والفعل عبارة عن الحدث ، والحرف عبارة عن الواسطة .
ولك أن تقول : وجدنا أننا نعبر بهذه الثلاثة عن جميع المعاني ، فقطعنا أن لا رابع لها .
أو أن تقول : الكلمة إما أن تصلح ركنا للإسناد أو لا ، الثاني : الحرف ، والأول ، إما أن يقبل الإسناد بطرفيه أو بطرف ، الأول : الاسم ، والثاني : الفعل .


قال صاحبي النحوي : لكن يرد على قولك : إن الاسم يقبل الإسناد بطرفيه ، أن من الأسماء ما لا يقبل الإسناد أصلا ، ومنها ما لا يقع إلا مسندا ، ومنها ما لا يقع إلا مسندا إليه .
قلت : سلمنا ، ولكن هذا قليل. والكلام باعتبار الغالب ، وقد أجمع أصحابنا على هذه القسمة .

قال صاحبي : كيف تدعى الإجماع ، وهناك من خالف ؟
قال عماد : المخالف هو أبو جعفر بن صابر ؛ فإنه جعل اسم الفعل قسما مستقلا
وسماه الخالفة ؛ والحق أن خلافه مطّرح عند النحاة كما أفاده ابن الوردي .


قال صاحبي النحوي : وما سبيل رد قالة أبي جعفر في كون اسم الفعل خارجا عن الأقسام الثلاثة الثابتة ، فإنها ليست أسماء ؛ لأنها تدلّ على معنى وزمانه ، ويستقلّ كلام بانفرادها ، وليست أفعالا ؛ لدخول التنوين و ( ألـ ) في قولك : صهٍ ، والنجاءك ، وليست بحروف بالدليلين ، فما جوابك ؟
قال عماد : أما قوله : إنّها تدلّ على معنى وزمانه ، فجوابه أنها تدلّ على لفظ ، وذلك اللفظ يدلّ على المعنى والزمان ، والمنفيّ عن الأسماء دلالتها على المعنى والزمان من غير واسطة ، ثمّ إنّ الاسم لا يدلّ على الزمان من حيث الصيغة ، وهذه كذلك . و أما قوله : ويستقلّ كلام بانفردها ؛ فلا ينفي اسميتها أيضا ؛ وذلك لأنها تدلّ على الأفعال فحسب ، والفعل لما لم يخل عن الفاعل ، انعقد الكلام ، فقولنا ( اكتب ) ، مفرد لفظا ، مركب تقديرا ، فكذلك أسماء الأفعال ؛ ولهذا لم يلتفت النحاة إلى خلاف أبي جعفر ، فتأمــل .


قال صاحبي : ماذا تقصد بأقسام الكلام ؟
قال عماد : أجزاء الكلام من جهة تركبه من مجموعها لا من جميعها .

قال صاحبي : لكن قولك ( أجزاء ) يقتضي ، ألا يوجد الكلام إلا إذا وجدت الثلاثة ، وهذا غير حاصل .
قال عماد : هذا الإيراد يسلم لو أريد بالأجزاء الأجزاء الحقيقية ، التي لا يصح تأليف المركب إلا بجميعها ، وليس هذا
مرادنا ، إنما نريد الأجزاء الاعتبارية العرفية في اصطلاح النحاة ، وهي لا يلزم من عدم بعضها عدم وجود ما هي جزء له .


قال صاحبي النحوي : فكيف تجيب عن الإمام ابن مالك في قوله : ( واسم وفعل ثم حرف الكلم ) ؛ إذ استعمل حرف
( ثم ) ولا معنى للتراخي بين الأقسام ؟
قال عماد : هذا صحيح من جهة الانقسام ، لا من حيث ذواتها ، ويصح بين الأقسام التراخي الرتبي من جهة الذوات ؛ فتكون ثم للتراخي الرتبي بينها من حيث الذوات.

قال صاحبي : سلمنا ، لكن ألا يكفي في الإشعار بانحطاط درجة الحرف عن قسيميه ، ترتيب الناظم لها في الذكر على حسب ترتيبها في الشرف ووقوعه طرفا ؟
قال عماد : الحق أن ( ثم ) أدلّ على ذلك ؛ لجواز تأخر الأشرف في الذكر ومثاله قوله تعالى ( لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ) ، وهذا الجواب عن الإمام .


قال صاحبي النحوي : عندي إشكال آخر في قوله : ( كلامنا لفظ مفيد كاستقم ) ، فهو لم يذكر التركيب والقصد في حد الكلام ؛ لأن الإفادة تستلزمهما ، لكن الحدود لا تتم بدلالة الالتزام ، فبماذا تجيب عنه ؟
قال عماد : التركيب والقصد داخلان في مفهوم المفيد ؛ فتكون الدلالة تضمنية لا التزامية ، والتضمنية غير مهجورة في
الحدود ، ثم لو سلمنا أنها دلالة التزامية فهجرها يكون في الحدود الحقيقية التي تكون بالذاتيات ، وهذا الحد ليس منها ، بل من الرسوم . لكن الحق أن هذا الجواب عن الإمام لا يتم إلا إذا سلم مما استظهره شيخ الإسلام في شرحه على إيساغوجي بقوله : إن الأمور الاصطلاحية حصلت مفهوماتها ووضعت أسماؤها بإزائها ؛ فليس لها معان غير تلك المفهومات فتكون حدودا ؛ لذلك فهذا الإشكال يعدّ من أمراض الألفية التي يعسر برؤها ؛ وابن مالك في التسهيل صرّح بالتركيب والقصد .


الفعل المضارع :


قال صاحبي : ما معنى مضارع ؟
قال عماد : ضارعه أي شابهه ، وأصلها إذا شرب الفصيل مع أخيه من ضرع الناقة ، قالت العرب ضارع أخاه ، والفعل المضارع شابه الأسماء في الإعراب .


قال صاحبي : على أية صفة تدل صيغة المضارع على الحال والاستقبال ؟
قال عماد : صيغة المضارع تدل على الحال والاستقبال إما للقدر المشترك بينهما ؛ فيكون اشتراكا معنويا ، وإما لخصوصيتهما ؛ فتكون إما حقيقة فيهما ؛ فيكون اشتراكا لفظيا ، أو حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر .أما كونه للقدر المشترك فممنوع ؛ لأن المشترك بينهما مفهوم الزمان ، ولو كان مفهوم هذه الصيغة مطلق الزمان لكان صوغها عبثا ؛ فإنه مستفاد من المصدر فبقي الاحتمالان ، واللفظ إذا دار بين المجاز والمشترك فالمجاز أولى .
والحق أنه لا يشغب على هذا السبر إلا أمر واحد ، وهو منع إطلاق الزمان في مفهوم صيغة المضارع ، فيصح تقييده بغير الماضي ، وهذا الأخير غير مستفاد من المصدر ، أعني دلالة صيغة المضارع على الزمان بقيد كونه غير ماض لا تستفاد من المصدر ، والحق أنني الآن متوقف في هذه المسألة .


قال صاحبي النحوي : الإمام عبد القاهر قال في ( المقتصد ) عن صيغة المضارع : إنها تكون في الحال ، ( أي حقيقة في الحال ) وأوقعت على المستقبل لضرب من التوسع ، وتسمية الشيء بما يؤول إليه . السؤال : كيف تكون حقيقة في الحال
وهي تقرن بقرينة تدل عليه ؟ والحقيقة لا تحتاج إلى قرينة ، فالعرب تقول : إنه ليكتب وتكتب الآن ، أجب عن الإمام .
قال عماد : مع توقفي ، يمكن أن يجاب عن الإشكال بعدّها من المؤكدات ، كقول العرب : أمس الدابر .

قال صاحبي : لكن التأكيد خلاف الأصل .
قال عماد : سلمنا ، لكننا صرنا إليه بدليل .

قال صاحبي : ليس ترك دليلي عملا بدليلك أولى من العكس .
قال عماد : لو عملنا بدليلك ؛ يعرى دليلنا عن الفائدة ، ولو عملنا بدليلنا يجوز حمل دليلكم على التأكيد ، وفي هذا جمع بين الدليلين ، مصحح للترجيح ، هذا جواب الإيراد على اختيار الإمام عبد القاهر .


باب ( لو ) :

قال صاحبي النحوي : كيف يستقيم قول النحاة : إن ( لو ) تفيد امتناع لامتناع ، مع قول سيدنا عمر ( رضي الله عنه ) : " نعم العبدُ صهيب لو لم يَخفِ الله لم يَعصِه "
قال عماد : اختلف العلماء في دلالة (لو)، وتشعبت فيها الأقوال، وحاصل ما ذكروه أن كلمة (لو) لتعليق حصول أمر ماضٍ ، وهو الجزاء، بحصول أمر مفروض فيه ، وهو الشرط ؛ لما بينهما من الدوران ، ومن قضية مفروضية الشرط، دلالتها على انتفائه قطعاً، أما دلالتها على انتفاء الجزاء، فبحسب ما بينه وبين الشرط من دوران، فإنْ كان ما بينهما من دوران كلياً أو جزئياً قد بني الحكم على اعتباره، فهي دالة على انتفاء الجزاء، لأن الجزاء تعلَّق بالشرط تعلُّق المعلول بالعلة، ويلزم من انتفاء العلة انتفاء المعلول، ومثال الدوران الكلي قوله تعالى: ( فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين )َ ، فإنّ وجود المشيئة علة لوجود الهداية، وقد انتفت العلة فانتفى المعلول، فـ ( لو ) هنا لتعليل انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط، ولذلك قيل: هي لامتناع الثاني لامتناع الأول، ومثال الدوران الجزئي: لو طلعت الشمس لوُجد الضوء، فالجزاء المتعلق بالشرط ليس وجود أي ضوء كان ، كضوء القمر المجامع لعدم الطلوع، بل وجود ضوء خاص ناشئ من طلوع الشمس ، ولا ريب في انتفائه بانتفاء الطلوع .
وهذا الدوران ، يشير إلى حصر مُسَببيَّة الثاني في سَببيّة الأول ، وهذا يلزم منه امتناع الثاني لامتناع الأول ، أما إذا بني الحكم على عدم الدوران بين الشرط والجزاء، بمعنى عدم انحصار مُسَببيَّة الثاني في سَببيّة الأول ، فلا يلزم فيه من امتناع الأول امتناع الثاني . ومثاله قول سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): نعم العبدُ صهيب لو لم يَخفِ الله لم يَعصِه ، فإن للجواب سبباً آخر غير الشرط ، وعليه فلا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء الجواب، ضرورة ألا يكون المعنى: أنه قد خاف وعصى .
وقد يساق الشرط بــ ( لو ) للاستدلال بانتفاء الثاني لكونه ظاهراً أو مسلماً، على انتفاء الأول لكونه متنازعا فيه، ومثاله قوله تعالى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) ، فإن الفساد لازم لتعدد الآلهة، فالشرط ملزوم والجزاء لازم ، ولا ريب في انتفاء اللازم ؛ فيتعين انتفاء الملزوم ، وفي هذا رد لقالة من ناطح النحاة وادعى أن (لو) لا تفيد الامتناع مطلقاً ، ورد على من يقول إنها تفيد امتناع الشرط ولا تقتضي امتناع الجواب .
وثمة استعمال آخر لـ (لو) ، وهو أن يقصد بها بيان استمرار شيء، فيُربَطُ ذلك الشيء بأبعد النقيضين عنه، ومثاله: لو أهانني لأكرمته، هذا لبيان استمرار وجود الإكرام، فإنّه إذا استلزم الإكرام الإهانة ، فكيف لا يستلزم الإكرام الإكرام .



