المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً



جمال حسني الشرباتي
04-05-2007, 06:33
السلام عليكم

قال تعالى في سورة البقرة

(قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ : 94]
(وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ (95)


وقال في سورة الجمعة (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ : 6]
وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7)

لاحظوا لو سمحتم الإختلاف بين قوله في البقرة "وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً "


وقوله في الجمعة "وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً "
ففي البقرة نفى تمنّيهم الموت باستخدام أداة النفي "لن"--والتي تصلح لنفي ما يستقبل

وفي الجمعة نفى تمنّيهم الموت باستخدام أداة النفي "لا"--والتي تصلح لنفي الماضي أو الحالي.

هل نجد عندكم تعليلا لهذا؟؟
__________________

قال إبن الزبير الغرناطي في كتاه ملاك التأويل معللا ذلك

(
ووجه ذلك والله أعلم أن آية البقرة لما كان الوارد فيها جوابا لحكم أخروى يستقبل وليس فى الحال منه إلا ما زعم مجرد واعتقاد أن الأمر يكون كذلك ناسبه النفى بما وضعه من الحروف لنفى المستقبل لأن لن يفعل جواب سيفعل، ولما كان الوارد فى سورة الجمعة جوابا لزعمهم أنهم أولياء الله من دون الناس وذلك حكم دنياوى ووصف حالى لا استقبال فيه ناسبه النفى بلا التى لنفى ما يأتى من غير اختصاص الا بغير الماضى وقد تتعاقب مع ما التى لنفى الحال.)


ولتوضيح قوله نقول--وقال في سورة الجمعة (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ : 6]
فهم يزعمون أنّهم الآن أولياء الله----فردّ عليهم بما يناسب زعمهم الحالي فقال عزّ وجل

"وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ"--فالزعم الحالي يناسبه أداة نفي الحال وهي "لا"
أمّا في قوله تعالى "(قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ : 94

فهذا زعم مستقبلي عن كون الدّار الآخرة لهم--فناسبه استخدام أداة نفي ما يستقبل فقال تعالى

((وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ )
أرأيتم ؟

كلّ كلمة وكل حرف متناسب مع الكلمات والحروف الأخرى في سياق بديع يتجلّى فيه الإعجاز بأبهى صوره
__________________

سعيد فودة
04-05-2007, 09:55
الأخ العزيز،
كلمة لن فيها إشارة إلى نفي وقوع النسبة في المستقبل في أصلها، بخلاف كلمة لا التي تدل على نفي النسبة لا بقيد المستقبل. فكلمة لا تستلزم نفي النسبة في كل الأزمان، بخلاف كلمة لن التي تنفيها في المستقبل، ولا يشترط في لن دوام النفي كما هو معلوم في مذاهب العلماء خلافا للزمخشري في بعض كتبه انتصارا لمذهبه الاعتزالي في نفي الرؤية والكلام فيه معلوم.
فاشتركت كل من كلمة لا وكلمة لن في النفي في المستقبل ولكن الثانية بوضعها والأولى باللازم.
وزادت كلمة لا في أنها تنفي القابلية عن الشيء بخلاف لن في أنها تنفي الحصول لا أصل القابلية.
ومن هنا فإن النفي الوارد في البقرة ناسب أن يكون بكلمة لن، خلافا للنفي الوارد في الجمعة فناسب أن يكون بكلمة لا. وذلك لأن الكلام في البقرة كان على الدار الآخرة، فزعم اليهود أنها لهم وإن لم تكن الهم الدار الدنيا، فطولبوا بأنها إن كانت لهم فعلا ددون غيرهم، فلم لا يتمنون الموت ليردوها، وتمنيهم الموت لا بد أن يكون في المستقبل من هذا التحدي، فلذلك وقع نفي وقوع تمنيهم الموت في المستقبل من الزمان الذي يعقب زمان التحدي، ثم استمرار عدم حصول هذا بإضافة كلمة الأبد الدالة على التأبيد بالنص. فكان المعنى :"تمنيهم للموت لن يحصل منهم في الزمان التالي للتحدي ويمتد إلى الأبد".
أما في سورة الجمعة، فكان النفي بكلمة لا المناسب لدعواهم أنهم أولياء لله تعالى، والولي يحب أن يكون بقرب مولاه ، وهذا هو المناسب للفظ الولاية وأصل اشتقاقه، فتوجه القول إليهم أنهم إن كانوا أولياء فعلا فمن شأن الولي أن يتمنى القرب من مولاه وهذا خاصية له لا ينفك عنه، بغض النظر عن الزمان، فمهما كان وليا فمن شأنه وصفته أن يحب أن يكون قرب مولاه. فجاء النفي لذلك بكلمة (لا) التي تنفي عنهم أصل التمني المتضمن لنفي أصل الولاية المحبة لله تعالى. يعني لو كانوا محبين لله وأولياء له، لأحبوا القرب ولو أحبوا القرب لتمنوا أن يكونوا معه ولا يكون هذا إلا بالموت والانتقال من الحياة الأخرى، فجاء نفي إمكان تمنيهم الموت المتضمن عدم إمكان كونهم أولياء، فهم غير قابلين -في أنفسهم- لتمني الموت، وهذا يعني أنهم ليسوا بأولياء لله تعالى، وهذا يستلزم عدم حصول ذلك التمني في كل الأزمان في الماضي والحاضر والمستقبل، ولما علم عدم حصول تمنيهم ذلك في الماضي، ودلًّ أصل النفي على عدم حصوله منهم لذاتهم، فجاء تقييد النفي بالأبد للدلالة على استمرار ذلك الأمر منهم في المستقبل.
ثم قيِّد ذلك بالأبد إشارة إلى استمرار بقائهم على هذا الوصف إلى الأبد.
والله تعالى أعلم.
وأما ما قاله العلامة الغرناطي