قال عماد : والآن ، فقد تعبت يا صاحبي ، فنكمل الإملاء في ليلة قادمة ، إن شاء الله تعالى .
وكتب أبو المنذر عماد بن أحمد الزبــن .
بعمان / الأردن حرسها الله

قتيبة بن محمود الفارس
07-05-2007, 19:47
السلام عليكم سيدي ومولاي وقرة عيني الشيخ عماد ...
واللهِ الذي رفع السماء بلا عمد وبسط الرض بلا سند
وجعل فيها رواسي شامخات وأسقانا ماء فراتا ..
لو نقبنا أيما تنقيب تحت الأرض وفي أعماق البحار وفي أفواه البراكين لما وجدنا هذا الدر والياقوت..
سلمت يداك يا شيخ الأمس ، واليوم ، والغد حتى قيام الساعة...
فإنا - أبناءَ اللغة - طالما افتقدنا ذاك التمحيص والتدقيق على كل شاردة وواردة..
نسأل الله أن ينتفع بهذ العلم الجم جمهرة من أبناء المسلمين ...
وسلام الله عليكم سيدي ..
ولازلت بالخير موصولا ..

تلميذك : قتيبة بن محمود الفارس
أبو عبيدة...

عماد أحمد الزبن
08-05-2007, 12:24
أخي الشيخ المكرم قتيبة ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحق أنك جوزتني ما يليق بأخلاقك الطيبة من كلمات أنا دونها بكثير ، فجزاك الله خيرا ، وأنعم بمورد أنت من وراده .
ولا زلت بالخير موصولا أيها الأخ النابه .

عماد أحمد الزبن
08-05-2007, 12:35
الليلة الثانية :
بسم الله الرحمن الرحيم


اسم الفاعل :


قال صاحبي النحوي : متى يكون اسم الفاعل حقيقة ، ومتى يكون مجازا في دلالته؟

قال عماد : اسم الفاعل حقيقة باعتبار الحال اتفاقا ، مجاز باعتبار المستقبل قطعا ، وباعتبار الماضي فيه اختلاف الفحول من الأئمة ، وهذا كله إذا كان محكوما ، أما إذا كان محكوما عليه ؛ فإنه حقيقة مطلقا ؛ وإلا لامتنع الاستدلال بالنصوص المستقبلة ، باعتبار زمان الخطاب ، ولا قائل بامتناع الاستدلال ، والأصل عدم التجوز .

الخبر :

قال صاحبي النحوي : كيف نفهم الخبر إذا كان جملة إنشائية كقولهم : زيد اضربه؟

قال عماد : يجب أن يكون الخبر حالا من أحوال المبتدأ ، وأن تتقرر نسبة الخبر إلى مبتدئه ، وأن يرتبط به بوجه ؛ لذلك تؤول جملة الخبر ههنا بأنه مطلوب ضربه ، أو مقول في حقه لا على وجه الحكاية ، بل على معنى استحقاقه أن يقال فيه ذلك .

تعدد الخبر :


قال صاحبي النحوي : كيف تعرب ( يصلي ) في قوله تعالى : (وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي ) ؟
قال عماد : جعل بعض العلماء (يصلي) خبراً ثانياً، في أحد الوجوه، عند من يرى تعدده عند كون الثاني جملة .
وتعدد الخبر عند العلماء على ضربين: الأول تعدد في اللفظ والمعنى، وهذا الضرب يجوز فيه العطف وتركه، والثاني: تعدد في اللفظ دون المعنى. وضابط الأول صحة الاقتصار على واحد من الخبرين، نحو: زيد كاتبٌ شاعر، وضابط الثاني أنه لا يَصدق الإخبار ببعضه عن المبتدأ، نحو: هذا حلو حامض، وإنما المصحح لتعدد الخبر كونه حكماً، ويجوز الحكم على الشيء الواحد بحكمين فأكثر. وقد منع ابن عصفور في المقرّب تعدد الخبر من غير عطف إلا في الضرب الثاني، وخالفه العلماء في ذلك .
واشترط بعض العلماء في تعدد الخبر اتحاد الجنس، فلا يجوز مثلاً أن يكون أحدهما مفرداً والآخر جملة، واعتُرض بقوله تعالى: (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ) إذ جوّزوا كون (تسعى) خبراً ثانياً، قلتُ : وهذا الاعتراض لا يُسلّم؛ لجواز كون (تسعى) جملة صفة لـ (حية) ، والدليل إذا دخله الاحتمال ، سقط به الاستدلال .

في البدل :

قال صديقي النحوي: هل يشترط في البدل جواز طرح المبدل منه مطلقا ؟
قال عماد : اختلف العلماء في هذه المسألة ، فقرر بعضهم : أنه ليس من شروط البدل جواز طرح المبدل منه مطلقاً، ومنهم من ذهب إلى أنّ المبدل منه مُطَّرح؛ لأنّ الثاني سمي بدلاً لقيامه مقامه، ومنهم من قال إنه مراد غير مطرّح .
ودليل الفريق الأول أن البدل على نية استئناف عامل، فإذا قلت: قام زيد أخوك، فالتقدير: قام أخوك، فترك الأول، واستئناف كلام آخر، طَرْحٌ له، واعتماد على الثاني.
ودليل الفريق الثاني قول الشاعر:


إنّ السيوفَ غُدوَّها ورواحَها تركت فزارة مثلَ قَرْنِ الأَعْضَب

فقوله: تركت، لأنه عنى المبدل منه، وهو السيوف، فكيف يكون مطرحاً؟
قال عماد : ويرد على دليل الفريق الثاني، نصب بعض العلماء (غدوها) في البيت على الظرف، فيصير المعنى: وقت غدوها ، وهو احتمال وجيه يسقط البيت عن رتبة الدليل في المسألة.
ومن أدلة الفريق الثاني أيضاً، قول الشاعر:

وكأنه لَهِقُ السَّراةِ كأنه ما حَاجبيه مُعيَّنٌ بسَواد .
فقوله: حاجبيه، بدل من الضمير في (كأنه)، ولو أَهدر الضمير ما جعل لفظ (معيّن) مفرداً، ولقيل: معيّنان .
قال عماد : وهذا لا يستقيم الاستدلال به أيضاً؛ لأنّ من عادة العرب إفراد الخبر عن التثنية لفظاً، والمراد به التثنية، لا سيما فيما تلازم من الأشياء، ومنه قول الشاعر:

فكأَنّ في العينين حَبَّ قٌرَنْفُل أو سُنبلاً كُحلتْ به فانهلّتِ .
فالظاهر: كُحلتا، ولكنه أَفرَدَ لتلازم العينين .
وكذلك يرد على الفريق الأول قولهم: زيد أكرمت أباه عمراً، فلو طرح المفعول، وهو المبدل منه، بقيت الجملة بلا راجع، وهو ممتنع. وقد حاول بعض العلماء رد هذا الدليل بتخريج غريب فقال: المانع اتصال الضمير وهو عارض، ومقتضى الطبيعة قد لا يَظهر لمعاوق كالحروف المكفوفة. انتهى. وهذا القياس المنطقي، إن سُلِّم، فهو مصحح لنفي إطلاق اطّراح المبدل منه، ، وأنا أميل إلى هذا الرأي .

فعل الأمر :

قال صاحبي النحوي : كيف تعرب كلمة زوج في قوله تعالى : ( اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) ؟
قال عماد : هذه مسألة في عمل فعل الأمر في غير ضمير المخاطب كما في قوله تعالى: ( اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) ، فجعل (زوجك) معطوفة على فاعل اسكن، يعني أن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه، وقد اختلف العلماء في عمل فعل الأمر في غير ضمير المخاطب، فمنعه بعضهم، وجعل (زوجك) مرفوعة بفعل محذوف دلّ عليه الموجود ، بمعنى: (ولتسكنْ زوجك)، وأجاز بعضهم عمل فعل الأمر في غير ضمير المخاطب ، والخلاف دائر ، وأنا أميل إلى الرأي الأول .
وزن أشياء :

قال صاحبي : ما وزن كلمة ( أشياء ) عندك ؟
قال عماد : (أشياء) : هو اسم جمع على رأي الخليل وسيبويه وجمهور البصريين، أصله شيئاء، بهمزتين بينهما ألف، فقلبت الكلمة بتقديم لامها على فائها، فصار وزنها لَفْعاء، ومنعت الصرف لألف التأنيث الممدودة. وقيل هو جمع شَيْء، على أنه مخفف من شَيّء، كهَيْن مخفف من هيّن، والأصل أشيئاء، بزنة أفعلاء، فاجتمعت همزتان، لام الكلمة والتي للتأنيث، إذ الألف كالهمزة، فخففت الكلمة بأن قلبت الهمزة الأولى ياء لانكسار ما قبلها، فصارت أشيياء، فاجتمعت ياءان، أولاهما عين الكلمة، فحذفت تخفيفاً، فصارت أشياء، ووزنها أفلاء، ومنعت الصرف لألف التأنيث. وقيل إنما حذفت من أشيياء، الياء المنقلبة من الهمزة، التي هي لام الكلمة، وفتحت الياء المكسورة لتسلم ألف الجمع، فوزنها أفعاء .
أما القول: إنّ وزنها أفعاء، والأصل أفعلاء فمذهب الكوفية، ومذهب بعض البصريين أيضاً، قال عماد : وهو قول مرجوح ؛ لأن قولهم : إنّ أصل شيء شيّء، دعوى بلا دليل، ولم يجىء هذا في كلام العرب، كما تجده في هيّن وسيّد، فقد شاع استخدام التشديد لأنه الأصل .
وقولهم إنّ أشياء في الأصل أفعلاء، فلو صح هذا لامتنع جمعها على (فَعالى)؛ إذ ليس في كلام العرب أفعلاء جُمع على فَعَالى، وقد جمعتها العرب على (أَشَاوى)، فجواز هذا الجمع يدل على بطلان مذهب الكوفية، ومن الأدلة على بطلان هذا القول، أنهم صغّروا أشياء على لفظها فقالوا: أَُشَيَّاء، وأفعلاء لا يصغّر على لفظه، إنما يردّ إلى الواحد ويجمع بالألف والتاء فيقال: (شُيَيْئات)، وذلك لأن أفعلاء من أبنية الكثرة، والتصغير قلة فتناقضا .
وذهب بعض العلماء إلى أن أشياء جمع شيء، كأبيات جمع بيت، فهي على وزن أفعال، منع صرفه توهماً أنه كحمراء، مع أنه كأسماء، وقد استبعد العلماء هذا الرأي؛ لأنه ليس من دأب العرب منع الصرف بلا سبب، ولأن الحمل على التوهم مع وجود مَحْمِل صحيح ممنوع ؛ لذلك فأنا أميل إلى رأي جمهور البصريين .

هاء السكت في فعل الأمر :

قال صاحبي النحوي : لماذا اشترط النحاة هاء السكت في فعل الأمر في مثل : ( عِ ) من وعى ؟
قال عماد : إنما اشترط النحاة ( رضوان الله عليهم ) ذلك في الوقف حسب ، وأجازوا ذلك في غيره ؛ لأنه لا بدّ من حرف يبتدأ به وحرف يوقف عليه ، والعرب إنما تبتدئ بالمتحرك ، وتقف على الساكن ، فلو لم تزد الهاء لأدى ذلك إلى أن يكون حرف واحد ساكنا متحركا ، ولا يخفى أنه محال .

قال عماد : والآن ، فقد تعبت يا صاحبي ، فنكمل الإملاء في ليلة قادمة ، إن شاء الله تعالى .
وكتب أبو المنذر عماد بن أحمد الزبــن .
بعمان / الأردن حرسها الله
__________________


إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله

عماد أحمد الزبن
08-05-2007, 21:00
الليلة الثالثة :

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة في الاسم المؤنث :

قال صاحبي النحوي : الاسم المؤنث إذا سمي به مذكر ، هل يجوز تأنيث فعله عندك ؟
قال عماد : لم يجز البصريون ذلك ، وأجازه الكوفيون ، فجاز عندهم نحو: قالت الخليفة ، والرأي عندي ما قاله البصريون ؛ صيانة لجناب المعنى .
توجيه قراءة :

قال صاحبي النحوي : قرئ قوله تعالى : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ) برفع الهاء ونصب الهمزة ، ما تخريج هذه القراءة ؟
قال عماد : نسب الخزاعي هذه القراءة إلى الإمام أبي حنيفة ( رضي الله عنه ) ، وقال في النشر : إن أبا حنيفة لبريء منها ، كذا في الدرّ . وقال أبو حيان في البحر : رويت هذه القراءة عن سيدنا عمر بن عبد العزيز ( رضي الله عنه ) ، وراح العكبري ( رحمه الله ) يتكلف تخريجها في إعراب الشواذ ، فجعل الخشية بمعنى التعظيم ، فيكون المعنى : إنما يعظم الله من عباده العلماء .
وهذا تخريج من حيث الدراية ، بحمل الخشية على الغاية ؛ لأن الخشية لا تصح إضافتها إلى الله تعالى باعتبار المبدأ .
قال عماد : والحق عندي أن هذا تكلف غير سائغ ؛ لأن الخشية لا تستلزم التعظيم ، لا عقلا ولا عرفا ، أما عقلا فظاهر ، وأما عرفا ؛ فلأن الخشية تكون من توقع شر من المخشي منه ، وهذا لا يستلزم تعظيما ، والجواب أنها رواية مطّــرحة .

المفعول له :

قال صاحبي النحوي : لــمَ جاز حذف اللام من المفعول له ، ولم يجز حذف الواو من المفعول معه ؟
قال عماد : تمعن يا صاح في حكمة النحاة ، التي ما نازعهم فيها منازع ؛ إلا بهت وجهه ، جاز ذلك من قبل أن الفعل إنما يقع لغرض ؛ إذ كل فعل مقصود ، فلا بد من أن يقع لأمر ، وليس كذلك سبيل الفعل مع المفعول معه ؛ إذ إن الفعل المقصود لا يقتضي مصاحبة كما يقتضي غرضا .
جواب ثان : واو المفعول معه نقلت من العطف إلى باب ( مع ) ، فلا تحتمل النقل والحذف ؛ لأنه إجحاف ؛ ففارقت اللام . فتأمـــل .

توجيه حديث :

قال صاحبي: كيف جاز أن يعرى جواب القسم عن قد أو اللام مع كونه فعلا ماضيا في حديث رسول الله
(صلى الله عليه وسلم ) : " والذي نفسي بيده وددت ... ) ؟
قال عماد : روّينا هذا الحديث فيما أجزنا به عن شيوخنا عن الإمام البخاري ( رحمه الله ) عن شيوخه عن سيدنا أبي هريرة ( رضي الله عنه ) أن رسولنا ( صلى الله عليه وسلم) قال : " والذي نفسه بيده وددت أني لأقاتل ... الحديث .
وهذا مشكل ؛ لأنّ جواب القسم إذا كان فعلا ماضيا ، لزم اقترانه بــ ( قد ) أو اللام ، ولا يعرى عن قد واللام إلا في معرض استطالة ، والفعل الماضي هنا عري عن قد واللام دون استطالة ، وهذا لا يوجد إلا في ضرورة ، كما أفاده شيخ أئمتنا ابن مالك ، ومنه قول الشاعر :

تالله هان على السالين ما دهيت = به نفوس أبت إلا الهوى دينا
ومن أمثلة ما جاء من ذلك في كلام مستطال ، قول الباري جل ذكره ( والسماء ذات البروج ، واليوم الموعود ، وشاهد ومشهود ، قتل أصحاب الأخدود ) .
ولا شكّ في أن الحديث ، بهذه الرواية ، فيه غرابة من الجهة النحوية ، ومخالفة صريحة للقياس النحوي ، وهذا من جرا الرواية بالمعنى ، والله أجل وأعلم .


توجيه بيت من الشعر :

قال صاحبي النحوي : ما معنى قول ليلى الأخيلية في صاحبها توبة :

أقسمت أبكي بعد توبة هالكا = وأحفل من دارت عليه الدوائر
قال عماد : قولها ( أقسمت أبكي ) أي : لا أبكي ، كما أفاده إمامنا الهمام أبو القاسم الزجاج في أماليه .
فمن عادة العرب أن تضمر ( لا ) في القسم بثلاثة شروط : كون الفعل مضارعا ، وكونه جواب قسم ، وكون النافي ( لا ) ، ومن ذلك قول الباري جل ذكره ( تالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ) ، وأصلها : لا تفتأ ، ومنه قول شيخ شعراء الجاهلية امرئ القيس:

فقلت يمين الله أبرح قاعدا = ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي .

قال صاحبي النحوي : على أي شيء ترفعون كلمة ( هند ) في قول الشاعر :

إنّ هنــدُ الجميلةَ الحسناءَ = وأي من أضمرت لخلّ وفاء
قال عماد : هذا البيت ليوسف بن أحمد الصقلي ، وتخريجه : أن الهمزة المكسورة في ( إنّ ) ههنا فعل أمر من الفعل
( وأى ) بمعنى وعد ، والنون المشددة بعدها نون توكيد ، وهند : منادى بني على ما يرفع به ، والجميلة : نعت لها على المحل .

اللام المزحلقة :

قال صاحبي النحوي : لم أدخلت اللام على خبر ( إنّ ) من بين سائر أخواتها ؟
قال عماد : لأن ( إنّ ) لم تغير معنى الابتداء كما غيرته أخواتها ، وهذه اللام في الأصل لام ابتداء تفيد التوكيد ، و ( إن ) تفيد التوكيد ، فكرهوا اجتماع مؤكِّدين في محل واحد ، فزحلقوا اللام إلى الخبر لتؤكده كما وكدت ( إنّ ) الجملة .

قال صاحبي النحوي : ولماذا كانت اللام أولى بالتأخير ؟
قال عماد : لأنها غير عاملة . وتقديم العامل أولى .
أفعل :

قال صاحبي النحوي: كيف تعرب ( أمدا ) في قوله تعالى : (أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً )؟
قال عماد : أحصى ههنا فعل ماض ، ولا يجوز أن تكون من باب التفضيل ، وأمدا : منصوب على المفعولية ؛ لأن شرط التمييز المنصوب بعد أفعل ؛ كونه فاعلا في المعنى ، والأمد ههنا ليس محصيا بل محصى ، وما ذكره أبو البقاء ( رحمه الله ) في كتابه بخلاف ذلك ، فمن الشاذ غير السائغ ، فتأمل .

الواو :

قال صاحبي النحوي : في قوله تعالى : (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) ما نوع الواو في ( وإنه لفسق ) ؟
قال عماد : هذه الواو للحال ، فيصير المعنى : لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ، في حال كونه فسقا ؛ فإن الحال قيد في عاملها ، وصف لصاحبها ، فيكون تحريم أكل لحم متروك التسمية عند الذبح ، مقيدا وليس مطلقا . بمعنى أن النهى في الآية مقيد لا مطلق ، ومفهومه جواز الأكل إذا لم يكن فسقاً، والفسق مفسَّر بقوله تعالى: ( أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ) ، وعليه؛ فتحمل الآية على جواز أكل ما لم يسم عليه غير الله. وهو مذهب الشافعية. وفي هذا رد على من قال بحرمة أكل متروك التسمية مطلقا ، أو بحرمة أكل متروك التسمية عمدا ، وهو مذهب الحنفية .