ولما كان الوارد فى سورة الجمعة جوابا لزعمهم أنهم أولياء الله من دون الناس وذلك حكم دنياوى ووصف حالى لا استقبال فيه ناسبه النفى بلا التى لنفى ما يأتى من غير اختصاص الا بغير الماضى وقد تتعاقب مع ما التى لنفى الحال
فمع حسنه، إلا أنه لم يلاحظ دخول كلمة الأبد في الآيتين المستلزم لامتداد عدم التمني في المستقبل، فلا اختصاص لآية الجمعة بالحال الدنيوي. فكلامه كان متوجها لنفس كلمة لا، وربطها بما يأتي من الزمان، ونحن جعلناها مفيدة لما يستلزم ذلك، ولا يخفى ما في كلامنا من زيادات في المعنى نرجو أن نكون مصيبين فيه.
والله الموفق.

جمال حسني الشرباتي
04-05-2007, 10:06
الأستاذ المحترم سعيد

لقد أتحفتنا بما لا مزيد عليه---

ويلح عليّ سؤال على قولك (فجاء تقييد النفي بالأبد للدلالة على استمرار ذلك الأمر منهم في المستقبل. )
أليس في قوله عزّ وجل (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) من حيث التقييد ب الأبد دلالة على كون النفي ب" لا" نفي للحال وللماضي لا لما يستقبل؟؟

سعيد فودة
04-05-2007, 10:59
قولك أيها العزيز

أليس في قوله عزّ وجل (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) من حيث التقييد ب الأبد دلالة على كون النفي ب" لا" نفي للحال وللماضي لا لما يستقبل؟؟
لا، بل هو نفي للأمر بلا نظر إلى الزمان، فإن وقع ذلك فيتحقق النفي في الأزمان كلها ما لم يقيد. والله أعلم.
فإن قلت هذا لا يوجد، فالأصل النظر في الفعل المضارع مثلا، فإن كان دالا على المستقبل أو الحال، تسط النفي بـــ (لا) على ذلك، وإلا فإن كان دالا على أصل القابلية فإن النفي بــ(لا) يتسلط على ذلك أيضا. فهي تنفي الأمر في ذاته زمانا كان أو غير زمان، مقيدا بزمان أو غير مقيد به.
والنفي في الآية بــ(لا) متسلط (اي متعلق) على مدلول (يتمنونه أبدا) كاملة، وهذا المجموع هو الدال على الزمان المستقبل كما لا يخفى.
والله أعلم .