قال صاحبي النحوي : ولماذا لم تجعل الواو في الآية عاطفة ؛ فيصح مذهب الحنفية فيها ؟
قال عماد : يمنع من ذلك تخالف الجملتين بالإنشاء والخبر .

قال صاحبي النحوي : ولماذا لا تعدها من باب الاستئناف ؟
قال عماد : هذا خلاف الأصل ؛ لأن الأصل بالواو أن تربط ما بعدها بما قبلها .

قال صاحبي النحوي : يَرِدُ على كونها حالا، التوكيد بـ (إنّ) واللام في قوله تعالى( وإنه لفسق ) ؛ لأن هذه المؤكدات تحسن فيما قُصد الإعلام بتحققه البتة، والحال ههنا واقعة في النهي، وقد تقرر أن الحال الواقعة في الأمر والنهي مبناها على التقدير، فوقع التنافي ، فما جوابك عن الشافعية ؟
قال عماد : يجاب عن هذا الاعتراض، بأن جهة التأكيد غير جهة التقدير؛ فلا يقع التنافي، وذلك أن التحقق الناتج عن التأكيد منصب على حكم هذا النوع من الفسق، وهو ما أُهلّ لغير الله به، وهذا مناسب للحكم، أما التقدير فمنصب على كون المأكول من هذا النوع الذي قد تحقق حكمه أو لا، فكأنه قيل: لا تأكلوا منه إذا كان من هذا النوع من الفسق الذي الحكم فيه متحقق ، والحق أنّ الحنفية مضطرون في هذه الآية .

وكلّم الله موسى :


قال صاحبي النحوي : هل يسلم لأهل السنة احتجاجهم على المعتزلة في مسألة الكلام بقوله تعالى ( وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً ) من الجهة اللغوية ؟
قال عماد : الحق عندي أن الاحتجاج بهذه الآية عليهم لا ينهض من الجهة اللغوية ، فمن رد عليهم جعل ( تكليما ) مصدرا مؤكدا رافعا لاحتمال المجاز ؛ ليثبت بذلك أن الله تعالى كلم سيدنا موسى ( عليه السلام ) على الحقيقة ؛ لأنه لا يقع المجاز مع التأكيد .
ورد ذلك من وجهين: الأول أنّ هذا المصدر لتأكيد الفعل، لذلك جعل سيبويه (ت180هـ) هذه المصادر المؤكدة بدلاً من اللفظ بالفعل. ومن هنا ضُعّف قول من قال: إنّ فائدة هذه المصادر، رفع المجاز عن الفاعل ، فإذا سُلّم هذا، فقوله تعالى (كلّم الله) يحتمل مجازين أحدهما: إطلاق الكلام على الوحي، أو على أي صورة غير الكلام الحقيقي، والثاني: إطلاق لفظ الجلالة (الله) على أمره، بمعنى أنّ الله تعالى أمر أن يُكلّم موسى، فإذا أريد رفع المجاز عن الأول جيء بالمصدر (تكليماً)، وإذا أريد رفع المجاز عن الثاني جيء بالتوكيد المعنوي، فمبلغ ما في قوله تعالى (تكليماً) أنه يدل على وقوع الفعل حقيقة، ولكن ليس ثمة تعرّض لتأكيد الفاعل ، والمعتزلة تقول بوقوع الفعل على الحقيقة في هذه الآية، فلا تشاجر معهم في ذلك ، وإنما تتمّ الحجة عليهم برفع المجاز عن الإسناد لا عن الحدث المطلق. الوجه الثاني: لكي يتم استدلال أهل السنة بالآية، فيجب على الخصم أن يسلّم له بأنه لا يصح المجاز مع التوكيد، وهذا أمر لا يسلّم بالإطلاق، فقد عقد بعض العلماء فصولاً في المجاز الذي وكدته العرب كما وكدت الحقيقة، واحتج هؤلاء بنصوص القرآن وأشعار العرب. ومنه قوله تعالى: ( وَمَكَرْنَا مَكْراً ) إذ حمل أهل السنة المكر ههنا على الهلاك. أي: أهلكناكم إهلاكاً غير معهود ، وهذا مجاز قد أُكّد في الآية الكريمة بالمصدر . وعندنا ، معاشر أهل السنة، من الأدلة في هذه المسألة ، ما يغني . والحمد لله على إنصاف أهل السنة ، وتحريهم الحق والعدل والحكمة في كل أقوالهم .

قال عماد : والآن ، فقد تعبت يا صاحبي ، فنكمل الإملاء في ليلة قادمة ، إن شاء الله تعالى .
وكتب أبو المنذر عماد بن أحمد الزبــن .
بعمان / الأردن حرسها الله .

عماد أحمد الزبن
09-05-2007, 19:07
الليلة الرابعة :
بسم الله الرحمن الرحيم

توجيه حديث شريف :

قال صاحبي النحوي : كيف تقرأ كلمة ( يرحمكم ) في الحديث الشريف : " الراحمون يرحمهم الرحمن .... الحديث ؟
قال عماد أبو المنذر : هذا الحديث الشريف روّيناه مسلسلا بهذا السند :
حدثنا شيخنا العلامة المحدث الفقيه المؤرخ الأديب الأريب أبو مصعب محمد سعيد بن نجيب بن محيي الدين البادنجكي النبهاني الحسيني الحلبي الندويّ الشافعيّ من لفظه وثبته ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني الأستاذ العلامة ، المسند المعمر ، الشيخ محمد الشاذلي بن محمد الصادق بن محمد الطاهر النيفر التونسيّ المالكي ، من لفظه وثبته ( وهو أول حديث سمعته منه ) قال : حدثني الشيخ أبو حفص عمر بن حمدان بن عمر المحرسيّ التنوسيّ المدني المالكي ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني أبو اليسر فالح بن محمد المدني ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي الخطابي المستفاغيّ السنوسيّ ( وهو أول حديث سمعته منه) قال : حدثني الشيخ أبو حفص عمر بن عبد الكريم بن عبد الرسول العطار المكي الشافعي ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني أبو الحسن علي بن عبد البر بن إبراهيم الونائي المصري المكي الشافعي ( وهو أول حديث سمعته منه ) قال : حدثني الشيخ إبراهيم بن محمد النمرسيّ المغربي المصري ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني الشيخ عيد بن عليّ الأزهري النمرسيّ البرلّسي الشافعي ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني الشيخ عبد الله بن سالم بن محمد البصري المكي الشافعي(وهو أول حديث سمعته منه) قال : حدثني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علاء الدين البابلي المصري الشافعيّ ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني الشيخ الشهاب أحمد بن محمد بن أحمد السعودي المصري الحنفي الشهير بابن الشلبي ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني الشيخ الجمال يوسف بن زكريا بن محمد الأنصاري المصري الشافعي ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني الشيخ أبو الفتح إبراهيم بن علي بن أحمد القرشي القلقشنديّ الشافعي ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن محمد المقدسي ثم القاهري المعروف الواسطي ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني الشيخ الصدر أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الخطيب البكريّ الميدوميّ المصري ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني الشيخ المسند أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم بن علي بن الصيقل الحنبلي ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : حدثني الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الشهير بابن الجوزي البغدادي الحنبلي ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : ثنا أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك النيسابوري ، من لفظه وكتابه ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : أنا والدي أبو صالح أحمد بن عبد الملك بن علي الحافظ المؤذن ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : ثنا الأستاذ أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزياديّ ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : ثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزاز ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : ثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ( وهو أول حديث سمعته منه ) ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال :قال النبيّ ( صلى الله عليه وسلم ) : " الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ، ارحموا من في الأرض ، يرحمكم ( بسكون الميم ) من في السماء " اهـــ
قلت : هذا الحديث صححه جماعة من النقدة والحفاظ ، وتضعيفه من التشدد البغيض ، وللحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي
( رحمه الله ) بحث شائق فيه ، من حيث الدراية والرواية ، وينظر لذلك أيضا : العجالة في الأحاديث المسلسلة ،والإمتاع بالأربعين المتباينة السماع ، والأربعون العشارية ، وغيرها .
أقول : فمن رواه على الرفع فعلى سبيل الاستئناف البياني ، فتكون الجملة بهذا دعائية ، ومن رواه بالجزم ؛ فلأنه وقع في جواب الأمر ، والوجهان عندي سائغان من جهة القياس النحوي ، وقد نص غير واحد على أن الرفع أقوى من الجزم رواية ، وإنّــما سمعته من شيخي بالجزم والوجهان سائغان كما أسلفت . والله أجلّ وأعلــم .

توجيه بيت :

قال صاحبي النحوي : ما وجه الرفع بالتنوين في كلمة ( مـطر ) ، في قول الشاعر :

سلام الله يا مطرٌ عليها = وليس عليك يا مطر السلام
قال عماد : هذا البيت للأحوص بن محمد ، ومطر : منادى مفرد ، ونونه ضرورة .
وههنا بحث : اختار الخليل وسيبويه والمازني ( رحمهم الله تعالى ) أن ينونوه مرفوعا ، وحجتهم أنّــا لمّـا اضطررنا إلى تنوينه نوناه على لفظـه ، وإلى هذا يذهب الفراء ( رحمه الله ) ، واختار أبو عمرو بن العلاء ، ويونس بن حبيب ، وعيسى بن عمر ، والجرمــيّ ( رحمهم الله تعالى ) ؛ فينشدونه : سلام الله يا مطرا عليها.... بالنصب والتنوين ، ويجعلون التنوين رادا له إلى أصله ، وأصله النصب .
وذهب الإمام الزجاج ( رحمه الله تعالى ) مذهب الخليل في هذه المسألة ، وتلخيص ذلك : أن الاسم المنادى المفرد العلم مبني على الضم ؛ لمضارعته عند الخليل للأصوات ، وعند غيره لوقوعه موقع المضمر ، فإذا لحقه التنوين في ضرورة الشعر ، فالعلة التي من أجلها بني قائمة بعد ؛ فينــوّن على لفظه . كذا في الأمالي .
وقال إمام فننا ابن مالك ( نور الله مرقده وفي جنات الفردوس أرقده ) : إنّ بقاء الضم راجح في العلم لشدة شبهه بالضمير ، مرجوح في اسم الجنس لضعف شبهه بالضمير . وفي تلخيص الإمام ابن مالك غاية المرام ، رحم الله هؤلاء الأئمة الأعلام .

معنى لغوي :

قال صاحبي النحوي : ما الجبين عند العرب ؟
قال عماد : قال ابن أيبك الصفدي في التصحيح : والعامة تقول : الجبين ، لما يسجد عليه الإنسان ، والصواب أنه الجبهة ، والجبينان ما يكتنفانها .

كيت وكيت :

قال صاحبي النحوي : متى تقول العرب : كيت وكيت ؟
قال عماد : هذه يخطئ فيها أكابر الخواص ، فالعرب تكني بــ ( كيت وكيت ) عن الأفعال ، فيقولون : كان من الأمر كيت وكيت ، وتكني بــ ( ذيت وذيت ) عن المقال ، فيقولون : قال : ذيت وذيت ، ويكنون بــ ( كذا وكذا ) عن مقدار الشيء وعدّتــه ، فيقولون : قال فلان من الشعر كذا وكذا بيتا ، واشتريت كذا وكذا كتابا .
نكتة : عند الفقهاء ، إذا قال من له معرفة بكلام العرب : لفلان عليّ كذا كذا دينارا ؛ ألزم له أحد عشر دينارا ؛ لأنه أقل الأعداد المركبة ، وإن قال : له علي كذا وكذا دينارا ، ألزم واحدا وعشرين دينارا ؛ لكونه أول مراتب الأعداد المعطوفة ، فالمقرّ بالشيء المبهم لا يلزم إلا أقلّ ما يحتمله إقراره . فتأمــل .

عند ولدن :

قال صاحبي النحوي : ما الفرق بين عند و لدن ؟
قال عماد : إن لدن في الأصل ظرف بمعنى أول غاية زمان أو مكان أو غيرهما من الذوات ، وهي ليست مرادفة لـ (عند) إذ قد تكون (لدن) فضلة، وبعضهم يخصها بظرف المكان ، وقالوا : وتضاف إلى صريح الزمان، وأكثر ما تضاف إلى المفردات، وقد تضاف إلى (أن) وصلتها، وقد تضاف إلى الجملة الاسمية، وإلى الجملة الفعلية، وقلما تخلو من (من) .
ومن الفروق بينها وبين (عند) ، أن (عند) معربة ولدن مبنية عند الأكثر، قال عماد : وأما قول بعض المفسرين : ولا تقطع عن الإضافة بحال، فليس كذلك، إذ قد تقطع عن الإضافة لفظاً ومعنىً إذا انتصبت بعدها كلمة (غُدوة)، كما في قول الشاعر:

فما زال مُهري مَزجَرَ الكلب منهمُ = لدن غُدوةً حتى دَنَتْ لغُروب .

إذا أعيدت النكرة :

قال صاحبي النحوي : إذا أعيدت النكرة ، متى تكون عين الأولى ؟
قال عماد : إذا أعيدت النكرة معرفة ؛ فالثانية عين الأولى ومثاله قوله تعالى : ( كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) ، فالرسول واحد ، وإذا أعيدت النكرة بلفظها فهي غير الأولى كقولك : سلمت على رجل وأكرمت رجلا . والمعرفة إذا أعيدت بلفظها فهي عين الأولى ؛ دلالة على المعهود ، ومنه قوله تعالى : ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) ؛ لذلك جاء في الحديث : " لن يغلب عسر يسرين " .

الاستعارة :

قال صاحبي النحوي : هل تجري الاستعارة في الأعلام ؟
قال عماد : لا تجري الاستعارة ، عند العلماء ، في الأعلام إلا نادرا ؛ لأنها تقتضي إدخال المشبه في جنس المشبه به ؛ والعلم ينافي الجنسية . وأجاب بعض المتأخرين بما حاصله أن الاستعارة لا تقتضي تأويل الجنس ، بل إدخال المشبه في جنس المشبه به ، ادعاء لا حقيقة ؛ إذا كانت في اسم جنس ، أو جعله عين المشبه به ؛ إذا كانت في العلم ، فإذا سلّم ؛ فإنه يمكن ادعاء الجنس والتأويل في العلم ، وذلك بادعاء وضع العلم بإزاء ذات تلك الصفة ، المطلوبة مطلقا ، لا بشخصه ، غاية الأمر أن اسم الجنس له جنسية في الواقع ؛ فيدعى له جنسية أخرى فوقها ، بخلاف العلم فإنه شخص ، ويدعى له جنسية ، وهذا لا يقتضي فسادا .
قال عماد : لكنّ العلم بهذا الاستظهار يعرى عن التشخص ، وهو المقتضي للحكم في رأس المسألة . فتأمــل .

لفظ العام :

قال صاحبي النحوي : إذا أطلق لفظ العام على الخاص ، لا باعتبار خصوصه ، بل باعتبار عمومه ، فهل هذا من باب الحقيقة أو المجاز ؟
قال عماد : الصحيح أنه ليس بمجاز عند المحققين ؛ لأنه استعمل فيما وضع له ، وهذا بحث دقيق يشتبه على الكثيرين ؛ إذ يتوهمون أنه مجاز باعتبار ذكر العام وإرادة الخاص ، ومنشأ الوهم ، عدم التفريق بين ما يقصد باللفظ من الإطلاق والاستعمال ، وبين ما يقع عليه باعتبار الخارج أفاده السعد وهو غاية في الدقة .

معنى الحرف عند النحاة :

قال صاحبي النحوي : ما معنى قول السادة النحاة في تعريف الحرف : ما دلّ على معنى في غيره ؟
قال عماد : اعترض بعض الفضلاء ذلك بقولهم : إذا كان الحرف إنما يدلّ على معنى بغيره لا بنفسه ؛ فيخرج عن كونه موضوعا ؛ لأن قولهم : الحرف ما دلّ على معنى في غيره ، يفهم منه أنه مشروط في دلالته على معناه الإفرادي بذكر متعلقه .
قال عماد : وهذا لا يسلّم ، لأن معنى قول النحاة : ( الحرف ما دلّ على معنى في غيره ) أنه يدل بنفسه على معنى ثابت في لفظ غيره ، وصرح الشريف الرضي بأن المراد بثبوت معنى الحرف في لفظ غيره ، كون الحرف موجدا لمعناه في لفظ غيره ، وأن يكون ذلك اللفظ متضمنا للمعنى المدلول الذي أحدثه فيه الحرف مع دلالته على المعنى الأصلي ، فرجل : متضمن لمعنى التعريف الذي أحدثته به اللام المقترنة به ، وكذا : أضرب زيد؟ متضمن لمعنى الاستفهام؛ لأن ( ضرب زيد ) مستفهم عنه ، وفي هذا رد اعتراض السيد أيضا . فتأمـل .

قال عماد : والآن ، فقد تعبت يا صاحبي ، فنكمل الإملاء في ليلة قادمة ، إن شاء الله تعالى .
وكتب أبو المنذر عماد بن أحمد الزبــن .
بعمان / الأردن حرسها الله .

حمزة أحمد عبد الرحمن
10-05-2007, 00:35
سلّمك الله سيدي ابا المنذر
وجعله في ميزانكم

عماد أحمد الزبن
10-05-2007, 12:13
سلمك الله أخي الحبيب ، وجعلك من الأئمة المهديين

عماد أحمد الزبن
10-05-2007, 12:53
الليلة الخامسة :

بسم الله الرحمن الرحيم

الرد على المعتزلة :

قال صاحبي النحوي : ما نوع اللام في قوله تعالى : (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ )؟ وما موقف المعتزلة من هذه الآية؟
قال عماد : جعل بعض علماء أهل السنة قوله تعالى (لِتَصْغَى) علة لفعل محذوف يدل عليه المقام، أي: ولكون ذلك جعلنا ما جعلنا، أو علة أخرى للإيحاء، معطوفة على (غروراً) في قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً )، على أنّ (غروراً) مفعول له، وخطّأ هؤلاء العلماء المعتزلة ؛ لأنهم جعلوا اللام في (لتصغى) لام العاقبة، أو لام القسم، أو لام الأمر. وهذا الوجه الذي قرره بعض علماء أهل السنة ، سبيل إلى إثبات المعتقد في أن كفر الكافر غير خارج عن إرادة الله تعالى، وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر، وتقدير الآية: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من شياطين الإنس والجنّ، ومن صفته أنه يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، وإنما فعلنا ذلك لتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون، أي: إنما أوجدنا العداوة في قلوب الشياطين الذين من صفتهم ما ذكرناه ليكون كلامهم المزخرف مقبولاً عند هؤلاء الكفار . ولما اضطر المعتزلة في هذه الآية ؛ ذلك أنهم لا يجيزون نسبة خلق القبائح إلى الله تعالى، ومن ثم فلا يعللون بها أفعاله تعالى، قالوا: إنّ اللام للعاقبة أو للقسم أو للأمر ، ، وسأذكر وجوه الضعف فيما ذهبت إليه المعتزلة.
الوجه الأول: قالوا: إنّ اللام في (لتصغى) لام العاقبة ، أي: ستؤول عاقبة أمرهم إلى هذه الأحوال المذكورة في الآية، وجواب هذا الوجه أن الإمام الزمخشري نفسه، وهو المعتزلي، جعل لام العاقبة لام العلة، إلا أنّ التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة ، فالحمل عليها حمل على المجاز، والحمل على (كي) حمل على الحقيقة، وهذا الأخير أولى .
الوجه الثاني: قالوا: إنّ اللام للقسم، كسرت لمّا لم يؤكد الفعل بالنون، ورُدّ بأنّ النون حذفت ولام القسم باقية على فتحها، كما في قول الشاعر:

لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم = لََيَعْلَمَُ ربي أنَ بيتيَ واسع
بفتح لام (ليعلم) . والاكتفاء باللام في المضارع الواقع جواباً للقسم؛ اختلف العلماء في جوازه، وقد منعه البصريون .
الوجه الثالث: قالوا: إن اللام لام الأمر، وردّه بعض العلماء بأنْ لو كانت اللام للأمر، ما ثبت حرف العلة معها، وهذا الرد فيه نظر، وتدفعه القراءة المتواترة: (إنه من يتقي ويصبر) . بياء في الوصل والوقف ، ولكن قد يدفع هذا القول بأن يقال: إنّ الواو في (ولتصغى) تقتضي تعلّقه بما قبله، فحمله على الابتداء بعيد . فيبقى بعد هذا السبر الوجهان اللذان سبق عرضهما ، وهما أن تكون (ولتصغى) علة أخرى للإيحاء معطوفة على (غروراً)، أو علة لفعل محذوف يدل عليه المقام، كما سبق .
وفي الوجه الأول تجاول ونقاش :
قال عماد : قد يرد على من اختار الوجه الأول، أنّ الغرض من الإيحاء هو التغرير، كما في الآية، وقوله تعالى: (ولتصغى إليه... ) عين التغرير لا معنى التغرير، فإذا عطف على الأول، أعني: غروراً، كان المعطوف عين المعطوف عليه، وهو ممتنع ؛ ولذلك قد يكون الوجه الثاني أرجح من غيره .

توجيه آية :

قال صاحبي النحوي : في قوله تعالى: ( الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ) . لما كان التخفيف مقيداً بالظرف (الآن)، وكان العلم معطوفاً على التخفيف، كان العلم بضعفهم مقيَّداً بالظرف أيضاً كما قيد التخفيف ، والتسليم بهذا مصير إلى اعتقاد نفي أزلية العلم بحق الله تعالى، وأنه يستفيد العلم بالشيء عند كونه وحدوثه، فما الجواب عن ذلك ؟
قال عماد : اعتقاد نفي أزلية العلم بحق الله تعالى، وأنه يستفيد العلم بالشيء عند كونه وحدوثه، أمر نعتقد فساده ؛ وأهل السنة يعتقدون أن علم الله تعالى صفة أزلية قائمة بذاته، تتعلق بالواجبات والممكنات والمستحيلات تعلّق إحاطة وانكشاف ، ولأنّ علمه سبحانه ليس ناشئاً عن نظر واستدلال، فلا يوصف بالتجدد . وإذا سلّمنا بتعلّق العلم بالظرف من خلال العطف، فلا نسلّم باللازم الذي استظهره الخصم من هذا التعلّق ؛ لأنّ المراد بعلمه تعالى بضعفهم، علمه تعالى به من حيث هو متحقِّق بالفعل، لا علمه تعالى به مطلقاً، كيف لا وهو ثابت في الأزل ، فهذا التأويل من باب حمل العلم على متعلَّقه، فيكون تقييد علم الله بالآن باعتبار تعلّقه ، بمعنى أن العلم هنا يحمل على المعلوم، ولا ضير من تقييد تحقق المعلوم بالظرف، وإنما يمتنع تقييد العلم أو تعلّّق العلم بالظرف ؛ ضرورة منع اعتقاد تكمّل الله بعلم حادث متجدد .

مناقشة الإمام الزمخشري وصدّ غارة للمعتزلة :

قال صاحبي النحوي : كيف ترد على الإمام الزمخشري ( رحمه الله ) في قوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ). إذ علّــق الجار ( لمن ) بالفعلين ، فصار المعنى عنده: إنّ الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك، على أن المراد بالأول من لم يتب، وبالثاني من تاب ؟
قال عماد : نفى المفسر النحرير أبو السّعود تعلّق الجارّ في (لمن) بالفعلين: لا يغفر، ويغفر، وقال: "ومن علّق المشيئة بكلا الفعلين، وجعل الموصول الأول عبارة عمن لم يتب، والثاني عمن تاب، فقد ضل سواء الصواب"، وهو بنفي هذا التعلّق يردّ ما استظهره الإمام الزمخشري الذي ينطق بعقائد المعتزلة، فالإمام الزمخشري علق الجارّ (لمن) بالفعلين، فصار المعنى عنده: إنّ الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك، على أن المراد بالأول من لم يتب، وبالثاني من تاب ، فقطّع الآية وأنزلها على وفق معتقده، إذ تقول المعتزلة: إذا خرج العبد من الدنيا من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحق الخلود في النار، ولكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار . وهو بهذا التعليق وتقدير التوبة، يكون قد أحال المغفرة مع نفي التوبة .وأما أبو السّعود فيعتقد أن الشرك، مع عدم التوبة غير مغفور البتة، وما دونه من الكبائر والصغائر مغفور لمن يشاء الله تعالى أن يغفر له، وأنّ الآية إنما وردت فيمن لم يتب ؛ لذلك قال: "إنّ اختصاص مغفرة المعاصي من غير توبة بأهل الإيمان، من متممات الترغيب فيه، والزجر عن الكفر" ؛ ولذلك نفى هذا التعلق الذي ذكره الإمام الزمخشري، وجعل قوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) معطوفاً على خبر إنّ .
قال عماد : ردّ أبي السعود على الإمام بجعل قوله تعالى : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فيه نظر؛ لأنه بهذا العطف يصير منفياً، وهل التشاجر إلا في هذا ؟! والأقرب أن تكون هذه الجملة من باب الاستئناف، فيتم له مراده من نفي التعلق الذي ذكره الإمام الزمخشري .
قال عماد : رحم الله الإمام الزمخشري ، الذي لو كنا في زمانه ، ما كان ليجالسنا ، وهو على ما فيه من اعتزال ( غفر الله له) ، إمام في فننا هذا بلا ريب ولا توقف ، وجبل علم تتطامن دونه الآذيات ، ولكن قدر الله تعالى وما شاء فعل .

نقد لاذع :

قال صاحبي النحوي : ما قولهم : هذا نقد لاذع ؟
قال عماد : هذا مما لا تفرق العامة بين دلالاته ، فالعرب تقول : لسع ، لما له إبرة ، فيقولون : لسع النحل ، وتقول : لدغ ، لما يعضّ ، فيقولون : لدغ الأفاعي ، وتقول : لذع ، للنار وحرقها ، ومنه قولهم : نقد لاذع ، والخلط بينها ممكن على التوسع والتساهل .

ما تضمه العامة :

قال صاحبي النحوي : كيف أقول : قبول ؟
قال عماد : هذا مما جاء مفتوحا والعامة تضمه ، كما نصّ عليه العلماء ، ومنه : خَــصوصية ، وتَــخوم الأرض ، وشَــلّــت يده .
تردف

قال صاحبي النحوي : هي يصحّ قولهم : دابة لا تردف ؟
قال عماد : بل الصواب : دابة لا ترادف .

تيامن :

قال صاحبي النحوي : هل يصح قول إمام المسجد للمصلي : تيامن ؟
قال عماد : الأعلى أن يقول : يامن .

ضربته بالأرض :

قال صاحبي النحوي : أسمع العوام يقولون : ضربته بالأرض ، فهل يصح هذا التعبير ؟
قال عماد : إنما الصواب أن يقولوا : ضربت الأرض به ، كذا فتأمــل .
اللبــن :

قال صاحبي النحوي: هل يصح قول بعض طلبة الفقه : هذا أخوه بلبن أمه ؟
قال عماد : إنما يقال : هذا أخوه بلبان أمه ، واللبن ما يشرب من ناقة أو شاة ، أو غيرهما من البهائم .
مــدّ البصر :

قال صاحبي النحوي : هل يصح قولهم : هو مني مــد البصر ؟
قال عماد : بل الصواب : هو مني مدى البصر ، أي غايته .
شتان :

قال صاحبي النحوي : هل يصح قولهم : شتّان ما بينهما ؟
قال عماد : هذا يخطئ فيه الأكابر ، والصواب : شتان ما هما .
خطأ المتكلميــن :

قال صاحبي النحوي : هل يصــحّ قول المتكلميــن : المحسوسات ؟
قال عماد : هذا الاستعمال للمتكلمــن نــصّ بعض العلماء على أنه لحن ، ومنهم الموفق البغدادي في ذيل الفصيــح ، قال : والصواب المحسَّــات ؛ لأنه من أحسست الشيء ، أدركتــه ، وكذا عــدّ قولهم : ذاتي ، وصفات ذاتية من اللحن المخالف للأوضاع العربية ؛ لأن النسبة إلى ذات ذوويّ . وهذا الأخير فيه بحث .
جمع حاجـة :

قال صاحبي النحوي : هل يصح جمع حاجة على حوائج ، كما تقوله العامــة ؟
قال عماد : نصّ إمامنا وملاذنا المبرد ( نور الله مرقده ، وفي جنات الفردوس أرقـده ) على أن حاجة تجمع على حاجٌ ، وتقديره فعلة ، وأما جمعها على حوائج فليس من كلام العرب ، كذا في الكامــل .
قلت : وتجمع في القلة على حاجات ، وقد أنشدوا لأبي الحسين بن فارس اللغوي :

وقالوا كيف أنت فقلت خير = تقضّى حاجة وتفوت حاج

قال عماد : والآن ، فقد تعبت يا صاحبي ، فنكمل الإملاء في ليلة قادمة ، إن شاء الله تعالى .
وكتب أبو المنذر عماد بن أحمد الزبــن .
بعمان / الأردن حرسها الله

مصعب عبدالله الحامد
11-05-2007, 04:25
هذا والله حسن وجميل ورائع .
لا فض الله فاك وجعل الجنة مستقرك ومأواك ومثواك .
آمين .

مصعب عبدالله الحامد
11-05-2007, 04:34
هلا جعلتها يا سيدي ( ألف ليلة وليلة ) ؟

عماد أحمد الزبن
11-05-2007, 14:58
بارك الله فيك أخي مصعب ، وزادك علما وأدبا .

عماد أحمد الزبن
11-05-2007, 15:23
الليلة السادسة :

إياكم وخضراء الدمـن :

قال صاحبي النحوي : لماذا منع النحاة حذف الواو من مثل قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إياكم وخضراء الدمــن " ؟
قال عماد : هذا الحديث ضعفوه . أما عن سبب منع حذف الواو ؛ فلأنها لعطف فعل مقدر على فعل مقدر ؛ فحذفها إجحاف ، والتقدير : إياكم أخص بنصحي ، وأحذركم خضراء الدمـن ؛ فلا يجوز حذفها إلا في ضرورة شعر كقوله :

وإيـاك المحاين أن تحينا

أفلا أربعة أشهر وعشرا :

قال صاحبي النحوي : كيف نفهم قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " أفلا أربعة أشهر وعشرا " ؟
قال عماد : هذا الحديث روّيناه بالإجازة عن شيوخنا عن الإمام مسلم عن شيوخه . والتقدير : ألا تربصيـن وتمكثيـن أربعة أشهر وعشرا .


قال صاحبي النحوي : ولماذا قدر النحاة ههنا الفعل المضمر مستقبلا ؟
قال عمـاد : لانّ سياق الحديث يدل عليه ، ولأنّ حرف ( لا ) ينفى به المستقبل ، وقلما ينفى به الماضي ، إلا أن تقدر بمعنى (لم ) . كما أفاده الإمام السهيلي ( رحمه الله ) .

العامل في المنادى :

قال صاحبي النحوي : مذهب سيبويه ( رحمه الله ) أن العامل في المنادى فعل واجب الإضمار ، فتقدير يا زيـد : يا أدعو زيدا ، أو أنادي أو أنبه . السؤال : قولنا يا أدعو زيدا ، يحتمل التصديق والتكذيب ، ويا زيد لا يحتملها ، فكيف يصح تقديره؟
قال عمــاد : لا نسلم أن ( يا أدعو زيدا ) يحتملهما ؛ فإن الجمل الخبرية قد تعرى عن الإخبار وتكسى الإنشاء ، وذلك نحو : بعت ، وأنكحت ، وغيرها من ألفاظ إنشاء العقود والفسوخ ، فالجملة الندائية لا تفيد أن المتكلم حصل منه دعاء ماض ، بل هي تنشئ دعاء وتنبيها ، كما قال علماؤنا .

قال صاحبي النحوي : فكيف جمع سيبويه ( رحمه الله ) بين حرف النداء والفعل عند التقدير ؟ وهذا لا يجوز ؛ لأنــه جمع بين العوض والمعوّض .
قــال عمــاد : إنما فعل إمام العربية وأميرها سيبويه ( رضي الله عنه ) ذلك ؛ ليجعل ( يـا ) دليلا على كون المتكلم في حالة دعــاء ، كما أفاده الإمام عبد القاهر.
وقال بعض العلماء : لب هذا الكلام أن فائدة ( يا ) لتكون قرينة لصيرورة الجملة إنشائية، فتدل على أن المتكلم في حالة دعاء ، لا مخبر عنه ، وقوله : ( يا ) عوض ، قلنا : بمعنى أنه دال عليه ، كما أقيم الظرف والحال مقام الخبر ؛ لأنهما يدلان عليه ، ولو أظهر الخبر معهما لجاز ، والممنوع أن يعوّض حرف بحرف ثم يجمع بينهما كما ذكر في الإبدال .

قال صاحبي النحوي : فلم أوجبت الإضمــار ؟
قال عماد : إيجاب الإضمار أشدّ إفضاء إلى المطلوب ؛ فإن جواز الإظهار يفتح باب توهم الإخبار .

جمــلة الصلة :

قال صاحبي النحوي : اشترط السادة النحاة في جملة الصلة كونها خبرية . السؤال : ما وجه هذا الاشتراط ؟ وكيف يستقيم هذا الاشتراط مع ما أفاده السيد في شرح المفتاح ، من أن شرط الخبرية قصد نسبتها بالذات ، وجملة الصلة ليست كذلك ؟
قال عــماد : أما عن الأول ، فقد اشترطوا كونها خبرية ؛ لأنه يجب أن يكون مضمونها معلوم الانتساب عند المخاطب إلى الموصول قبل الخطاب ، والإنشائية ليست كذلك ؛ لأنها مضمونها لا يعلم إلا بعد إيراد صيغها .
أما عن الثاني : فتسميتها خبرية باعتبار الأصل قبل جعلها صلة ، وبجواز عدم موافقة النحاة على هذا الاشتراط .
مــاء :

قال صاحبي النحوي : ما أصل كلمة ماء ؟ وكيف تصرفــت ؟
قال عماد : أصلها ( مَوَهٌ ) تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبوها ألفا فصار ( ماهٌ ) وقلبوا الهاء همزة فصار ماء .

مواضع الفصل :

قال صاحبي النحوي : كم مواضع الفصل في اللغة العربية ؟
قال عمــاد : المعتمد أربعــة : المبتدأ والخبر نحو : زيد هو القائم ، وكان وأخواتها نحو : كان زيـد هو القائم ، وإنّ وأخواتها نحو : إنّ زيدا هو القائم ، وأفعال الظن وأخواتها نحو : ظننت زيدا هو القائم .

حكم إنّ بعد القسم :

قال صاحبي النحوي : ما حكم ( إنّ ) بعد القسم في لغتنا ؟
قال عمــاد : اختلف السادة النحاة في ذلك ، فمنهم من يفتح ، ومنهم من يكسر ، والكسر أكثر وأقيس ؛ لأنـه يرجع إلى معنى الابتداء ، فما بعد القسم جملة مبتدأة ، ألا ترى أنك تقول : والله لزيد عالم ، وكذا تقول : والله إنّ زيدا عالم .
البؤساء :

قال صاحبي النحوي : ما معنى قولهم : بؤساء ؟
قــال عمــاد : يخطئ النــاس فيجمعون بائس على بؤساء ، وهذا مخالف لقانون العربية ، فبائس يجمع على ( بؤس أو بائسون ) ، قال تأبط شرا :

قد ضقت من حبها ما يضيـّقني = حتى عُددت من البؤس المساكين
وكذا يجمع بائس على ( بائسون ) . أمــا البؤساء ؛ فجمع بئيس ، وهو الشجاع القوي ، وفي ديوان الهذليين قول أبي كبير الهذلي :

ومعي لبوس للبئيس كأنـه = روق بجبهة ذي نعاج مجفل
وفي القرآن الكريم : ( وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ) ، أي شديد ، وأنت خبير بعد ذلك بخطأ حافظ إبراهيم عندما وسم رواية ( فكتور هوجو ) بالبؤساء . والصواب أن يسميها ( البائسون ) .

غرة الشهر :

قال صاحبي النحوي : ما المقصود بغرة الشهر ؟
قال عماد : غرة الشهر تطلق على انقضاء ثلاثة أيام من أوله ، بخلاف المفتتح فإنه إلى انقضاء اليوم الأول ، والصحيح في الهلال أنه أول يوم ، فإن خفي فالثاني ، وسلخ الشهر اليوم الأخير منه ، والليلة الأخيرة تسمى دأداء ، وتجمع على دآدي ،
وفي بعض كتب الفقه ، غرة الشهر الليلة الأولى منه ، السلخ عبارة عن الأيام الثلاثة من آخر الشهر ، ولا مخالفة . كذا في الصحاح ، و القاموس ، و التاج ، وأدب الكاتب ، و الكوكب الدري ، والدرّ وغيرها .
قال عماد : والآن ، فقد تعبت يا صاحبي ، فنكمل الإملاء في ليلة قادمة ، إن شاء الله تعالى .
وكتب أبو المنذر عماد بن أحمد الزبــن .
بعمان / الأردن حرسها الله

عماد أحمد الزبن
12-05-2007, 11:26
الليلة السابعة :
الجهد :

قال صاحبي النحوي : ما الفرق بين الجَــهد ( بالفتح ) ، والجُــهد ( بالضم )؟
قال عمــاد : الجهد ( بفتح أو ضم ) بمعنى الوسع والطاقة ، وجهد ( بالفتح حسب ) المشقة والغاية ، ويقولون : جهد جهيد ، والصواب جهد جاهد ، فحافظ على هذا .

الثمن والقيمة :

قال صاحبي النحوي : هل ثمة فرق بين الثمن والقيمة ؟
قال عمــاد : نـصّ الإمام الحريري في الدرة على أن أهل اللغة فرقوا بين القيمة والثمن ، فقالوا : القيمة ما يوافق مقدار الشيء ويعادله ، والثمـن ما يقع به التراضي مما يكون وفقا له ، أو أزيد عليه ، أو أنقص منه ، وأمـا قول الشاعر :

ألقيت سهمي وسطهم حين أوخشوا = فما صار لي في القَــسم إلا ثَمينها
فإنه أراد به الثُـــمن ( بضم الثاء ) ، كما يقال في النصف نصيف ، وفي العشر عشير . انتهى من الدرة .
أقول : هذا البيت الذي ذكره الإمام الحريري ليزيد بــن الطثرية ، وجاء قبله :

أرى سبعة يسعون للوصـل ، كلهم = له عند ريّــا دَينة يستدينها
وألقيت سهمي وسطهم حين أوخشوا فما صار لي في القسم إلا ثمنيها
وشرح الإمام لهذا البيت غريب ؛ فمعنى : ( فما صار لي في القسم إلا ثمنيها ) أي لم أكن بين المتسابقين على حب ريا إلا ثامن ثمانية .
أثناء :

قال صاحبي النحوي : هل يصح عندك قولهم : قال أثناء خطابه ؟
قال عماد : بل الصواب : قال في أثناء خطابه ؛ لأن ( أثناء ) هنا ليست ظرفا ، ولا مضافة إلى ما يكسبها الظرفية ؛لستغني عن حرف الجر المفيد للظرفية . قال في ( التاج ) : كان ذلك في أثناء كذا ، أي في غضونه ، وقال في الصحاح ( النسخة المعتمدة ) : أنفذت كذا في ثني كتابي ، أي في طيه ، وهذا يدل على وجود إشكال في لسان ابن منظور في هذا الموضع ، وقال في المصباح : أثناء الشيء : تضاعيفه ، وجاؤوا في أثناء الأمر ، أي في خلاله .
قلت : ولا أدري كيف أجاز مجمع اللغة العربية في القاهرة مثل هذا الاستخدام المخالف لقانون العربية ، كما جاء في مجلة المجمع ، الجزء 25 ، الصفحة 206 كانون الثاني 1969 م ، والحق أنهم قد يتساهلون أحيانا مراعاة للشائع ، والأصل عندي ، عقد ألسنة الكتاب عما يخالف قانون العربية ؛ صيانة لجناب الفصيحة . فهذا الاستعمال ( أعني : أثناء ) لا يجري على قلمي ولا على لساني .

كونه قائما :

قال صاحبي النحوي : قولهم : ( كونه قائما ) ، بما ينتصب ( قائمــا ) ؟ فكان الناقصة لا مصدر لها ، والتامة لا عمل لها في الخبــر ، بل يرفع ما بعدها على الفاعليــة ؛ فهي بمعنى الحدوث .
قال عمــاد : أجاب الإمام ابن يعيش( ت 643هـ ) عن هذا السؤال في آماليه النحوية ، وهي أجوبة عن أسئلة وردت على الإمام من دمشق على يد الشيخ الفقيه العالم الحافظ أبي نصر الدمشقي ، وهو مجموع مخطوط نادر ، عندي منه نسخة وهو بعنوان ( مسائل وأجوبتها في النحو ) ، وسأنقل جوابه كما هو في المخطوط :
قال ابن يعيش ( رحمه الله ) : " اعلم أن كان الناقصة مخالفة لغيرها من الأفعال الحقيقية ، إذ كل فعل دالّ على الحدث الذي أخذ منه ، وعلى زمن وجود ذلك الحدث؛ ولذلك تؤكده بالمصدر فتقول : ضرب زيد عمروا ( كذا في المخطوط ) ضربا ، وقعد خالد قعودا ، وهذا الفعل ، أعني كان ، إذا كان دالا على الزمان مجردا من الحدث ، صار الخبر بعده مغنيا عما اختزل منه من الحدث ؛ ولذلك كانت ناقصة ولزم خبرها ، ولم يسمع حذفه ، مع أنّ فيه أمرين كل واحد منهما يسوّغ الحذف :
كونه مفعولا ، والمفعول يجوز حذفه وسقوطه من اللفظ ، والآخر كونه خبرا للمبتدأ في الأصل ، وخبر المبتدأ يجوز سقوطه أيضا ؛ إذا كان في اللفظ ما يدلّ عليه ، ومع ذلك لا يجوز سقوطه مع كان ؛ لأنه قد صار عوضا من الحدث ، ولأجل أن كان لا يفيد الحدث لا يجوز أن يؤكد بالمصدر ، فلا يقال : كان زيـد قائما كونا ، كما يقال: قام زيد قياما ؛ لأنّ التأكيد تمكين ما أفاده اللفظ الأول ، فإذا لم يفد اللفظ حدثا لا يصحّ تأكيده بحدث . فأما قولهم : كونه قائما ، ونحو ذلك ، فإنما هو كلام محمول على معناه دون لفظه، وذلك أنّ المصدر يقدر بــ ( أن ) والفعل ؛ فكان التقدير : وأن كان قائما ، فانتصاب المصدر ههنا باعتبار الفعل المقدر ، لا باعتبار المصدر الملفوظ به "
انتهى جواب الإمام من المخطوط .
قال عماد : قطعت جهيزة قول كلّ خطيب ، ولكنني أرى أن كان لا تعرى تماما عن الحدث ؛ وهذا يصحح المصدر وتعلق الحروف بها .

من أبوك ؟

قال صاحبي النحوي : في قولنا : من أبوك ؟ جعل سيبويه من مبتدأ لتضمنه الاستفهام ، وهو نكرة وخبره معرفة ، وذهبت طائفة إلى العكس ، فما الراجح ؟
قال عماد : الراجح عندي مذهب إمام النحاة سيبويه ( رضي الله عنه ) ؛ لأن الخبر وإن كان معرفة معلوما في الجملة دون المبتدأ في الظاهر ، إلا أن المبتدأ في المعنى جملة من الخصوصيات ، فهو بمنزلة : عمرو ، وزيد ، ومحمد ..... ،
وهذه معينة غاية التعيين ، إلا أنه عُبر عنها إجمالا بكلمة ( من ) ، فـ ( من ) تعبر بالمعنى عن متعيّنات متكثرة الأفراد ، ولا يشغّب التكثر في الأفراد المتعينة على تعين كل فرد منها ، وبه على تعيّن المعبر عن هذه الأفراد المتعينة ؛ فتحصل الفائدة المصححة ، فتأمل .

عود الضمير :

قال صاحبي النحوي : هل يجوز عود الضمير المفرد إلى الجمع ؟
قال عماد : هذا جائز وشائع ، ويكون بتأويل المذكور ، صرح به ابن الحاجب (رحمه الله ) في الإيضاح .

أراغب أنت ...

قال صاحبي النحوي : في قوله تعالى : ( أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ ) ، ذهب ابن مالك وغيره ،إلى أن ( أنت ) فاعل ؛ لئلا يلزم الفصل بين الصفة ومعمولها بأجنبي وهو المبتدأ ، واعترضه بعض المتأخرين ؛ بأن المبتدأ ليس أجنبيا من كل وجه ، سيما والمفصول ظرف ، والمقدم في نية التأخير ، فما جوابك عن ابن مالك رحم الله الجميع ؟
قال عمــاد : لاح لي جواب عن هذا الاعتراض وحاصله :
قوله : ليس المبتدأ أجنبيا من كل وجه ؛ سلمنا ، ولكن طلب الصفة لمعمولها ليس كطلب الفعل ، إذ إن الحدث المصحح لتعلق الظرف في الصفة ، محمول على الذات بأصل الوضع ؛ فيضعف الالتفات إلى معنى الحدث في الصفة عنه في الفعل ؛ فيتقرر معنى الحدث في الصفة حال تقرر النسبة بالفاعلية ، أكثر منه إذا عري عن هذه النسبة ؛ فيصير اعتبار ( أنت ) على الابتداء ، فصلا مخلا بالتعلق ، وهذا الاستظهار مقرر لكونه أجنبيا ، فتأمل . والله أعلم وأجـل ّ .

اشتقاق الفعل :

قال صاحبي النحوي : ما الدليل على اشتقاق الفعل من المصدر ؟
قال عمــاد : اشتقاق الفعل من المصدر مذهب البصريين ، وهو الحق عندي ، وأنا لن أعرض هنا الأدلة الواضحة المنشورة في كتب الخلاف ؛ فالرجوع إليها سهل ، ولكنني سأدعم رأي البصرية بأجود حجة قرأتها في المسألة ، وهي ما استظهره الإمام النحوي السهيلي ( رحمه الله ) قال : فائدة اشتقاق الفعل من المصدر ، أن المصدر اسم كسائر الأسماء ، يخبر عنه كما يخبر عنها ، فإذا ذكر المصدر وأخبر عنه ؛ كان الاسم الذي هو فاعل مجرورا بالإضافة ، والمضاف إليه تابع للمضاف ،
فإذا أرادوا أن يخبروا عن الاسم الفاعل للمصدر ، لم يكن الإخبار عنه ، وهو مخفوض تابع في اللفظ لغيره ، وحق المخبر عنه أن يكون مرفوعا مبدوءا به ؛ فلم يبق إلا أن يدخلوا عليه حرفا يدل على أنه مخبر عنه ، كما تدل الحروف على معان في الأسماء ، وهذا لو فعلوه لكان الحرف حاجزا بينه وبين الحدث في اللفظ ، والحدث يستحيل انفصاله ؛ لأنه تابع للمعنى ، فلم يبق إلا أن يشتق من لفظ الحدث لفظ يكون كالحرف في النيابة عنه دالا على معنى في غيره ، ويكون متصلا اتصال المضاف بالمضاف إليه ، وهو الفعل المشتق من لفظ الحدث ، فإنه يدل على الحدث بالتضمن ، ويدل على الاسم مخبرا عنه ، لا مضافا إليه ؛ إذ يستحيل إضافة لفظ الفعل إلى الاسم كاستحالة إضافة الحرف ؛ لأن المضاف هو الشيء بعينه ، والفعل ليس هو الشيء بعينه ، ولا يدل على معنى في نفسه ، وإنما يدل على معنى في الفاعل ، وهو كونه مخبرا عنه .

قال صاحبي النحوي : كيف لا يدل على معنى في نفسه وهو يدل على الحدث ؟
قال عمــاد : قال الإمام السهيلي ( رحمه الله ) : إنما يدل على الحدث بالتضمن ، والدال عليه بالمطابقة هو المصدر ، ومن ثم وجب ألا يضاف ولا يعرف بشيء من آلات التعريف ؛ إذ التعريف يتعلق بالشيء بعينه ، لا بلفظ يدل على معنى في غيره،
ومن ثم وجب ألا يثنى ولا يجمع كالحرف ، وأن يتأصل فيه البناء ، وأن يكون عاملا في الاسم كالحرف .
قال عماد : لله درّه ، كنت أقول في نفسي : ما قرأت هذا السبر الفريد في كتاب نحوي ، على كثرة ما طالعت كتب النحو واللغة ، ثم رأيت ابن القيم ( رحمه الله تعالى ) يقول في ( بدائع الفوائد ) عن هذا الفصل : وهذا الفصل من أعجب كلامه ، ولا أعرف أن أحدا من النحويين سبقه إليه ، وكذا في بعض مؤلفات الإمام السيوطي ( رحمه الله تعالى ) .

قال عماد : والآن ، فقد تعبت يا صاحبي ، وبالليلة السابعة ننهي معك هذه المجالس النحوية ، وإذا قدّر الله تعالى نكمل فيما بعد .
وكتب أبو المنذر عماد بن أحمد الزبــن .
بعمان / الأردن حرسها الله

قتيبة بن محمود الفارس
14-05-2007, 22:44
السلام عليكم :
لما رأيت هذه الفوائد الجليلة
ورأيت الشيخ (عماد ) أراد التوقف عند الليلة السابعة
رأيت أن أقدم هذه الليالي منسقة نسختين
1-ملف bdf
2-ملف doc
كي لا تكلف نفسك عناء نسخ كل ليلة على حدة.
إليك الملفات المرفقة. :eek: :eek: :eek:

عماد حسين أبورحمة
01-06-2007, 13:54
الشيخ العزيز والمتواضع عماد الزبن ، بارك الله فيك وبقيت منبع الفائدة لنا وللأمة الإسلامية
أرجو منك ان تستمر بنفعنا بدروسك القيمة ، وفقك الله .

عماد أحمد الزبن
10-06-2007, 11:49
بارك الله فيك يا أستاذ عماد ، ويسرني أن تشارك معنا في هذا المنتدى الكريم ، فأنت رجل نشيط ومحب للعلم ، وبمثلك تعمر بيوت الخير .
ولا زلت بالخير موصولا .

محمد سعد الدين زيدان
10-06-2007, 22:15
جزااك الله عنا كل خير يا سيدي أبا المنذر